عجزت أرييل عن العثور عليه. جابت الكهف بأسره باحثة عن مصدر هذا الشعور المريب، غير أن معظم الجواهر كانت تتهادى بصورة طبيعية، عدا معقداً حرارياً بدا وكأنّه يلتصق بها. قطبت حاجبيها نحوه، متساءلة عمّا إذا كان ذلك ما تشعر به. ومع ذلك، فحتى بعد أن أبعدته عنها، ظلّ غرابة الأمر مخيماً. عندئذ قررت البحث بطريقة أخرى. جلست متربعة على الأرض، مغمضة عينيها. لم تطأ الهاوية الداخلية قطّ منذ ما حدث في منزل فيتوريا، جزئياً لخوفها من أن تُحتجز داخل جسدها كما حذّرتها فيتوريا.
ومع أنّها عرفت سبيل الدخول إلى الهاوية عبر تلك الوسيلة، إلّا أنَّها لم تكن تدري كيف تخرج، ولم تشأ أن تختفي مثلما فعل الكثيرون غيرها. بدا لها اختبار الهاوية على هذا النحو، ودون سيطرة كاملة، كأنّها تخوض لعبة خطرة بلا هوادة وفق شروط التيّار، ولعلّها كانت تلك الزلة التي وقع فيها الآخرون أيضاً. لكن إن كتب عليها تعلم تعاويذ الهاوية، فسيتسنى لها اللعب وفق شروطها الخاصة.
ولهذا تمسكت بتأملها المعتاد للتركيز، وبناء تقنيتها القاضية بعزل الحواس الواحدة تلو الأخرى. وهذا ما فعلته الآن: أغمضت عينيها، وحجبت كل شيء ببطء مستخدمة جوهرها وحده لمسح المكان. انتظرت إلى أن استشعرت كل رابطة تخصّها بكل كرة مفردة. أحسّت بالجوهر الأزرق ينبض، ضئيلاً لكنه صاخب. حاولت تقصي منبع الفوضى، لكن كل شيء عدا الكرة الزرقاء بدا طبيعياً، وعجزت عن إدراك ما كانت الكرة الزرقاء تبثه إليها.
بعد لحظات من التأمل، فتحت عينيتها أخيْراً وتنهدت. إن تعذّر عليها الإحساس بالأمر بأي من حواسها الأخرى أو جوهرها، فلم يبق سوى احتمال واحد. مهما يكن ما يكمن هنا، فهو في الهاوية.
نادت قائلة: "أهلاً. بلوتارخ. أأنت هذا؟"
لم تتلق أي رد.
"أأنت... بين؟"
ساد الصمت مجدداً. أطبقت أرييل شفتيها الآن وأخذت تفكر فيما ينبغي فعله. لم تكن خائفة بالضرورة من وجود كائن يرمقها من الهاوية، مع أن الفكرة أثارت في نفسها شعوراً مبكراً بالانزعاج يشبه ذلك الذي تخلّفه النظرات في قاعة الطعام. وعلى الرغم من ذلك، راودها فضول أشد حيال كيفية وصوله إلى هناك. ومع احتمال وجوده لفترة أطول، فقد استشعار غرابة الأمر أول مرة حين كانت هي وفيتوريا تتدربان على تعاويذ الهاوية.
تصرفت الكرة الزرقاء بغرابة آنذاك ثم استقرت بعد هنيهة. إن كان هناك حقاً ما عالقاً في الهاوية، بلوتارخ كان أم غيره، أكان عليها إخبار أحد؟ كعميد الكلية مثلاً؟ لكنّه حينها سيرغب في معرفة كيف أتيح لها معرفة كنه الهاوية، وكيف جمعت معلوماتها كافة، والتي استقت بعضها من مذكرات كورنيليوس وبعضها الآخر من القسم المحظور في المكتبة. وربما خدعها لتفصح بأكثر مما تنوي قوله. ويرجيح أن يفضي ذلك إلى الحديث عن التيار وحقيقة تقمصه لها، غير أن إخبار العميد قد يعرضه هو الآخر للخطر.
لكن إن وُجد حقاً ما علق في الهاوية، وكان خطيراً، فستكون مسؤولة إن لم تخبر أحداً، أليس كذلك؟ قد يعجزها الوصول إليه، لكن ربما وجد من يقدر على ذلك. طفقت تعض شفتها تفكيراً فيما ستفعله لبعض الوقت، بينما تأرجح عقلها بين الاحتمالين. كان هناك شخصان تستطيع إخبارهما. أيلريك وفيتوريا. وستكون فيتوريا الأرجح معرفة بما ينبغي فعله. كان عليها أن تطلب من أيلريك منح فيتوريا لفافة مراسلة هي الأخرى لتتمكن من مخاطبة المرأة الأخرى مباشرة، نظراً لانشغال أيلريك المرجح.
ولن تستطيع أرييل إخبارهما بكيفية علمها، بيد أنها ستخبرهما بإحساسها بوجود شيء مظلم في ذلك الكهف يرجّح صدوره عن الهاوية ومن ثم فعليهما— انقطع حبل تفكيرها بغتة. وهكذا تماماً، تبدد الشعور. دون سابق إنذار، تلاشى وكأنّه لم يكن قط. قطبت أرييل حاجبيها والتفتت حاصة. فالشعور العميق بالريب في الأجواء، وكأنّها ملوثة بسمّ خفي الأثر، قد تبدد. بحق الجحيم، ما الذي حدث للتو؟ إلى أين ذهب؟
أأدت تخيلاتها دوراً فحسب؟ وحين فكرت في الأمر، صار جلياً عسر تحديد أو صياغة كنه ذلك الشعور، أو كيف أثر فيها. أكان موجوداً حقاً؟ أكانت مصابة بجنون العظمة؟ لا. فقد بالغت الكرة الزرقاء في نشاطها يقيناً، رغم أنها كانت ترتطم بهدوء مجدداً الآن. أتحرك الغريب ببساطة مبتعداً؟ لعلّه بلوتارخ. لعلّه يتعقب خطاي ويتجسس عليّ. اعتقدت في البدء أن ضحايا الاحتجاز في الهاوية ظلُّوا حبيسي الموقع العام الذي اختفوا فيه، لكن ذلك لم يعدو كون افتراض مبني على ما رأته في غابة هيليرون.
ولربما استطاعوا التحرك ضمن حدود معينة. لعله بلوتارخ يقتفي أثرها. ولعلّه كان سبب الأحداث الغريبة كخلل البوابة والمكاتب الهاربة. ألعله أمر حاول فعله، وتلك هي علة وجوده هنا الآن؟ أو لعلّه لم يكن بلوتارخ. لعلّه أمر آخر برمته. أو لعلّه لم يكن شيئاً البتة. بدا هذا محيراً للغاية. راوحت بين الإفصاح عن المعلومة من عدمه، أو الانتظار عسى أن يتكرر الأمر. لكنها قد لا تكون هنا المرة القادمة إن حدث، وإن فرّ المخلوق دون علمها وآذى أحدهم، فستشعر بالمسؤولية لعدم إفصاحها مُسبقاً، لا سيما إن كانت تجربتها مع فيتوريا قد تسببت في ذلك بطريقة ما.
تنهدت وأتمت تأملها بينما مالت الشمس شبراً آخر في السماء. ستحضر رافا قريباً. وحين شرعت في مغادرة الكهف، لاحظت أن أثر الحرارة الملتصق بها يحاول اللحاق بها خروجاً أيضاً. بدا ذلك غريباً. ظنت أنها بددتهما. فعّلت رؤيتها الهالة مجدداً، وعندها فقط رأت الروابط الواهية للغاية بين كرات الحرارة. مذهل. لم تر روابط كهذه من قبل، واهية حتى إن بالكاد تُرى. من وضع تلك هنا؟ أألقى أحدهم تعويذة هنا؟
من كان هنا غيرها؟ تساءلت عن كنه ذلك وكسرت التعويذة مجدداً، قبل أن تُعمل فكرتها في أمر ما. قد توجد طريقة أيسر لمخاطبة فيتوريا. ألقت نظرة على السوار المحيط بذراعها، ذاك الذي يستدعي طائر البوابة.
قالت: "فيتوريا. علينا التحدث."
لم يحدث شيء. ظل السوار خامداً، ولم ينبض طائر البوابة بالحياة.
حاولت مجدداً: "فيتوريا. أنا في خطر داهم."
لم تفعّل الكذبة السوار. لعل السبب عائد لعدم تناسب حالتها البدنية أو نبرتها مع الكلمات. لذا تصورت شكل التعويذة عوضاً عن ذلك وشرعت في الجْسّ، باحثة عن معقد التفعيل. في تلك اللحظة، انطلقت سحابة عاصفة من السوار، لكنها صاغت صورة لوجه فيتوريا العابس بدل الطائر.
"أرييل. أنا مشغولة قليلاً هنا. أهذا أمر عاجل؟"
كانت فيتوريا تتنفس بانتظام، لكن خطاً غريباً بدا على وجهها. شيئاً يشبه الدم.
قالت أرييل وهي تقطب حاجبيها لتوافد كرات الحرارة نحوها مجدداً: "ربما. لكن بوسعي الانتظار."
ابتسمت فيتوريا بغتة.
"في الواقع، على رويَّة، ينبغي أن نتحدث. ربما عليك القدوم لمساعدتي في أمر ما."
"في ماذا؟"
"أوه، لا شيء. مجرد مهمة تافهة للغاية."
* * *
قبل هذا الأسبوع، لم تعرف سيلينا عن الشياطين سوى القليل. لكن ومنذ ذهابها إلى الكهف في القاعدة الشمالية واختبارها لمسّ شيطان بنفسها، بذلت جهداً لتعلم كل ما تستطيع عنه. وهذا ما برر وجودها الآن في مكانها الأقل تفضيلاً ثانياً—الطابق الثاني من مكتبة المدرسة. لم يدط طويلاً ما اعتقدت أنه مسّ شيطاني. إذ غدا شعوراً عصياً على الإدراك، يكاد لا يُبان، قبل أن يتلاشى تماماً. ظنت أن الشيطان قد قصد البحث عن أرييل، وحين تيقن من أنها ليست أرييل، انسحب.
مكثت سيلينا وقتاً كافياً لنضح وسم حراري كما علّمها الشيوخ، قبل أن تعود إلى الحرم الجامعي. ذهبت إلى الكهف مرتين أخريين لكنها لم تستشعر الشيطان مجدداً، رغم مواصلتها البحث عنه. وممّا أثار غضبها إباء الشيطان التفاعل معها رغم كونها عينة فائقة للاستحواذ، إن كان ذلك ما يبتغيه. أفضل بكثير من بلاكصويل. أو لعله أدرك عجزه عن الاستحواذ عليها. لعلّه خاف منها. وعلى أي حال، كانت تطالع المزيد عن الشياطين وكيفية استجلابها الآن.
وطبعاً، لم تخبرها أي من كتب هذه المكتبة اللعينة بذلك. بل ركزت على كيفية اكتشاف الاستحواذ الشيطاني. وسردت الحروب العديدة التي شنتها الشياطين على الأرض، والتي أفضت إحداها بصورة غير مباشرة إلى مقتل عائلتها. كانت للطائفة الشيطانية علاقة طويلة ومعقدة بمملكة بيرونيس، وبعد إرسال الملك لبعض جنوده لإعانة حرب شيطانية، لم يبق في القصر عدد كاف من المحاربين لحمايته حين اجتاح ساحر مظلم مجنون، ليفني عائلته برمتها عدا سيلينا.
كان حريّاً بسيلينا بغض الشياطين لأجل ذلك. لقد بغضتهم، لكنها احتفظت في الوقت ذاته بنظرة مغايرة للأمور. إذ أدركت، مع تقدمها في السن، أن أموراً بعينها في ذلك الهجوم لم تكن منطقية، وبدأت همسات معينة تطرق أسماعها. همسات عن صراع سلطة داخلي، وعن كون الساحر المجنون مجرد ستار لقتل الملك. وعن رشوة الحراس وكون الجناة هم ذاتهم من تظاهروا بحمايتها طوال طفولتها. كان أبوها رجلاً لطيفاً وكريماً، لكنه كان ملكاً ضعيفاً أيضاً.
فلم يفلح في صيانة السيادة المطلقة التي سعى إليها جدها، مما سمح لإمبراطورتيه بالتصدع إلى فصائل وزارية متباينة، نال كل منها سيطرة مفرطة تحت مرأى الملك. لم تكن سيلينا متأكدة مما حدث تلياً، لكنها ظنت غالباً محاولة أبيها إجازة قانون مكروه للغاية، فتخلصوا منه بأساليب التواء، وأبقوها حية، لئلا يتولى أبناء عمومتها الأقوى العرش. ومع إقرارهم بأن العرش مكانها الشرعي، فقد علمت ترقب الوزارء منها الجلوس مجرد واجهة، تماماً كفعل أبيها.
وكان مفترضاً بها توقيع أي شيء يوضع أمامها، وإصدار المراسيم التي يهمسون بها في أذنيها، والانطلاق لخوض الحروب، بينما يمسكون هم بزمام السيطرة الفعلية على كل شيء. وهذا ما أعدّها الشيوخ لأجله: غدو تاجاً عقيماً لكن نافعاً بينما يديرون هم البلاد. وإن تمردت، فلربما خانها أحدهم تماماً كما خانوا أباها. أبقتها الفكرة مستيقظة بعض الليالي. ولهذا عدّت أحد الأسباب التي دفعتها للتدرب بأقصى طاقة، مضحية بتوازن جوهرها في سبيل قوة بحتة.
أدركت سيلينا قوتها. فموهبتها الفطرية وعزيمتها جعلتاها أصغر سادة سناً على الإطلاق. مع ذلك، لا يمكن للمرء بلوغ فائض القوة. وإن كان ثمة شيطان منح أرييل القوة لغلق بوابات لم تفتحها وإلقاء تعاويذ أسرع من طرفة عين، فتلك قوة تشتاق إليها سيلينا بدورها. ابتغت شيئاً يعصى على الفهم أو التقليد، تماماً كأرييل. ومع هذا، لم تحسم سيلينا أمرها بعد بشأن إبرام صفقة فعلية مع هذا الشيطان.
فمعضلة العهود الشيطانية تمثلت في خداع الشياطين بالفطرة، وكان أحدهم سيدفع الثمن في النهاية. حتى مجرد التفاعل معهم تطلب قدراً طائلاً من الحذر، وهو ما عزمت على فعله. ولن تتسرع في خوض أي شيء. غير أنها لم تمتلك أحداً لتخسره سواه. وإن استطاعت أرييل التضحية في سبيل القوة، فلم تعجز هي عن ذلك؟ مع ذلك، لم تنو معاشرة الشيطان بعد. بل أرادت البدء بطرح بضع أسئلة عليه، ولربما اكتفت بقطع مصدر قوة أرييل وتبليغ المجلس بجرائمها.
أغلقت سيلينا كتابها بضجر، دالكة رأسها. كان هذا إهداراً للوقت. فلن تجد شيئاً هنا. فإما تواصل إصرارها وارتياد ذلك الكهف إلى أن يخاطبها الشيطان. أو تسأل من يعلم شيئاً عن الشياطين. يسولت؟ رغم عدم خوض الجمعية في تفاصيل ما حلّ به، أرسل لها الراهب إرنستو رسالة تفصل قرار المجلس وعقوبته بحقه. وأخبرها كذلك بما زعم يسولت فعله مع الشياطين. بدت فكرة مثيرة للاهتمام أقل ما يقال. وتساءلت عما إن انطوت على جدوى ما، وما إن أمكن للمرء تعلم استخدام الشياطين والسيطرة عليها.
وتساءلت عما إن استطاعت تدبير لقاء مع يسولت. لم يكن قيد الاحتجاز، لكنها استبعدت سماح الشيوخ وكبير السحر أيلريك باقترابها. قطع حبل تفكيرها وقع خطوات تعتلي الدرج الحلزوني المرصع بالفضة. ولفريك ويسلي. فك زري قميصه العلويين وهو يمشي، ملقياً برداءه بتهور على كتفه. التقت عيناه بعينيها، لكنه خلا من ابتسامته الساحرة المعتادة. اكتفى بإيماءة متخشبة حين قصد أحد الصفوف والتقط كتاباً ليقرأه.
وانكفأ إلى أحد الكساري الجلدية ذات الظهر الصلب ليفعل ذلك تماماً، عاقداً ساقيه ومتقمصاً هيئة نبيل متعجرف. أدركت سيلينا فحوى مزاجه القاتم. فقد سمعت برفض أرييل لدعوة الحفل. ولم يتوقف أحد عن الثرثرة بشأن ذلك طوال الأيام القليلة الماضية، وعجز الجميع عن إدراك سبب إبائها الذهاب. أتعجرفاً، لاعتقادها بعدم حاجتها لتعريف نفسها بمجتمع الأسياد الرفيع؟ أم هو شعورها بالانزعاج لعدم نشأتها في كنف ذلك المجتمع، مما أشعرها بأنها في غير مكانها؟
أم لبساطة عدم رغبتها في الشعور بالتقيد نحو آل ويسلي؟ ظنّت سيلينا أنهم يمنحون أرييل قدراً مبالغاً فيه من الاهتمام ويولونها عناية طائلة. لكنها علمت كذلك ما جهله الجميع عن أرييل. وربما عادت علة إباء أرييل الذهاب إلى الحفل إلى قواها المحرمة. إذ لم تشأ أن يكتشف أحدهم معاشرتها للشياطين، وعلِمت أنه لو قُدر لها التواجد بحضرة شخص يمتلك رؤية الأرواح، فسيتبين له الأمر فوراً.
وبمناسبة الحديث عن ذلك… فقد عرفت شخصاً يمتلك رؤية الأرواح حقاً. الليدي إيشتا. لم تكونا صديقتين، ولم تكن تكنّ وداً خاصاً للفتاة، لكنهما تحدثتا مرة أو مرتين في مختلف فعاليات الطبقة الرفيعة التي حضرتاها. ولربما استطاعت حمل الفتاة على إلقاء نظرة على روح أري. وبوسعيلينا تأكيد شكوكها بتلك الطريقة. ناهيك عن كونها وسيلة جيدة لبلوغ يسولت. ابتسمت سيلينا. لا بد أن إيشت المسكينة تقضي وقتاً عصيباً، إذ تُنبذ غالباً بفضل أفعال أخيها غير الشقيق.
لكنها قد تستعين بصديقة الآن. لا سيما بصديقة نافذة كسيلينا. حسناً، لقد تكفل هذا بالأمر. نهضت وهمت بالمغادرة، لكنها اقتربت أولاً من ولفريك ببطء، رغم الضجر البادي على محياه حين منحها انحناءة سريعة لكن محترمة.
قالت: "أفترض أن أباك غاضب من الوضع."
لم يتظاهر ولفريك بعدم إدراك ما تقصده. ولا شك في سماعه للأمر أكثر من مرة اليوم.
رد محركاً صفحة من الكتاب: "حسناً، مرتبك أكثر من أي شيء. سيشرع في تحقيق أعمق في خلفيتها ليرى إن وُجد أي صراع محتمل بينهما أو إن أخفيا أي أمر جرمي. كما يزعجني بلا توقف بالأسئلة، مفترضاً إتياني ما نفّرها."
"أفعلت؟"
"لا."
وبدا الإحباط جلياً في صوته.
"لا أفهم تلك الفتاة. لم أفعل سوى الإحسان إليها، ومع ذلك تعاملني كأنّي قاذورات تحت حذائها."
وحرك عضلات فكه.
"لقد خضنا محادثة واحدة... محادثة جيدة نوعاً ما، والآن يبدو كأنها لا تتذكرها البتة."
"أهلاً بك."
"تظنني غالباً أدنى شأناً لكوني لقيطاً تقنياً، أليس كذلك؟"
رمق سيلينا بابتسامة ساخرة.
"أعني أن إدوارد هو من يرث اللقب على أي حال. إنها تعرف مأزقي. ظننت أنها لا تكترث، لكنها تفعل ظاهراً. علمت أنه ما كان لي إطلاقاً إخبارها... بأمور معينة في تلك الليلة."
يا له من تذمر مراهق. قاومت سيلينا رغبتها في إبداء الضجر بعينيها.
قالت: "قد لا يعود الأمر لعدم حبها لعائلتك."
رفع بصره.
"عما تتحدثين؟"
"الأمر فقط... لدي شكوك تخص أرييل، ومصدر قوتها الفعلي. لا أظن أنها تنبع من الداخل."
رفعت حاجبها، ومنحت سيلينا وقفة كافية قبل أن تتابع.
"أأتدرين أين تذهب أرييل كل أسبوع؟"
"القاعدة الشمالية، على ما أظن. يقولون إنها تساعد رافا في التنظيف."
"نجل. عدا أن رافا تقول إن البشر الكحليين تكاد تنعدم منذ بدأت أرييل ارتياد المكان. ذهبت بنفسي وتأكدت. وأحست بحضور مرعب حقاً."
"مرعب بأي طريقة؟"
"تعلم... سماوي."
هزت كتفيها.
"لا أود قول إنها تعاشر الشياطين، لكن قدراتها تفوق بمراحل ما يطيقه أي ساحر عادي. راقبتها تحدق ببوابة وتغلقها بعينيها. هذا ليس طبيعياً."
ضحك ولفريك.
"نجل، لن تنطلي عليّ حيلتك، سيلينا."
"أنا جادة. أسمعت أن أيلريك قد يكون متورطاً بدوره مع الشياطين التي ضبطها؟"
"نجل، وأخبرني أبي بالفعل أن ذلك مجرد هراء."
"أمتأكد هو؟ أتحقق فعلا من المزاعم؟ أعني، بما أنه يتحرى ماضيها، فربما يجدر به فعل ذلك."
قال ولفريك بهزّة كتف مبالية وابتسامة خبيثة، عائدًا ببصره إلى كتابه: "نجل. قد يجدر به ذلك."
تنهدت سيلينا. لم أخذ ولفريك مزاعمها مأخذ الجد بعد.
"لا أحاول تشويه سمعتها. أقول ذلك فقط تحسباً لشعورك بالسوء..."
وضعت يداً على كتفه.
"هناك سبب لعدم رغبتها في الظهور في ذلك الحفل. ولا صلة البتة له بك."
حافظت على وقفتها، منتظرة حتى خبا ضحكه، وبدا الشك في عينيه. ها قد وصلنا. والآن لللمسة الأخيرة...
"فقط كن حذراً، حسناً؟ إن كنت ستواصل السعي ورائها، أعني. يثير أمر تلك الفتاة قلقي العميق."
منحته نظرة مقنعة بالقلق، كأنها تكترث حقاً. وحين أومأ—رغم ارتيابه—ظهرت خيوط الشك في عينيه، أخفت ابتسامتها ومضت مغادرة.