أدركت آري أنها ستضطر إلى إيذاء الأوراب لمساعدتها. كان الأمر حتمياً. ما كان لهما البقاء على حالهما، فهما غالباً تتألمان بالفعل من الروابط الشاذة التي تجمعهما، رغم تشبثهما الشديد بها. كان هذا الألم يشع في الهواء، طارداً الجواهر الأخرى الأكثر طبيعية، وربما كان السبب في تلوث الحياة النباتية والحيوانية في المنطقة. سوف تحتاج آري إلى إعادتهما إلى حالتهما الأصلية السليمة، لكن الأمر لن يكون سهلاً.
بل في الواقع، سَيؤذيهما كثيراً.
انحنت بحذر وقالت: "أنا آسفة حقاً. سأساعدك، لكن يجب أن أخبرك أن العملية لن تكون لطيفة. في الحقيقة، ستؤلمك كثيراً".
فهمت الجواهر قصدها بطريقة ما، واعتترضت بصمت، محاولةً بتمرد كسر قبضتها عنها. لم تكن ترغب في التعرض للأذى. لقد أُذيت بالفعل بما يكفي. لكن لم يكن أمامها خيار.
تمتمت: "عليك أحياناً أن تتألم قليلاً لتتحسن".
هذا ما كانت تقوله لها والدتها دائماً عندما تضطر لتناول أدوية مرّة أو تخضع للعلق. كانت آري تعول وتتذمر، لكن الأم كانت تظل ثابتة. وكانت أحياناً تدندن وهي تفعل ذلك، لجعل آري أكثر تقبلاً للعملية. حاولت آري الدندنَة الآن من أجل الأوراب، رغم علمها أنهما ربما لا تزالان غير قادرتين على فهم سبب قيامها بما تفعله. كان عليها فقط تحسينهما والأمل في أن تفهما لاحقاً. كانت هذه خطة تجريبية للغاية، لكن الفكرة كانت تقوم على إعادة بناء الأوراب باستخدام بقايا الجواهر المتناثرة في كل مكان في هذا الكهف.
استرجعت تعويذة إعادة البناء الخاصة بإيلريك بتفاصيلها الحية. كان بإمكانها على الأرجح نسخها، لكن المشكلة تكمن في أنها لا تريد استنفاد كل الجواهر الموجودة في خزانها للقيام بذلك. لكنها لم تكن بحاجة إليها بالضرورة. فالجواهر الموجودة داخل المانالينغ ستفي بالغرض. لقد احتفظت بما يكفي من الإضاءة للترابط وإطلاق السحر. لقد تمت تنقيتها، رغم تكسرها، مما جعل استخدامها صعباً. لكنه ليس مستحيلاً بالنسبة لآري بالضرورة.
ففي النهاية، بدأت التأمل في البداية بجواهر غير نقية، وتلك لم تكن تمتلك أي إضاءة على الإطلاق، ولهذا السبب لم يكن بالإمكان استخدامها في التعاويذ. يمكن استخدام هذه تقنياً بمجرد تخلصها من روابطها الشاذة. إذن، كانت تضرب عصفورين بحجر واحد في الأساس، مستخدمة الجواهر لشفاء الجواهر. كان يجب أن يكون الأمر سريعاً، شبه فوري، وهنا تكمن المعضلة. ستحتاج شيئاً فشيئاً إلى صف جزيئات لوكسا وماسا بالترتيب الصحيح قبل أن تمزق الأوراب وتسمح للسحر بالسيطرة.
سينادي هذا السحر بعد ذلك بقطعها المكسورة قبل أن تتبدد، وستستخدم ذلك لتغذية المزيد من الشفاء للأوراب. بعد الانتهاء، ستتحول ببساطة إلى جواهر مستخدمة، بدلاً من كتل خطرة شبه مستخدمة. قلبت الفكرة في رأسها مراراً وتكراراً، محاولة إيجاد ثغرات. وعندما لم تظهر أي منها، قررت اغتنام الفرصة. أطلقت سراح الجوهر الموجود على إصبعها وهي جالسة متربعة على أرض الكهف الباردة، متخذة وضعية التأمل المعتادة.
تمتمت: "آمل حقاً أن ينجح هذا"، محشدة كل تركيزها وناشرة إياه لتتمكن من استشعار كل جوهر في الغرفة ومعرفة أماكن تواجدها.
استنشقت الهواء وأزفرته. ثم بدأت في تحريكها. كان الأمر صعباً إن لم يكن مستحيلاً. في صغرها، تعلمت أن الجواهر تحب من يتحدث إليها. كانت تمد يدها ببساطة للتواصل مع الجواهر من حولها، تحدثها عن يومها، وعن كل ما ضايقها. وكانت تطرح عليها أيضاً أسئلة حول ماهيتها ومن أين أتيْن. لم تكن تستطيع فهم لغتها بمعناها الحرفي، لكنها أصبحت تفهم الطنين المختلف الذي تصدره، والذي يعبر عن مشاعر منفصلة.
حماسة. ترقب. تحية. وداع. كان تواصلاً في أبسط صوره، وفعلته الآن، مستخدمة جوهرها لتكوين أكبر عدد ممكن من الروابط مع الجواهر، مرحبة بها بعقلها. شجعتها على التناغم معها، وعلى أن تطفو كل القطع المكسورة وتنجرف نحوها. لقد كانت مرساتها في تيار اللي. تعالِ إليّ. نشرت صوتها الداخلي بعيداً وعلى نطاق واسع، عازلة أقسام المانالينغ ومقربة إياها. كان تحركها بطيئاً للغاية. كانت البقايا أسهل وأسرع في التوجيه نحو المانالينغ، لكنها لم تستطيع فعل شيء سوى الطفو بمجرد وصولها، منتظرة تفكك المكونات الأكبر.
كانت تلك أصعب في تحريك آري لها، لكنها فعلت ذلك على أي حال، مشكلة يدوياً شكل تعويذة إيلريك ولكن على نطاق أصغر، مستخدمة كل ذرة تركيز تمتلكها لمنعها من الانهيار. كانت علاقة تغذية راجعة دورية، لكن كان على شخص ما أن يبدأ أولاً. كان لا بد من حدوث الانقضاط. بمجرد حصولها على لوكسا ماسا في الاتجاه الصحيح، بسطت كل الأيدي الداخلية التي تمتلكها، متمسكة بكل جوهر. ثم مزقتهما إرباً.
رييي!
بينما كانتا تصرخان، همست قائلة: "[بَدِيهِيَّة الشَّكْلِ السَّلِيم]".
كان الأمر فورياً، إذ اندفعت البقايا لملء الفراغات، وانخفض الصفير الحاد إلى طنين مرة أخرى، تلاه الطنين المتفاجئ. بمجرد انتهائها، فتحت عينيها. لم يعد هناك أي مانالينغ في الكهف. فقط جواهر مستخدمة وسليمة تطفو الآن بسعادة بعيداً عن الألم. انجرفت بعضها بالقرب منها، محلقة فوق بشرتها. كانت تعرف ما تقولانه.
قالت بابتسامة لطيفة: "على الرحب والسعة".
في تلك اللحظة، سمعت شيئاً يتحرك في الخارج. ليس مانالينغ، بل شيء مادي حقيقي، مثل حيوان أو إنسان يجري بين الشجيرات. انتفضت متيقظة،ناهضة على قدميها، ومحدقة نحو المدخل.
عندما لم يدخل أحد، نادت قائلة: "من هناك؟"
لا مجيب.
"هل هناك أحد؟ رافا؟"
لا مجيب مجدداً. تسللت أقرب إلى المدخل، محدقة في غروب الشمس. لم يكن هناك أحد. فكرت في الخروج للبحث في المنطقة المحيطة، لكنها لم ترد إبادة مخزونها الثمين في فعل ذلك. آملة أن يكون مجرد حيوان، وألا يكون أحد قد رآها تفعل ما فعلته. حتى لو فعلوا، حسناً، فهي لم تندم. لم تستطيع الندم وهي تنظر إلى أوراب الطنين السعيدة. بعد نحو ساعة، عادت رافا، وما زالت تتمتم أمام جهازها.
كانت تقول: "يعلينا الذهاب قبل أن يتأخر الوقت، أرييل. لم أستطع إصلاح التسريب بدون غاريك. يمكننا المتابعة غداً".
قالت أرييل: "لا داعي لذلك. لقد أنهيت التنظيف".
رفعت المرأة رأسها أخيراً.
"أحقا فعلتِ؟"
أومأت أرييل برأسها.
"أوه. حسنًا..."
تهلل وجهها.
"هذا جيد جداً إذن. انتنظري، دعيني أتحقق".
لفت عدة أقراص على جهازها ورمشت بدهشة.
"حسنًا، أنت محقة. لا توجد مانالينغ مستشعرة هنا. على الرغم من أن المؤشر يقرأ وكأن هناك جواهر مستخدمة أكثر من ذي قبل، يجب أن يكون ذلك مما استخدمتِه في الكنس".
قالت آري: "أه,"
ممتنة لعدم اهتزاز صوتها.
"أكثر بقليل من المتوقع، مع ذلك. يا للهول، أينبغي لي فحص هذا الشيء. على أي حال، لقد أديتِ عملاً رائعاً. سيقوم غاريك وأنا بالتخلص مما علق لاحقاً".
سألت آري: "ماذا لو لم يكن هناك ما يلزم التخلص منه؟"
"ماذا تعنين؟"
"ماذا يحدث في قناة الشطر تماماً؟"
"حسنًا، تُشطر المانالينغ بواسطة القطع الأثرية الموجودة هناك. أحياناً، تعلق بضع مانالينغ في الفتحات، ويضطر غاريك وأنا للقيام بذلك يدوياً".
"ماذا لو لم يعلق شيء؟"
تنهدت رافا.
"هذا مستحيل عملياً، لكن يمكننا الأمل فقط. ربما سنكون محظوظين".
"أعتقد أنكم ستكونون كذلك".
"هاه، حقاً. إذن سأبلغ العميد أوكتافيوس بإضافة الوحدات الإضافية إلى جوهرك المخصص لهذا الأسبوع".
"شكراً لك"، شعرت أرييل بالإشعاع من شدة الحماس.
هذا، بالإضافة إلى المائتي وحدة في خزانها، جعلها تشعر وكأنها تاجر ثري باع أرضاً للتو.
قالت آري: "لدي طلب".
"ما هو؟"
قالت: "أود مساعدتك في تنظيف النفايات خلال وقت فراغي. يرجى الاتصال بي كلما احتجت إلى ذلك. لا أحد غيري".
فوجئت رافا.
"استمتعتِ بذلك؟"
"نعم".
كما أنها لم ترد أن يأتي أي شخص آخر لتقطيع الجواهر إلى أجزاء.
أجابت رافا: "لم أتقابل قط مع شخص يستمتع بمسح المانا. لا يمكنني رفض الطلاب الآخرين الذين قد يرغبون في كسر بعض الجواهر الإضافية، لكنهم ليسوا متكالبين على الباب على أي حال. بالتأكيد".
سرت آري. كان ذلك جيداً. لكنه لم يبدُ كافياً. كانت تعلم واقعياً أن رافا لن تتصل بها طوال الوقت. حتى لو أرادت ذلك، قد لا تكون آري متاحة دائماً، وسيتم استدعاء شخص آخر، أو سيقومون بشطر الجواهر بأنفسهم. جعلها الأمر تشعر ببعض الغثيان عند التفكير في ذلك. ماذا لو أخبرتهم بما تعرفه وما تستطيع فعله؟ أنها تستطيع فصل الجواهر دون الحاجة إلى تدميرها؟ لكن إخبارهم وعلاوة على ذلك إظهارهم سيثير الشكوك ويوقعها في المتاعب.
ما لم تستطع فعل ذلك سراً... هل سيسمح لها إيلريك؟ كان عليها سؤاله. وهما تغادران، استرجعت الصوت الذي سمعته عند المدخل. نأمل أن يكون حيواناً حقاً. ونأمل ألا يكون أحد قد رآها. سيكون ذلك كارثة.
* * *
لم يرد إيلريك بعد على رسالة أرييل عندما عادت. لم يرد عليها بعد العشاء أيضاً. وعلى غير العدد، جلست مع ريورك، ورايسي، وكاثبرت، وسيبريك على العشاء، لأنهم نادوا عليها بعد حصولها على طعامها. كانت تعتقد أنهم يريدون مناقشة الواجب، لكنهم لم يفعلوا ذلك. بدلاً من ذلك، تحدثوا عن البطولات، واختبارات الفرسان، ورياضة تدعى بودو، ومجموعة كاملة من الأشياء الأخرى التي لم تفهمها آري.
مع ذلك، استمتعت بالرفقة وعدم الاضطرار للجلوس وحدها. على الأقل للدقائق الأولى. ومع ذلك، بعد ثلاثين دقيقة من المحادثة الفوضوية والإثارة المفرطة، كانت مستعدة للعزلة. بعد أن عادت إلى غرفتها واغتسلت، جلست إلى مكتبها بتنهيدة ارتياح. لقد كان اليوم يوماً رائعاً. لقد حصلت على كتاب متقدم لصنع التعاويذ وواجب منزلي كانت متحمسة للبدء به. وقد كونت صداقات. مع ذلك، ظل يزعجها أن إيلريك لم يرد على رسائلها.
هل هو بخير؟ بينما كانت تقلب النظر في التعاويذ، كانت تتحقق مرضياً من لفيفة رسائلها كل خمس دقائق أو نحو ذلك، وتنامى قلقها مع كل ثانية من عدم الرد. حدثت نفسها بأنه بخير على الأرجح. ومشغول فقط. لم يكن ليصاب بأذى. إنه أرشيماج بعد كل شيء. مع ذلك، أشار دماغها إلى أنه لا تزال هناك أشياء يمكن أن تؤذي الأرشيماج. مثل التنانين الخالدة. أو أسراب الشياطين. أو اللوتش العظام الكبار.
أو حتى عاصفة سماوية. تلك كانت الأشياء التي قتلت الأرشيماج الأربعة الأخيرين. لا يموت الأرشيماج غالباً، لذا عندما يفعلون ذلك، يصبح الأمر أسطورة، وتصبح كل تفصيلة معرفة عامة. وغالباً ما يسقطون أمام بعض الكوارث الخالدة، أو حشد من المخلوقات الأخرى، أو حتى عدو سماوي، مثل ساحر أسطوري تحول إلى الشر. عندما يوتون، سيكون هناك موكب تكريماً لهم، ويوم صمت للحداد عليهم عبر القارات جميعها.
لم يترك الحدث أثراً يذكر في نفس آري، لكن ذلك كان لعدم معرفتها بأي أرشيماج في الواقع. أمّا الآن فهي تعرف. كان العالم في عصر سلام لبعض الوقت. وفقاً لككتب التاريخ، كانت هناك محن أكثر في الماضي، واعتاد الأرشيماج الموت بشكل متكرر. توقف الأمر بعد اتفاقية السلام، لكن المحن قد تبدأ مجددة وبقوة. وإن حدث ذلك، سيحتاج إيلريك إلى شخص يساعده ويتأكد من أنه لا يموت. لقد أخبره بأنه ليس لديه أصدقاء آخرون سواها.
لذا يعني ذلك أنه يجب أن تكون مهمتها هي مساعدته. كيف ستفعل ذلك؟ ماذا لو كان يحتاج إلى المساعدة الآن؟ لم يرد على رسالتها منذ ما يقرب من أربع وعشرين ساعة. لقد أخبرها أنه سيتحدث معها اليوم، لكنه لم يفعل. وقد انقضى الوقت تقريبا. تموج القلق في داخلها. ماذا تفعل الآن؟
"إن كان لديك صديق"، تحدثت بصوت عالٍ إلى ليرا، التي كانت مستلقية تحت أغطية سريرها منذ عودتها، "ولم يردوا على رسالة طوال اليوم، على الرغم من قولهم إنهم سيفعلون. أهذا يعني أنهم أموات أم أنهم يتجاهلونك؟"
لم تقل ليرا شيئاً لبعض الوقت، لذا أخذت آري ذلك تعبيراً عن أنها لا تعرف الإجابة، أو ربما كانت نائمة. عضت على شفتها. أترسل الرسالة المتابعة؟ أسيضايقه ذلك؟ ألا يعود يريد مصادقتها؟ بإمكانها سؤاله. لم يُبِدِ قط تضجراً من أسئلتها من قبل، وكان دائماً يجيب عليها بالكامل. لا يوجد سبب للاعتقاد بأنه لن يجيب على هذا السؤال. فتحت لفيفة رسائلها، وكتبت،
عزيزي إلريك، أتمنى أن تصلك هذه الرسالة وأنت بخير. أدرك أنك رجل مشغول نظراً لطبيعة عملك، ولكن للسبب ذاته، أخشى أن عدم ردّك ضمن المهلة المتفق عليها يعني أن تنيناً افترسك أو ابتلعتك عاصفة سماوية. يؤلمني حقاً ألا أسمع منك في الوقت الذي توقعته. لعلّك انشغلت بقتال ليتشز عتيقين، لكن إن كنت لا ترغب في الاستمرار بمعرفتنا، فاعلم أنني سأتفهم ذلك للأسف، غير أنني بحاجة إلى تأكيد إضافي.
أريدك أن تردّ على هذه الرسالة لتخبرني إن كنت: أ) ترغب في تعديل جدول الردود بما يتناسب مع جدول أعمالك المزدحم، ب) ترغب في إنهاء صداقتنا أو تقليصها إلى مجرد معرفة، أو ج) ميتًا. من البديهي أنك لن تستطيع الردّ إن كان الخيار هو ج. إن لم تجب عن هذه الرسالة بحلول موعد نومي غداً، فسأفترض أنك سقطت ضحية لوحش عظيم. سأحدّ عليك وأنتقم لموتك سريعاً في أقرب فرصة. المخلصَة، أرييل بلاكسويل.
اطمأنت إلى الرسالة، فعادت تكمل دراسة تعاويذها. *** ظهر أريك في حقل خالٍ، يتساءل عن كنه مهمته بالضبط. لم تحدد قائمة المهام شيئاً. ذكرت فقط استدعاءه لمهمة إعادة إعمار خاصة، ذات طابع عاجل. لكن لا شيء هنا. مجرد مساحة شاسعة وفارغة بلا مبانٍ ولا حتى بشر لإعادة بنائهم. ولا حرب بين عشائر متناحرة لتسويتها أيضاً. أمتأخرٌ هو إذن؟ أم أن الجميع قد ماتوا بالفعل؟ لا بقع دماء، ولا أجزاء أجساد متناثرة.
كل شيء يبدو ساكناً وهادئاً بشكل مرعب. قطع تصفيق بطيء سلسلة أفكاره، وتردد صداه بألفة مزعجة. اللعنة. عرف فوراً، وقبل أن يلتفت وبدون أي سياق إضافي، أنه قد وقع في فخ.
قال جيو مقترباً لقف إلى جانبه: "لقد وصلت في زمن قياسي يا أريك".
التفت أريك لتقييم الرجل الآخر، الذي فك الأزرار الثلاثة العليا من قميصه. لم يكن يرتدي رداءً كالعادة، وقد شمر ساعديه ليظهر وشوم الرون على ذراعيه. لربما ظن أريك أن مظهره المستهتر مجرد ميل للغرور، لكنه لاحظ قطرات عرق تتدلى على جانب وجهه. لا يعرق جيو غالباً. جسده مكيف المناخ تماماً طوال الوقت، ولا يعرق حتى في المعارك التي تدمر سحرة آخرين.
تابع جيو: "لابد أنك تستمتع حقاً بإعادة بناء الأشياء، أليس كذلك؟ ظننت دوماً أن هذا النوع من المهام سيصبح مملاً بعد حين. كمهندس مجيد يعمل صبياً للمهمات نيابة عن الوزارة".
علم أريك أن جيو يحاول استفزازه عمداً، لكنه علم أيضاً أن ذلك لن ينجح. مثل هذه الكلمات لم تعد تؤثر فيه. لقد سمعها كفاية من أشخاص كثر، بما في ذلك المجلس السماوي ووالده نفسه. ظنوا أنه يهدر مهارة معتبرة في فعل ما يفعله، وبذلوا جهوداً مضنية ليعلموه بذلك. ما فشلوا في إدراكه هو أن آرائهم بشأنه لا تهم على الإطلاق. الأشخاص الوحيدون الذين كانت آرائهم تعنيه يوماً قد ماتوا. لذا، لم يكن سخرية جيو مؤلمة.
كان أريك أكثر فضولاً بشأن سبب كمين جيو له.
سأل: "لماذا أنت هنا؟"
"لأنني أنا من جعلك توكل بهذه المهمة".
"أنت وكلتني بها؟"
نعم، يمكن للملأ أن يوكلوا المهام، لكنهم عادة ما يوكلونها لموظفين أدنى رتبة، لا لملأ آخرين. تطلب الأمر طلباً خاصاً يُقدم للأخير، ويجب على المطلوب الموافقة عليه أولاً قبل إسناد المهمة. كان أريك سيسأل كيف تجاوز جيو كل ذلك، لكنه لم بحاجة لذلك. إنه جيو.
سأل عوضاً عن ذلك: "لماذا؟"
اعترف جيو: "لقد كانت حيلة".
"أنا أفهم ذلك، لكن لماذا هذا التظاهر؟"
"بسبب ابنة عمك".
ارتفع ضغط دم أريك، لكنه رتب ملامحه على الهدوء.
قال جيو: "كنت فضولياً بشأنها. لذا ذهبت إلى وزارة الشؤون لأطلع على درجاتها بالضبط".
"خرق آخر لبيروقراطيتنا".
اعترف ببهجة: "بالطبع. وهناك، تحدثت إلى السحر فيليب. أنت تعرفه، أليس كذلك؟"
فكر أريك في الأمر.
"أتقصد فينياس؟"
"ربما. إنه السيد المسؤول عن التقييمات، وبدو أنه واجه بعض الصعوبة في تذكر تفاصيل اختبارها بالضبط. عرف أموراً وتعثر في تفاصيل أخرى. لحسن الحظ، أملك المهارة لمواجهة جرعة النسيان".
قاوم أريك الرغبة في طحن أسنانه. اللعنة يا جيو. أي شيء بحق السماء أثار فضوله لدرجة الذهاب هذا المدى لكشف سرهم؟ رغم أنه يفعل غالباً أكثر الأمور غرابة من أجل تسلية نفسه، كترك هاربي الأبعاد يهربون ليتمكن من أسرهم مجدداً. افترض أريك أنه عندما تبلغ تلك القوة بلا غاية داخلية، يصبح الملل أمراً سهلاً.
قال أريك: "إذن. ما الذي تنوي فعله بهذه المعلومات؟"
في الوقت ذاته، جهز نفسه. كان جيو أحد أقوى الملأ الذين عاشوا قط. لقد كان ملياً لفترة أطول بكثير من أريك، لكن أريك لم يكن ضعيفاً أيضاً. لم يمتلك بالضرورة أفضل بنية قتالية، لكنه كان صاحب حيلة ومبدعاً بمواهبه. لن يسقط دون معركة. لماذا؟ خطر له خاطر عابر. لماذا كان مستعداً للذهاب هذا المدى لحماية سر الفتاة؟ حقيقة أنه سره هو أيضاً لم تبد سبباً وجيهاً بما يكفي. لكنه لم يمتلك سبباً أفضل.
أجاب جيو عن سؤاله أخيراً: "هدئ من روعك. لن أفعل شيئاً ولن أخبر أحداً".
لم يدر أريك إن كان يمكنه تصديق ذلك.
"إذن لماذا تكبد عناء البحث عن المعلومات؟"
همهم.
"قلت لك. الفضول. أنا فضولي بشأن شخص غريب وقوي مثلها. وأنا فضولي أيضاً بشأن ما ستصبح عليه".
انفرجت شفتاه عن ابتسامة لم تصل إلى عينيه.
"آمل أن تصبح شخصاً يمكنه تزويدي بتسلية أفضل بكثير مما فعلت أنت حتى الآن".
"هي ليست هنا لتكون دميتك للعب".
سخر جيو.
"العالم بأسره دميتي للعب".
ومضت عيناه بتلك الحرارة المجنونة.
"لكن لا تقلق. بعد أن انتهيت من فيليب، أعدت تعديل دماغه بطريقة أفضل بكثير مما فعلت جرعة النسيان الخاصة بك. بجدية يا أريك، عليك التوقف عن استخدام تلك. إنها خرقاء وغير مهذبة للغاية. أعلم أن بإمكانك فعل ما هو أفضل".
جعله الغيق أريد نسيان نفسه ولكم الرجل الآخر في وجهه.
قال أريك، غير مبالٍ بكونه يبدو منافقاً: "تعديل العقل غير المصرح به أمر غير قانوني".
لقد فعل ما فعله لسبب وجيّه، وكانت لجرعة النسيان تأثير أخف بكثير مع آثار جانبية أقل، ولهذا استطاع فينياس معرفة أنه أجبر على نسيان شيء ما. اعتاد أريك استخدام جرعة النسيان بدلاً من طرق أخرى قد تسبب مشاكل نفسية خطيرة لاحقاً. لم يكن جيو ليحرص على تجنب ذلك مع دماغ فينياس، وأثار تجاهله المستهتر لمن حوله غضب أريك.
قال جيو بابتسامة ماكرة: "أستبلغ عني؟ لكان ذلك تحولاً مضحكاً للأحداث، أليس كذلك؟"
سئم أريك المحادثة فجأة. لن يصل إلى أي مكان مع جيو.
سأل: "ألهذا استدعيتني إلى هنا يا جيو؟"
"لا، ليتني فعلت. لكن للأسف..."
فرقع بإصبعه. تشقق السماء. رمش أريك بينما انقشع الوهم بلا إنذار ليحيط بهم مئات الشياطين بطول سبعة أقدام، بقرون كبيرة، وبشرى خضراء، ووجوه قبيحة وعبوسة. لقد حوصروا بشباك من نور تمتد عبر الحقل المدمى، وزأروا بامتعاض، مشدودين ضد القيصر، بينما انقطع وتر من النور جراء قوة مقاومتهم.
"لهذا استدعيتك إلى هنا".
لم يبد جيو قلقاً. بل بدا مسترخياً وهو يتمدد. نعت غراب، وحامت طيور داكنة في السماء بانتظار.
قال وهو يمد ذراعيه فوق رأسه ويطقطق عنقه: "سأطلق العنان لنفسي لبعض الوقت. ثمة قرى قليلة على بعد نصف يوم سفر. أريد منك التأكد من ألا تصل المعركة إلى هناك. عملك اليوم هو تقليل المذبحة والتأكد من ألا أقتل أحداً لا يفترض بي قتله".