استغرق أودن دقائق أُخر لترتيب معمله، وتمتم طوال الوقت. حسب ما استطاعت أرييل تبينه، لم يكن واثقاً قط من مكان أي شيء. كان يطلق تخمينات مهموسة، وغالباً ما اضطر إلى تتبع خطواته جسدياً ليتذكر أين وضع غرضاً ما. كما جمع أشياء كثيرة ما كان ينبغي أن تتمع، كعينة أعشاب وبعض أسنان حيوانات في الخزانة نفسها. وقفت أرييل جانباً بينما كان يفتح الأدراج، وينقّب فيها، ثم مرر يده في شعره.
وقفت بعض الخصلات الأقصر ولم تعد إلى وضعها. تحرك وسط الغرفة كعاصفة ريح، تصحبه جلبة، واحتكاك، وشتائم. بين الحين والآخر، كان يقف ساكناً، تمسح يده ذقنه ثم يهمهم ناظراً إلى السقف كأن الإجابة هناك. لكن إنصافاً له، أثبتت طريقته نجاعة ما. نجح في جمع عدد متزايد من الكواشف والمحاليل على طاولته. لكنه أحدث فوضى أكبر في العملية، إذ لم يرد الأغراض إلى مواضعها التي أخذت منها، وحين قلب رف كتبه، ترك باقي المجلدات غير المختارة ملقاة على الجانب.
تقدمت أرييل إلى هناك وشرعت في ترتيبها، ملقية نظرة على عناوينها قبل أن تقرر أين تضعها.
سأل أودن بعد حين: "ماذا تفعلين؟"
قالت: "أرتب. أ تفضلين الترتيب الأبجدي، أم العكس؟"
رفع حاجبه.
"ولا واحد. أنا أعرف مكان كل شيء."
قالت: "لا يبدو كذلك."
فاحمرت وجنتاه. دفع نظارته على أنفه وتنحنح.
"الأمر بخير. كل شيء معي."
أشار إلى الطاولة التي استقرت عليها الآن عدة أجهزة، وأعشاب، ومواد كيميائية على الجانب، بما في ذلك معدات صنع الرون.
"حسناً، ليس كل شيء. أنا متأكد من وجود أشياء أخرى قد نحتاجها، لكني أستطيع جلبها من السوق لاحقاً. هيا، لنبدأ. الآن، كما تعلمين، هناك عدة مشكلات في علاج التنانين. الأولى، أنها خالدة، لذا نادراً ما تحتاج إلى شفاء. الثانية، أنها لا تستحب اقتراب البشر غير المرخصين. والثالثة أنها ضخمة، لذا فإن صنع جرعة لها سيكون… كبيراً جداً. أه، ورابعة، تشريحها. لكان أسهل أن يتولى معالج تنانين مخصص العمل عليها، فهم الخبراء الحقيقيون في التشريح، لكني لا أدرس حتى إن كان هؤلاء موجودين أصلاً."
سألت أرييل: "إذن فالأمر ميؤوس منه."
"ليس إن آمنت القائدة بذلك. ماذا اكتشفت في بحثها؟"
"لديها نظرية حول طبيعة المرض. تعتقد أنه قد يكون ناتجاً عن…"
عرفت أرييل ألا تذكر الكرات الصغيرة، ناهيك عن الكرات الصغيرة الحرة.
"خلل في الشحنة."
"مم."
فرك أودن ذقنه.
"مفهوم مثير لاهتمام. كان هناك عالم ادعى مرة أن معظم الأمراض السحرية يمكن إرجاعها إلى خلل في الشحنة. رغم دحض ذلك."
التقط كتاباً وشرع في التقليب فيه.
"أهل لديها صيغة التعويذة لهذا المرض؟"
"يمكن أن تأخذ صيغ تعاويذ متعددة. تعتقد أن المشكلة هي التعرض مطولاً لمثير هجومي، مما قد يؤثر على تشريح التנين، مسبباً خلل الشحنة الذي نعرفه بالهياج. ثم يضعف الهياج المطول مناعته ليصبح الأمر حلقة مفرغة."
مسح ذقنه.
"آه. لهذا أردت معرفة المزيد عن تشريح التنانين إذن."
ترددت. ثم أومات.
"حسناً، الأمر مع التنانين معقد قليلاً. نظراً لأننا نادراً ما نصادف تنانين مصابة أو ميتة، فلم تُدْرَس حقاً بعمق. أقرب شيء لتشريحها هو—"
عقبت: "العقبان النارية."
"بالضبط، وهو ما أعرف عنه الكثير. ومع ذلك، ثمة فروق ملحوظة، لا سيما في الحجم وجوانب معينة من سحرها. وبالطبع، الخلود، الذي يؤول إلى تكوين روحها. العقبان النارية ليست خالدة تماماً كتنانين تتمتع بصمود تام. لكي يتأثر تنانين بشيء كهذا، يكون الأمر عادة مميتاً للغاية، وعند تلك النقطة…"
هز كتفيه. تنهدت أرييل.
"أتعرف سبب هذا الهياج؟"
قالت أرييل لعل الحديث عن الطقوس خطوة تتجاوز الحد: "لست متأكدة. لكنها قالت إنه حتى لو اعتنت بالمصدر، فقد يموت التنانين على أي حال نظراً لمدى الضرر الذي لحق بنظامه."
"حقاً؟"
استند البروفيسور أودن إلى المكتب.
"التنانين شديدة الصمود. من الغريب تخيل أن الهياج يترك هذا الأثر على تنيين. لديها مناعة ضده، ولا يستمر طويلاً حقاً."
كررت أرييل: "تعتقد أن الاتصال المطول أضعف المناعة."
"أظن ذلك. ليس لدينا فهم جيد حقاً لكيفية عمل الهياج، لذا فهذه نظرية جيدة كأي نظرية أخرى. هل ذكرت شيئاً آخر؟"
كانت أرييل على وشك هز رأسها، لكنها ترددات. لم تدرِ أكانت هذه التفاصيل الأخرى ذات صلة أم لا. قد تكون. وقد لا تكون. وقد تكون خطيرة للحديث عنها أيضاً. مع ذلك، كان عليها التأكد من أنها، إن قُدر للتنين أن يموت، استنفدت كل سبل الدعم.
"ماذا لو أن الشحنة الفائضة الناجمة عن الهياج تمكنت بطريقة ما من شحن جواهر أخرى قد تقطن بالداخل أيضاً؟"
"داخل أين؟"
هزت كتفيها.
"لا أعرف. أينما تقطن الجواهر في التنين. كأن يكون في جسده أو روحه مثلاً؟"
"في روحه."
توقف، هاضماً ذلك.
"إذن فتلك شكل من أشكال سحر الروح، أليس كذلك؟"
قال: "مثير لاهتمام. اختلالات شحنة افتراضية تغير سحر الروح."
"أممکن ذلك؟"
"لست متأكد. لا تسير الأمور هكذا عادة. تحتفظ التنانين بالكثير من السحر في أرواحها، لكن السحر يتحرك عادة نحو الخارج لا الداخل، إلا ربما عبر الدم، الذي يتطلب جهداً واعيياً لا أن يكون مجرد أثر جانبي للتسمم."
دار بيده في الهواء.
"الهياج آلية دفاعية تغرسها التنانين في بيئتها. قد تجهد نظامها، لكنها لا تسممها عادة بالطريقة التي تفعلها مع مخلوقات أخرى. لن يكون منطقياً أن تفعل ذلك. لا أقول إن القائدة على خطأ… لكن بالنسبة للعلاقة الدورية التي طرحتها، أيعود خلل الشحنة ليؤثر في الروح؟ ليس بالأمر العادي. سيتطلب مساراً مختلفاً لذلك."
ظلت أرييل صامتة، بينما التقط البروفيسور كتاباً آخر وشرع في تصفحه.
"جواهر التنانين ليست كجواهرنا تماماً. إنها أقوى بكثير من نواحٍ وقد تكون أضعف في نواحٍ أخرى، رغم أن هذا ليس رأياً شائعاً تماماً."
"ماذا تقصد؟"
لوح بيده.
"لا، أفضل ألا أقول. لا أريد أن أُحسب على منظري المؤامرات. ورغم نظريتك…"
أمال رأسه جانباً مفكراً، ليسود الصمت. فضلت أرييل معرفة ما سيقوله، وتساءلت عما إذا كان عليها طلب مزيد من التوضيح أو افتراض أنه لا يرغب في الحديث عن الأمر.
لكن استرسل دون حث إضافي: "هناك طائفة من غير مستخدمي السحر تسمى طائفة اليد السماوية، يؤمنون بالتوازن المطلق للأشياء. كل دفعة يصحبها سحب مساوٍ ومعاكس، ومع القوة يأتي ضعف مساوٍ ومعاكس. يؤمنون بأن كل مخلوق قوي لابد أن يمتلك ضعفاً فادحاً يمكن تحمله بسهولة من قبل مخلوق أقل قوة. على سبيل المثال، العقبان النارية تحسس من بعض لدغات الحشرات. أكنت تعلمين ذلك؟"
هزت رأسها نفياً.
"لن يقتلها، لكنه سيسقمها لوقت، وهو ما يُظن غالباً نزقاً. إنها طريقة السماء لغرس التوازن. اليد السماوية للكون. مع ذلك، لا يأخذ أحد هذه النظريات محمل الجد لأنها تمنيات أكثر منها واقعاً. لو كانت صحيحة، لكانت القوة أكثر توازناً بكثير، أليس كذلك؟ ولما وجد الخلود على الأرجح. دُحضت الكثير من نظريات الطائفة بالفعل، وتُعد فكرة أن للتنين ضعفاً يمكن لبشر تحمله كفراً. تقول الأيدي السماوية إن ثمة ضعفاً كهذا، لكننا لم نجده فحسب."
سعال مرة قبل أن يستطرد.
"يؤمنون أن هذه النظرية السماوية تعمل على ما يسمونه مسار الروح."
"مسار الروح؟"
"نعم. تريْن، مع كل تعويذة تؤدى، تُولد طاقة مهدرة داخل الجسد. تشي. هذا ما نستخدمه لتخصيص السمات في عالم البشر وتنظيم البُنى. لكن مخلوقات كالتنانين والتصيد والجن ليس لها نظام، فأين يذهب تشيها إذن؟"
"لا أعرف. أين؟"
"هذا هو السؤال. النظرية السائدة هي أن التشي يتدفق ببساطة إلى أقوى سماتك، أو يقوي كل شيء بالتساوي. أو يمكنك التحكم به بنفسك مع تأمل كافٍ. مع ذلك، تؤمن طائفة اليد السماوية بأن كل السحر يأتي من الروح، والتشي عبارة عن شحنات مخلفة من التعاويذ التي نلقيها. وحين تتجمع، تصير شيئاً يسمونه مسار الروح، وهو ما يحدد تدفق السحر من الروح إلى الأعضاء ويخصص التوازن الذي كنت أحدثك عنه. إنه أكثر بكثير من ذلك، لكن تلك نسخة ملخصة للغاية منه. علاقة دورية مستمرة. إن أبدى كيان قوة مفرطة، خصص له ضعفه. يعتقدون أنه يتحكم بالخلود أيضاً؛ ومع ذلك، الأمر مربك لأن الخلود يخرق هذا القانون، ما لم يمتلك المخلوق ضعفاً سخيفاً حقاً."
"أرى."
لم تفهم حقاً ولم تكن متأكدة إلى أية وجهة يمضي، لكن البروفيسور أودن اعتاد الاستطراد في تفريعات قبل بلوغ لب الموضوع.
قال: "لا ترددي هذا في معظم الأماكن الأخرى."
"لا يؤمن الجميع بوجود مسار الروح. ثمة صلة واضحة بين الروح والجسد يتحكم فيها سحر الروح، لكننا لا نقبل بوجوده ككيان منفصل يتصرف بشأنه 'الكون' ويضمن التوازن الذي ذكرتُه. في الواقع، تدحض أشياء كثيرة في العالم نظرية التوازن المطلق التي تعيش عليها الطائفة. على سبيل المثال، تميل المخلوقات ذات الرتب المتماثلة من نوع معين إلى امتلاك قوة وتكوينات روح متماثلة، لكن حتى حين تصبح أقوى، تظل نقاط ضعفها كما هي. وأيضاً، ليس لكل حيوان ضعف 'مساوٍ'. بعض المخلوقات تتفوق ببساطة في كل جانب واحد."
"ما علاقة ذلك بالجسيمات المشحونة هياج التنين؟"
"حسناً، يمنحنا مساراً منفصلاً يتأثر عبره التنين بالهياج. ليس تسمماً مباشراً. لا يعني أن الهياج يؤذي التنين بالضرورة. إن تراكم الشحنة الفائضة المتولدة من الجسد يمكن ببساطة أن يغذي مسار روح التنين ويعطلها، مؤثراً بذلك على خلوده ومجعلاً إياه عرضة لأشياء لا نلاحظها أو حتى ندركها بطريقة أخرى. على سبيل المثال، غلافنا الجوي."
عبست أرييل. بدا هذا مربكاً وغريباً للغاية.
"أنت تقول إن… الهياج يجعل التنين… يتحسس من الهواء؟"
ابتسم بسخرية.
"لا أقول ذلك يقيناً. لا أعرف مما يتحسس. إلا أنه إن كانت نظريتك صحيحة، وكان هذا ناتجاً عن شحنة فائضة تؤثر في الروح، لكان يفعل ذلك عبر مسار الروح، وهو أمر تحدثت عنه طائفة اليد السماوية. مجدداً، هذه إحدى النظريات التي دُحضت، لكنهم اعتقدوا يوماً أن النوى المختلة أدت إلى شحنات مختلة في الجسد تعطل مسار الروح وتسبب كل أنواع المشكلات، كتسرب السحر من الأرواح نحو الخارج، والعكس بالعكس. لا أعرف إن حدث هذا، ولم نره لنوى مختلة أثر على بطء فناء السحرة من قبل. لكن مجدداً، لا يحتفظ البشر بالكثير من السحر في أرواحهم، مقارنةً على الأقل. أما بالنسبة لتنين يحتفظ بكمية هائلة من سحر الروح، لكان مسار الروح أكثر تأثيراً وأهمية بكثير لو وُجد. بالمقابل، ثمة احتمال أيضاً أن اختلال الشحنة نتيجة لمحاولة مسار الروح بقوة التخلص من الشحنات الإضافية، لكي يستعيد مساراً سلساً مرة أخرى. سيعني ذلك بالطبع أنه سيتخلص من أي شيء يسهم في الشحنة الفائضة. بالنسبة لتنين، سيكون ذلك غالباً كالور، وسيكون الكالور الصادر عن الروح مختلفاً وظيفياً عن الكالور في غلافنا الجوي، شديد النشاط، فائق الشحن—"
قاطعت أرييل باندفاع فوري وعيناها واسعتان متألقتان: "أظن أن هذا ما يحدث بالضبط."
بدا مندهشاً من حدتها.
"أ...أمتأكدة أنت؟ كل هذا باطني للغاية ومجدداً، يقارب نظرية مؤامرة."
تنحنحت.
"نعم، لكن أظن فيتوريا—أعني القائدة… أظن أنها ذكرت أشياء مشابهة."
"أفعلت؟"
بدا مشككاً، لكن أرييل أومأت بحماس جنوني.
"نعم. إذن، أين نمضي من هنا؟"
"لا أعرف."
قال: "أنا رجل علم إلى حد ما، كما يرجح أنكِ تعلمين. أحب إجراء التجارب. لكن بهذا…"
أطلق زفيراً، لكن ذقنه ارتفعت كأنه تذكر شيئاً بغتة.
"في الواقع، مرض عقبي الناري مرة من لدغة نملة أبيض، ورغم علمي بأنه لن يموت، تسبب المخلوق في الكثير من الانزعاج. أبى الأكل وبدا غاضباً تماماً إزاء المسألة برمتها. جربت الكثير من الجرعات التي بدت مسكنة لألمه واستدعيت أخيراً شامخاً، من أولئك الذين يؤمنون بمسارات الروح. ساعدني في صنع المزيد من الجرعات التي ساعدت بشكل كبير."
"مثير للاهتمام."
"تحدث عن تقاطعات الروح المختلفة والتأكد من عدم وجود خلل الشحنة في تلك التقاطعات تحديداً وأنها قوية بما يكفي لاستعادة التدفق. سنحتاج تعويذة مستمرة لذلك، لذا تنفع الجرعة جيداً. ويسهل ذلك الأمر، إذ لا نملك القلق حيال شفاء الجسد بأسره. التنانين خالدة. ينبغي أن تشفى دائماً طالما ظلت أرواحها تعمل. لذا إن كان مسار الروح هو المشكلة، فعلينا الاعتناء بذلك فحسب."
بدأت أرييل تتحمس. لم تكن متأكدة من فهمها للكثير مما شرحه البروفيسور لتوّه، إذ بدا أبعد من إدراكها. أو ربما لم يشرحه جيداً فحسب. لكن ما وصفه في النهاية طابق ما لاحظته. كان كالور التنين فائق الشحن لدرجة هروب كرة صغيرة إضافية حرة.
"الجرعات التي صنعتها للعقاب الناري، أستعملح على التنين؟"
"لا."
قال: "لكنها ستكون مشابهة بما يكفي. سيتطلب التنين ببساطة تعقيداً أكبر وتجنيداً أوسع للجواهر. مع ذلك، سأحتاج إلى إجراء بعض الاختبارات أولاً. أعني أستطيع، لكني لا أريد فرض نفسي على—"
قالت أرييل باستعجال: "لا. لن تمانع القائدة."
"يسعدها مساعدتك."
قال: "جيد."
والتقط الدفتر. رسم شيئاً بعيداً كل البعد عن صيغة التعويذة المقصودة التي صاغتها أرييل. علمت أنها لن تكون مطابقة للأفاعي، بما أن التنين مخلوق مختلف، لكن جزء تحييد الشحنة وجب أن يكون متشابهاً. رسمت أرييل تعبيراً بوجهها.
تساءل: "ألا؟"
تنحنحت.
"لا أظن هذا ينفع. لن يسمح الكالور هناك برابط ذي شحنة موجبة فائضة."
"آه، أنت محقة. كم أنت ذكية."
البنية التالية التي طورتها كانت أقرب لما أرادته، لكنها قالت: "ما رأيك أن تذهب هذه هنا بدلاً من ذلك؟ وتنحني البنية هكذا؟"
"لماذا؟"
"لأنها تبدو أفضل. وأعظنها قريبة مما رسمت فيتور—أعني القائدة."
منحها نظرة غريبة، ثم عبس.
"جرعة كهذه قد تكون معقدة لصبطها. سنحتاج إلى ما يضخم التأثيرات. أوراق العصفور؟ لا، لن تنفع في بيئة ذوات الدم البارد. ولا تؤلي بلاءً حسناً مع لحاء الجذور أيضاً…"
همهم لنفسه.
"امنحيني بضعة أيام. سأجري بعض الاختبارات وأعود إليك."
تهللت أرييل: "شكراً لك."
"لا، شكرا لك."
تألقت عيناه حماساً.
"والقائدة، بالطبع. إن نجح الأمر، فأود اسمي كمساعد ثانٍ، على الأقل، في التقرير."
قالت أرييل آملة صدق ذلك: "متأكدة أنها لن تمانع."
* * *
"ماذا فعلتِ؟"
انكمشت أرييل أمام نبرة صوت فيتوريا.
"أتسألين لأنك لم تسمعيني؟ أم لأنك غاضبة؟"
سألت أري لأنها قدمت تقريراً ضافياً لأنشطتها لفيتوريا، ولم ترغب حقاً في إعادته.
"لا تمزحي الآن يا أرييل. لست في المزاج المناسب."
لم تبدُ فيتوريا مرحة حقاً. في الواقع، بدا صوتها منزعجاً، وتأكدت أري من أن طائر البوابة سيعبس لو استطاع.
قالت: "لا أمزح."
"بفضل البروفيسور أودن، قد نحصل على علاج التنين قريباً جداً."
"أرييل…"
"أعلم أنك قلقة. لكني لا أظن أنه تنبه على الإطلاق. يعتقد أن التقرير سيكتب بخط يدك."
"ومنذ متى بدأت بالمساهمة في المجتمع العلمي؟"
رمشت نحوه.
"ألا تفعلين؟"
"بالطبع لا. كل التجارب التي أجريها لمنفعتي الخاصة. علاوة على ذلك، ليست لدي ثقة كبيرة في بروفيسورك هذا. معظم ما تفوه به نظريات مؤامرة. مثل هراء مسار الروح القدسي ذاك الذي دُحض بالفعل."
"نعم، لكن النتيجة التي وصفها كانت تماماً ما رأيته. لذا ربما ليس هراء تماماً."
"أخبرتِه بما رأيتِ؟"
"بالطبع لا. كنت بارعة في التلميح للغاية."
"ليس لديك ذرة من التلميح يا أرييل. ولا قلامة خداع."
قالتها كأنها شتيمة. تأملت أري أطراف حذائها، راسمة أشكالاً على أرضية الكهف. شفت شفتها بينما استمرت فيتوريا.
تمتمت: "ما عساي أفعلة بك بحق الجحيم يا فتاة؟"
"أمنحك تعليمات، فتفعلين ما يحلو لك تماماً. تقتربين بالفعل من حافة الهاوية، وتوقعين نفسك في مزيد من المتاعب."
"كيف حال الأفعى؟ والسير سبيندولون"
"لا تغيري الموضوع يا أرييل. أنا أوبخك."
"نعم، لكن يمكنك فعل ذلك بعد إخباري عن الأفعى والسير سبيندولون."
تنهدت فيتوريا.
"السير سبيندولون بخير. يبدو أنه يفضل إنارا على أرييل المزيفة، لذا فهي ترافقه الآن. وأما الأفعى، فحسناً لك، وافقت كات على صنع جرعة الشفاء. أسعيدة أنت الآن؟"
أومأت أرييل، فضاقت عينا فيتوريا.
"ليس مفترضاً بك الموافقة هكذا وحسب. كنت أسخر."
"أه."
لم يفسد ذلك مزاجها حتى. كانت الأمور تتحسن. ستشفى الأفعى. وربما يشفى التنين أيضاً.
سألت فيتوريا: "هل هناك شيء آخر ينبغي معرفته؟"
فكرت أرييل في الأمر وأومأت.
"نعم."
تنهدت فيتوريا مجدداً.
"حسناً. ما هو؟"
قررت أرييل سؤال فيتوريا عن الكرة الزرقاء. جربت ثلاث تعاويذ مختلفة قبل اتصالها بفيتوريا. تغيرت كل واحدة مرة أخرى بشكل مختلف، وظنت ربما تساعدها فيتوريا في رؤية نمط كافٍ يخبره بماهية الكرة.
كررت أرييل: "ما هو يا أرييل؟"
بينما تدبرت كيفية إيصال الخبر.
قالت: "لدي شيء ما. ولا يمكنك سؤالي كيف حصلت عليه. ولا يمكنك إخبار أي شخص آخر بشأنه."
"ما هو؟"
قبل أن تتمكن من الإجابة، عاد ذلك الإحساس بالهلاك. لوّث الزيغ الجو، محذرة وخزة مؤخرة عنقها من أنها مُراقبة، ومطاردة. عادت المخلوقة التي طاردت الكهف، تلك التي حاولت فيتوريا العثور عليها.
قفزت واقفة: "لقد أتى."
"ماذا؟"
"الشيء. الزيغ. إنه هنا."
نظرت حولها، فنشر جناحه طائر فيتوريا محلقاً للبحث عنه. صارت الكرة الزرقاء فائقة النشاط مجدداً، وتساءلت أرييل عما تفعله. لم تستطع استخدام [استشعار]؛ كان أثقل من قدرتها على تحمله المرة الفائتة. لم تكتشف بعد كيفية تقليل التأثيرات. أثمة تعويذة استشعار أخرى يمكنها استخدامها؟
قالت فيتوريا: "أشعر به."
"لكني لا أراه."
خطرت فكرة لأرييل.
"ربما لأنه ليس هنا حقاً."
كانت المرة الأولى التي استشعرت فيها أرييل الزيغ بعد ممارسة التعاويذ السحيقة مع فاليريا. ربما كان هذا الشيء مخلوقاً سحيقاً، لكن بطبيعته، لم يكن موجوداً حقاً، ليس في هذا المستوى على الأقل. كان يطاردها من مستوى آخر. حسناً… يطرح ذلك حزمة مشكلات أخرى. كانت تحارب شيئاً لا تستطيع رصده. ما لم… امتلكت طريقة واحدة لتعزيز رصدها. فكرت أرييل في مجموعة تعاويذ الضوء الأولى التي شكلتها بالكرة الزرقاء.
بدا أن إحداها منحتها رؤية غريبة. أستنفع هنا؟ كان رمية بعيدة لكنها تستحق التجربة، محاولة فيتوريا استخدام تعاويذ ضوء أخرى للرؤية في الظلام. جربتها مجدداً، مجندة الكرة الزرقاء في تعويذة ضوئها البسيطة. تحولت رؤيتها مجدداً إلى سواد وبياض غريبين. تفرست حولها، ثم عبر وميض من شيء ما طريقها.
"هناك!"
أشارت إلى الزاوية، مركزة على السواد الحبري الملتصق بالجدران.
"إنه هناك."
هاجمت فيتوريا دون سؤال. التقطت رؤيتا أرييل البيضاء والسوداء شعاع ضوء فيتوريا. لكنه لم يؤثر على المخلوق. ولم يكشفه أيضاً.
سألت فيتوريا ممسكة الضوء في موضعه: "أين هو؟"
"ألا يزال هناك؟"
نعم، لكن شعاع فيتوريا عجز عن لمسه. راودت أرييل فكرة. بدل إنهاء تعويذتها، أعادت تشكيلها بطريقة عابر الأطوار ودمجتها مع شعاع ضوء فيتوريا مع الكرة الزرقاء ملتصقة بينهما. قلقلت في البداية من عدم نجاح ذلك، أو إيذائه إياها، واستعدت لكسر التعويذة وتلقي الارتداد إن لزم الأمر. لكن ومض الضوء وانطلق مستقيماً نحو ما استشعرت فيه الشيء. فجأة، ملأ صرير المكان، واختفى الزيغ. رحل المخلوق.
أطلقت زفيراً، متساءلة عما إن نجحت في قتل المخلوق نهائياً أو إبعاده فحسب.
استجوبت فيتوريا: "ما اللعنة التي كانت تلك؟"
"وكيف عرفت مكانه؟ وكيف استطعت ضربه؟"
أخذت أرييل ثانية لتتعافى قبل الحديث مجدداً.
"حسناً، كما كنت أقول، لدي شيء ما. ولا يمكنك سؤالي كيف حصلت عليه."