استعادت ثيا وعيها ببطء، فغمرت عينها الداخلية سيولٌ من الرسائل، كلٌ منها متبوع برنين نظام أولبرايت المميز، مما أفزعها ودفعها إلى اليقظة التامة، وإن كانت في حالة ذهول شديد.
[النظام]: جُمعت الرسائل حسب المحتوى المترابط لتسهيل القراءة.
للعودة إلى التنسيق الخام، يمكن للمشارك تعديل الإعدادات باستخدام الإجراءات القياسية.
[النظام]: لقد تلقيت 77 نقطة مساهمة، و83 استحقاق نظام، و274 رصيد نظام.
(القتال)[النظام]: لقد تلقيت 41 نقطة مساهمة، و54 استحقاق نظام، و212 رصيد نظام.
(الأهداف) [النظام]: لقد أتممت بنجاح مهمة الفصيل "البقاء على قيد الحياة في الكمين".
[النظام]: لقد تلقيت 75 نقطة مساهمة، و125 استحقاق نظام، و540 رصيد نظام.
(المهمة) [النظام]: لقد أتممت إنجاز الرتبة الفضية "موهبة التخريب".[النظام]: لقد أتممت إنجاز الرتبة الفضية "كشاف ناشئ".
[النظام]: لقد تلقيت 83 نقطة مساهمة، و106 استحقاق نظام، و442 رصيد نظام.
(القتال)[النظام]: لقد تلقيت 258 نقطة مساهمة، و134 استحقاق نظام، و826 رصيد نظام. (الأهداف) [النظام]: لقد بلغت المستوى 5.[النظام]: لقد حصلت على 4 نقاط صفات غير منفقَة.[النظام]: زاد الحد الأقصى لمورد نقاط الصحة بمقدار 10.[النظام]: زاد الحد الأقصى لمورد التركيز بمقدار 10.[النظام]: زاد الحد الأقصى لمورد التحمل بمقدار 10.
[النظام]: لقد أتممت بنجاح مهمة الفصيل "البقاء على قيد الحياة في الكمين - مجدداً".
[النظام]: لقد تلقيت 150 نقطة مساهمة، و210 استحقاق نظام، و1,550 رصيد نظام.
(المهمة) [النظام]: لقد أتممت إنجاز الرتبة الفضية "متسلل ناشئ".
[النظام]: لقد تلقيت 134 نقطة مساهمة، و142 استحقاق نظام، و656 رصيد نظام.
(القتال) [النظام]: لقد بلغت المستوى 6.[النظام]: لقد حصلت على 4 نقاط صفات غير منفقَة.
[النظام]: لقد تلقيت 156 نقطة مساهمة، و187 استحقاق نظام، و961 رصيد نظام.
(الأهداف) [النظام]: لقد أتممت بنجاح مهمة الفصيل "تدمير المدفعية".
[النظام]: لقد تلقيت 250 نقطة مساهمة، و450 استحقاق نظام، و4,565 رصيد نظام.
(المهمة) [النظام]: لقد أتممت إنجاز الرتبة الذهبية "الموت الخفي".
[النظام]: زادت الحيوية بمقدار 0.01 نقطة.[النظام]: زادت الحيوية بمقدار 0.01 نقطة.
[النظام]: تم تحديث مخطّط المشارك.
[النظام]: تم ضبط توزيع صفة القوة داخل جسد المشارك.[النظام]: تم ضبط توزيع صفة الحيوية داخل جسد المشارك.[النظام]: تم ضبط توزيع صفة الرشاقة داخل جسد المشارك.
[النظام]: زادت الحيوية بمقدار 0.01 نقطة.[النظام]: زاد التعافي بمقدار 0.01 نقطة.[النظام]: زاد التعافي بمقدار 0.01 نقطة.
[النظام]: تم تحديث مخطّط المشارك.
[النظام]: واجهة "تعديلات الهيكل"
متاحة الآن.
[النظام]: بلغ تركيز التأمل المستوى 1.
[النظام]: بلغ تفحص الهدف المستوى 1.[النظام]: بلغ خطوة السماء المستوى 1.[النظام]: بلغ التسديد النافذ المستوى 2.[النظام]: بلغ درع العزيمة المستوى 2.[النظام]: بلغ العدو المحسن المستوى 1.[النظام]: بلغ التنفس الفضي المستوى 2.[النظام]: بلغ التخفي الرشيق المستوى 3.
[النظام]: بلغ تركيز التأمل المستوى 2.
[النظام]: بلغ تفحص الهدف المستوى 2.[النظام]: بلغ خطوة السماء المستوى 2.
[النظام]: بلغ التسديد النافذ المستوى 3.[النظام]: بلغ درع العزيمة المستوى 3.
[النظام]: بلغ العدو المحسن المستوى 2.
[النظام]: بلغ التنفس الفضي المستوى 3.
أنهكها طوفان المعلومات الذي غمر عينها الداخلية، فصارعت لتتبين ما حدث للتو. كانت ممتنة لكونها مستلقية على ما بدا وكأنه سرير مريح؛ فلو كانت جالسة أو واقفة، لكان بمقدور وابل إشعارات النظام أن يخلّ بسهولة بقدرتها على حفظ التوازن. رغم أن الإشعارات صُممت لتكون شفافة بالقدر الذي تتطلبه أي لحظة، مما قلّل من احتمالية إعاقتها إلى الحد الأدنى تقريباً، إلا أن عددها الهائل كان سيحطم حتماً تركيزها على أي مهمة أخرى.
تساءلت ثيا بذهول: "حقاً... ما بحق الجحيم حدث للتو؟"
بعد لحظة قصيرة من عدم الإدراك المترنح، ركزت ثيا بجدية على عقليتها الخاصة وبدأت في طرد ضبابها الذهني، قبل أن تعقد العزم على تقييم ظروفها الراهنة.
"الأولوية الأولى: تفقد [الحالة] ومعرفة ما يدور. سيعطيني ذلك نظرة شاملة وواضحة على كل ما تغير. بمجرد أن أفعل ذلك، يمكنني معرفة مكاني وما حدث لي. خطوة بخطوة. بهدوء ومنهجية يا ثيا".
بأمر ذهني سريع، استدعت واجهة [الحالة والعملات] الكاملة الخاصة بها.
[الحالة والصفات والعملات]:ثيا مكاي - المستوى 6.78 - نقاط المساهمة: 417.55 / 533 - نقاط الصفات غير المنفقة: 8الصحّة: 131 / 131 - التحمل: 165 / 165 - التركيز: 225 / 225 - قيد تحديد الهوية - قيد تحديد الهويةالفئة: لا شيء - التخصص: لا شيء - اللقب: لا شيء - قيد تحديد الهوية - قيد تحديد الهوية القوة: 3.38 | 3.18 (+0%) + 0.2الرشاقة: 4.73 (+0%)الحيوية: 2.51 (+0%)التعافي: 2.72 (+0%)التحمل: 3.11 (+0%)التركيز: 4.31 (+0%)الإدراك: 7.39 | 5.28 (+40%)العزيمة: 8.35 | 5.97 (+40%)[القدرة النفسية: قيد تحديد الهوية (+0%)]
(مقفل 22.56/30)[قيد تحديد الهوية: قيد تحديد الهوية (+0%)] (مقفل) رصيد النظام: 10,338استحقاق النظام: 1,795
أطبقت جفنيها بقوة، وقاومت كل ذرة في كيانها رغبةً جامحة في فتحهما بذهول وهي تهضم سيلاً من البيانات يضرب عينها الداخلية.
"المستوى السادس؟! وكم حصدت من الارصدة والجدارة؟! أمزحينني حقاً!"
تدفق موج من الحماس في داخلها، وشدّت قبضتيها رغماً عنها. توترت عضلاتها، لكنها مارست سيطرة حديدية لنفْسها لتبقي جسدها كتمثال جامد، قناعاً خادعاً من الهدوء. دون أن تعلم مكانها، لم ترد ثيا المجامرة بافتضاح أمرها.
"انتظري، هناك مكافأة للقوة؟ من أين أتت هذه بح بحق الجحيم؟"
دارت أفكارها في وعيها، وصارع عقلها لاستيعاب واقعها المكتشف حديثاً. تراقصت ذكريات ما قبل الإغماء في وعيها، كأنها مشاهد من شريط سينمائي ممزق.
"كانت المهمة القضاء على موقع مدفعية... مورين، واينور، وفي كن معي..."
حين لامست أفكارها اسم فيلاديا، تفجّر غضب عارم وأولي من صدرها. كان موجة منصهرة من المشاعر، تكاد تطغى بشدتها. مجدداً، دخل تصميمها العقلي حيّز التنفيذ؛ فكبحَت الشعور، وابتلعته، لئلا يفضح جسدها اضطرابها العاطفي.
"ما الذي حدث للتو هنا...؟"
تأملت ثيا، مذهولة بموجة المشاعر القوية التي شعر بها تجاه حليفتها الأخيرة. على الرغم من محاولاتها تفكيك جذور تلك المشاعر القوية، لم تجد إجابات واضحة. نفضت عنها الحيرة، وأعادت التركيز على المهمة الأساسية الماثلة أمامها: تجميع خيوط الأحداث التي قادتها إلى مأزقها الحالي.
"أمنت لهم التغطية. دمرنا الموقع. ثم... الظلام؟"
سبحت في عقلها صور ضبابية لجنود جمهورية النجوم وهم يشنون هجوماً على موقعها، وبدت أشكالهم غائمة وغير واضحة، كأنها تعيش التجربة عبر عدسة ملطخة بالضباب. على الرغم من الارتباك والكم الهائل من الأسئلة بلا إجابات، ظلت ساكنة جسدياً، صورةً للصفاء، حتى وإن كان عالمها الداخلي عكس ذلك تماماً. بينما سعت لاستخلاص المزيد من ذاكرتها، حفر صداع حاد في جمجمتها، كأنه يعاقبها على فضولها.
"آه، اللعنة! لن أفهم هذا دون معرفة مكاني الفعلي، أليس كذلك؟ أحتاج إلى من يرشدني..."
بحذر، بدأت ثيا تحول إدراكها المتضخم نحو البيئة المحيطة بها، متوخية الحذر الشديد لعدم إظهار أي علامات تدل على الوعي. حرص جيمس حرصاً شديداً على حفر بروتوكولات معينة في عقلها لمثل هذه المواقف.
"كني ذكية. كني واسعة الحيلة. لا تكشفي أوراقك مبكراً، ومهما فعلتِ، لا تمنحي شيئاً مجاناً. ساومي — تبادلي المعلومات مقابل موارد حيّة كالطعام والماء؛ أشياء تُسهل هروبك. السجين الجائع أو المحروم من الماء لا فرصة له للبقاء، ناهيك عن الخروج."
أخذت ثيا بحكمة البقاء هذه، فركزت أولاً على حاسة الشم والسمع، الحاستين الأقل عرضة لفضح أمرها. ركزت بدقة على حاسة الشم لديها، مخترقة طبقات الروائح في الهواء كأنها تقلب صفحات كتاب كثيف وغمض. في البداية، غمر أنفها رائحة المعقمات الهجومية، عبير كيميائي قاسي غزا المكان. وإلى جانبه رافقت لمحة لا تقبل الشك عن العرق — الجهد البشري — وربما دليل على وجود آخرين بالجوار. غير أن ثيا، ومع تركيزها بشكل مكثف على هذه الرائحة بالذات، سرعان ما أدركت أنها رائحتها هي، فعقدت حاجبيها.
حين اختارت بوعي تجاهل تلك الروائح الأولى، برزت أحاسيس شمية جديدة. امتزجت رائحة المعدن للدم المجفف مع العبير السريري للقماش المعقم. قُدّمت رعاية طبية هنا، ومؤخراً. ما إن صفَت تلك الروائح، حتى ظهرت طبقة عطرية أكثر طبيعية. استشفت عبير التربة الرطبة الترابي ورائحة الأشجار التي لا تقخطئ — القشرة والأوراق وكل شيء. كانت في مكان قريب من الطبيعة، أو على الأقل، كانت كذلك في وقت قريب جداً، قبل الاستيقاظ.
مع دفعها لقدراتها الحسيّة، لم تستطع إلا أن تعجب بقدرتها على التركيز الانتقائي على الروائح المختلفة وخلطها.
"أهذا ممكن بسبب إدراكي العالي...؟ أنا متأكدة تماماً من أنني لم أكن قادرة على فعل ذلك من قبل... ليس أنني أتذمر. هذا رائع حقاً!"
أخيراً، حين شعرت أنها عزلت وصنفت جميع الروائح الفورية، لفت انتباهها أثر عطري أخير خافت. عطر زهري رقيق أثار شعوراً بالهدوء والألفة داخلها، لكن أصله الدقيق أفلت منها. لقد صادفت هذا العبير تحديداً من قبل، ولكن أين؟ مزيج رقيق من البتلات والرحيق بدا بطريقة ما أكثر شخصية وأكثر حميمية من الروائح الأخرى. جهدت ثيا ذاكرتها، منقبة عبر التجارب السابقة في محاولة لتحديد العبير الزهري الخافت الذي يداعب حواسها الآن.
كانت ذاكرتها دائماً إحدى أقوى سماتها — قادرة على الإمساك بأدق التفاصيل بوضوح مذهل. في يوم مركز، استطاعت إعادة تشغيل محادثات كاملة في رأسها، كلمة بكلمة، متخيلة المشهد بدقة فوتوغرافية تقريباً. ومع ذلك، ورغم هذه الهدية الرائعة، وجدت نفسها محبطة. على الرغم من أفضل جهودها، ظل أصل العطر مراوغاً ومحبطاً. بدأت تتساءل عما إذا كان العطر مجرد خلفية عابرة لذكريات أخرى أكثر إلحاحاً، بدلاً من شيء لاحظته بوعي.
بدا كمرافق خفي لم يستقر في عقلها بنفس الحضور الحاسم للتفاصيل الأخرى. مُحبطة لكن حازمة، واصلت ثيا تقشير طبقات إضافية من الروائح، كأن كل واحدة منها حجاب يخفي دليلاً حيوياً. بعد ذلك، التقط أنفها رائحة صابونية نظيفة، كأن شيئاً ما — أو مكاناً ما — قد غُسل أو جُلي حديثاً. شكلت الرائحة تناقضاً صارخاً مع الروائح السابقة، كأنها تتحداها لتفهم هذه القطع المتنافرة. دافعة بحدود إدراكها الاستثنائي، شعرت ثيا بضغط صداعها المتصاعد يشتد، كأن عقلها يمتد مشدوداً كسلك مثقل.
ومع ذلك، صلبَت نفسها لمحاولة أخيرة، عازمة على تنحية رائحة الصابون النظيفة جانباً، تلك التي سجلت مؤخرا في حواسها. هدفها: اقتناص دليل أخير حول محيطها المباشر، شظية أخيرة قد تكون حجر الزاوية في اللغز الذي كانت تجمعه بفرنزي. حين ركّزت ثيا بحدّة تصل لدرجة الشفرة، استشفت شيئاً مختلفاً قليلاً — عباراً مالحاً بعض الشيء، يشوبه عنصر مراوغ لم تستطع تحديد مكانه تماماً. لم تكن رائحة مسجلة كواضحة أو مألوفة، بل شيئاً أكثر بدائية، رائحة تجاوزت التفكير العقلاني وذهبت مباشرة إلى قاعدة دماغها، مستحرة شعوراً مفاجئاً بالقلق والاضطراب.
مرتبكة وقلقة بعض الشيء، عجزت عن فهم هذا العبير اللغز. مدركة أنها وصلت إلى الحد الأقصى لإدراكها المشدود، أطلقت كتلها العقلية. على الفور، غُمرت حاسة شمها برائحة المعقمات المألوفة والطاغية، كأن سداً قد انفجر للتو. في الوقت ذاته، شعرت بتوتر صداعها يتبدد، كأنه غُسل بفيض من الروائح الأسهل تمييزاً. كابحة تنهيدة ارتياح كادت تكون لا إرادية، حولت ثيا انتباهها بسرعة إلى حاسة السمع.
"مع كل الأدلة الحسيّة التي جمعتها من الروائح، فإن إضافة بيانات الصوت إلى المزيج ستمنحني بالتأكيد ما أعمل عليه،"
فكرت بأمل، وما زال إحباطها لعدم قدرتها على استخدام حاسة الشم بشكل صحيح للحصول على أدلة عما يدور حولها طازجاً في مؤخرة ذهنها. بدأت بتجريد طبقات الصوت المحيط، بدءاً من الأكثر فورية. أصبح الطنين الميكانيكي والصفير للآلات من حولها الطبقة الأولى التي صفّتها، تلتها السيمفونية البيولوجية لجسدها — الضرب المنتظم لنبضات قلبها، وحفيف الدم المتدفق في عروقها، والطنين الخفي لأعضائها العاملة.
مع ذلك، لاحظت غياباً صارخاً — صوت دوران الدم عبر يدها اليمنى كان مفقوداً. اندفع شعور بالذعر عبرها.
"ما خطب يدي اليمنى الكريمة هذه؟!"
لكنها سرعان ما أخمدت ذلك الخيط من الفكر، مذكرة نفسها بحاجة إعطاء الأولوية.
"بقِي تركيزك، ثيا. شيئاً فشيئاً. أحتاج لمعرفة مكاني، ثم يمكننا معرفة خطب يدي. الحالة ذكرت أنني بصحة تامّة، لذا يجب أن أكون بخير."
محولة إدراكها نحو الخارج مرة أخرى، غربلت ذهنياً الأصوات الأخفت. ترددت خطوات خافتة في البعيد، بإيقاع هادئ يوحي بخطى موزونة. وميزت أيضاً همهمات محادثة — غير واضحة، لكنها موجودة بقوة. جهدت أذنيها، كأنها تشعر بقدرتها على فك شيفرة الكلمات لو ركزت قليلاً أكثر.
"آلات، خطوات، ومحادثة؟ هل أنا في منشأة طبية...؟ أو ربما زنزانة احتجاز من نوع ما؟"
دارت الأسئلة في رأسها. لكن مع تركيز انتباهها بحِدّة على كل تفصيل، علمت أنها تجمع اللغز، قطعة بقطعة. والأهم من ذلك، شعرت أنها تقترب من خط النهاية. وبينما واصلت تقشير طبقات الصوت، التقطت أذنا ثيا شيئاً جديداً — حفيف أوراق الشجر في الريح. كان خافتاً لدرجة أنها قد تفوته لولا حواسها الحادة.
"أوراق شجر؟ هذا مع روائح التربة والخشب من قبل... يجب أن أكون في غاب،"
استنتجت. لاحت لها فكرة.
"غابة أزور؟ لكن تلك تخضع لسيطرة جمهورية النجوم، حسب آخر ما أذكر."
صدمة من الذعر امتزجت بالذهول فشدّتا صدرها.
"هل نجحت حقاً في الوقوع بالأسري في أول مهمة لي؟! جيمس سيقتلني حتماً..."
بدت إلحاحية الموقف واضحة لها على الفور، فوضعت تلك الأفكار جانباً، مركزة بتركيز شديد على تصفية المزيد من طبقات الصوت. نقبت في طبقة، ثم أخرى، وتضيّق حسها العقلي إلى نقطة. ثم سمعتها — نبض قلب، ليس قلبها، قادماً من على بعد أمتار قليلة من مكان رقودها. كان إيقاعاً مضبوطاً وثابتاً ولكنه قريب بشكل لا يسام. شخص ما كان في الغرفة معها. جعلها الإدراك تتجمّد، فتوترت كل عضلة في جسدها لا إرادية.
حافظت على انتظام تنفسها، متمنية لكل جزء منها البقاء كتمثال ساكن.
"حسناً، لست وحدي. أياً يكن من يكون، لا يمكنني تركهم يعرفون أنني مستيقظة،"
فكرت، وعقلها يتسابق.
ذكّرت ثيا نفسها بخطتها لاستعادة رباطة جأشها، "أولاً، كان عليّ جمع المعلومات، والآن عليّ تقرير كيف أستخدمها. بحذر شديد للغاية."
مركزة باهتمام على موقع نبضات القلب، وجّهت ثيا كل إدراكها الحسي نحو استخلاص أي معلومات إضافية يمكنها جنيها منه. حين ضيّقت ثيا تركيزها على نبض القلب، بدأ الصوت الخافت لتدفق الدم يملأ أذنيها. ضرب صداع أطراف وعيها، إشارة إلى أنها تدفع حدود إدراكها إلى أقصى حد ممكن. للحظة عابرة، تسارعت نبضات القلب التي ضبطت ترددها عليها، قفزة عابرة، قبل أن تستقر مجدداً في إيقاع ثابت.
جذب ذلك التقلب اللحظي أطراف ذاكرتها، كصدى باهت ينادي لتتم معرفته. وجّهت كل ذرة من تركيزها، مدمجة بياناتها الحسيّة الحالية مع شظايا الذكريات السابقة. كانت المهمة تشبه نسج نسيج معقد في عقلها، وكل خيط من المعلومات والذاكرة يجد مكانه الصحيح. وحينها نقرت الفكرة — الوتيرة، التسارع الطفيف، والفروق الدقيقة في النبض. كانت تعرف نبض القلب هذا؛ وكان مألوفاً لها تقريباً بقدر نبضها.
كان الإيقاع الدقيق الذي سجلته لا وعياً من كارانيا أثناء تفاعلاتهما وساعات طويلة قضياها معاً. عاد عقلها فجأة بالزمن إلى حفل الافتتاح، أول لحظة التقت فيها بكارانيا. تذكرت كيف انحنت كارانيا لتفحص عينيها الزرقاوين، وكيف داعب العبير الزهري الخافت لعطرها حواسها. غمر الإدراك ثيا كموجة عارمة. لم تكن في سجن؛ بل كانت في شكل ما من أشكال المنشآت الطبية. لكن والأهم من ذلك كله، كانت كارانيا في الغرفة معها.
كل معلومة مفككة، كل دليل حسّي، كل ذاكرة مجزأة، اندفعت جميعها لتشكل صورة متماسكة. على الرغم من الأسئلة الكثيرة التي لا تزال تحوم في عقلها، كان شيء واحد واضحاً بجلاء: لم تكن وحدها. كانت كارانيا معها، وهذا يعني الأمان، على الأقل في الوقت الحالي. بأقصى درجات الحذر، فتحت ثيا عينيها برفرفة خفيفة، رافضة القيام بأي حركات مفاجئة قد تفضح أمرها. على الرغم من الأدلة التي جمعتها، كان لا يزال هناك جزء منها يشكك في دقة حواسها.
وبقدر ما كانت تشتاق لأن تكون على حق، كانت مستعدة للأسوأ. مع ذلك، ما رأت بعد ذلك أوقفها تماماً، مرسلاً قلبها إلى قبضة ساحقة من شعور عجزت عن تسميته. كانت كارانيا التي تعرفها — كارانيا الصامدة بلا حدود والبهيجة دائماً — تبكي. متخلية عن كل حذر ومملوءة بقلق مفاجئ، قامت ثيا بمحاولة سريعة للجلوس، لكنها فشلت إذ رفض جسدها طاعة أوامرها.
خرج صوتها كهمس أجش ومكسور حين نجحت في التلعثم، "ك...كارا؟"
رفعت كارانيا وجهها الملطخ بآثار الدموع فجأة وسمرت عينيها في هيئة ثيا الواهنة.
هبت نحو السرير بلا أي تردد واهتز صوتها بمزيج من المفاجأة والارتياح وهي تهتف: "ثيا! لقد استيقظت!"
لكن وقبل أن تستطيع ثيا صياغة رد كانت أصابع كارانيا تتحرك بالفعل فوق لوحة بياناتها بسرعة مذهلة ولم تتوقف إلا لتتفحص المعلومات التي استدعتها للتو. لاحظت ثيا أن كارانيا استعادت هدوءها المعتاد وتلاشى وجه اليأس الملطخ بالدموع بالسرعة التي ظهر بها تماماً مثل دموع ضاعت في المطر. وقبل أن تفرج عن شفتيها بكلمة رأت ثيا كارانيا تومئ برأسها ومضة أخيرة حاسمة. خفضت كارانيا لوحة بياناتها والتقت عيناها بعيني ثيا مجدداً وبقيت نظرتها مسمرة.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناهما هبطت صفعة لاسعة فجأة على وجه ثيا وتردد صداها في الغرفة. ذهلت لثزء من الثانية واشتعل خدها واضطرابت أفكارها. وقبل أن تتفاعل أو تكون فكرة متماسكة اندفعت كارانيا إلى الأمام وغمرتها في عناق دافئ وآمن.
تمتمت كارانيا في أذنها: "أنت حمقاء اللعينة يا ثيا. حمقاء كاملة ومطلقة لأبعد حدود لا تصدق ولا تستحق البناء في الوقت الحالي".
ثم خفضت صوتها وأضافت: "لكنني افتقدتك مع ذلك. مرحباً بعودتك".
كانت ثيا دوامة من المشاعر مترددة وما زال خدها يلسع من الصفعة ومع ذلك تشعر بالراحة بطريقة غامضة داخل عناق كارانيا. لم تكن يوماً مولعة بالعناق واقتصرت تجربتها على الاحتضان العرضي الذي شاركته مع توماس وجيمس في لوميوسيا. لكنها في تلك اللحظة وبين ذراعي كارانيا لم تستطع أن تنكر شعور الدفء والأمان الذي غمرها. كان تداخلاً غريبباً للمشاعر حيث يتعايش الألم والراحة لكنه بدا صحيحاً تماماً بطريقة ما.
استجماعت ثيا إرادتها وحاولت رفع ذراعيها لتبادل العناق. بدتا بطيئتين وثقيلتين كأن مرساة خفية تثقلهما. جزت على أسنانها وركزت ونجحت في رفع ذراعيها شيئاً فشيئاً حتى التقت يداها بظهر كارانيا أخيراً. وفي اللحظة التي كادت تطلق فيها زفرة ارتياح تجمد كيانها كله بهزة من الرعب فهناك خطأ عميق في يدها اليمنى. كان الإحساس عجيباً. على الرغم من أن إشارات يدها تحاكي شعور الجلد والعضلات إلا أنه بدا بارداً وآلياً ومنفصلاً.
بدا فراغ لمسي وفجوة عاطفية تفصل هذه اليد عن بقية جسدها. بدا اللحم خالياً من الدفء الطبيعي وشبكة الأعصاب الدقيقة والحركات المعقدة التي طالما اعتبرتها أمراً مسلماً به. ومع ذلك فقد كان مشابهاً لها بشكل مزعج تقريباً وهو شبيه باليد التي عرفتها كممثل يؤدي دوراً بإتقان مخيف. حتى وزنها بدا مختلفاً وخارج المألوف بقليل بطريقة تنخر في مؤخرة عقلها. كان الأمر كما لو أنها انفصلت عن جزء من نفسها وباتت غريبة عنه وفي الوقت نفسه مرتبطة بهذا الطرف الجديد الغريب المستقر على ظهر كارانيا وخارج نطاق رؤيتها.
أحسّت كارانيا بتجمد ثيا المفاجئ فشدت عناقها كأنها تحاول حمايتها من الواقع المزعج الذي ستواجهه وشيكاً. تراجعت قليلاً لكنها ظلت مسسكة بثيا وبدأت تشرح بجدية ثقيلة.
"استمعي يا ثيا. هناك بعض التغيرات في جسدك لم نستطع تفاديها... اضطررنا لاستبدال أجزاء من فكك بأطراف اصطناعية واستُبدلت يدك اليمنى بالكامل بأخرى سيبرانية. لقد دمرت يدك تماماً ذابت وتمزقت. لم نستطع حتى البدء في معرفة كيفية إنقاذ أجزائها ناهيك عن كلها".
توقفت لحظة وبحثت نظراتها في عيني ثيا عن الفهم قبل أن تتابع: "لا تقلقي يمكن إعادة هذه إلى حالتها الطبيعية... لكن ليس هنا. ليس أثناء التقييم. عليك التأقلم معها الآن".
ومضت تقول: "حرص ستة الرقيب فين على حصولك على الأفضل من بين ما يقدمه المقر الرئيسي. وعد بأنها ستشور طبيعية تماماً لكنني عرفت أنك ستلاحظين الفارق فوراً... فأنت دائماً شديدة الفطنة بعد كل شيء".
لان وجه كارانيا.
"أنا سعيدة لأنك استيقظت وأنا هنا يا ثيا. إذا كانت لديك أي أسئلة فسأبذل قصارى جهدي للإجابة عنها. علاماتك الحيوية كلها سليمة لذا ينبغي أن تكوني بخير. لكنك قد ترين شعوراً طفيفاً بالضعف مستمراً. لقد كنت في غيبوبة لنحو خمسة أيام..."
وفيما كانت كارانيا تتحدث كانت أفكار ثيا تدور محاولة استيعاب هذا السيل من المعلومات. كان الواقع خيالياً وأصعب من أن يُحتمل تقريباً لكن وجود كارانيا هناك لإرشادها خلاله منحها شعوراً غريباً بالراحة وسط الاضطراب. سحبت يدها برفق من كارانيا ورفعتها في مستوى نظرها إذ كان عليها التأكد بنفسها. لم تكن اليد التي حلت محل يدها الأصلية سوى تحفة هندسية فذة. تميّزت بسطح فضي أملس ومطفأ يبدو وكأنه ينساب بسلاسة من معصمها مجسداً أناقة مستقبلية.
صُممت مفاصل اليد بتعقيد وبدت وكأن حرفياً صنعها بجهد مضنٍ لا أنها صُنعت بالإنتاج الضخم. كان البناء خابلاً بلا مسامير ظاهرة أو دروز وكأنها نحتت نحتاً لا جُمّعت. ولإضافة طبقة من الجمال الأثيري ضمّت اليد لمسات من ألوان قزحية متعددة الألوان تلمع بخفوت عندما يلتقطها الضوء وتلميحات من الأزرق السماوي والناري والبرتقالي والأخضر اليانع تنبض كنُدُب بعيدة. أوحت هذه الألوان المشرقة فوراً بإدمان مواد النظام لثيا بعد أن رأت هذه الألوان الغريبة في عشرات القطع المختلفة من المعدات خلال الأيام الأخيرة.
إن مزيج المعادن التقليدية ومواد النظام لم يمنحها مظهراً متطوراً فحسب بل ساهم على الأرجح في وظيفتها الاستثنائية. لقد كانت تكنولوجيا ترقت لتصبح فناً وعجيبة تثير عادة رهبة وحماسة من جانبها المحب للتكنولوجيا. ورغم ذلك خففت تعقيدات الموقف مما كان سيكون رد فعلها المعتاد. ومع ذلك لم تستطع قمع إعجابها بالعبقرية التي صبت في صنع مثل هذه اليد والتي تفوق بلا شك أي غرسة سيبرانية واجهتها قط.
وعندما حركت الأصابع الآلية شعرت بالمرونة والدقة في حركاتها. وبدت طبيعية تقريباً لكن رافقها طنين خفيف من المحركات وصوت اصطدام معدن بمعدن خفيف. وتمتع كل إصبع بمدى حركة مذهل يستجيب بحدس للأوامر العصبية التي ترسلها. وعندما قبضت قبضتها شعرت بقوة مستجيبة تناقض مظهر اليد الرقيق؛ قوة جزمت بأنها تتجاوز ما كانت يدها القديمة قادرة على إصداره. ومع ذلك ورغم روعتها التكنولوجية لم تكن يدها.
وعندما حرّكت الأصابع الآلية مجربة قبضات وحركات مختلفة لم تستطع طرد الإحساس الغريب بأنها جزء منها وفي الوقت نفسه شيء دخيل تماماً. كان الملمس مختلفاً؛ فلا حرارة جلد ولا مرونة خفية لعضلة ولا شد لوتر. كل شيء دقيق ومحسوب وآلي؛ سمات أثارت أركان روحها العاشقة للتكنولوجيا لكنها تركتها تشعر بالانفصال والوحشة نوعاً ما. بدأ واقع وضعها يتسلل ليطغى على حماستها الأولية تجاه التحفة التكنولوجية المرفقة بذراعها الآن.
كان الإحساس بالفقدان واضحاً وثقباً في كيانها عجزت هذه القطعة الهندسة المذهلة بكل قدراتها عن ملئه حقاً...