"أأنت متأكد من هذا...؟"
"نعم يا سيدي. راجعت البيانات ودققتها ثلاث مرات. بل ذهبت إلى العديد من متنبئي المدى البعيد شخصياً، واستشرت كل واحد منهم على انفراد لضمان عدم تداخل النتائج. لكنهم جميعاً أجمعوا على النتيجة ذاتها."
ساد صمت طويل، كان ثقيلاً لدرجة أنه كاد يثني الهواء.
قال الضابط المسؤول بهدوء: "هذا مستحيل. أن يرى جميع متنبئي المدى البعيد، عبر استقصاءات متعددة، التحول الهائل نفسه في حرب المجرة؟ ربما يكون شذوذاً واحداً، لكن أن يتطابقوا جميعاً؟ لا. لابد أن هناك أمراً آخر يجري."
"أعلم يا سيدي. لا أجد تفسيراً لذلك أيضاً... لكنني متأكد. لقد حدث هذا مرتين الآن."
صرير الكرسي حين استند الضابط إلى الخلف ببطء.
"مرتين؟"
"كانت المرة الأولى قبل أسابيع قليلة. أُهمل الأمر في البداية لعدم وجود بلاغ رسمي، فلم يدرك أحد أن الآخرين رأوا رؤى مشابهة. فالتنبؤ بعيد المدى مسار صعب ومعيب بطبعه. اعتبره النفسانيون مجرد أخطاء معتادة. ولم يدركوا التداخل إلا بعدما قارن المتنبئون ملاحظاتهم عرضاً. وبحلول الوقت الذي رُفع فيه التقرير، كانت البيانات قد تقادمت بحيث يتعذر البدء في أي تحقيق جاد حول مصدرها."
"واليوم جاء التأكيد."
"نعم يا سيدي. في اللحظة التي وقع فيها الحدث الثاني، انهالت البلاغات فوراً."
صمت آخر، أطول هذه المرة.
"هل أنت متأكد تماماً؟ أجمعوا كلهم على الشيء نفسه؟"
ابتلع ناقل التقرير ريقه.
"متأكد تماماً يا سيدي. يصفون جميعاً تحولاً هائلاً ينبعث من فصائل تيرا الجنوبية؛ الجمهورية النجمية، وهيمنة الأجرام، واتحاد البشر الموحد. لقد حدث شيء ما في إحداها، أو ربما فيها جميعاً. شيء ما هناك انفجر عبر الفراغ كأنه... مستعر أعظم نفساني، إن جاز التعبير. إنه يطغى على كل خيط آخر. لا يمكنهم رؤية أي شيء خلفه على الإطلاق."
نقر الضابط بأصابعه نقرة واحدة حادة.
امتد الصمت حتى كاد ينقطع قبل أن يحثه أخيراً: "هناك المزيد، أليس كذلك؟"
خرجت الكلمات منه متهدجة ومترددة: "ليس الأمر مقتصراً علينا يا سيدي. لدي... صديق في فصيل آخر. شخص لا ينبغي له أن يتحدث معي إطلاقاً. لا سيما عن أمور كهذه..."
ضيق الضابط عينيه، لكنه لم يقاطعه.
"لقد أكدوا الأمر نفسه. رأى متنبئوهم ذلك أيضاً. كلهم. كل متنبئ مدى بعيد لديهم يبلغ عن نهاية متطابقة لخيوطهم."
زفر ناقل التقرير زفرة مضطربة.
"قد لا يقتصر الأمر علينا وعليهم، بل يشملهم جميعاً يا سيدي. كل متنبئ مدى بعيد في المجرة بأسرها..."
— [مقتطف مجهول: تقرير عن شذوذات التنبؤ بعيد المدى على مستوى المجرة، PFC943]
حين استيقظت ثيا في الصباح التالي لجلستها الطويلة مع بيريا في التدريب على الأسلحة والبرمجة، أدركت فوراً أن ثمة خطباً ما. كان جسدها مشدوداً بالكامل، وصدرها يعتصره شعور ثقيل بالقلق يزداد حدة مع كل شهيق.
همست وهي تدفع نفسها ببطء لتعتدل في جلستها وتتفحص الغرفة: "ما... ما الذي يجري؟".
كانت في مقصورتها الخاصة. بدا كل شيء طبيعياً. لا شيء في غير موضعه، لا شيء مكسور، ولا إنذارات تدوي، ومع ذلك كان الرعب في أحشائها يتفاقم، يلتف حول نفسه كأنها بانتظار ارتطام لا تراه.
تساءلت وهي تسترجع أحداث يومها الأخير: "هل نسيت شيئاً مهماً؟".
لم يكن ثمة جدول أعمال، ولا مواعيد، ولا مواعيد نهائية تلوح في الأفق، أو محاضرات يتوجب عليها حضورها. كان يفترض أن يكون هذا أول يوم منذ أسابيع لا تخطط فيه لأي شيء، استراحة أعلنتها لنفسها من جنون جدول أعمال مشاة بحرية الـ UHF الذي لا ينتهي. ومع ذلك، لم يفارقها ذلك الشعور. استقر في صدرها كتحذير لا تملك تفسيره، كأن شيئاً قادمٌ وهي متأخرة جداً عن إيقافه، ولا تملك سوى الترقب بذعر وهو يقترب.
نهضت من فراشها وأخذت حماماً ساخناً لتفكك عضلاتها المتشنجة، لكنها قبل أن تخرج لتجفف جسدها، كانت تعلم أن ذلك لم يجدِ نفعاً.
تمتمت وهي ترتدي سترة الصوف المفضلة لديها، فالثياب المريحة عادة ما تصنع العجائب ضد القلق: "لا، بجدية، ما الذي يحدث بحق الجحيم؟ هل أحتاج لسؤال كارا إن كنت مريضة أو ما شابه؟".
جاء صوت السيادة من كل مكان ومن لا مكان في آن واحد، كما يحدث دائماً حين تبدأ روتينها الصباحي: "صباح الخير يا ثيا. هل كل شيء على ما يرام؟".
تنهدت ثيا وهي تمسح وجهها بيدها: "لست متأكدة. أشعر بتوتر شديد اليوم. هل نسيت نوعاً من المواعيد؟ أي شيء ذكرته ثم غاب عن بالي؟ هل يحدث شيء اليوم ينبغي أن أعرف عنه؟".
لم تكن ترغب في الاعتماد على ذكاء السفينة الاصطناعي كثيراً، خاصة مع تحذيرات كارا وأيهت التي لا تزال تتردد في ذهنها، لكنها ظنت أن طلباً كهذا لا يمثل خرقاً كبيراً في مستوى الثقة الممنوحة.
أجابت السيادة بسلاسة: "لا توجد في سجلاتي أي اجتماعات مخططة أو مجدولة تتضمنك اليوم. لا شيء منسي أو غير محسوب كنت قد خططت له، وفقاً لما تظهره سجلاتي".
همهمت ثيا وهي تنهي ارتداء ملابسها، وسحبت بنطالاً أسود بسيطاً ليتناسب مع السترة وتفحصت مظهرها في المرآة مرة واحدة.
"ليست أفضل إطلالاتي، لكنني لا أحاول إبهار أحد اليوم بالفعل".
فكرت في وضع مساحيق التجميل، وهو أمر بدأت تجربته قليلاً مؤخراً، لكنها قررت العدول عن ذلك. كان هذا اليوم مخصصاً لأقل مجهود، وللاسترخاء الصرف. لكن بينما كانت تتحرك نحو الباب لتخرج إلى منطقة التجمع الخاصة بفرقة ألفا، لفت نظرها شيء غريب. وبينما أضاءت الشاشة بجانب الباب كما تفعل دائماً عند اقترابها، جعلها رقم أحمر صغير (٢) يستقر فوق أيقونة صندوق البريد تتسمر في مكانها.
قطبت ثيا حاجبيها: "طردان؟".
لم تستيقظ يوماً على شيء كهذا من قبل. كانت تطلب أشياء لغرفتها من قبل، أدوات لمنضدة عملها الصغيرة، مواد أساسية للتجارب، لكنها لم تتلقَّ شيئاً قط في الصباح الباكر. وبالتأكيد لم تطلب مؤخراً أي شيء قد يستغرق وقتاً إضافياً للوصول؛ فكل ما اشترته كان قد وصل بالفعل قبل أيام. بحذر، وكأن الشاشة قد تنفجر إن ضغطت عليها بشكل خاطئ، سحبت ثيا الشاشة وفتحت تفاصيل الطرد الأول. اتسعت عيناها حين قرأت اسم المرسل.
"المستشار لوميس؟".
قبلت طلب التسليم، وتجسدت حزمة على الأرض أمام بابها فوراً. لامست أصابعها السطح الأملس غير اللامع للطرد المستطيل الصغير وهي تلتقطه برفق. كان مغلفاً بغلاف داكن وأنيق يحمل ختم التسليم القياسي للسيادة وبطاقة هولوغرافية صغيرة مثبتة على جانبه. فتحت البطاقة أولاً وبدأت تقرأ رسالة المستشار.
تمتمت ثيا بصوت خافت، وقد التوت معدتها بمجرد أن وقعت عيناها على السطر الأول: "هذا هو سبب شعوري بهذا السوء اليوم، بحق الجحيم...".
ومع ذلك، أجبرت نفسها على قراءة الرسالة كاملة:
"عيد ميلاد سعيد يا ثيا. لقد تلقيت الضوء الأخضر من الـ UHF لتقديم هدية لك في هذا اليوم، احتفاءً بيومك المميز، وللاستمرار في إظهار حسن نيتنا تجاهك، بالنظر إلى كل ما مررتِ به نتيجة لأخطائنا. أرجو أن تقبليها كعربون تقديرنا لك. آمل أن تستمتعي بهذه الهدية وأن تجدي لها استخداماً وفيراً في السنوات القادمة. أتمنى لك عيد ميلاد رائعاً. - المستشار لوميس"
أطلقت ضحكة خالية من المرح حين فرغت من القراءة.
"لا عجب أنني أشعر بهذا. من بين كل الأشياء التي نسيتها..."
فتحت الطرد وتجمدت فور أن وقعت عيناها على ما بداخله. في الداخل، مستقراً في رغوة واقية، استقر جهاز فضي مائل للسواد يشبه في هيئته دعامة ساعد مقواة، بسطح أملس ينقسم إلى قطع معيارية عند المقدمة تلمح إلى تحولات خفية. سرت إضاءة زرقاء خافتة على طول عموده الفقري حين استشعر قرب جسدها، كأنه يتنفس ترقباً لارتدائه. لم تستطع ثيا حتى التنفس. كانت تعرف تماماً ماهية هذا الشيء.
"هل هذا... أداة 'هيليون-وركس فيكتور فورج' الشاملة اللعينة؟"
لطالما حدقت في نماذج سابقة له على شبكة 'جال نت' حين كانت في 'لوميوسيا'، وتابعت كل مراجعة وكل إعلان براق، حالمة بامتلاكه، لكنها لم تفكر يوماً حتى في إمكانية اقتنائه. فـ 'هيليون-وركس' لا تشحن إلى العوالم الوسطى، نقطة. وحتى لو فعلت، فإن ثمنه وحده كان كافياً لشراء نصف 'المدينة السفلى' اللعينة، إن لم يكن أكثر. ارتجفت يداها قليلاً وهي ترفعه بحذر من الرغوة. برز أمران فوراً حين فحصت الأداة بدقة، تماماً كما في الإعلانات: أولاً، واجهة الأداة التكيفية: آلاف المكونات الدقيقة القادرة على إعادة تشكيل نفسها إلى رؤوس أدوات مختلفة عند الطلب.
أتحتاج إلى قلم لحام؟ قاطع دقيق؟ مفتاح ربط صغير للأجزاء الداخلية للسلاح؟ كان بإمكانها تغيير أشكالها في جزء من الثانية، بل ويمكن التحكم بها عبر أفكار بسيطة بمجرد ربطها بـ 'رابط' مناسب. ثانياً، العدسة المجسمة المدمجة: جهاز عرض صغير على جانبها، يمكنه التحرك حول الأداة دون عوائق عند الحاجة لزوايا أخرى، قادر على تكبير المخططات المجسمة، وإظهار تراكبات إجهاد المواد، وتتبع المكونات، وأكثر من ذلك بكثير، إذ يمكنها رسم خريطة للهيكل الداخلي الكامل لأي غرض في الوقت الفعلي بينما تعمل عليه.
حتى مخططات الأسلحة، كتلك التي أرتها إياها 'بيريا' بالأمس، ستصبح أكثر وضوحاً مع مساعدة شيء كهذا أثناء تفكيك السلاح.
قالت بهدوء وهي تهز رأسها: "هذا... هذا كثير جداً".
كان باهظاً ببساطة. متطوراً أكثر من اللازم لشخص مثلها. هدية مثالية أكثر مما ينبغي. شيء أرادته لسنوات لكنها ظنت دائماً أنها لن تحظى حتى بنظرة عليه، ناهيك عن لمسه، وبالتأكيد ليس امتلاكه. ابتلعت ثيا ريقها بصعوبة، وهي تحدق في الهدية بصمت مذهول.
همست: "يا للهول اللعين..."، غير واثقة إن كان عليها الشعور بالامتنان، أو الغمر...
أو ربما حتى القليل من الرعب مما قد تعنيه هدية كهذه. خطر لها خاطر حينها. التفتت نحو الهواء كأن ذكاء السفينة يقف معها هناك.
"سيفرين... كيف تعمل هدايا كهذه داخل نظام 'دي دي إس'؟ ماذا يحدث إن غادرت النظام؟ هل يأتي هذا... معي؟"
أجاب الذكاء دون تردد.
"تندرج العناصر المشتراة داخل 'دي دي إس' تحت فئات عدة: التراخيص، والعناصر الرقمية، والمنتجات. التراخيص تعرفينها بالفعل. العناصر الرقمية مثل ملابسك، والأدوات والمواد التي حصلتِ عليها لطاولتك، ومعظم الأشياء المرتبطة ببيئة النظام حصراً. أما المنتجات، فهي تعمل كعناصر رقمية داخل النظام، وكعنصر مادي محدود خارجه؛ نوع من الهجين بين الفئتين. على عكس التراخيص، لا يمكن إعادة طباعة المنتجات بلا نهاية. إنها توجد كعنصر فريد يصبح جزءاً من معداتك المادية عند الخروج. تُنقل المنتجات المكتسبة داخل النظام إلى مخزنك الشخصي على متن السفينة فور الحصول عليها، عادة في غضون أسابيع إلى شهر، حسب العنصر ومسارات التوريد الحالية. الهدية التي تلقيتها من المستشار 'لوميس' مصنفة كمنتج. ستُسلم نسخة واقعية من أداة 'فيكتور فورج' الشاملة إلى خزانة تخزينك فور توفرها. التقدير الحالي لتوفير هذا المنتج هو حوالي أسبوع. سيتم تحميلها على متن السفينة خلال نافذة إعادة التزويد المجدولة القادمة."
تزايد ذهولها مع إجابة 'سيفرين'. في الفضاء الواقعي. ليست مجرد لعبة رقمية ستفقدها بمجرد مغادرة النظام. أداة 'فيكتور فورج' حقيقية في طريقها إليها.
تنفست قائلة: "هذا جنون... ما الذي فعلته لأستحق شيئاً كهذا...؟"
تحركت يدها تلقائياً وهي تُدخل دعامة الأداة في ساعدها. تكيف المعدن فوراً، وضاق وأعاد تشكيل نفسه حتى استقر تماماً على جلدها كأنه صُنع خصيصاً لها. انطلقت منها ضحكة صغيرة متحمسة حين نبضت الواجهة المجسمة بالحياة. توجهت مباشرة إلى طاولة عملها، وأمسكت ببعض الأجزاء الميكانيكية الخردة لتجربة أنماط الأداة المختلفة. قاطع 'بلازما' بحجم رأس القلم اخترق المعدن كأنه شمع لين. لحام دقيق دمج القطع ببعضها دون أن يترك حتى آثار حروق.
تحولت إلى نمط المسح، فأطلقت الأداة تشخيصات نظيفة ومفصلة في الهواء فوق ذراعها. وبحركة بسيطة من معصمها، نقلت المخططات لتتراكب مع الدائرة، عارضةً بالضبط مكان الضرر الذي اكتشفته من تجاربها السابقة في التقطيع والوصل. لبضع دقائق، تبخر القلق الذي تملك صباحها ببساطة. ضحكت بخفوت كبلهاء، لأن هذه الأداة المذهلة كانت ممتعة للغاية. لكن في النهاية، وبعد قضاء وقت طويل جداً في العبث بخيارات الأداة التي لا تحصى، أجبرت نفسها على نزعها.
تمتمت وهي تضعها برفق: "ركزي، أيتها البلهاء".
سارت عائدة نحو مدخل الغرفة، حيث كانت الشاشة لا تزال تعرض تسليماً ثانياً بانتظارها. حين نقرت عليه، كانت معلومة المرسل الوحيدة هي: مجهول.
قالت بصوت مسموع وهي تعقد حاجبيها: "مجهول؟ سيفرين، ما قصة هذا؟"
أوضح الذكاء: "يمكن إرسال عمليات التسليم بين الأشخاص بشكل مجهول مقابل رسوم خدمة إضافية. ومع ذلك، تُفحص جميع الطرود بحثاً عن مواد غير قانونية أو ضارة قبل التسليم. الأمر آمن".
"هممم... حسناً".
حكت خدها في حيرة.
"أمر غريب نوعاً ما، لكن حسناً... أظن ذلك".
قبلت التسليم. تجسد صندوق آخر، أكبر بكثير من الأول.
كانت البطاقة المجسمة المرفقة به تقول فقط: "عيد ميلاد سعيد".
لا توقيع، لا رسالة إضافية، لا شيء. فتحت ثيا الصندوق بحذر، غير واثقة مما ستجد. وتجمدت. في الداخل ترسانة تجميل كاملة. لوحات ألوان فاخرة. فرش دقيقة. مستحضرات أساس وتثبيت. وحتى عدة رقاقات بيانات تحمل عناوين: مبتدئ، متوسط، متقدم، وأساليب فنية.
"...ماذا؟"
حدقت ثيا كأن الصندوق قد يبدأ بشرح نفسه. لقد وضعت مساحيق تجميل ليوم واحد. يوماً واحداً! والآن هذا؟ تسلل الشك إليها فوراً.
تمتمت: "كارا؟"
كان الأمر منطقياً... لكنه لم يكن كذلك. كانت 'كارا' لتدفع الأشياء في يديها وتسخر من أسلوبها في وجهها. 'مجهول' لم يكن أسلوبها. أبداً. لم تكن تلك طبيعة صداقتهما. إلا إن كانت 'كارا' تظن أن مظهرها كان سيئاً جداً بالأمس. لكن حتى في تلك الحالة، وهو ما شككت فيه ثيا بشدة، لكانت سخرت منها وهي تسلمها الصندوق، لا أن تختبئ خلف المجهول.
سألت الغرفة الفارغة: "حسناً... إن لم تكن كارا... فمن إذن؟"
لم يأتِ رد. عاد القلق الذي نسته لفترة وجيزة ليستقر في صدرها، أكثر ثقلاً هذه المرة. كان هناك من يراقبها بالتأكيد. وكانوا يولون اهتماماً وثيقاً أكثر مما ينبغي. لكن بالنظر إلى تكلفة الهدية الواضحة، التي لا بد أنها كبيرة، خاصة مقارنة بمدى غلاء ما اشترته هي من مستحضرات، لم يبدُ محتملاً أن أي مجند عادي يمكنه تحمل تكلفة كهذه. خارج 'فرقة ألفا'، و'فرقة بيتا'، وربما حفنة من أصحاب أعلى درجات التقييم، لم يكن لأحد واقعياً أن يملك الرصيد للقيام بهدية كهذه.
'ربما أحد الأساتذة أو الرائدات...؟ لكن لماذا يهتمون أصلاً؟' أطلقت ثيا زفيراً طويلاً، متقبلة أنها على الأرجح لن تحل اللغز وهي جالسة في غرفتها. وضعت الصندوق كاملاً في خزانتها، بعيداً عن الأنظار. فـ 'كارا' ستمر عاجلاً أم آجلاً، ولم تكن ثيا ترغب في خوض أسئلة لا تملك لها إجابات. عندها فقط خرجت إلى مساحة 'فرقة ألفا' المشتركة، ثم توقفت فجأة في منتصف خطوتها. كان الجميع مستيقظين وحاضرين.
كلهم. عادة، لا يكون مستيقظاً في هذه الساعة سوى 'كورفوس' أو 'كارا'، لكن اليوم، كان كل عضو موجوداً بالفعل، يتحرك وكأن الأمر أكثر الأشياء طبيعية في العالم. خطت ثيا خطوتين نحو الغرفة المشتركة، ثم رفع 'لوكاس' رأسه عن طبقه، وكان بابها في خط رؤيته المباشر من مكانه المعتاد.
"آه! صباح الخير يا ثيا! عيد ميلاد سعيد".
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه، لكن ثيا لم ترَ منها الكثير، لأن معدتها انقلبت عند سماع الكلمات. تصاعد القلق بسرعة جعلتها تظن أنها قد تتقيأ، وغامت رؤيتها قليلاً. ظهر 'كورفوس' بعد أن نهض من مقعده وسار حول الطاولة قبل أن تجد هي وقتاً للرد، متحركاً بذلك الرقي الاجتماعي المثالي الذي يتمتع به. بسط ذراعيه كأنه يعلن عن موكب، حاثاً إياها على القدوم والجلوس.
"ثيا! صباح الخير وعيد ميلاد سعيد! ليمنحكِ الملك عاماً من التسديدات الدقيقة، والتوازن الثابت، والحد الأدنى من الأعمال الورقية".
ابتسم كأن هذا عطلة على مستوى المجرة.
في هذه الأثناء، لم ترفع 'إيزابيلا' رأسها عن طبقها: "صباح الخير يا ثيا".
كانت 'كارا' قد قفزت فعلياً من مقعدها حين رحب بها 'لوكاس'. وقبل أن تستعد ثيا للصدمة، التفت ذراعان دافئتان حول خصرها وجرى توجيهها نحو الطاولة.
أشرقت 'كارا': "عيد ميلاد سعيد يا ثيا!"، وجذبتها للجلوس في المقعد الفارغ بجانبها.
"فطائر للإفطار، لا تزال ساخنة، لا تقلقي".
كان 'ديزموند' آخر من تحدث. حبس صوته في حلقه قبل أن يخرج، هادئاً وغير واثق تقريباً.
"آه... صباح الخير. و... إيه، عيد ميلاد سعيد، أظن".
حك زاوية جهازه اللوحي، وهو يتصارع بوضوح مع مقدار التواصل البصري الذي يُعتبر مناسباً لحياديتهما المتفق عليها حديثاً.
"أتمنى أن يكون... جيداً".
كل كلمة، وكل مقطع لفظي حسن النية، زاد من التواء عقدة الرعب في داخلها. أجبرت نفسها على الابتسام على أي حال.
تمكنت من قول: "شكراً لكم جميعاً"، وهي تومئ لكل منهم.
"حقاً. فقط... متفاجئة. لقد نسيت الأمر تماماً بنفسي".
رمشت وهي تنظر إليهم جميعاً جالسين هناك، كأنهم في تدخل مدبر، وسألت: "كيف عرفتم أصلاً؟"
اتجهت كل الأصابع في وقت واحد نحو 'كورفوس'. تجمد قائد الفرقة في منتصف رشفته، بعد أن جلس في مكانه المعتاد.
قال بصوت حاد كالشفرة وهو يحدق في وحدته الخائنة: "لقد أخبرتكم تحديداً ألا تخبروها. ستكون هناك عواقب لهذا التمرد".
لم يرفع 'لوكاس' رأسه واستمر في الأكل ببساطة، وأعطته 'إيزابيلا' ابتسامة ساخرة، وهمهمت 'كارا' ببراءة، وتظاهر 'ديزموند' بتفقد إشعار لم يكن موجوداً بالتأكيد. وثيا، التي لا تزال تعاني من دوار الرعب الذي يطحن خلف حلقها، فعلت ما بوسعها لتضحك معهم. زفر 'كورفوس' ببطء، ثم التقت عيناه بعينيها.
"حسناً، لقد انكشف الأمر الآن... على أية حال".
لانَت نبرته.
"ظننا أنه سيكون من اللطيف فعل شيء لعيد ميلادك. لا شيء جنونياً، لا شيء مجهداً، فقط شيء نأمل أن تستمتعي به".
أجبرت ابتسامتها على الاتساع قليلاً، باذلة جهدها لتبدو فضولية بدلاً من أن تشعر بالغثيان.
"أوه؟ مثل ماذا؟"
اتسعت ابتسامة 'كورفوس'، وأشار إلى بقية الفريق.
"الجميع ساهم. نعلم أنكِ تفضلين أن تكوني منتجة على الجلوس دون فعل شيء، حتى في يوم العطلة، لذا ظننت أن علينا استهداف شيء يقع في نطاق اهتمامك. مراجعة جماعية للفرقة لأول مهمة 'دي إم'. قمنا جميعاً بمراجعاتنا بأسرع ما يمكن لنكون جاهزين لليوم، ولم يشارك أحد لقطاته بعد. سنشاهدها معاً، ونفككها، ونتحدث عن التحسينات، وربما نخطط لتعديلات في البناء، نوع من المرح المنتج".
أمال رأسه قليلاً.
"هل يبدو هذا جيداً؟"
في الواقع، بدا ذلك جيداً جداً حقاً. أفضل بكثير مما توقعت، إن كانت صادقة مع نفسها. حتى مع بقاء صدرها مشدوداً ونبضها عالياً جداً في أذنيها، كانت فكرة مراجعة مهامهم معاً، والتحسين، والتحليل، والتعلم، هي بالضبط نوع الشيء الذي ينقر في الجزء الذي تثق به أكثر في دماغها. لذا أومأت، مبدية ابتسامة عريضة.
"أجل... هذا يبدو رائعاً. شكراً يا كورفوس".
جلست إلى الطاولة وحاولت أكل الفطيرة التي وضعتها 'كارا' أمامها. كانت كلمة 'حاولت' هي الأساس. شعرت بكل لقمة كأنها علقت في منتصف الطريق، والتوتر لا يزال هناك، ملفوفاً ومستعداً للانفجار. لحسن الحظ، عاد الآخرون في الغالب إلى إيقاعهم الصباحي المعتاد. ثرثرة خافتة، أصوات أدوات المائدة، ضجيج عرضي، لكنه لم يكن موجهاً إليها. لم يكن متمحوراً حولها. فقط 'كارا' دفعتها ببعض الأسئلة حول اجتماع الأمس مع 'بيريا'، وأجابتها 'ثيا' بسرعة بين اللقمات، بحدة واختصار، آملة ألا يبدو ذلك وقحاً.
ابتسمت 'كارا' فقط وتركت الأمر يمر، لذا إما أنها لم تلاحظ، أو افترضت أن 'ثيا' جائعة ونصف نائمة فقط. ربما كان ذلك للأفضل. انتهى الإفطار. صفق 'كورفوس' مرة واحدة، بقوة كافية لجذب كل العيون.
"حسناً. الأريكة. لنبدأ هذا الأمر. سأبدأ أنا أولاً، حتى تتمكنوا من الضحك على مدى سوء سير الأمور بالنسبة لي، ولنكتشف كيف يجب أن ننظم هذا الأمر برمته، نوع من الإعداد الحر. لم أقضِ الكثير من الوقت في التفكير فيما يجب أن نفعله هنا، ظننت أن ذلك سيكون أكثر متعة".
انتقلوا إلى منطقة غرفة المعيشة، أريكة كبيرة، مقاعد مبطنة، وجهاز عرض مجسم جاهز ينتظر. أخذت 'ثيا' مكاناً بجانب 'كارا' التي كانت مشغولة بالحديث مع 'كورفوس' حول كيفية تنظيم كل شيء، تاركة المساحة على يمينها مفتوحة لـ 'إيزابيلا' كما هو الحال دائماً. لكن 'إيزابيلا' لم تجلس بجانبها فوراً. بدلاً من ذلك، دفء مفاجئ. ضغط قوي. التفت ذراعان ثقيلتان وعضليتان فوق ظهر الأريكة وحول كتفي 'ثيا' من الخلف قبل أن تتمكن حتى من الالتفات.
قريبة بما يكفي لتشعر 'ثيا' بأنفاسها على أذنها.
صوت 'إيزابيلا' كان منخفضاً، خشناً عند الحواف، ومتردداً تقريباً: "لا حاجة للكلام؛