انفتح فم تيلب باتساع حتى إن أرييل استطاعت رؤية قطع الشوفان المتراكمة في شقوق أسراره. تنقلت حدقتا عينيه بينها وبين طاولة السنة الرابعة ثم عادتا إليها. لم يكن جلوس الطلاب على تلك الطاولة صامتاً فحسب، بل ساد الجو توتر غريب وواضح لم تستطع أرييل تفسيره. تتبعت نظرات تيلب نحو سيلينا التي كانت ما تزال تبتسم، لكن بابتسامة أشد تيبساً من ذي قبل. لماذا بدا تيلب قلقاً إلى هذا الحد؟
لماذا كان الجميع يركزون على سيلينا؟ أكانت بخير؟ أحدث مكروه ما؟ أدركت أرييل فجأة أنها لم تنحُن لها. أأزعج ذلك سيلينا؟ لكن سيلينا طلبت منها ألا تنحني مرتين من قبل، لذا لا يمكن أن يكون هذا هو السبب. أو ربما أرادت منها ألا تنحني في الخفاء فحسب بل تفعل ذلك علناً. كان هذا محبطاً للغاية. أو لعل الأمر تعلّق بشيء ألقته من الكلام؟ لعلها صاغت عبارة ما بشكل خاطئ مجدداً. أكان هناك مغزى خفيّ لم تفهمه؟
همّت أرييل بالسؤال، لكن تيلب نهض وقال لأري: "اتبعيني".
وما إن انطلق مسرعاً حتى سارعت أرييل بخطواتها لتلحق بخطواته الطويلة والسريعة. التقت نظراتها بنظرات ليرا وهي تمر بجانبها فحركت شفتيها صامتة: ما الذي يحدث؟ هزت أرييل كتفيها مجيبة. كانت تأمل أن يعني هذا أن تيلب يتقبلها متدربة لديه، أو أنه سيُخبرها على الأقل بما يجب عليها فعله لإقناعه.
لكن حين وصلا إلى القاعة الرئيسية الخالية، استدار نحوها وقال: "ما مشكلتك بحق الجحيم؟"
أرمشت.
"عذراً؟"
"ألا ترين قيمة لحياتك؟ لما تقولين ذلك لسيلينا من بين كل الناس؟"
أمالت رأسها.
"ما الذي قلته خطأ؟"
"قلتِ إنك لا تريدينها مرشدة لك."
"نجل. لا أريد ذلك."
"ليس مفترضاً بك أن تقولي لها هذا."
تحدث ببطء ومن بين أسنان مصطكة.
"أنت على قائمتها الآن غالباً."
"أي قائمة؟"
"القائمة التي لا ينبغي لك أن تكوني عليها."
"هذا منطق دائري. لست متأكدة من أنني أستوعب المشكلة."
أغمض عيني تماماً وضغط على جذر أنفه، تماماً كما كان يفسع إيلريك حين يصيبه الإحباط منها. عادة، كانت أرييل تمتلك تلميحاً ما حول مصدر إحباطه، لكنها لم تكن تملك أدنى فكرة هذه المرة عن كنه المشكلة حقاً. فتح تيلب فمه ليقول شيئاً آخر، لكن مجموعة من الطلاب بدأت بالنزول على الدرج وهم يتحدثون متقاطعين. نقر بأصابعه نحوها ووجهها نحو الزاوية حيث المكان أكثر عزلة. حتى هناك، انتظر حتى دخل الطلاب قاعة الطعام قبل أن يبدأ بالحديث مجدداً.
قال: "سيلينا جريجور ليست كالبشر العاديين. إنها ليست الشخص الذي تهينه وتفلت بفعلتك. إنها خطيرة".
"لكنني لم أهنها."
"يكفي أنك فعلت. لقد نبذتِ عرضها للإرشاد بفظاظة وقلتِ إنك ترغبين بي مرشداً لك بدلاً منها."
"عرض؟"
قطبت أرييل جبينها.
"لم تعرض ذلك."
"فعلت، بطريقة خفية. ورفضتِ أنتِ بطريقة واضحة جداً، وأقحمتِني في هذا الأمر بقولك إنك تريدينني مرشداً لك. آخر ما أحتاجه هو المزيد من غضبها."
"لماذا؟ ماذا فعلت لك؟"
"لا شيء، بعد. لكني ببساطة لا أريدها، ولا أي شخص آخر، أن يلاحظ وجودي."
"من الصعب جداً ألا يلاحظك أحد"، أخبرته بذلك.
قطب جبينه.
"ماذا تقصدين بذلك؟"
"أنت ذكي، وقوي، وطيّب. سيجذب ذلك الانتباه بطبيعة الحال."
جاء دوره ليرد برمشة مذهولة.
"طيّب؟"
"نعم."
"أنت أول شخص ينعتني بذلك."
"هذا غريب."
في المرة الماضية في حصة التلاعب الأساسي، أمضى وقتاً طويلاً بشكل مفرط وهو يعلم ولداً يدعى دالفين كيف يثبت تعويذته الصغرى برون. كانت نبرة تيلب حادة، وربما قاسية بعض الشيء، لكنه استمر في شرح المشكلة مراراً وتكراراً، بدلاً من تجاهل دالفين كما فعل الجميع. أمضى معظم الحصة يفعل ذلك، وحين انفجرت تعويذة دالفين الصغرى مجدداً، ساعده على إعادة بناءها. كما أنه عدل جرعة يينيفير عندما لم تكن تنظر وأزاح أصيص زهور ليرا كي يحظى بمزيد من ضوء الشمس.
كان يفعل ذلك دائماً بسرعة قبل أن يلاحظ أحد، لكن أرييل كانت تراقبه، لذا فقد لاحظت ذلك.
"أعتقد أنك طيب جداً على الأرجح."
حدق بها تيلب لفترة من الوقت ثم تراجع خطوة إلى الوراء وسعل في قبضته، مطهراً حلقه أثناء ذلك.
"إن كنت تقولين ذلك لمجرد أنك تعتقدين أنني سأرشدك، فعليّ تحذيرك من أن هذا لن ينجح."
"أقوله لأنه الحقيقة. لا أكذب غالباً لأني سيئة في ذلك."
"على أي حال، لا يمكنني إرشادك. لا وقت لدي."
"أيمكنك إخباري على الأقل أين أجد المزيد من المعلومات حول كنيسة التائهين؟"
"مرة أخرى، ليست لدي أي فكرة عما تتحدثين عنه."
"لقد كان في دفتر ملاحظاتك."
"في ماذا؟"
كان ذلك خطأً فادحاً. أدركت أرييل ذلك في اللحظة التي غادرت فيها الكلمات فمها، لكن الأوان كان قد فات لاسترجاعها، وعانى دماغها ليجد تبريراً جيداً. كل ذرة من حسن النية كسبتها تهاوت بينما كان يحدق فيها بغضب.
"لقد فتشت في دفتر ملاحظاتي."
"امم، لا، لم أعل–"
"أنت تكذبين."
كشرت.
"أخبرتك أنني سيئة في الأمر."
"كيف بحق–تعرفين ماذا؟ لا تهتمي."
هز رأسه وابتعد. انتابت أرييل شعور غامر بأنها دمرت كل شيء للتو. عادت إلى الطاولة والإحباط يثقل كتفيها.
سألت ليرا عندما جلست مجدداً: "كيف سارت الأمور؟"
هزت رأسها.
"قال إنني قلت الأمر الخطأ. وأنه ما كان ينبغي لي أن أخبر سيلينا أنني لا أريدها أن تكون مرشدتي، وأنني أردته هو بدلاً منها."
"قلت ذلك لسيلينا؟"
اتسعت عيناها لويس كالفنجانين، واتسعتا أكثر عندما روت أرييل الموقف برمته مجدداً.
قال لاندون: "حسناً، هذا يفسر لماذا تنظر إلى هنا بهذه الطريقة".
"بأي طريقة؟"
كانت سيلينا تتحدث إلى أصدقائها حين نظرت أرييل للأعلى، لكنها التفتت بعد حين وابتسمت. ابتسمت أرييل بالمثل، سعيدة لأنها لم تعد منزعجة. إلى أن التفتت إلى ليرا التي كانت شاحبة.
قالت: "أوه لا. أعتقد أن أمرك قد انتهى".
* * *
كانت ليرا هي من شرحت لأرييل أخيراً أنه على الرغم من لطافة سيلينا حقاً، إلا أنها كانت أيضاً الأقوى بين طلاب السنة الرابعة ولم يكن العبث معها أمراً يستهان به. ربما شعرت بالإساءة جراء حقيقة أن أرييل رفضت بفظاظة ما بدا عرضاً خفياً. قال تيلب نفس الكلام عملياً بالطبع، لكن شرح ليرا هو ما جعل أرييل تفهم زلتها بشكل ما… بطريقة أو بأخرى.
سألت أرييل: "إذن هل أعتذر؟"
قالت ليرا: "نعم. في أسرع وقت ممكن. أخبريها بأنك اخترت تيلب فقط لأنك رغبت في التعرف على الرونات، ولأنه الأفضل في ذلك. وأيضاً بسبب ميله نحو الفاكو".
"لكن هذا ليس السبب الوحيد لاختياري لتيلب."
"نعم، لكنه الاعتذار الذي سيهدئ من روعها بشكل أفضل."
لفت ليرا رقبتها وهما تمشيان إلى حصتهما التالية.
"ما هو السبب الآخر لاختيارك لتيلب على أي حال؟"
"لأنه قد يكون محاولاً إنقاذ حياتي على ما أظن"، قالت ذلك.
افترضت أن هذا هو سبب إخباره لها بالتوقف عن البحث عن المدمر. كان يحاول منع استهداف أرييل. لكن المسألة إذن، هي لمَ لم يكن يخبره بالحقيقة كاملة؟ لمَ لم يرغب في إخباري عن كنيسة التائهين؟ أكانت المعرفة لتكون أشد ضرراً عليها، أم أقل؟ لم تكن أرييل لتستسلم حتى تحصل على إجابتها. لم تتيح ليرا الفرصة لسؤال المزيد عن ذلك لأنهما وصلتا إلى صفهما. في وقت لاحق من بعد ظهر ذلك اليوم، وبينما كانت في دراسة خطوط الطاقة، استخدمت أرييل أوريون للبحث في المزيد من المبنى.
كان هدفها مكتب الأستاذ، لكنها استمرت في التسلل حتى بعد انتهائها من ذلك، ظناً منها أنها ستعثر على تلميح آخر ربما. قسمت المكان إلى أرباع مرة أخرى، متجاوزة قسماً تلو الآخر. الربع الأول. خالٍ. الربع الثاني. خالٍ.
الربع الثالث– "أرييل؟"
ارتد رأس أرييل للأعلى لتجد الأستاذ فلينتويك يحدق بها مباشرة.
"أكنت منتبهة؟ تبدين مشدودة الذهن بذلك الدفتر خاصتك."
شعرت أرييل بأنها وقعت في الشباك.
"كنت منتبهة يا أستاذ."
"لا، لم تكوني كذلك."
اعترفت أرييل تقريباً فوراً: "لا، لم أكن كذلك"، مدركة أن كذبتها لن تصمد.
قهقه عدة أشخاص بينما التفتت أرييل حولها، غير متأكدة لم تم تخصيصها وحدها بالذكر. لم يكن معظم الصف منتبهاً. كان ريورك في الخلف نائماً بوضوح، على الرغم من لصقه مقلتين مرسومتين بشكل سيء على جفنيه. مع ذلك، ضيق فلينتويك عينيه وهو يمشي نحو أرييل.
"دعيني أرى ما كنت ركزت عليه إلى هذا الحد."
جعلها الذعر تطوي أصابع قدميها. فكرت قائلة: *[سراب المرآة]*، وهي ترتب التعويذة بسرعة لتمنع انعكاس الصفحة الفارغة على الصفحة التي دونت فيها المعلومات. أكملتها في اللحظة التي التقط فيها الدفتر وأداره ليواجه نفسه. قطب جبينه.
"إنها فارغة."
"نعم يا سيدي."
"كنت تحدقين في صفحة فارغة؟"
جلس موس بجانبها، ورغم أنه كان يغفو هو الآخر، إلا أنه كان مستيقظاً تماماً الآن.
"كانت تستغرق في التفكير لأنها كانت مفتونة بالدرس يا سيدي."
قال الأستاذ فلينتويك ممتهماً: "هممم"، مانحاً إياها نظرة ريبة قبل أن يبتعد.
حسناً، لقد تعلمت الدرس. لا مزيد من استخدام أوريون خلال الحصص. ومع ذلك، وما إن انتهت الحصة، حتى توجهت نحو هدفها ذي الأولوية التالية، والذي كان مكتب العميد. كانت ستفعل ذلك واقفة في الرواق القريب من مكتبه، أو في القاعة الرئيسية على الأقل، لكي تهدر طاقة أقل وجوهرًا أقل لقربه الشديد. وإن أمسك بها، ستتظاهر بأنها كانت هناك لرؤيته. رغم ذلك، وما إن وصلت إلى القاعة الرئيسية، حتى قررت التوقف عند قاعة النزال لفترة وجيزة، إذ ينبغي لطلاب السنة الرابعة الانتهاء من حصتهم الآن.
حين دخلت البهو، رأت تيلب وسيلينا يتبارزان مجدداً، بينما يراقب باقي الصف. ومرة أخرى، شنت سيلينا سلسلة قوية من الهجمات بسوط البرق الخاص بها، لتصيب كل ضربة بصوت فرقعة عال دفع تيلب إلى التراجع للخور، وجعله يغرز عقبيه في الأرض استعداداً للهجمة التالية. كافح تيلب بسيف الفراغ والدرع خاصته، أو حاول فعل ذلك على الأقل. لم تترك سرعة وقوة هجمات سيلينا مجالاً يذكر لشن هجمات مضادة.
كانت أرييل ذكية بما يكفي هذه المرة لتبقى خارج دوائر النزال بينما كانت تراقبهما. لم تكن تدري أكان هذا من خيالها أم أن سيلينا كانت تهاجم تيلب بقسوة أكبر من ذي قبل. بل إنها تحركت بسرعة أكبر، ولم تكن قدماها تكادان تلامسان الأرض، وكان جسدها يتنقل بين الوقفات بسلاسة، وسوطها يلتف حوله بطاقة جعلت تيلب لا يجرؤ حتى على حلم بالهرب وأمضى معظم المعركة في الصد بكل ما أوتي من قوة.
حتى في تلك الحالة، تمكنت عبر دفاعه أخيراً وأرسلت سوطها إلى الأمام.
فرقع بينما لامس جانب وجهه، مما دفع غراهام إلى الصياح قائلاً: "حسنًا، سُفكت الدماء الأولى. انتهى النزال".
توقفت سيلينا وبددت سوطها البرقي قائلة: "نحن في السنة الرابعة. ظننت أنه كان مفترضاً بنا محاكاة معركة حقيقية لا التوقف عند سفك الدماء الأولى كطلاب السنة الثالثة".
"نعم، لكن شيئاً ما يخبرني أن مزاجك عكر اليوم."
"لماذا؟ أنا بخير تماماً."
"لا، ليست كذلك."
التقط أحد فتيان السنة الرابعة أرييل ناظراً إليها وابتسم باتساع.
"تيلب، معجبتك الصغيرة هنا."
التفت تيلب بنظراته وقطب جبينه. وكذلك فعلت سيلينا. أما غراهام، فقد غمز بعينه.
"عليك الانتظار قليلاً يا أرييل. أحتاج إلى مساعدة تيلب في أمر ما. إن تمكن من عدم الإغماء."
تنفس تيلب بصعوبة بينما استقام واقفاً.
"أنا بخير."
"جيد. إذن يمكنك مساعدتي. أرييل، أيمكنك الانتظار؟"
قالت وهي تقف مكانها: "نعم"، حتى عندما رماها تيلب بنظرة مظلمة.
لكنهما ما إن غادرا الغرفة، حتى فكرت أرييل بأن هذا قد يكون وقتاً مناسباً لتقديم الاعتذار لسيلينا. اقتربت بحذر بينما كانت سيلينا تمسح يديها، وتدردش مع أصدقائها. هدأت المحادثة لدى اقترابها، فانحنت. كانت ليرا قد أخبرتها بفعل ذلك قبل اعتذارها.
"أيمكنني مناقشتك للحظة، المعلمة سيلينا؟"
قالت سيلينا: "بالتأكيد"، ثم نظرت إلى أصدقائها.
"امضوا أنتم. سألحق بكم لاحقاً."
"بالتأكيد."
تدفقوا من حولها نحو الأبواب، رامين نظراتهم من فوق أكتافهم.
سألت سيلينا: "ماذا تحتاجين؟"
قالت أرييل: "أردت الاعتذار لك عما قلته في وقت سابق اليوم. لم أكن أود الإيحاء بأنك أدنى شأناً من تيلب. كل ما في الأمر أنني احتجت تيلب أكثر لمهاراته في صناعة الرونات وبسبب ميله المسيطر نحو الفاكو".
قالت: "أرى ذلك. أي ميل تميلين إليه أنت؟"
"أحاول بلوغ فاكو-كالور."
"آه، لاحظت أنك تستخدمين الكثير من تعويذات الفاكو بالفعل. أنا أميل إلى كالور-فاكو نفسي."
أومأت أرييل برأسها، لكنها لم تكن متأكدة مما يفترض به فعلة بتلك المعلومة. نهضت سيلينا من مكانها وعادت إلى دائرة النزال.
"ليس هناك ما تستوجب الاعتذار عنه. لكن إن كنت آسفة حقاً، فأود طلباً صغيراً."
"ما هو؟"
"كنت أحاول ممارسة هجمات التخفي الخاصة بي أكثر. يشكل تيلب شريك تدريب جيداً بفضل حدة تحسسه، لكنه لم يكن حاداً كما أود مؤخراً. ربما يمكنك مساعدتي أيضاً."
ترددت أرييل.
"بأي طريقة؟"
"بطريقة أنني سأتقدم نحوك وستحاولين الإمساك بي قبل أن أقطع رأسك."
كانت الكلمات تحمل تهديداً مبطناً، لكن ربما أساءت فهمها.
"أتريدين نزالاً؟"
ضحكت سيلينا: "لا. لن يُسمح بنزال بيننا، لأن الفارق في إحصائياتنا ضخم لدرجة أنه سيكون سخيراً وخطيراً خوض أمر كهذا، حتى لو كان نزالاً ودياً."
"حقاً."
"هذا ليس نزالاً. لن أهاجمك، ولن تهاجميني. سأندفع نحوك، وستشيرين ببساطة إلى الاتجاه الذي تعتقدين أنني قادمة منه. أفهِمت؟"
"نعم، أعتقد أنني فهمت."
"جيد. ادخلي الدائرة."
أطاعت أرييل، ماشية إلى الجانب الآخر من دائرة النزال.
قالت سيلينا: "أريد اختبار نفسي فحسب. وربما يمكنك اختبار نفسك أيضاً. إنه للمرح فقط."
"حسناً"، قالت ذلك، رغم أن جزءاً منها تذكر تحذير تيلب.
*إنها ليست الشخص الذي تهينه وتفلت بفعلتك. إنها خطيرة.* لكن سيلينا لم تبدُ خطيرة الآن. بدت ودودة، وتألقت عيناها حماسة لتمرينهما الصغير. ربما كان تيلب مصاباً بجنون الارتياب.
"حسناً. ثلاثة، اثنان، واحد."
اختفت سيلينا. لم تكن أرييل متأكدة كيف فعلت ذلك لأنها لم تلق تعويذة. تحرك جسدها ببساطة في ضبابية، وكان التحول سريعاً لدرجة تطلبت من أرييل رمشتين لتلاحظه. لم تستطع أرييل رؤية مكان تواجد سيلينا بعينها المجردة. ولم تستطع معرفة الجهة التي تقبل منها أيضاً. إلى أن ركزت على أثر الكالور المتغير. بفضل حركة جزيئات الجوهر، توقعت اقترابها. عرفت أري متى وصلت سيلينا أمامها، ببساطة بسبب تقارب جزيئات الكالور في تلك المنطقة.
وهكذا تماماً قبل ظهورها، أشارت أرييل، وكان ذلك نحو أنف سيلينا مباشرة.
"هناك".
أشرقت عيناها سيلينا مفاجأة، لكنها تداركت أمرها، وابتسمت مجدداً.
"يا واه، أنت جيدة."
"شكراً لك."
"لنحاول مجدداً."
قفزتان قويتان نقلتا سيلينا إلى الطرف الآخر من الدائرة مجدداً، وتحولت إلى ضبابية مرة أخرى. كانت أسرع هذه المرة، ولم تكد أرييل تلتقط أنفاسها حتى أشارت لتهب سيلينا بالظهور. خفق قلبها بسرعة، وابتسمت باتساع حين أصابت الهدف. ابتسمت سيلينا أيضاً. كان هذا ممتعاً. شعرت أن سيلينا كانت تكبح جماح نفسها حتى الآن، لكن هذه كانت المرة الأولى في الحرم الجامعي التي تشعر فيها أنها تقف أمام هدف جدير بها.
كانت كل نزالاتها الأخرى في حصة القتال قد أصبحت مملة بشكل ملحوظ. وحينها التقت نظرات سيلينا. تصاعدت الحرارة في عيني سيلينا. كشفت ابتسامتها العريضة عن أسنان حادة الآن.
*لعلها تقضي وقتاً ممتعاً، مثلي تماماً.* قالت: "حسناً. ما رأيك أن نرفع المستوى قليلاً؟ للمرح فقط."
أومأت أرييل برأسها.
"حسناً. للمرح."