لم تكن سيلينا تصغي سوى بنصف أذن إلى توبيخ الكاهن إرنستو، بينما أبقت عينها على النزاع الدائر على بعد خطوات. كانت الأمور تسير أفضل ممّا توقعت. ظنّت في البداية أن تحدي سيان أندر سيُكفي لجذب انتباه اللورد ويسلي. وقد فعل. على وقع كلمات مثل الاحتيال وسوء استغلال تعويذات الحيوية، انتبه اللورد فوراً، متجاهلاً ما كان يقوله بقية المتملقين حوله. حتى في هذه اللحظة، كان يحدق بإلريك وابن عمه.
غير أن شجاراً بين ربّاط الأرض سيكون أفضل ممّا خططت له أصلاً. أدركت سيلينا بيقين تام أن آن ستمرغ أنف المحتال بالتراب. كانت آن إحدى أفضل الطالبات في دفعتها، وتمتلك سمة سلالة لا بأس بها، سمة يكاد يكون الهروب منها مستحيلاً. بالطبع، ربما لن تضطر حتى لاستخدامها، نظراً لأن موسبورن لم يستعملوا التعويذات منذ أسابيع. لا تزال قوية حين تُقارن بأقرانها، لكن ليس بالقدر الذي يكفي لهزيمة طالبة متقدمة، وهذا ما سيوثقنه اليوم.
وفوق ذلك كله، سيثير هذا العرض الأسئلة ويطرح قضية التعويذات غير القانونية مجدداً. لعل الوضع لم يبلغ مسامع اللورد ويسلي بعد. فهو رجل يصعب الوصول إليه، ولا يعير الإشاعات اهتماماً كبيراً. لكنه سيفعل اليوم. وبينما كانا يتجولان، اقتربت سيلينا ببطء كفاية لتلتقط أطراف حديثهم بينما كان الكاهن إرنستو يثرثر حول السياسة المملة. كانت آن تحدق في أرييل التي بدت غير آبهة كالمعتاد، رغم أن التوتر في جسدها وشى بمدى استيائها.
كانت المواجهة واقعة لا محالة، ولم تبذل سيلينا جهداً يذكر لحدوثها. بالطبع، زرعت عديداً من البذور قبل اليوم، تعليقات مستهدفة ضربت غرور آن ودفعت طبيعتها التنافسية إلى السطح. كما ذكرت سيلينا إلريك قدر ما استطاعت. دار حديث بين شيوخ العشيرة أن البطريرك نفسه يريد لإلريك أن يقود العائلة. كان ذلك سيئاً بما يكفي ليستدعي كراهية آن، ثم ها هو ذا يذهب ليجد ابن عمه هذا الذي يدعي الآن أنه عبقري.
تستطيع آن استخدام هذا القتال لتثأر من إلريك وأرييل في آن واحد. كانت سيلينا تتطلع إلى ذلك بشغف. إلا أن إلريك كان ينهي الأمر مسبقاً، مادّاً يده بحركة مسالمة، بينما حاولت الفتاتان خوض حرب دفاعاً عن الشرف الملطخ لآبائهن. تلك كانت نقطة ضعف أخرى لدى آن: شعورها بالنقص لأن والدتها لم تبلغ قط رتبة أستاذ، رغم كونها نبيلة الأصل.
"سيلينا".
دفعتها نبرة الكاهن إرنستو الصارمة إلى سحب نظرتها نحوه. فرمقها بنظرة مستنكرة.
"لا تظني أنني لا أعرف أنك لا تصغين إلي".
"أنت محق، لم أكن أفعلم".
ابتسمت سيلينا وألقت ذراعها حول كتفي الرجل الصغير المتيبستين.
"اهدأ يا إرنستو. لست في المعبد بعد الآن، لذا لست مضطراً لأن تكون متصلباً هكذا. لماذا أتيت إلى كل هذا الطريق لتحدثني عن أمور لا تهم؟"
"مملكة أشفيك مهمة. بيرونيس مهمة. الكالوريت يفكرون بشن حرب، وهم يزدادون تنظيماً و-"
"بلابلا بلا"، قالت.
"دعهم يجمعون جيوشهم. حين أعود إلى بيتي، سأدمرهم جميعاً على أي حال".
"لا تُحل كل مشكلة بالقوة الغاشمة".
رفعت حاجبها.
"لم أقبل مشكلة لا تُحل بها بعد".
من طرف عينها، رأت إلريك وإيميليا يتجادلان، وأري تقف هناك بنظرة موزونة لا تفشي شيئاً. كانت دائماً متزنة إلى هذا الحد، حتى وهي تكيل الإهتمامات. دائماً بهذا القناع الهادئ الذي أرادت سيلينا تمزيقه. أتوق لرؤية إن كانت آن ستنجح في زعزعتها اليوم.
"لنلتقِ ببعض الأصدقاء"، قالت سيلينا.
"لا. لم ننتّهِ من الحدي-"
لم يكن الأمر يهم لأن سيلينا كانت تجره سلفاً إلى حيث تدور المتعة. استخدمت [الخطوة السريعة] على كليهما ليتمكنا من المشي بشكل أسرع، وأيضاً لأنه يصعب على الكاهن الحفاظ على هدوئه أثناء المشي السريع، ووجدت في ذلك أمراً مضحكاً للغاية، لا سيما حين حدق بها بغضب. طبعت له قبلة خفيفة بينما توقفا أمام المجموعة التي كانت منهمكة في جدالها لدرجة أنها لم تلحظها في البداية.
إلى أن تنحنحت وقالت: "آسفة للمقاطعة، لكن فضولي يغلبني أحياناً. أكل شيء على ما يرام هنا؟"
"آه، سيلينا".
رغماً عن غضبها الواضح وارتجافها الناجم على الأرجح عن هيبة إلريك، نجحت إيميليا في منح سيلينا انحناءة سريعة.
"كل ما في الأمر أن هذه الصغير قد أهانتني وترفض الاعتذار. لذا ستعلمها ابنتي الآن كيف تتصرف بحضرة أسيادها".
"لن أعتذر لك ما لم تعتذري لوالدي"، قالت أرييل.
"لست مضطرة لـ-"
صرح الموسبورن الأضخم.
"لا يا أبي"، قاطعها الذكور الأصغر.
"تستطيع أري التعامل معها. دعيها تفعل".
"إنها متصاعدة".
"وكذلك أري".
سمّر إلريك نظرة قاسية على إيميليا.
"إيميليا، هذا تصرف صبياني لا يليق بك. اعتذري ببساطة وغادري. حالاً".
كادت إيميليا تترنح بفعل هالتها المستهدفة وهي تحدق به بكل الكراهية التي تضمرها في قلبها.
"لن أنحني لك أبداً. حتى لو مت، فلن أنحني. أنت وأمك العاهرة أكبر خطيئة ارتكبتها هذه العائلة".
تصويب مثالي. نصر ساحق، فكرت سيلينا. كانت نظرة إلريك باردة، وشفتاه مطبقتين بينما يحدق بها بمزيج من خيبة الأمل والازدراء. ثم نظر إلى أرييل، التي التفتت بدورها لتنظر إليه.
"أتريدين ذلك؟"
سأل. أومأت أرييل.
"حسناً".
نظر إلى آن.
"ابن عمي يعرض عليك نزالاً. بما أنكما من رتبتين مختلفتين، فلا يمكن أن يكون سوى نزال ودّي، مما يعني عدم استخدام قوة مفرطة".
"حسناً"، قالت آن.
"لا تبالغي"، قال إلريك.
"لن أعل".
"لم أكن أتحدث معك".
حول نظره مجدداً إلى أرييل التي أومأت. قطبت سيلينا حاجبها. لماذا يوجه إلريك كلامه لابنة عمه بدل شقيقته؟ ألم يدرك مدى قوة آن؟ أكان غبياً؟ أم أنه كان يغذي أرييل بالتعويذات بطريقة ما؟ أم أن سيلينا نفسها قد أساءت تقدير هذا الموقف برمته؟
* * *
"لنذهب"، قال إلريك وهو يبدأ المشي نحو القاعة الرئيسية التي تضم حلبات النزال.
كانت هناك بضعة عائلات متواجدة هناك بالفعل، لكنه صفق بيديه عند وصوله وقال: "أخلوا الحلبات. لقد صدر طلب بنزال ودّي".
"أه..."
سرت همهمات الاهتمام عبر الحشد المكون من نحو عشرين شخصاً بينما تراجعوا ليحيطوا بحلبات النزال. وتدفق المزيد من الأفراد عبر الباب الأمامي، بما في ذلك اللورد ويسلي وحاشيته التي نمت لتضم ثمانية أشخاص. وقف الابنان الشابان لكلتا الفتاتين بجانبهم أيضاً، وفي حين ارتسمت ابتسامة على وجه أحدهما، بدا العبوس على وجه الآخر وهما يراقبان المشهد.
"أين معلم النزال؟"
سأل إلريك.
"هنا تماماً".
دخل رجل مألوف من قاعة الطعام، وما زال يمضغ طعامه. عرف إلريك أنه أستاذ القتال، رغم أنه لم يكن أستاذ القتال الخاص به. فقد عُين قبل عقود قليلة فقط، بعد رحيل أستاذ قتال إلريك.
"أرييل"، ابتسم الرجل لها بحنو.
"تماماً الشخص الذي يبهج يومي. من تتحدين اليوم؟"
"هي".
أشار أرييل إلى آن. ضيق أستاذ النزال عينيه نحوها وفتح فمه مراراً، مغلقاً إياه في كل مرة بنظرة حيرة على وجهه. أدارت آن عينيها.
"آن".
"نعم، بالطبع".
فرقع أصابعه.
"كان هذا تخميني أيضاً. همم، طالبة في السنة الثالثة ضد طالبة في السنة الأولى. تعرفين القواعد، أليس كذلك؟"
"نعم. سأؤدبها لا أكثر"، قالت آن، فابتسم.
"نعم، هذا ما قاله الرجل الأخير. أحذرك بأن الأمر لم يصب في مصلحته".
"أنا لست بيرسي*** ستروس، وقد تغيرت الظروف".
غمز الأستاذ بابتسامة ماكرة.
"بالتأكيد تغيرت".
بدأ القلق يتسرب إلى إلريك، ليس خوفاً من أن تُصاب أرييل بأذى، بل خشية أن تكشف أرييل عن نفسها أمام كل هؤلاء الناس. من الواضح أن أستاذ القتال كان يعرف بالفعل القوة التي تتمتع بها، وبدا واثقاً تماماً من فوز أري. وهو ما يمثل مشكلة. فلا ينبغي لها أن تفوز بوضوح شديد، لكن إلريك لم يكن متأكداً مما إذا كان بمكان أرييل تدبير خداع بهذا المستوى. ما كان له أن يسمح للأمور بالوصول إلى هذا الحد، لكنه لم يستطيع غض الطرف عن قلة أدب إيميليا السافرة بحق أرييل وعائلتها.
لقد سئم حقاً من النبلاء المتصاعدين وغرور طبقتهم الرفيعة، واعتقادهم بأنهم أسمى من بقية البشر لمجرد ولادتهم بنوى صقلت بما يكفي للسيطرة على الجواهر. مع ذلك، كانت خطيئة إيميليا وحدها. وما آن إلا فتاة تحاول الدفاع عن والدتها، بل إنها مجرد طفلة. حسناً، في الثامنة عشرة من عمرها، وهي مجرد طفلة في نظره. كان عليه وضع حد لهذا. على الرغم من مواهب آن، إلا أنه كان قلقاً عليها أيضاً، قلقاً مما ستفعله أرييل بها.
لم يرى أري غاضبة هكذا من قبل، رغم أنها بالكاد أظهرت ذلك. في الواقع، ظل تعبيرها ثابتاً باستثناء وميض الغضب في عينيها.
"أري".
كان على وشك تحذيرها لتكون حذرة مجددا، لكنها عندما واجهته، بدت وكأنها تلقت الرسالة سلفاً.
"لا تقلق"، قالت.
"أعرف ما يشغلك. سأكون حذرة".
أفزعه، وأراح قليلاً، أنها استطاعت قراءة ذلك من ملامحه. كانت تعلم ما هو على المحك. وبينما تقف أرييل وآن داخل الحلبات، سمع المزيد من العائلات يتدفقون عبر الأبواب الأمامية.
واستطاع سماع ندف من حديثهم: "إنها ورثة ربّاط الأرض ضد العبقرية الشابة..."
"... أنباء عبقريتها كانت مبالغاً فيها للغاية..."
"أظننا سنكتشف ذلك اليوم..."
"هذه حرب بالوكالة. ليست آن ضد الفتاة. بل إلريك ضد إيميليا".
* * *
حدقت أرييل في ابنة عمها المزعومة التي قالت لها: "هذه فرصتك الأخيرة. اعترفي بخطئك، وقد أسامحك".
"أنا لست مخطئة، ولا أسترعي غفرانك".
كانت أري لا تزال غاضبة مما قيل بحق والدها، وتتحرق شوقاً للقتال.
"حسناً"، قالت آن.
رن الجرس للمرة الثانية، فمدت يدها وقالت: "[مطرقة العدالة]".
ارتجفت الأرض. هبت ريح عاتية مزقت الأرضية ورفعت الصخور والكتل الصخرية الصغيرة. وراحت تتراكم كتلة بعد كتلة، وتلتحم حتى شكلت مطرقة عملاقة بمقبض نحيل، صغير بما يكفي ليناسب قبضتها. لم تكن الفيزياء منطقية. على الرغم من ثقل المطرقة المفترض، رفعتها آن بكل سهولة، مرجحة أنها تتلاعب بكتلتها. أمر ممتع. ابتسمت آن.
"لا تقلقي، لن أضربك. لكن مجرد الضرب بقربك سيحدث اهتزازاً يكفي لإصابتك بالدوار. أتريدين الاعتذار الآن؟"
هزت أرييل رأسها. سحبت آن قدمها واندفعت. كانت سريعة، واجتازت مسافتها في ثوانٍ معدودات.
"[رمش]"
أخرجت أري من طريقها، لكنها ظلت ضمن نطاق الضرب.
وعندما كانت المطرقة على وشك الارتطام بالأرض، أشارت أرييل بعصاها وقالت: "[الذوبان المتقاطع]".
شطرت الصخور إلى أربعة أجزاء، وبغتت آن لثانية قبل أن تقول: "[إعادة تجميع الأرض]".
عاد السلاح للالتئام فوراً.
لوحت نحو أري مجدداً، وحين حاولت أري الإفلات، صرخت آن: "[القبضة الترابية]".
تحركت الأرض، وارتفعت أذرع من التربة لتلتقط كاحليها.
"[شريحة هواء الفراغ]".
هكذا سمت التعويذة الجديدة التي ابتكرتها، والتي وضعت جزيئات الفراغ في الخارج من [شريحة الهواء]. فقطعت الأرض بكل سهولة.
"[التحليق]"، قالت، فانطلقت في الهواء، حامية تمتمات الدهشة من المتفرجين.
كان التحليق تعويذة من المستوى الخامس، ونادراً ما يستخدمها المبتدئون بمثل هذه الكفاءة. ورغم أن أرييل حرصت على ألا تستخدمه بذات الإتقان الذي فعلته في إيلفهايم، إلا أنهم صُدموا لرؤيتها تمنحه طاقة كافية لتعليق نفسها بضع أقدام فوق الأرض. وعلاوة على ذلك، كان مخصصاً في الغالب للأشياء لا البشر. حامت أري في الهواء، محدقة بآن التي بدت منزعجة وسط أصوات الدهشة المترددة بين الحشد المراقب.
لا يزال الغيظ يغلي في صدرها وهي تتذكر ما قالت والدة آن عن أبيها. لكن لم يحن دورها بعد. لم تستطع السماح لنفسها بالفوز بمثل هذه السهولة. كان عليها المماطلة وترك آن تطلق تعويذاتها.
"أهذه خطتك؟"
سالت آن.
"الاستمرار في الهرب؟"
"لا. أردت فقط تكوين فكرة جيدة عما يمكنك فعله"، قالت.
"أعتقد أنني بدأت أفهم".
لم يعجب آن ذلك.
ضيقت عينيها، ووجهت عصاها نحو أري، وقالت: "[هبوط الكثافة]".
"[إلغاء الفكان]".
أطلقت تعويذة أرييل لتزيل تعويذة آن قبل أن تبلغها. فضلاً عن ذلك، حدت من آثار إلغاء الفضاء، مقصرة إياه على الفضاء أمامها فقط لكي يظل [التحليق] فعالاً. أثارت هذه البراعة موجة أخرى من الرهبة في الحشد.
تضاعفت حدة نظرة آن، ثم قالت مرة أخرى: "[القبضة الترابية]!"
برزت أطراف مغطاة بالحجارة من الأرض، صاعدة أعلى للإمساك بقدميها.
فقالت أرييل: "[رمش]"
منطلقة خاطفة في الهواء لتتفاداها، محتفظة بـ [التحليق].
مع ذلك، هاجمت آن من زاوية أخرى، مستخدمة "[تقليل الكتلة]"
لترفع نفسها في الهواء، بمحاذاة أري، وتلوح بمطرقَتِها نحوها.
"[درع الهواء]".
حين اصطدمت المطرقة بالدرع، أحدث الصدى طنيناً في طبلة أذنيها، وهو ما كان مراد آن على الأرجح. ابتسمت الفتاة الأخرى، رغم أن طبلة أذنيها رنّت هي الأخرى على الأرجح. وحين هبطت آن برشاقة على الأرض، استخدمت تعويذتها للقفز مجدداً، فاستعدت أرييل.
"[وهج الحرارة]"، قالت آن، فانفجر وهج من الحرارة باتجاه أري.
"[إلغاء الفضاء]".
"[قبضة الهواء]".
"[إلغاء الفضاء]".
"أيتها الحقيرة".
ظهر الإحباط على وجه آن. أكانت أري تصعب الأمر عليها أكثر من اللازم؟ ربما كان عليها السماح لها بتسديد ضربة واحدة، موازنةً لكل ما ستفعله أرييل بها لاحقاً؟ تركت نفسها تهبط على الأرض تماماً حين جربت آن مطرقتَها الترابية مجدداً.
لم ترد أري لطبلة أذنيها أن ترن، لذا استخدمت "[وسادة الهواء]"
لمنع وصوله إلى الأرض. حدقت بها آن بغضب.
"أتمزحين معي؟"
لا. كانت أرييل تحاول فقط حماية أذنيها، كما لم تستطع إلا ملاحظة الانخفاضات التي خلفتها آن على الأرض. ستكون رافا منزعجة للغاية حين تضطر لإصلاح ذلك غداً.
مدت آن عصاها وقالت: "[حصن الحجارة]".
دوت الكلمات، وأدركت أري فوراً أنها تعويذة سلالة. كانت تحمل البصمة ذاتها، كومة من كتل المسا التي تبدو كوخاً صغيرًا مقيداً بسلاسل. أحاطت بها، وتصلب جسدها، وازداد الهواء كثافة. لم تستطع الحراك. وفوق ذلك، تطاير المزيد من الصخور لتتشكل كدرع حول جسدها، محاصرة إياها في قالب متصلب، مغطية كل شبر منها وصولاً إلى رقبتها. سقطت عصاها على الأرض. ابتسمت آن، نافضة ردائها وهي تقترب منها.
وأمسكت المطرقة فوق كتفها.
"أأنت مستعدة للاستسلام الآن؟"
لا. كان ذلك خارج الحسابات تماماً. لا يمكن للقتال أن يتوقف هنا. هنأت أرييل نفسها على أداء عمل جيد في المماطلة، ومنع نفسها من الفوز السريع. يجب أن يكون هذا كافياً لإقناع الناس بأنها طبيعية وليست قوية بشكل فاحش. لكنها باتت الآن في ورطة صغيرة لأن عصاها ملقاة على الأرض. تملك أرييل بضع أوراق تستطيع لعبها. استطاعت كسر التعويذة بمجرد نظرة، لكنها لن تستطيع تفسير كيف ألقتها.
وجب عليها الهروب بطريقة تملك لها تفسيراً وجيهاً، وهو أمر يصعب فعله تحت الضغط.
"اعتذري فقط، وسينتهي كل هذا"، قالت آن.
"لا يمكن أن ينتهي"، قالت أرييل.
"إنه للتو يبدو".
مع ذلك، بدا أن السبيل الوحيد للهروب هو كشف سرها. إلا إذا... فجأة، لمعت فكرة في ذهن أرييل.
تماماً حين قالت آن: "كما تشائين"، ورفعت مطرقتها في الهواء.
رمشت أرييل مرة واحدة، وحين هبطت المطرقة، اندفعت موجات الصوت بقوة تكفي لتوليد رياح وتحطيم الأرض، ولم يُمنع تسربها إلا بفضل الدائرة. تبع ذلك لهاث مفاجئ فوري. إذ لم تكن أرييل في قفصها بعد الآن. حدث الأمر أسرع من أن يُدرك. تماماً حين لامست مطرقة آن الأرض، انفجر قفص أرييل من شدة الارتطام، وقفزت عصاها عائدة إلى يدها.
وهمست أرييل أيضاً بـ "[رمش]"
مما أبعدها قبل سقوط الحطام. أثار الهروب السريع لهثاً مذهولاً بين الحشد، حتى وهي تهبط وتلتفت لتستدير نحو خصمتها.
خنقت الهمسات الأجواء، وكلها تنوعات لـ "كم هي سريعة"
و"كيف فعلت ذلك؟"
أبقت أرييل عينيها على ظهر آن. استغرق الأمر ثانية لتدرك الفتاة الأخرى ما حدث وتستدير، وقد خيم الذهول على ملامح وجهها.
"كيف لك أن..."
"تعويذة رد فعل مؤجل"، شرحت أرييل.
"يحتوي إلغاء الفضاء على مكون رد فعل مؤجل، بفضل روابطه الثلاثية الفراغية، والتي يمكن تفعيلها أثناء تنشيط التعويذة. فعلت ذلك بينما كان حصنك يتشكل، وأخذ وقته، لكنه نجح في النهاية".
"كاذبة"، قالت آن.
"وحدهم البارعون يستطيعون استخدام تعويذات رد الفعل المؤجل".
"أَتستطيعين أنت؟"
احمر وجه آن.
"كنت أدرس مع الأستاذة فاليريا، وقد حدثتني عن الأمر"، قالت أرييل، وكانت تلك هي الحقيقة.
فقد ذكرت فاليريا ذلك عرضاً خلال أحد لقاءاتهم كأمر ينبغي لأرييل الطموح لتحقيقه لاحقاً، حتى أنها أعطتها قائمة بالتعويذات الفراغية المهيمنة التي تحتوي على مكونات رد فعل مؤجل. منحها ذلك عذراً ملائماً الآن لسبب إفلاتها من أسوأ الهجمات. ورغم أن أرييل كان يجب أن ترضي لنجاح خطتها، إلا أنها لم تكن كذلك. لم تكن هذه معركة للمتعة. لقد وصفت والدة آن أباها بلفظ مهين. ما زال غضب أري مستعراً، يحرقها، رغم أنها نجحت في كبح جماحه طوال الجزء الأكبر من المعركة.
لقد منحت الفتاة الأخرى فرصاً كافية للاعتذار أو لإنهاء الأمر. لتطلق العنان لغضبها. الآن، جاء دور أرييل.