معامل الأرشيماج: عبقرية خفية في أكاديمية السحر الفصل 118 — تغييرات التعاويذ

اقرأ معامل الأرشيماج: عبقرية خفية في أكاديمية السحر الفصل 118 — تغييرات التعاويذ باللغة العربية على مانجا تايم.

ظنّت أرييل في البداية أنّها ارتكبت خطأً. لم يحدث شيء. حتّى مع استقرار شكل التعويذة، لم يكن هناك أيّ ضوء مرئيّ. لكنّها انتظرت وحلّقت وشرّقت بحدقتيها حتّى رأت شيئاً. وهجاً أزرق مائلاً إلى البنفسجيّ الخافت يتحرّك في خطّ مستقيم خارج الكهف. مثير للاهتمام. لم يكن الضوء بقوّة [المصباح اليدويّ] ولا ببريقه. وحين وجّهت الضوء لإضاءة زوايا الكهف، حدث شيء آخر. أومضت صورة في عقلها سريعاً، صورة تخلو من اللون والعمق.

كانت خطوطاً غريبة، وسواداً ناتئاً مع بياض ساطع، ومع تحريكها الضوء، تصرّفت الصورة كذلك.

تساءلت بصوت عالٍ: "ما هذا؟"

بينما انقضى وقت التعويذة وانطفأت. ذهبت الكرات في اتجاهاتها المختلفة. تمايلت الكرة الزرقاء في الزاوية منتشية بعد دخولها في تعويذة للمرة الأولى منذ وقت طويل على الأرجح. حيّت بقية الكرات التي شقت طريقها بتعب.

"همم."

دوّنت أرييل ما رأته: الكرة الزرقاء مضافاً إليها [المصباح اليدويّ] تحوّلت إلى شعاع من الضوء الأزرق المائل للبنفسجيّ وأعطت صورة لشيء غريب. تساءلت عمّا إذا كان مكان وضع الكرة الزرقاء على شكل التعويذة مهمّاً. ماذا لو وضعتها في نهاية البنية؟ وجب عليها انتظار عشر دقائق ريثما تُشحن الكرة قبل أن تتمكّن من المحاولة مجدّداً. وحين فعلت، تحوّلت مرّة أخرى إلى بنية مختلفة قليلاً، ضوء أحمر لم يكن ضيّقاً تماماً، وتحرّك من تلقاء نفسه.

تلّوح في الكهف متوقّفاً في أماكن متباينة. لأيّ شيء كان يتوقّف؟ استخدمت أرييل [المستشعر] لمتابعة حركة الضوء قبل أن يتوقّف عند جدار الكهف. التقط سمعها المعزّز أصوات جري وطنين. حشرات. كان يتوقّف عند الحشرات المتحرّكة على الجدار ليحدّد هويّتها. كان هذا مثيراً للاهتمام. إذن في هذا الاتجاه، حولت الكرة الزرقاء التعويذة إلى متتبّع حركة؟ أم مجرد معرّف حشرات؟ جرّبت تكويناً مختلفاً، فوضعت الكرة الزرقاء في بداية التعويذة.

التلت والتوت، ومنحتها هذه المرة ضوءاً أصفر استقرّ على خصلة عشب في الكهف. فلعلّ هذا الضوء يشير إلى النباتات إذن؟ كان الترتيب الرابع أصعب قليلاً في الفهم. منحها خيوطاً صغيرة تحرّكت في المكان، قبل أن تتجمّع عند نقطة محدّدة. في البداية، لم تر شيئاً مميّزاً في تلك النقطة. لا حشرات ولا نباتات. ثم أدركت. الكرات. كان ذلك مقطعاً عرضيّاً لتيار المانا، حيث تتركز الكرات بكثافة.

تكشف. إنها تكشف الأشياء. خفق قلب أرييل حماسة. كانت لوكسا كرة كاشفة بالفعل، لكنّ بدا أن الكرة الزرقاء عمّقت ذلك الكشف أو غيّرت نوعه. كان هذا جيّداً. لعلّها تتمكن بمزيج صحيح من الجواهر من كشف المزيد عن الروح والهاوية. حتّى الآن، جرّبت الأمر مع الضوء وحدَه. حان وقت تجربة تعويذات أخرى. محاولتها التالية كانت مع [عاصفة الريح]. وضعت الكرة الزرقاء بين أول تقاطع ماسا وكالور وانتظرت لترى ما سيحدث.

مرّة أخرى، تحوّلت التعويذة قليلاً قبل أن تعمل. لكنّها لم تكشف شيئاً كما حدث مع لوكسا. بدلاً من ذلك، طفت نسائم لطيفة وممتعة في الكهف، فداعبت شعرها وأراحتها. قطّبت حاجبيها. كان هذا غريباً. جرّبتها مرّة أخرى، فوضعت الكرة الزرقاء في نهاية التعويذة تماماً، وما حصلت عليه كان زوبعة صغيرة تطفو على الأرض، تلتقط الحطام قبل أن تختفي. أدى وضعها في بداية شكل التعويذة إلى تحريك جسيم عشوائيّ في الهواء حول الغرفة إلى أن حطّ في راحة يدها، قبل أن يتلاشى.

كانت محاولتها الرابعة هي الوحيدة التي وجدتها مفيدة. ألقَت التعويذة ثم أشارت إلى صخرة. حدّدت تلك الصخرة مكانها، ثم دفعتها بضع بوصات إلى الوراء. لم يحمل الهواء أيّ شيء آخر، الصخرة وحدها. إذن ركّز التكوين الأخير [عاصفة الريح] وعزلها. سيكون ذلك مفيداً، لولا أنّه كان محيّراً أيضاً. دوّنت نتائجها ثم انتقلت إلى تعويذات التفريغ. أنشأت [شفرة الهواء] ووضعت الكرة الزرقاء في المنتصف.

تجسّدت التعويذة فجأة على هيئة سيف أسود نحيل يتلألأ ويهزّ الهواء. فتحت فمها بذهول بينما تأرجح حول محور، قاطعاً الهواء ليجعله يتموّج بالقوة قبل أن يختفي تماماً. ابتسمت أرييل. كان ذلك مفيداً للغاية. جرّبت [شفرة الهواء] مرّة أخرى، وهذه المرة، انبثقت مخالب سوداء حول محور، لتجلِد الهواء وتجعله يتلألأ هو الآخر، قبل أن تختفي. توقّفت بعد تلك التعويذة، مدوّنة إيّاها ومتفحّصة كلّ ما جمعته حتى الآن.

ورغم أنها كانت أكثر حيرة من أيّ وقت مضى، إلا أنها ظلت متحمسة. بدا أن الكرات الزرقاء تضاعف حجم [شفرة الهواء]، لكنّها قلّلت تأثير [عاصفة الريح] وحوّلت [المصباح اليدويّ] إلى شيء مختلف تماماً. ولم تستطِع في الواقع لوم النظائر المختلفة لأنّه النظير ذاته يغيّر التعويذات بطرق متنوّعة. فما الذي فسّر تلك التغيّرات؟ ماذا كانت تفعل حقّاً؟ لم يتبقَّ لها الكثير من الوقت، لذا دمجت الكرة أخيراً مع [المستشعر].

كانت فكرتها أنّه قد يكون إحدى سبل تضخيم حواسّها كي تتمكّن من الرؤية عبر الغلاف الجويّ وإلى الهاوية (أو إلى داخل الروح). كانت فكرة خاماً، وتوقّعت أن يصحبها بعض الآثار الجانبية غير المرغوبة. لكن انفجار الأصوات والروائح وكلّ شيء آخر جعلها تطلق صرخة مكتومة قبل أن تزيل التعويذة سريعاً. استغرقت ثانية لالتقاط أنفاسها. لقد ضخّمت الكرة الزرقاء كلّ جزء من تلك التعويذة بما يتجاوز الاحتمال.

كاد هذا القدر الكبير من المثيرات أن يغشيها. سيتوجّب عليها إيجاد سبل لتهدئتها في تكرارها القادم، بينما انضمت الكرة الزرقاء مرّة أخرى إلى رفيقاتها على الجانب. أرادت أرييل فهم ماهيّة ما آلت إليه تلك التعويذة الأخيرة بدقة، وأرادت معرفة ما إذا كان بإمكانها عزل أجزاء مختلفة وإزالتها، لكنّها لم ترد المخاطرة بتفجير طبلة أذنها. فبعد كلّ شيء، تميل التعويذة للتغيّر قليلاً حتّى بعد تجميعها، ممّا قد يقضي على أيّ تعديلات أجرتها.

وجب عليها توخّي الحذر هنا، فبينما كانت التعويذات البسيط ذات تأثيرات يمكن التحكم بها، فإنّ التعويذات المعقّدة قد تؤذيها أو تغلبها بسهولة. وعليها تذكّر أنّها لا تمتلك التركيبة التشريحية نفسها التي يتمتّع بها الجان أو مقاومتهم. قد تكون بعض الأمور بالغة الخطورة بحيث لا تستطيع تجربتها. حامت الكرة نحوها وتمايلت بسعادة. وازنتها على حافة إصبعها، وابتسمت، ومضت تداعبها.

قالت: "لقد أديتِ عملاً رائعاً. كلكم."

قفزت بقية الكرات المستخدمة بتعب وهي تنسحب نحو زواياها.

أردفت وهي تسمع خطوات رافا العائدة: "سأعود غداً."

وما إن وطأت قدمها الحرم الجامعيّ، حتّى توجهت إلى مكتب البروفيسور وودن. لم يكن هناك، فعقدت العزم على التحدث إليه غداً بعد عرضها التقديميّ. وحين عادت إلى غرفتها، كان موس وليرا جالسَين هناك، ويبدو أنهما كانا يتبادلان أطراف الحديث. صمتا حين وضعت أرييل الكتب التي استعارتها من المكتبة. كانت تخطط لقراءة كتاب حكايات الجان طوال الليل.

نهض موس قائلاً: "أهلاً."

أجابت أرييل: "أهلاً."

بينما أومأ برأسه بفظاظة واتجه فوراً نحو الباب. تحوّل بصر ليرا إليه أولاً، ثم عاد إلى أري.

سألت ليرا: "أهلاً، أين كنتِ؟ لم تعودي طوال الليل."

"كان لدي درس مع العميد."

"أنتِ تكذبين."

تنهّدت أرييل. كانت بحاجة ماسة لتحسين مهاراتها في الخداع. تحاشت عوضاً عن ذلك نظرات ليرا وانشغلت بترتيب كتبها تنازليّاً حسب الترتيب الهجائيّ.

بأبرز نبرة ناعمة ولطيفة لكن حازمة بلا منازع، سألت ليرا: "أذهبتِ لزيارة إيلريك؟"

عرضت عليها دون قصد عذراً أفضل من الحقيقة.

"ربّما."

سألت: "إذن لمَ لا تقولين ذلك فحسب؟ ما كنتُ لأخبر أحداً. كيف حاله؟"

أجابت أرييل باختصار: "بخير."

أرادت إنهاء المحادثة سريعاً كي لا تقع في كذبة أخرى. لكن ليرا لم تبدُ في مزاج يسمح بالإنهاء.

"ليس عليكِ الكذب عليّ يا أرييل. بل يجرحني نوعاً ما حين تفعلين ذلك."

عضّت أرييل على شفتها.

"أنا آسفة."

آخر ما أرادته هو إيذاء ليرا.

"إن كنتِ آسفة بحقّ، فأخبريني بالحقيقة."

شبكت ذراعيها على صدرها.

"ما الذي يجري معكِ؟ لقد كنتِ غريبة منذ ما حدث مع إيلريك. عدتِ ولستِ تفعلين سوى التواجد في المكتبة بلا انقطاع أو في الدروس، أو في غرفتنا تقرئين. عقلكِ شارد دائماً لدرجة يصعب معها حتّى تبادل أطراف الحديث معكِ. كما أنكِ لم تخبريني بتعرض ابنة عمّكِ لهجوم من شياطين. اضطررت لسماع الأمر من الشائعات مثل الجميع. لا أنني ألومكِ."

سارعت بإضافة الجزء الأخير.

"أنا متفهمة أن الحديث عن الأمر صادم للغاية، ولهذا منحتكِ مساحتكِ وكلّ شيء. لكن كما تعلمين... يمكنكِ التحدث إليّ إن احتجتِ. أليس كذلك؟"

عضّت أرييل على شفتها. أرادت قول نعم، لكنها لم تستطع. كانت هناك أمور بعينها لا تستطيع التحدث فيها مع ليرا إطلاقاً، مهما رغبت في ذلك. لم تقل ليرا شيئاً لفترة، ثم تنهّدت.

"أرييل، نحن صديقاتكِ. لكن الصداقة طريق ذو اتجاهين. لا ينبغي أن يقتصر الأمر على مساعدتكِ لنا فحسب، فنحن نريد أن نكون قادرات على مساعدتكِ أيضاً. نحن نهتم لأمركِ ونريد معرفة ما إذا كنتِ تتعاملين مع مشكلة ما. يحقّ لكِ تماماً الاحتفاظ بأسراركِ. ربما كانت دروسكِ السرية مع العميد فوق ما يمكننا استيعابه. لكن يمكنكِ على الأقل تنبيهي حين تذهبين إلى مكان ما. أو إخباري لمَ تبدين متوتّرة طوال الوقت هذه الأيام، أو مجرد إخباري بما يدور في عقلكِ."

كانت أرييل قد انتهت من رصّ الكتب وبدأت في تفريغ رصّتها مجدّداً. لم تدرِ كيف تردّ على ليرا. لم تستطع الإجابة عن أيّ من أسئلة ليرا، ممّا أشعرها بأنها صديقة سيّئة، لكنّها شعرت أيضاً بأنّ أيّ شيء قد تقوله سيكون هو الخطأ، وستنتهي بخسارة ليرا إلى الأبد نتيجة لذلك. أرعبتها الفكرة. كان جزء منها ينتظر أن تبدأ ليرا بالصراخ كما كانت سيلي لتفعل في هذه المرحلة. كانت سيلي ستستشيط غضباً، وليرا تشبه سيلي، لذا ربما كانت منزعجة الآن.

كان عليها فعل شيء، لكنّ دماغها بدا وكأنّه تجمد. انفتح فم أرييل وانغلق مراراً، لكنّ كلمة واحدة لم تغادره. كانت خائفة. لم ترد أن تكفّ ليرا عن كونها صديقتها، وكان خسارة صديقة أمراً أسهل بكثير من خسارة أخت.

"أرييل؟"

"نعم."

"أسمعتِني؟"

"نعم."

"أستردّين عليّ؟"

لم تدرِ أرييل ما تقول، لذا وكالعادة، لم تقل شيئاً.

تمتمت ليرا وهي تبتعد: "يا له من حديث رائع."

* * *

انفجرت فيتوريا خارجة من قاعة الاجتماعات، بينما اشتعل الغيظ على بشرتها. شعرت بالرغبة في العودة إلى هناك واستخدام عصا الضوء لصفع بعض المؤخرات. وربما مناطق أخرى أكثر رهافة. مفاهيم فارغة حمقاء. أغبياء. لهذا بالذات لم ترغب في العودة إلى هنا، لأنّها علمت أنها ستضطر للتعامل مع هذا. مهما كانت قوتها، ومهما أثبتت جدارتها، ومهما كانت على حقّ، فستكون البيروقراطية هي ما يفوز في النهاية دائماً، وكانت البيروقراطية تجعلها بائسة.

لقد قدّمت طلباً بسيطاً للغاية من الناحية النظرية، لكنّه مفصّل. أخبرتهم باكتشافها للتنين الجريح في البركان، ودائرة الطقوس المرافقة له. وأوصت بإغلاق الجزيرة وإخلاء القرى المجاورة ريثما يتعاملون مع المشكلة. كان ينبغي تتعامل المحاكم السفلى مع تفاصيل الإخلاء، نظراً لأنّ معظم تلك المستوطنات كانت عاديّة، وسيستوعبون لوجستيّاته. كانت فيتوريا تعمل بنفسها على كسر دائرة الطقوس بطريقة تحدث أقل قدر ممكن من الضرر، بينما كان عدد قليل من المحققين يحللون الوجود الشيطاني في المنطقة.

كان كلّ شيء يسير على ما يرام إلى أن اختلف المجلس حول ما إذا كان الإخلاء ضروريّاً. ناقشوا الوضع السياسيّ الحساس في بيرونيس، وملكية المناجم، والمعركة بين الكامهاناش والليثامون. استمرّوا بلا توقّف في الحديث عن القوة والسياسة وكلّ ما لا علاقة له بحقيقة أن مئات الأرواح كانت في خطر. في النهاية، وُضع الأمر للتصويت، وفازت فصيل عدم الإخلاء بفارق صوت واحد. لم يكن المتفوق حاضراً، لذا لم يكن هناك حق نقض.

وافقوا على نصب الدروع ووضع أنظمة إنذار قوية لكنّهم شعروا بأنه لا داعي لتشريد هذا العدد الكبير من الناس وتدمير أسباب رزقهم بسبب شيء قد لا يحدث. وبحقّ، لم يكونوا على علم بكلّ شيء، بما في ذلك الكرات الصغرى الحرة التي رأتها أرييل وحقيقة أن أحدهم كان يمتصّها على الأرجح. لم تذكر ما بدت الطقوس فاعلةً له، لأنّها لم ترد أن يعرف الجاني مدى اقترابها من الإمساك به فيقوموا بمحو آثارهم.

كانت ستشارك الأمر فقط إن احتاجت لذلك، لكن كل ما أخبرتهم به كان يجب أن يضمن إخلاءً للمدة اللازمة إلى أن تتعامل فيتوريا مع الموقف. لكن لا. لقد دمر أحمق واحد التصويت، جاعلاً الوضع بحيث يتعين على المستضعفين البقاء في أماكنهم. وإذا ماتوا، فسيكون ذلك ذنبها. لذا، فلن تدعهم يموتون. كان عليها إتمام تحقيقها بأسرع ما يمكن. أثناء حديثها، انتبهت جيداً للغة جسد الحاضرين لترى من كان على علم بالأمر.

بدا اللورد ووترسكاي، وهو أستاذ وقريب بعيد للليثامون، متوتراً بعض الشيء بالنسبة لها. وهناك ستبدأ تحقيقها. انتهى الاجتماع بعد أن قرر المجلس إرسال إيلريك وبعض علماء الجيومانسيا لنصب الدروع وتخصيص حلقات حماية ستساعد في احتواء أيّ تعقيد يحدث في الجزيرة. نالت فيتوريا معظم ما أرادت؛ ومع ذلك، غادرت الاجتماع تشعر بعدم الرضا التامّ وبالانزعاج من العملية برُمّتها.

"أيتها القائدة."

توقّفت فيتوريا واستدارت لتجد اللورد وسلام يقترب منها. انحنى ثم اعتدل، بينما ارتسمت ابتسامة على طرف شفتيه.

حيّاها قائلاً: "لقد مضى وقت طويل."

بدا مسروراً بانزعاجها، ورغم أنه كان أصغر منها بسنوات عديدة، إلا أنه بدا أكبر سناً. كان مفهوم الشيخوخة مرتبطاً مباشرة بمستويات القوة، وغالباً ما بدا سادة السحر أصغر سنّاً لفترة أطول من الأساتذة مثله. ناهيك عن تعقيد الأمور بفضل جينات الجان خاصتها. أطلقت فيتوريا زفيراً من شفتيها.

كان اللورد وسلام أحد القلائل في البلاط الذين لم تمانعهم كثيراً، لذا أشارت بإصبعها نحو الغرفة التي غادرتها للتو وقالت: "إنهم أغبياء."

"نعم، لكنكِ عرفتِ ذلك مسبقاً."

أخذ يدها وأدخلها في ثنية مرفقه. كانت تفوقه طولاً، لكنها سمحت له بإمساكها بينما كانا يمشيان.

"لكنني أكثر فضولاً حيال ردّ فعلِك. تبدين كمن يعطي الأمر عجلة أكبر مما يستحق."

"ألا يبدو لك تنين مضطرب محاصر في جزيرة قريبة من التجمعات البشرية أمراً عاجلاً؟"

"يبدو كذلك؛ ومع ذلك، ذكرتِ أن التنين يموت، أليس كذلك؟"

"إن مات وفعّل دائرة الطقوس، فقد تصبح مشاكلنا أسوأ عشارات المرات."

"إن كان صدعاً، فسنتعامل معه كما تعودنا دائماً. بالإضافة إلى ذلك، ومما شرحته، نحن نفترض فقط أن موت التنين يفعّل دائرة الطقوس. قد لا يكون الأمر كذلك، وإن لم يكن كذلك، يمكننا الذهاب لقتل التنين أولاً بينما هو ضعيف لوقف آثار الاضطراب بينما نتعامل مع بقية هذه الفوضى."

"لا يمكننا فعل ذلك."

"لمَ لا؟"

لأن مصدر إزعاج يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً أخبرني بأنه لا يمكنني ذلك. بدت الكلمات سخيفة حتى في عقل فيتوريا.

"أقلتِ إن الأمر سيتطلب منكِ أسابيع للتراجع عن دائرة الطقوس؟"

"حتماً."

"ولم تعثري على من ربما وضع دائرة الطقوس؟"

"أفضل تخميني هو الشياطين. لقد تعرضت للهجوم من أحدهم هناك."

"آه. بالطبع. هم. لكن لمَ؟"

"هذا ما عليّ معرفته."

حدق فيها مطوّلاً.

"هناك شيء لا تشاركيننا إياه يا فيتوريا، السبب الحقيقي وراء انزعاجكِ. ربما يشعر المجلس بذلك، وهذا سبب عدم تركهم إياكِ تفعلين ما ترغبين."

أصدرت فيتوريا خواراً من حلقها. لم تكن لتخبر أحداً عن الكرات الصغرى، ولا حتى وسلام الذي كانت تحبه تماماً. إن كان اللورد ووترسكاي من المجلس متورطاً، فهي إذن لا تدري إلى أي مدى يصل الأمر، وتفضّل الإمساك بالجرذان قبل أن تختبئ. كانت تمتلك الوسائل للتحقيق في الأمر بنفسها على أي حال.

غيّر اللورد وسلام الموضوع قائلاً: "على أي حال، ليس هذا ما جئت لأتحدث معك بشأنه."

"أليس كذلك؟"

"بلى. الأمر يخص إيلريك. أو بالأحرى ابنة عمّكِ حديثة العهد، أرييل. أتقابلتِ بها؟"

قالت فيتوريا دون تفكير: "نعم. مرّة واحدة. زارت إيلريك بعد مرضه."

"أرى. ما رأيكِ فيها؟"

"لست متأكدة. أميل لعدم تكوين آراء حول الرضع."

"الرضع؟ إنها مراهقة على أقل تقدير."

"الأمر سيان. إنهم صغار جداً لدرجة أنهم لا يعرفون حتى من هم بعد. كيف لي أن أكون رأياً عن قطعة غير مكتملة وغير مشكلة؟"

تمتم اللورد وسلام: "نعم. غالباً ما أفكر بالطريقة ذاتها. أميل لعدم إزعاج نفسي بالجيل الأصغر. لقد قابلت العديد من الموهوبين عبر السنين، وحتى في الآونة الأخيرة، لكن انتهى المطاف بمعظمهم بخذلاني بطريقة أو بأخرى."

توقف قليلاً.

"لكن بالنسبة لأرييل، أجد الفتاة رائعة."

"أحقّاً؟"

"نعم. كما تعلمين، تحدت آن آيرثبايندر بسبب إهانة استخدمتها آن لإهانة والدها بالتبني، وهو موسبورن، من بين كل الأشخاص. كانت إحدى أكثر المعارك تسلية ومن طرف واحد شاهدتها منذ فترة. رغم أن أرييل تقنياً آيرثبايندر بنفسها، أو قريبة بعيدة على الأقل، إلا أنها تبدو وكأنها لا تريد علاقة لتلك العائلة. ولا علاقة لتلك العائلة بنا أيضاً. أخبرني ولفريك أنها رفضته ودعوتي إلى حفلة إيفرسون بكل بساطة."

ابتسم اللورد وسلام بتهكم.

"لقد صُدم حقّاً، إن جاز لي التعبير. لم أقرأ قط رسالة محتدمة إلى هذا الحد، إذ إن هذا ليس أمراً معتاداً بالنسبة له كونه مرفوضاً من الفتيات. من ناحية أخرى، كنت أعلم أن هناك احتمالاً بأن تكون أذكى من أن تقع في سحر كتلة شذاذه."

هز كتفيه.

"الأمر الصادم هو أنها تبدو رافضة للارتباط بعائلتنا ككل. لم يكن عليها رفض الحفلة لصدّ تقدم ولفريك. كان بإمكانها الحضور وحدها ببساطة، لكنها مع ذلك ردت هداياي وأعلنت بشكل قاطع أنها لن تحضر. لقد حاولت التحقيق في عائلتها بحثاً عن ضغائن قديمة أو نشاط إجرامي محتمل. بصرف النظر عن حقيقة أن أصولها غامضة بعض الشيء وأن شقيقتها تقوم بأعمال سرية، لا يوجد شيء يستحق الذكر."

"ماذا تفعل شقيقتها؟"

بالطبع، كانت فيتوريا تعلم مسبقاً، لكنّ هذا بدا مكاناً مناسباً في المحادثة لطرح السؤال.

"إنها قاتلة مسجلة لدى النقابة. لم تعمل كثيراً مؤخراً. تبدو العائلة وكأنها حصلت على ثروة ما، وهو أمر مريب أقل ما يقال فيه."

"على الأرجح من إيلريك."

"نعم، هذا ما فكرت به."

تنهّدت بدرامية.

"على أي حال، لا تبدو معجبة بولفريك، أو بأي من هداياي، وولفريك منزعج مني الآن لأنه يعتقد أنني ربما دفعته لجعل نفسه أفوهاً. وقد أكون أفوهاً أنا الآخر حقّاً. لقد جهّزت لها كضيفة شرف، بعد كل شيء، والآن قد لا تحضر حتى لأسباب لا تزال تفلت مني."

"ألم تفكر أبداً في أن ربما لا تريد حضور الحفلة... لأنها حفلة؟"

منح فيتوريا نظرة حائرة، من الواضح أنه لم يفكر قط في هذا الاحتمال.

"أيّ فتاة شابة لا تحب حفلة جيدة؟"

ذكّرهته فيتوريا: "أنا."

فبدا مذهولاً. هكذا كان اللورد وسلام. حسن النية لكنه قديم الطراز وله أفكار تقليدية إلى حد ما عن الرجال والنساء.

"لقد كرهت تلك الأشياء عندما كنت في سنها. ربما لا ترغب في الحضور، ليس لأنها تحقد على عائلتك، بل لأنها تمقت مثل هذه الأحداث الباهرة."

قال وعيناه تتوهجان باهتمام أكبر جعل فيتوريا تندم على قول أي شيء: "رائع. فبماذا ترينها تعجب إذاً؟"

"لا أعلم. كما قلت، قابلت الفتاة مرّة واحدة."

لمح اللورد ووترسكاي يمر بجانبهما، متحركاً بسرعة عبر بعض الأبواب.

قالت للورد وسلام وهي تسحب مرفقها من بين يديه وتبدأ في تتبع الرجل، مشكلة التعويذة وهي تمشي: "معذرةً."

كانت تعويذة معقدة، واحدة تتطلب عدة خطوات وطبقات، وتستعين بالكثير من لوكسا على وجه الخصوص. لكنها ألقتها مرات كافية لتصبح طبيعة ثانية لها، ولم تكن بحاجة حتى لقول الكلمات لفعلها. الآن ما تحتاجه هو التواصل. تتبعته حتى أصبح في الخارج ونادت باسمه. تجمد حين رآها هناك. ابتسمت ولوّحت. ابتسم باحتباس ولوّح بدوره. كان هذا كل ما تحتاج إليه. وبحلول الوقت الذي انطلق فيه بسيارته، كانت قد أنشأت باباً صغيراً.