انتشر الاحتراق صعوداً وهبوطاً في الوقت ذاته. امتلأ صدرها كلّه بالحرارة وجعلت النار لسانها متيبّساً بحيث عجزت عن نطق كلمة أخرى أو فعل أيّ شيء سوى إطلاق أصوات اختناق.
"أرييل!"
بالكاد سمعت، وسط طنين أذنيها، إلكريك يصيح باسمها ويُلقي ما ظنّت أنها تعاويذ شفاء وفكّ لعنات عديدة. لم يجدِ أيّ منها نفعاً. أريون، فكّرت أرييل وهي ترتب الكريات بنظراتها وحدها. ما إن انتهت حتى وجّهت التعويذة نحو نفسها، لكنها احتاجت إلى رؤية انعكاسها لتعلم إن كانت قد نجحت.
[سراب المرآة]، تذكّرت بغموض التعويذة من كتاب تعويذاتها ورتبتها بأسرع ما تستطيع بينما امتدّت النار إلى مقلتَيها وأشعلتهما هما أيضاً.
عبر عينَيها الدامعتين طالبت انعكاس النمط المُخلّق حول عنقها. نجح الأمر! باتت ترى الكريات الآن بعد تفعيلها بالكامل، لكن لم يتسنّ لها الوقت حتى للحفل. أمسكت إحداها وحاولت جذبها. للحظة مرعبة واحدة لم تتحرّك. كانت الجواهر مثبتة بإحكام أكبر بكثير مقارنة بتعويذات الأرض. تميزت التعويذات الجنية بقوة أكبر وبصعوبة بالغة في الفصل، وكلما اشتدّ جذبها تصاعد الألم في عقلها بجنون ممّا صعّب عليها التفكير وكأنّ دماغها كان يذوب.
عجزت عن الرؤية باستقامة وتكدّس التفكير في رأسها وشعرت بأنها وشيكة الإغماء. مع ذلك تشبّثت بالكرة تجذب وتجذب وتجذب بكل تركيزها الداخلي وقوتها. هيا... هيا... فرقعة! انكسرت التعويذة وضربتها الارتدادة في صدرها مسلوبة الأنفاس. لحسن الحظ لم ترتدّ على إلكريك. بدلاً من ذلك كانت داخلية بحتة وشعرت أرييل وكأنّ غولاً لكم الأنفاس من جوفها وبأنها تموت ببطء وألم. انهارت إلى الأمام تلتقط أنفاسها وما زال الطنين في أذنيها ومعدتها تنقبض وقلبها يفرط في الخفقان.
ابتلعها الألم على دفعات. أخيراً خفّ بما يكفي لتسمع إلكريك مجدداً. كان يلقي المزيد من تعويذات الشفاء عليها وهذه المرة نجحت في تخفيف العذاب. استقرّ رأسها في حجره ووضعت يده على جبينها وهو يتحدث سريعاً في ثرثرة قلقة. لقد فعلتُها، فكّرت أري بابتسامة غامرة على شفتيها. لقد كسرت القسم. شعرت بقليل من الذنب لنكثها وعدها للجن لكنها في الوقت ذاته لم تحب القيود التي فرضها القسم عليها لا سيّما حقيقة عدم قدرتها على شرح أفعالها لإلكريك ممّا جعله يغتاظ منها.
كان القسم صارماً للغاية وم مانعاً لها عن الحديث حول الجواهر أو سبب احتياجها لفتح حساب سري. هذا لن ينجح أبداً. آخر ما رغبت به هو غضب إلكريك منها إزاء موقف لم يكن بذنبها أصلاً. غالباً. ورغم رغبتها في إبقائه في أمان بعيداً عن المعرفة فقد يعرضه إبقاؤه في الظلام للخطر أيضاً. كان بالفعل على درب اكتشاف سرّها على أيّ حال وعندها قد يفتقر إلى السياق المناسب لحمايته وحمايتها.
فهما يتعاملان بعد كل شيء مع شيء أكبر الآن. يتعاملان مع كائن بدائيّ. عرف إلكريك عن مجتمع الصاعدين أكثر منها. بمقدوره إعانتهما على تفادي المطبات ومعرفة المزيد عما حلّ بها. حين فتحت عينَيها أخيراً تتنفس بصреة طبيعية مرّة أخرى خطر ببالها أنّه ما إن كسرت القسم فمن المفترض أن تطفو عناصره بما فيها الكريات غير المتوافقة مع الأرض في مكان ما حولها. لم تستطع رؤيتها الآن. أين كانت؟
ماذا حلّ بهما؟ بالنسبة لتلك التي اهتمت بها لم تملك النوى الملائمة لاستدعائها نحوها. تبّاً. كان عليها احتجازها بطريقة ما ربما في تعويذة لكنها لم تدرِ حتى شحنتها فضلاً عن فعلها في تعويذة معينة. الآن اختفت. ربما ستجدها لاحقاً. صارت على الأرض الآن ولن تذهب بعيداً على الأرجح إذ بدا أن معظم العناصر المستخدمة تبقى في المنطقة العامة التي استُخدمت فيها أو لا تطفو أبعد من القرى أو البلدات القريبة.
لم تكن متأكدة من الطريقة لكنها ستحاول تحديد مكانها في مرحلة ما.
"أرييل."
بدا إلكريك قلقاً.
"أبخير أنت؟"
أومأت بضعف متأوهة وهي تجلس. لا زال الحريق هنا لكن حدّته تراجعت وسيزول مع الوقت غالباً.
"ما أمر هذا؟"
سألع مرراً يده على شعرها ومحدقاً بها عن كثب.
"لقد أفزعتني حتى الموت. ظننتُك تحتضرين."
"لم أكن كذلك."
قالت.
"لم يكن الألم مميتاً بل كان سيعجزني أو يغيبني عن الوعي كي لا أخرج ما كنت أقوله."
"أنا لا أفهم. أكانت لعنة؟"
ترددت متسائلة عما إذا كانت ترتكب خطأ.
لكنها اعترفت أخيراً: "لا. كانت تعويذة قسم."
"تعويذة قسم؟ ولمَ تقبلين قسماً؟ ومَن عاقدتِ؟"
"مع جني."
رمش إلكريك بوجهه وأمال رأسه كأنه ينتظر إخبارها له بأنها مزحة.
"ألم ترَ الرسالة التي أرسلتها لك في لفافة المراسلة؟"
"لا. ماذا قالت؟"
"المُبيد أو أحد تلاميذه. أظنهم يطاردونني."
"تعنين الكائن البدائي."
"نعم."
رفع حاجبه لكنه هزّ رأسه.
"حسناً لندع جانباً سبب ظنّك هذا لثانية.. ما علاقة ذلك بالقسم؟"
"قبل أسابيع قليلة زرنا معبد تلامذة المبيد وذهبتُ لألمس تمثال الانجراف السحيق. حين لمست التمثال انتقلت آنياً إلى إلفهايم."
"كيف؟"
هتف.
"لا أعرف. عندما وصلت إلى إلفهايم التقيت بأمير جنيّ وقال إن تعويذته ربما أوقعتني هناك أو لم تفعل."
"انتظري. لمست تمثالاً وأخذتك تعويذة أمير إلى إلفهايم."
"نعم. وضعتُ يدي على التمثال وشعرت بحضور شبحي يحيط بي. ثم ضغط بيده على يدي حتى انتقلت آنياً."
"إلى إلفهايم؟"
"أجل، حيث التقيت بالأمير."
ارتفع معدل رمش إلكريك مؤكداً الصمت المصدوم.
"ما كان لي أن أخبرك بهذا."
قالت أرييل.
"إذ سيقع الأمير في ورطة إن وصل خبر زيارتي إلى والده لذا عليك أن تعدني بعدم إخبار أحد."
"آه صدقيني لن يسمع أيّ بشريّ بهذا منّي. سيظنون غالباً أنني جُننتُ إن أخبرتهم أو إن صدقوني حقاً.."
مجرد التفكير في الأمر جعله يكشر.
"لن أخبر أحداً. لكِ كلمتي."
أومأت. هذا جيد. بدريعة غريزية عرفت أن إلكريك سيحفظ السر. كان هذا أحد الأسباب التي دفعتها لإِخباره وبهذه الطريقة لن يقع الأمير الجنيّ في مشكلة ويمكن لإلكريك مساعدتها في تبين ما يجري وكيف وصلت إلى إلفهايم في المقام الأول.
"لا أظن أن تعويذة الأمير وحدها هي ما أوصلني إلى إلفهايم."
قالت.
"أعتقد أن تلميذ المبيد كان له يد في الأمر وجعل الزمن يختل. شعرتُ وكأنني قضيت ساعة هناك على الأقل لكنها كانت عشر دقائق فقط على الأرض. ما لم يكن هناك تفاوت شاسع في المدة بين عالم الجان وهنا فهذا مستحيل ببساطة."
عَبَسَ إلكريك لكنه لم يكذبها. ظهرت خطوط على جبينه وهو يقطب حاجبيْه مع أخدود عميق يستقر بينهما.
"إحدى قدرات المبيد هي تمدد الزمن."
قال.
"نعم. وليس هذا فحسب. بعد انتهاء يوم العائلة حين عدت إلى غرفتي كانت هناك رسالة محفورة على الجدار بجانب بابي تقول: (ابحث عني). ثم نظرت بعيداً لثانية ونظرت مجدداً ليقوم أحدهم برسم زوج من العيون بجانب الرسالة."
"قد يكون ذلك خدعة."
"لم تكن هناك سحر مرفق بها. وكانت الرسالة ذاتها التي وجدتها في يوميات تيليب."
"تيليب؟"
"أكبر سناً."
شرحت أرييل باختصار من يكون تيليب وكيف نسخت كل المعلومات التي بحوزتها من يومياته بما في ذلك عبارة رغبة المبيد في أن يُعثر عليه. كما ذكرت كنيسة الضال وهايمينيك.
"هايمينيك."
ردد إلكريك بعدها.
"الاسم مألوف."
"حقا؟"
"نعم لكنني لست متأكداً كيف. سيتعين عليّ التحقيق في الأمر. أرسلي لي الملاحظات التي وجدتها في يوميات تيليب."
"أردت سؤاله شخصياً أيضاً. أعتقد ربما أنه مرّ بهذا من قبل. إنه مسيطر بالفَاكو وأؤمن أن اللعنة أو أياً ما كانت تستهدف المسيطرين بالفَاكو."
"أنتِ لست مسيطرة بالفَاكو."
"لا لكنني أحاول نيل ميل للفَاكو."
تعمّق عبوسه.
"لمَ؟"
"لأن فاكو-كالور يعينك بأفضل شكل على ميلك."
"أرييل—"
"طبعاً ما زلت سأحافظ على توازن نَوَيَّاي لكني أريد تعويذات يمكنها—"
"أرييل استمعي إليّ. لا أريد منك اختيار ميل لمجرد تكامله مع ميلي ولا أظن ميلاً كالور-فاكو جيداً لك."
"لم لا؟"
"لأنه... متفجر للغاية."
"أستطيع السيطرة على الانفجارات أفضل من معظم الناس."
"تلك ليست النقطة. لا أعتقد فحسب أنه يجب عليك فعله ما لم تخططي لخوض القتال ولا أريدك فعل ذلك من أجلي. يعرض القتال قوتك الحقيقية بسهولة ويكشف سرعة إلقائك الفائقة غير الطبيعية. من الصعب عليك الكبح إن كانت حياتك على المحك لذا يصعب عليك الاختباء. ظننت أنك ترغبين في الخوض بمجال مثل البحث لأنك تحبين القراءة."
فكرت أرييل في الأمر. لقد أحبت القراءة حقاً. وأحبت البحث والتجريب بالتعويذات أيضاً. لكنها لم تستطع إنكار أن إنقاذ كل هؤلاء الناس في خور جلب إشباعاً لم يطابقه البحث تماماً. لكانوا لقوا حتفهم بدون تدخلها سواء أولئك في البنك أو في السوق. عانى المعلم في الموقع لاحتواء الغول ولم تكن التعزيزات تصل بالسرعة الكافية. لو لم تكن هناك لربما خسر المعلم أمام الغول ولَماتت الفتاة قطعاً.
لكن الأمر تطلب من أري بضع دقائق فقط للتخلص من الخطر. بقي شخصان على قيد الحياة بفضل بضع دقائق من وقتها على الأقل. كان مثيراً للاهتمام التفكير في الأمر هكذا وإدراك قدرتها على إخضاع الغول دون قتلهم بطريقة لا يستطيعها أحد غيرها. كان هناك الكثير لتفعله وقوتها تفتقر لسقف معروف ومع ذلك لم تدخل إلا لرغبتها في فتح حساب بنكي. جعلها هذا تشعر بقليل من الذنب بعد فوات الأوان.
ما جدوى القوة إن لم تستطع استخدامها لحماية الناس إن استخدمتها لمآربها الأنانية فقط؟ ألم يكن الغرض من السحر المساعدة في حماية من لا يستطيعون حماية أنفسهم؟ أخبرت أرييل إلكريك بكل هذا وفي البداية كافح لابتكار ردّ. تنهّد أخيراً.
"لكِ وجهة نظر هنا. الأمر وما فيه... لا أريد منك اتخاذ القرار بسببِي."
"ليس بسببك وحدك."
قالت.
"أحب المبارزة أيضاً. أحب أن أكون نافعة. أحببت إنقاذ الناس. أظن هذا ما يفترض بي فعله."
نقر إلكريك بإصبعه على ركبته.
"في المستقبل ربما. أما الآن فالمفترض بك طالبة عادية. لا ينبغي أن تجلبي لنفسك انتباهًا سلبيًا."
"لهذا السبب كنت متنكرة."
"كان تنكراً رهيباً. كل ما غيرتِه هو لون شعرك وعينيك. ولم تخفي حتى شاشتك."
"لقد صعدت مستوى منذ ذلك الحين."
"لا يهم. أنت محظوظة فحسب لكوني مَن أُسندت إليه هذه القضية وإلا لربما عثر عليك أحدهم بسهولة. حاولي عدم الذهاب إلى خور لبعض الوقت."
"لا أستطيع فعل ذلك. سأحتاج لبيع الأحجار واستخدام بنكي لإرسال المال لعائلتي بمجرد أن يفتح أخي حساباً."
"أيّ أحجار؟"
"أعطاني الجنّ أحجاراً مقابل مساعدتي وأيضاً لحفظ سرهم. بعتها لبعض تجار السوق السوداء وسجلت في نقابة المغامرين لأصبح مرتزقة ثم أودعت المال في بنك تحت حساب تجاري فتحته في اليوم ذاته."
بدا إلكريك وكأنه لم يدرِ أأغتاظ أم استمتع.
"يبدو أنك أمضيت بعد ظهيرة مشغولة للغاية."
"نعم. كانت مشغولة للغاية."
نفخ من أنفه بلا ابتسامة.
"سأعتني بإرسال العملات لعائلتك. اتركي البنكَ وشأنه حتى ينتهي التحقيق."
زمّت شفتيها. أرادت استخدام بعض ذلك المال لشراء الكتب. ثم ثانيةً لا زالت تملك سبائك ذهبها.
"أيمكنك تحويل سبائك الذهب إلى عملات معدنية من أجلي؟"
"نعم. أتملكين سبائك ذهب؟"
أومأت وكان على وشك إخراجها من مخزونها لكن إلكريك أوقفها. نظر حوله أولاً ثم انحنى للأمام بحيث خفي ما ظهر في يديها عن الأنظار. اتسعت عيناه كالصحون حين رأى كمية الذهب التي ظهرت بها.
"كل هذا؟"
"هناك المزيد."
قالت.
"هذا ما يمكنني إمساكه للتو فحسب."
توهجت عيناه وأومق آخذاً إياها منها بكلمة مفادها أنه سيصلها لعائلتها. كما سلمت باقي أحجارها التي أخبره أنه سيحفظها في مكان آمن لها. لم تكن متأكدة من إعطائها له لأنه إن أُمسك بها فقد يقع في ورطة. لكنه أكّد لها أنه لن يُقبض عليه.
"سأعتني بالأمر."
قال.
"قد لا تكون الفكرة سديدة لبيعها الآن. وأما عن الأمر الآخر، مطاردة المبيد لكِ، فأرسلي لي كل المعلومات التي بحوزتك عبر لفافة المراسلة. قد أستطيع إيجاد شيء من جهتي."
أشرقت. هذا ما أملت حدوثه.
"حسناً."
"والآن حاولي عدم استخدام الفَاكو أو الردّ على أيّ نداءات ظلامية. وتحدثي إلى تيليب إن استطعتِ. وإن لم تفعلِي فسأحاول التحدث معه رغم أنه قد يكون أقل ميلاً للحديث معي مقارنة بك."
"نعم. سأحاول."
"ولا تخرجي بذلك القناع الغراب مجدداً على الأقل حتى تخفت الشائعات. نأمل أن يظن الناس أنك مخلوق سحر ما أو ربما جني زائر اختفى بمجرد انتهاء مهمته."
"يظنون أنني الانجراف."
قالت أرييل.
"في المدرسة تحدثوا عن الأمر."
"هذا جيد. مع الوقت قد تصبحين أسطورة حضرية. وفي هذه الأثناء سأذهب للحديث مع بعض الطلاب الآخرين الذين تواجدوا في خور لئلا يظن الناس أنني استجوبتك فحسب. وحين ننتهي سأحاول اتخاذ التحقيق حول هويتك اتجاهاً مختلفاً وأعكر المياه حتى يُغلق."
فرك ذقنه.
"ربما أرى إن كانت ترغب في نيل الفضل في ذلك."
"مَن؟"
"لا تقلقي بشأن ذلك."
قال.
"دعيني أعتني بكل شيء."
"حسناً إلكريك."
شعرت ببعض الذنب.
"آسفة إن سببت لك المتاعب مجدداً."
منحها ابتسامة ضعيفة.
"لا بأس. أعتقد أنني أعتاد على الأمر وكان حريّاً بي معرفة ما وقعت عليه حين وافقت على أن أكون ابن عمك."
"نعم."
قالت فضحك. كان في مزاج أخف بكثير وإن بقي متأملاً حين عادا إلى الحرم الجامعي. عودةً إلى غرفتها واصلت البحث عن معلومات ربعاً بربع لكنها أبقت عينها على عناصرها عارفة أنها ستصل لحدّها في نهاية المطاف. ثم خطر لها خاطر كان حريّاً بها إدراكه مبكراً أكثر... هذه مضيعة للوقت. بالطبع لن تكون هناك معلومات هنا. فهذه مساكن السنة الأولى ومن المستبعد أن يعرف طلاب السنة الأولى شيئاً عن أيّ شيء.
كان الأجدر بها استهداف مساكن السنة الرابعة ومكاتب الأساتذة أو ربما مسكن العميد. ستفعل ذلك غداً أو الليلة إن أتمت واجباتها ووقتها يسمح. أرسل لها إلكريك رسالة لاحقاً تلك اللمسة بعد أن بعثت له بالمعلومات التي طلبها. إلكريك: تذكرت من كان هايمينيك الآن. أري: مَن؟ إلكريك: كان طالباً اختفى في مسكنه. مسيطراً بالفَاكو. لم يكتشف أحد قط ما حلّ به وتحول إلى أسطورة حضرية يروونها للطلاب.
أري: لا أحد يعرف كيف اختفى؟ إلكريك: لا. ذات يوم اختفى ببساطة. حاولوا الادعاء بأنه هرب من المنزل لكن ليس من السهل البقاء مختفياً لكل هذه المدة. ربما حدث له شيء باطني. مجدداً ابعدي عن الفَاكو الآن بينما نقيم ما يجري. إن استهدفك كائن بدائي بسبب الفَاكو فلا نريد أن تنصاعي للأمر. رضخت أرييل رغم رغبة جزء منها في رؤية ما سيفعل الكائن البدائي حين يمسك بها أخيراً. لكن إلكريك أصاب على الأرجح في توخيه الحذر.
على الأقل احتاج الاثنان لفهم ما يتعاملان معه. استطاعت الابتعاد عن تعويذات الفَاكو لفترة وجيزة. أرادت حقاً إعادة موازنة نَوَيّاتها بـ(فيتاي) رغم جهلها بما ستفعله (فيتاي) في حصة القتال. لكن تجربة تعويذات جديدة وربما عرض تركيبات قتالية مثيرة على ليرا بدت ممتعة أيضاً. على ذكر ليرا... حين عادت أرييل إلى الغرفة كانت ليرا هناك بالفعل لكنها استغرقت في النوم. لم ترغب أرييل في إيقاظها فتركتها ترتاح آملة شعورها بتحسّن في صباح الغد.
وحين خلدت للفراش ترددت كلمات إلكريك الأخيرة في ذهنها. إن كان الكائن البدائي يستهدفك بسبب الفَاكو فلا نريد أن تنصاعي للأمر. السؤال هو.. ماذا لو فات الأوان بالفعل؟
* * *
في صباح الغد اقتربت أرييل من تيليب عند الإفطار. انتظرت على طاولتها المعتادة لوصوله ثم نهضت بينما كان أحد التوأمين يتحدث عن زنابق التنين ومشت نحوه.
"مرحباً."
قالت.
"أيمكنني التحدث إليك؟"
ألقى نظرة بملعقة عصيدة منتصف الطريق نحو فمه.
"أنا أكل."
استطاعت رؤية ذلك.
"نعم."
رفع حاجبه.
"أيمكن لهذه الانتظار؟"
أومأت.
"نعم. سأنتظر."
لم تتحرك من مكانها مشابكة يديها أمامها. لم يعد تيليب للأكل. بل حدق بها ببساطة. وأدركت أيضاً طاولة طلاب السنة الرابعة على مقربة موقفة محادثاتهم لمراقبتهم. تنهد تيليب.
"ما أمر هذا؟"
"أرجو أن تكون مرشدي."
أمضت أرييل غالبية الصباح في التفكير في كيفية جعل تيليب يصارحها بالحقيقة لكي لا تهدر الكثير من العناصر للبحث عنها بنفسها. وما زالت ستستمر في البحث لكن ربما يمكنها بمعونته ضبط الكلمات التي تبحث عنها بدقة. قد لا يعينها إن عرف ما تفعله لكن ربما سيفعل. لم تكن متأكدة بعد لذا خمنت قدرتها على كسب وده بأن تصبح مرؤوسته ليميل نحو إعانتها أكثر. فضلاً عن رغبتها في تعلم الرموز والنقل الآني رغم عدم استخدامها للفَاكو حالياً.
حتى الآن نصحتها ليرا بأخذ الأمور بروية وببطء مع تيليب لكن الروية والبطء لم يأتيا بنتيجة. بدا تيليب شخصاً مباشراً تماماً مثلما كانت. لذا كانت مباشرة معه. هزّ تيليب رأسه.
"لا أتطلع لإرشاد أحد."
"ما الذي يمكنني فعله لتغيير رأيك؟"
"لا يمكنك."
"تعلمين إن أردت مرشداً فتيليب هو الشخص الخطأ."
قالت فتاة من طاولة كبار الطلاب.
"نعم إنه ليس معلماً جيداً البتة."
وافقت فتاة أخرى.
"ما رايك بتجربة حظك مع سيلينا؟"
"لا سيقودها هذا لاستهداف الأغلى. سترفض على الأرجح."
"لا يمكنك الجزم. قد لا أرفض."
قالت سيلينا بنبرة مغناة.
"لا أريد سيلينا."
أعلنت أرييل.
"أريد تيليب."
تجمد تيليب بملعقة منتصف الطريق لفمه مجدداً. منحها نظرة واسعة العينين ثم التفت إلى سيلينا بفزع. كان الآخرون يختلسون النظر إلى سيلينا أيضاً. حين نظرت أرييل تجمدت ابتسامة سيلينا على وجهها. كانت عيناها تتوهجان. أمست منزعجة؟ شعر أمر ما خطأ حيالها. والآن باتت أرييل أكثر يقيناً باختيارها.
"لم تقصد ذلك."
قال تيليب لسيلينا.
"بل قصدت."
قالت أرييل.
"والآن ما الذي يمكنني فعله لتغيير رأيك بشأن إرشادي؟"