انتفضت ثيا مبتعدة عن المنظار بسرعة أفلتت معها بندقيتها تماماً، بالكاد نجحت في تخليص جسدها من حمالة السلاح، ثم تعثرت وتخبطت كأن الأرض تحت حذائها قد تحولت إلى جليد. زحفت نصف زحفة وسقطت فوق جسد تشيستر المتجمد في الزمن، أنفاسها متقطعة حين ارتطم ظهرها بجدار الخندق البعيد. ظلت عيناها مسمرتين على المشهد المستحيل أمامها: جدّتها معلقة في الهواء بلا وزن، ومن قلبها انسلّ شكلٌ خارجاً من نسيج الواقع نفسه.
كانت هي. أو على الأقل نسخة قريبة بما يكفي لتجعل أحشاءها تلتوي عقدةً. كل خط في ذلك الكيان كان يخصها؛ الدرع نفسه، الرداء نفسه، التفاصيل الصغيرة ذاتها حتى الطريقة التي تتدلى بها خصلات شعرها على جانب وجهها. لكن العينين كشفتا الحقيقة. كانت تلمعان ببنفسجي نيون، تخترقان العالم المتجمد أحادي اللون كشفرتين منصهرتين، وبسبب الزيف الفج فيهما اضطربت معدتها بشكل خطير.
شعرت بضيق في حلقها، وتكدست الكلمات هناك بلا جدوى بينما انجرفت "ثيا المزيفة"
إلى الأمام، بسلاسة ودون استعجال، تدور حول جسد تشيستر الجاثم كأنها تملك كل وقت الكون.
قالت الشبيهة بنبرة هي مرآة مشوهة لصوت ثيا، إلا أنها أكثر ثراءً ونعومة وهدوءاً بشكل مبالغ فيه: "لماذا تهربين مني هكذا يا عزيزتي؟ أنتِ من ناديتِني، لا العكس. إلا إن كانت ذاكرتي معطوبة، ونحن كلتانا نعلم أنها ليست كذلك، أليس كذلك؟".
توقفت بجانب تشيستر، ودون ذرة تردد، خفضت جسدها لتجلس فوقه كأنه ليس أكثر من قطعة أثاث وُضعت في مكان مناسب. شبكت ساقاً فوق الأخرى، بوضعية لا تشوبها شائبة، وأسندت مرفقها على ركبتها وذقنها على قبضتها، تحدق في ثيا بابتسامة صبورة ومربكة تماماً. كملكة تنتظر من رعاياها أن يتحدثوا أخيراً. تداعى عقل ثيا، وتزاحمت الأفكار في تخبط محموم.
رؤية نسختها المزيفة هنا، في منتصف مهمة رقمية، نبشت ذكرى لقائهما الأخير في التقييم، قبل أن ينهي "السايكر"
المعادي رحلتها مباشرة. تركتها الصدمة بضيق في صدرها، تكافح رئتاها لاستنشاق هواء كافٍ لتستعيد توازنها.
تلعثمت قائلة: "مـ.. من أنتِ؟"، كانت كلماتها خرقاء، تكسب بها ثوانٍ ثمينة لتتنفس فقط وتدرك حواف ما يحدث.
أطلقت "ثيا المزيفة"
زفرة طويلة مسرحية، وتحول تعبير وجهها إلى ضجر متعب.
"كنت أرجو افتتاحية أكثر جاذبية يا عزيزتي. شيئاً فيه قليل من الذكاء، ربما بعض الحيوية. أنتِ تنجحين دائماً في خيبتي بطرق جديدة وفريدة، أليس كذلك؟ اسمعي، ليس من السهل اللقاء بكِ هكذا، ومع ذلك في كل مرة أنجح فيها، تصرين على أن تكوني غير معقولة بالمرة".
هزت رأسها ببطء، وعيناها البنفسجيتان تومضان خافتاً كالبرق المحبوس في زجاج، قبل أن تثبت نظرة حادة على ثيا مجدداً.
"لكن حسناً. إن كان مجاراة تكتيكات المماطلة المثيرة للشفقة هذه تساعد عقلك المسكين على اللحاق بي، فأظن أنني سأشبع رغباتك للحظات".
بنعومة غير بشرية، نهضت من مقعدها على ظهر تشيستر المتجمد، وتحركت بانسيابية كالظل السائل. انحنت في انحناءة بلاطية، بوضعية مثالية، ولم تغادر عيناها وجه ثيا.
"يمكنك مناداتي بـ ’آهت‘ يا عزيزتي. أخف على اللسان من ’ثيا المزيفة‘، أو أي وصف متعب كنتِ ستلصقينه بي. وبجانب ذلك... ستحتاجين لاسم مناسب حين تهرعين إلى كارا لتخبريها عني بعد انتهاء المهمة".
اتسعت عينا ثيا، وضرب نبضها بعنف مجدداً.
"كـ.. كيف تعرفين عن كارا؟!".
قلبت "آهت"
عينيها، وعادت لتستقر في وضعية العرش فوق جسد تشيستر بكسل مبالغ فيه.
"لو أردنا حقاً استعراض كل شيء خطوة بخطوة، سنبقى هنا حتى تنطفئ النجوم يا عزيزتي. حاولي اللحاق بي، هل يمكنك؟".
رفعت إصبعها، مشيرة إلى نفسها أولاً، ثم لوحت به بكسل نحو ثيا.
"أنا أنتِ. وأنتِ أنا. نحن كيان واحد. إذا تحدثتِ مع كارا، فأنا هناك. أسمع. أتحدث. أتنفس الهواء نفسه في حيز رأسك، إن جاز التعبير. الأمر بسيط، أليس كذلك؟".
استقرت في وضعيتها السابقة، ذقنها على قبضتها، تحدق في ثيا التي لا تزال ملتصقة بجدار الخندق كحيوان محاصر.
"والآن يا عزيزتي، بما أننا أوضحنا ذلك، هل يمكننا أخيراً الوصول إلى صلب الموضوع؟".
أجبرت ثيا نفسها على أخذ نفس بطيء، وسحبت عمودها الفقري ليستقيم حتى لم تعد تبدو كجرذ محشور في زاوية. كانت أفكارها لا تزال جامحة، تدور في حلقات مفرغة. ’هي أنا. وأنا هي... ماذا يعني هذا حتى؟ قال كاهن الرون إن الرؤى جزء من التنبؤ، لكن هذا لا يبدو كالتنبؤ على الإطلاق. إلا إن كنت قد أسأت فهم معنى الكلمة تماماً... ما الذي يحدث بحق الجحيم هنا؟‘.
كان فمها جافاً حين سألت أخيراً: "إذن... ماذا تريدين مني، بالضبط؟".
ارتسمت على شفتي "آهت"
ابتسامة بين التسلية والسخرية، ورفعت حاجبها.
"ماذا أريد منكِ؟ يا عزيزتي، أنتِ من جررتِني إلى هنا. ألا ينبغي أن تعرفي الإجابة أفضل مني؟".
رمشت ثيا، وتعثرت كلماتها.
"أنا... أنا ناديتكِ؟ متى؟ كيف؟! كنت أجرب قواي النفسية فقط، وفجأة ظهرتِ! لم أكن أفكر فيكِ حتى!".
ردت "آهت"
بنبرة مخملية ناعمة لكنها حادة كالنصل: "تقصدين قواي. كنتِ تجربين قواي النفسية يا عزيزتي. ومع كمية الطاقة الهائلة التي قذفتِ بها، كافية لزعزعتي من أعمق زوايا ذواتنا، افترضت أن لديكِ سبباً. غاية حقيقية".
التوت شفتاها بخفة، ولم تصل تلك الابتسامة إلى عينيها الثاقبتين.
"لكن يبدو أنني ربما بالغت في تقديرك. مجدداً".
أمالت رأسها بحدة تشبه الطيور، تدرس ثيا كأنها تقشرها طبقة تلو الأخرى. وبعد لحظة، تنهدت تنهيدة طويلة مسرحية.
"ما زلتِ لا تملكين أدنى فكرة عما أتحدث عنه، أليس كذلك؟".
تسارع نبض ثيا. ’لا تبدو عدائية... ليس بعد. لو أرادت موتي، لكان بإمكانها فعل ذلك بالفعل. من الأفضل أن أسايرها، لأحصل على شيء مفيد منها. ربما شيء يمكن لكاهن الرون تفسيره لاحقاً...!‘. ابتلعت غصتها، وهزت رأسها بتردد.
نهضت "آهت"
من عرشها المرتجل بالانسيابية السائلة نفسها التي أظهرتها من قبل، كل حركة كانت أكثر من اللازم، مثالية أكثر من اللازم. انجرفت نحو ثيا، والهواء حولها يحمل تموجاً خفيفاً. صرخ جسد ثيا فوراً ليأمرها بالفرار، عبر نفق الخندق، أي مكان بعيداً عن هذا الشيء الذي يرتدي وجهها. تضاربت أفكارها في ذعر: ’اهربي أيتها الغبية! اهربي بحق الجحيم!‘. لكن ساقيها خذلتاها، متجمدتين في مكانهما كأن قيوداً غير مرئية كبلتهما.
لم تستطع التحرك، لم تستطع حتى التنفس بشكل طبيعي.
وصلت "آهت"
إليها، وأمسكت يدي ثيا بيديها. كانت لمستها رقيقة بشكل خادع وهي تجذب ثيا لتقف، ثم مررت ذراعها حول خصرها، تقودها بيقين لا يتزعزع نحو مركز الحصن. تعثرت ثيا، تقاوم القبضة، لكن كل مقاومة كانت تُوجه بلا جهد.
ثم سحبتها "آهت"
أقرب. التحم جسداهما في إيقاع غريب لا إرادي.
التوت ثيا، تحاول التحرر، لكن "آهت"
كانت تنساب مع الحركة، محولة خطواتها المتخبطة ومحاولات هروبها إلى جزء من رقصة حميمية، تقودها حتى جعلت كل محاولة للمقاومة تجذبهما أكثر تلاصقاً.
همست "آهت"
وشفتها تلامس أذن ثيا بشكل خطر: "هوني عليكِ يا عزيزتي. لا داعي للخوف مني. أخبرتكِ، أليس كذلك؟ نحن واحد. لن أتمنى لكِ الأذى أبداً".
اشتدت قبضتها قليلاً، مجبرة ثيا على البدء في مجاراة إيقاعها.
"في الحقيقة، أنا حليفتكِ الوحيدة الحقيقية، سواء فهمتِ ذلك أم لا. لكن منطقياً، لن تستطيعي إنكاري. ففي النهاية، إذا كنا واحداً، فنموكِ هو نموي. وانتصاراتكِ هي انتصاراتي. وقوتكِ...".
توهجت عيناها البنفسجيتان وهي تقترب أكثر، أنفاسها الساخنة تدغدغ أذن ثيا، ونبرتها تنخفض إلى خرخرة مظلمة.
"...هي قوتي".
انتفضت ثيا غريزياً من هذا القرب غير المريح، محاولة انتزاع نفسها من الهمس الذي بقي كالحرارة على أذنها، ولصدمتها نجحت في الإفلات.
للحظة خاطفة ترنحت للخلف في نصف دورة، أنفاسها حادة في صدرها، حتى أدركت أن "آهت"
تركتها؛ حررت خصرها. لم تدم نشوة الحرية طويلاً.
كانت "آهت"
لا تزال تمسك يدها بقبضة حديدية، أصابع رقيقة بشكل خادع تمسكها كالقيد. وبسحبة عفوية جذبت ثيا للأمام مجدداً، مباغتة إياها ومطوية إياها في ضيق العناق مرة أخرى.
لم تكن مقاومة ثيا سوى نصف خطوة قبل أن تعيد "آهت"
توجيهها بسلاسة، محولة الصراع إلى حركة انسيابية أخرى من رقصتهما غير الطبيعية. كأن كل انتفاضة، كل محاولة للتحرر، كانت مكتوبة مسبقاً في خطوات الرقصة.
تمتمت "آهت"
ونبرتها تكاد تكون مرحة وهي تقترب، وعيناها البنفسجيتان تشتعلان بتسلية هادئة: "استخدمي عقلك يا عزيزتي. توقفي عن الذعر. فكري فيما قلته لكِ للتو... وارقصي معي هذه المرة".
استمر جسدها في الحركة حتى بينما كان عقلها يصرخ ليتوقف.
قادتها "آهت"
بخبرة، تدندن لحناً منخفضاً ومؤرقاً ينسل عبر الهواء المتجمد. بدت كل خطوة كأنها بروفة، كل دوران كان مقصوداً، أحياناً تدور بثيا للخارج في قوس واسع حول جسد تشيستر الجاثم المتجمد قبل أن تجذبها للداخل كأن لديهما كل وقت الكون، كأن هذه الرقصة ليست أكثر من تسلية مريحة لها. حاولت ثيا إجبار أنفاسها على الانتظام، صدرها يعلو ويهبط في دفعات ضحلة قبل أن تنجح أخيراً في إبطائها.
’اهدئي. فكري. لا بد من مخرج من هذه الرؤية الملعونة...‘. جالت عيناها في أرجاء الحصن، تبحث عن شقوق في المشهد، شيء يمنحها موطئ قدم. لكن كل شيء كان متصلاً، واقعياً بشكل مربك؛
حبيبات الحجر الباردة تحت حذائها، الصدى الخافت لدندنة "آهت"
يهتز في أضلاعها وجمجمتها، الدفء الوهمي لذلك الجسد المألوف أكثر من اللازم الملتصق بجسدها.
جعل الاعتراف بالهزيمة المرارة تصعد في حلقها، لكن كلما قاومت قبضة "آهت"
أكثر، صار الأمر بلا جدوى. هذه الرؤية لن تنكسر في أي وقت قريب. ’حسناً. إن لم أستطع كسرها، فعلى الأقل يجب أن أحاول فهمها...‘.
عادت أفكارها إلى ما قالته "آهت"
سابقاً، أن هذه قواها هي، لا قوى ثيا. وأنها هي من استُدعيت من أعماقها، وجُرّت إلى الضوء بتجربة ثيا مع [لمحة]. جزّت ثيا على أسنانها. ’لكن هذا لا معنى له بحق الجحيم. أنا متنبئة من فئة ’فيريتاس‘. هذا ما قاله كاهن الرون. هذا ما قاله الجميع منذ بدأت هذه الغرابة في الظهور...‘. كان [لمحة] جزءاً من قوى تنبئها؛ وكان كاهن الرون محدداً جداً بشأن هذا.
فلماذا ادعت "آهت"
أنها ملك لها؟ هل كان مجرد غرور فج، أم هناك شيء آخر...؟ ’إذا كنت على هذا المسار، فالقوى التي تأتي معه هي ملكي طبيعياً. إلا إن... أسأت فهم كاهن الرون حول كيفية عمل هذا...؟‘. فكرت في الدرس النفسي الذي شاركته مع ذلك الرجل الغامض، لكن حتى في المرة الثانية والثالثة من التذكر، لم تجد أي خطأ في تفكيرها بشأن الأمر.
[لمحة]
كانت واحدة من قوى الطبقة الأولى في مسار التنبؤ قصير المدى. كان الكاهن واضحاً جداً بشأن ذلك حين سألته عن نوع القوى النفسية التي قد تستطيع استخدامها. كمستخدمة، لم تكن تملك سوى قوة واحدة من المسار الذي تسلكه؛
لذا لم يكن هناك احتمال أن تكون أي شيء سوى [لمحة]، لأنها لم تخض "التعمق"
بعد. لم تكن هناك طريقة أخرى للحصول على [لمحة] سوى من حالة المستخدم الطبيعية.
تعثرت خطواتها للحظة قبل أن تشتد قبضة "آهت"
حول خصرها مجدداً، مجبرة إياها للعودة إلى الإيقاع، ذلك اللحن الدندني لم يكسر وتيرته أبداً، وعيناها لم تغادرا عيني ثيا قط.
استمرت أفكار ثيا في الغليان بينما قادتها "آهت"
في منعطف واسع آخر، وحذاؤهما يحتك بأرضية الحصن.
"أنا أنتِ. وأنتِ أنا. نحن كيان واحد".
نخرت الكلمات في عقلها، تتكرر مراراً وتكراراً حتى بدت أقل كألغاز وأكثر كثقل صلب يضغط على صدرها. ظلت تحاول تفكيكها، لكنها بدت وكأنها تزداد تشابكاً.
إذا كانت "آهت"
هي هي، فلماذا تشعر أنها غريبة تماماً؟ إذا كانتا واحدة، فلماذا هذا التفاوت في فهمهما؟
دار عقلها في حلقات، تمضغ كل عبارة حتى علق انتباهها بآخر شيء قالته "آهت"
قبل قليل، عن النمو، والانتصارات، والقوة.
أعادت ثيا الكلمات في رأسها: "في النهاية، إذا كنا واحداً، فنموكِ هو نموي. وانتصاراتكِ هي انتصاراتي. وقوتكِ هي قوتي".
تكررت الفكرة، ضغطت بعمق، حتى وجدت نفسها تتمتم بها بصوت عالٍ دون أن تدرك: "قوتكِ هي قوتي".
خرجت الكلمات، بالكاد مسموعة، لكن عيني "آهت"
اتسعتا قليلاً في منتصف الخطوة كأنها كانت تنتظرهما. ابتسامة مفترسة انشقت على وجهها المعكوس، وعيناها المتوهجتان تومضان بينما خفتت القبضة على يد ثيا.
تباطأت وتيرة الرقصة المحمومة، ذائبة في شيء يكاد يكون هادئاً، حركاتها ناعمة، متعمدة، كأنها تكافئ ثيا على العثور أخيراً على الجملة "الصحيحة".
خرخرت "آهت"
في أذن ثيا، وتحولت دندنتها إلى شيء أكثر نعومة، يكاد يكون إغراءً: "هكذا أفضل يا عزيزتي. الآن بدأتِ تفهمين".
عقدت ثيا حاجبيها بينما اخترق صوتها الهدوء السريالي للعالم الساكن حولهما.
"لكن... كيف يمكن أن يكون هذا صحيحاً؟ كنت أستخدم [لمحة] قبل أن أعرف حتى ما هي، قبل التقييم. أخبرني كاهن الرون أن تنبئي كله كان مجرد [لمحة]، الجزأين النشط والخامل. حتى أنني ملكتهما قبل الاندماج، لكنكِ... أنتِ لم تظهري إلا في التقييم. فكيف...".
فجأة، تجمدت "آهت"
في منتصف الخطوة. كاد التوقف المفاجئ يطيح بثيا، جسدها ترنح للأمام بلا أيدٍ تقودها ولا إيقاع يحملها بعد الآن.
كانت "آهت"
قد حررت خصرها واتخذت خطوة متعمدة للخلف، عيناها تضيقان، ولأول مرة التقطت ثيا وميضاً لشيء لم تتوقعه. عاطفة حقيقية. لم يناسب التعبير ذلك الشيء الذي كان يتلاعب بها، كان خاماً، وبشرياً تماماً. تومض عيناها البنفسجيتان، تضيقان بينما تسرب السم إلى نبرتها.
"هل تعتقدين حقاً أنكِ نوع من المعجزات الكونية يا عزيزتي؟ أنكِ فقط... التقطتِ القوى النفسية بشكل مثالي، من البداية؟ دون تعثر، دون كسر نفسكِ، دون دفع الثمن الذي ينزف الآخرون من أجله؟!".
تجمدت ثيا، لكن "آهت"
استمرت، تدور حولها الآن كمفترس ينهش فريسته.
"ألم يخطر ببالكِ اللامع ذلك أن السبب في قدرتكِ على استخدام [لمحة] بهذه البراعة، بهذه السهولة، كان لأنني كنت هناك، أقودكِ؟".
ارتفع صوت "آهت"، حاداً بالاتهام.
"أن كل ’غريزة‘، كل توقيت مثالي، كل لحظة نجوتِ فيها بشق الأنفس بفضل غرائز التنبؤ، كنت أنا؟ أنني كنت بجانبكِ منذ البداية، طويلاً قبل أن تعرفي حتى ما يعنيه البقاء؟ قبل أن تستطيعي تذكر الأشياء بنفسكِ؟".
اتخذت خطوة للأمام نحو ثيا، صوتها يرتفع أكثر، تكاد تصرخ الآن، لا غضباً بل لشيء آخر تماماً.
"لقد كدحت ليلاً ونهاراً من أجل كلتينا! حملتُنا عبر مخاطر لم تستطيعي حتى البدء في استيعابها كطفلة! أنقذتُنا مرات أكثر مما يمكنكِ إحصاؤه، أكثر مما ستعرفينه يوماً! والآن، بعد كل ذلك، تنظرين في عينيّ وتسمين ذلك براعتكِ؟! تعتقدين أنني ظهرت فقط في يوم من الأيام، كنوع من الطفيليات غير المدعوة؟! لقد كنت أمسك بكل شيء معاً حين لم تكوني تعرفين حتى أن هناك شيئاً لتمسكي به!".
جف فم ثيا، وتلعثمت أفكارها في صمت. كانت قد استعدت للتهكم، للتلاعب، للألعاب. لكن لا شيء يقترب من هذا. ليس الحافة الخام للعاطفة المتدفقة من نسختها المرآتية.
لم تعرف ماذا تقول، لم تعرف حتى إن كان بإمكانها تصديق ذلك، لكن الثقل في صوت "آهت"
تركها مذهولة تماماً، رئتاها ضيقتان بالارتباك والشك.
أخذت "آهت"
نفساً عميقاً متقطعاً، قبل أن تتابع، بنفس السم لا يزال حاضراً ولكن بنبرة أكثر حدة وهدوءاً الآن: "[لمحة] هي قوتي يا عزيزتي. كانت دائماً كذلك. أنتِ لستِ متنبئة قصيرة المدى؛ أنا هي. لكننا واحد، لذا تحصلين على استخدام قواي، تماماً كما أحصل على استخدام قواكِ. لم تبدئي حتى في تحمل مسؤوليتكِ، لذا لا تجرئي على ادعاء إنجازات ليست ملككِ للادعاء بها".
وقفت ثيا هناك، مذهولة، أفكارها تصطدم ببعضها كالأمواج ضد الفولاذ. ’ليست ملكي...؟‘. كان الادعاء جنونياً، ومع ذلك بدلاً من تحطيم توازنها، استقر في مكانه بشكل طبيعي جداً، كأن جزءاً مدفوناً منها كان يعرف كل هذا بالفعل. تصدع يقينها من قبل لحظات، وبدلاً من الإنكار، بدأ قبول غريب ومربك يتسرب عبرها.
"...إذن ما هي قواي؟".
انزلقت الكلمات من فمها قبل أن تدرك حتى أنها تحدثت.
"إذا لم أكن متنبئة قصيرة المدى، إذا لم تكن [لمحة] ملكي، فماذا... أكون؟".
بقيت عينا "آهت"
عليها للحظة طويلة. أخذت نفساً مهدئاً، واستقام كتفاها بينما تلاشت العاطفة الخام، لتحل محلها مرة أخرى ذلك الهدوء المفترس، وقناع السيطرة يعود لمكانه.
اعترفت قائلة: "لا أعلم".
ورغم أن الكلمات لم تحمل خجلاً، شعرت ثيا بثقلها.
"كلب حراستكِ يبقيني في مأمن، لذا لم أستطع النظر. لكن ينبغي أن تعرفي بالفعل يا عزيزتي. لقد شعرتِ به. لا توجد سوى ظاهرة أخرى تتبعكِ حين تحرقين الكثير من الطاقة النفسية. ولا علاقة لها بتنبئي".
ضاق صدر ثيا. قفز عقلها فوراً إلى الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون عليه.
"...الجليد".
كان صوتها بالكاد أعلى من الهمس، لكن الكلمة ضربت كطلقة رصاص في الصمت بينهما.
"ذلك... ذلك البرد الغريب الذي يتسرب مني أحياناً".
"بالضبط".
التوت شفتا "آهت"، ليس في ابتسامة، بل في شيء عارف.
أمالت رأسها، عيناها تلمعان كجمشت مقطوع.
"تظنين أنني لا أشعر به أيضاً؟ ذلك الصقيع الذي يزحف تحت جلدنا، ذلك البرد الذي يشع للخارج حين تجهدين نفسكِ؟ ذلك ليس ملكي يا عزيزتي. ذلك ملككِ".
ابتلعت ثيا بصعوبة.
"إذن... أنا نوع من السايكر المعتمد على الجليد، إذن؟".
هزت كتفيها، بأناقة وتجاهل في آن واحد.
"لا أعلم. لكنه سيكون الإجابة الأكثر منطقية. بما أننا واحد، فقد ورثنا ’فيريتاس‘. و’فيريتاس‘ لا تتسامح مع الأكاذيب، حتى فيما نحن عليه. لن تسمح أبداً لأي شيء سوى الحقيقة بالتجلي. إذا كان البرد موجوداً، فالبرد ملككِ. مسار ما من الجليد، قوة ما مرتبطة به، هذا ما أنتِ عليه. مهما كان الشكل الذي ستنتهي إليه في النهاية".
تداعت أفكار ثيا، تحاول خياطة كل شظايا الحقيقة التي قذفتها "آهت"
للتو في وجهها.
لكن قبل أن تتمكن حتى من البدء في هضمها، اندفعت "آهت"
للأمام، لا تلين أبداً.
"لقد أجبتُ على الكثير من أسئلتكِ الآن. ولم تعطيني شيئاً في المقابل. ولا حتى مجاملة إخباري لماذا ناديتِني إلى هنا. لكن...".
أمالت رأسها، ونبرتها تلين في محاكاة للنعمة.
"...بما أنكِ على ما يبدو لم تكوني تعرفين حتى كيف تعمل ديناميكيتنا، سأدعها تمر. هذه المرة فقط".
حددت نظرتها، تثبت ثيا في مكانها.
"لكن ستجيبين على سؤالي التالي يا عزيزتي. وستجيبين عليه بصدق".
شعرت ثيا بضيق في حلقها، لكنها نجحت في إيماءة مترددة.
"...حسناً".
تغير صوت "آهت"
فوراً، لم يعد ناعماً أو ساخراً، بل صلباً كالحديد.
"ما الذي حدث لكِ؟".
رمشت ثيا، مباغتة تماماً.
"ماذا... تعنين؟".
انحنت "آهت"
للأمام، كلماتها تقطعها كالنصل.
"أين ذهبت غرائزكِ؟ كل التعاليم التي حفرها جيم فيكِ؟ كل الدروس من سنوات الكدح عبر ’أندر سيتي‘ معاً؟ أين ذهب كل ذلك يا عزيزتي؟ لأنكِ في اللحظة التي دخلتِ فيها تلك المحطة، بدأتِ تضعفين. قطعة قطعة. تركتِ كل شيء ينهار حتى لم يبقَ شيء سوى هذه... القشرة الجوفاء".
لوّن الاقتراف نبرتها الآن، وخيبة الأمل تقطر من كل كلمة.
تلعثمت ثيا، تبحث عن كلمات: "أنا... لا أعتقد أنني تغيرت كثيراً. لا أشعر...".
قاطعتها "آهت"
بحدة، وصوتها ينكسر كالسوط، مما جعل ثيا تنتفض.
"لا تشعرين؟! إذن أخبريني لماذا ظننتِ أن إفشاء كل شيء لكاهن الرون كان فكرة جيدة، ها؟ بعد أن توسلت إليكِ ألا تنظري حتى إلى ذلك الرجل. هل لديكِ أي فكرة عن نوع الخطر الذي يمثله؟ هل تفهمين ما كان عليّ فعله، إلى أي مدى كان عليّ الزحف في الظلام، فقط لأبقِينا مخفيتين، حتى لا يسحبكِ إلى طاولة مختبر في اللحظة التي يشم فيها ما نحن عليه؟".
التوت أحشاء ثيا.
انحنت "آهت"
مقتربة، عيناها تتوهجان بنفسجياً كالجمر الساخن.
"قاعدة جيم الذهبية. رقم أحد عشر. ’تباً لأوامر القادة، لكن ثقي دائماً بـ ’إس إل‘ الخاص بكِ‘. هل تتذكرين هذا؟ ’ثقي دائماً بـ ’إس إل‘ الخاص بكِ‘. الأفراد. ليس القادة. ليس النظام الذي يحكمهم. ليس سايكر قوياً بشكل لا يمكن تصوره لا تعرفينه حتى. لذا أخبريني يا عزيزتي، لماذا تجاهلتِها؟ لماذا استسلمتِ ووثقتِ بالقادة الذين خذلوكِ بالفعل، مرة تلو الأخرى؟".
فتحت ثيا فمها، لكن لم يخرج شيء.
انخفض صوت "آهت"
أكثر، فحيح يحمل سماً.
"ما الذي يجعل كاهن الرون مختلفاً، ها؟ ما الذي يمنعه من قتلنا كلتينا ببساطة في اللحظة التي يلاحظ فيها ما نحن عليه؟ ما الذي نمثله؟ ما الذي حدث يا عزيزتي للغرائز التي كانت تبقينا على قيد الحياة؟ تلك التي كانت تعرف أفضل من الثقة بأي شخص غير أنفسنا؟ أتفهم الرغبة في المعرفة، لكن المعرفة لا ينبغي أبداً أن تأتي على حساب البقاء. كنتِ تعرفين هذا، ذات مرة. لقد عشتِ هذا. فلماذا؟! لماذا النسيان يا عزيزتي؟ هل كانت سنتان قصيرتان من الأمان كل ما يتطلبه الأمر لتقييدكِ بهذا السوء؟ هل حولوكِ إلى نوع من الكلب المطيع الصغير الذي لا يدرك حتى متى يتم تطويقه ليُطلق عليه النار ويُستهلك من أجل لحمه؟".
هبطت كلماتها ثقيلة، تاركة صدر ثيا ضيقاً، وعقلها يتخبط بحثاً عن أي شيء، أي شيء، للدفاع عن نفسها.
لكن في أعماقها، نخرت شظية من الشك فيها: ماذا لو كانت "آهت"
محقة في اتهاماتها...؟. كان هناك جزء منها لا يستطيع إنكار ما قيل، الغرائز التي اعتمدت عليها يوماً، الحافة الحادة التي كانت تحملها معها عبر كل نفس في ’أندر سيتي‘. لقد تبلدت. لقد وثقت حيث لم يكن ينبغي لها. لكن في الوقت نفسه، جزء آخر أعلى منها احترق بفضول طاغٍ.
كانت "آهت"
تعرف أشياء، أشياء لم تستطع ثيا استيعابها بعد، لكنها أرادتها بشدة.
قمعت الغصة في حلقها وسألت بنبرة ضيقة: "ماذا... ماذا نمثل؟ ما الذي نكونه بالضبط، إذن؟ هل تعرفين؟".
سخرت "آهت"، متراجعة عنها كأنها التقطت رائحة قوية للتعفن.
"لا يمكن الوثوق بكِ بتلك المعرفة".
هبطت الكلمات كصفعة، وتراجعت ثيا كأنها ضُربت.
شعرت بالحقيقة الخام غير المفلترة المنسوجة في نبرة "آهت"
كسكين مغروس مباشرة في صدرها.
تابعت "آهت"
وصوتها أكثر هدوءاً الآن، منهكاً لكنه حاد: "سأدعكِ تعودين لتجاربكِ الصغيرة بقواي الآن يا عزيزتي. لا تتسببي في موتنا. لن أسمح بذلك".
فتحت ثيا فمها، لكن لم يخرج صوت.
أرادت الجدال، الصراخ، المطالبة بالمزيد، لكن ثقل رفض "آهت"
استمر في الضغط عليها، سارقاً الكلمات قبل أن تتشكل.
استدارت "آهت"
بعيداً، تتحرك بنفس الانسيابية المخيفة نحو "الجرام"
الذي لا يزال متجمداً في الهواء حيث بدأ كل هذا. قبل الوصول إليه مباشرة، توقفت، ملتفتة بتلك العينين البنفسجيتين المتوهجتين مرة أخيرة. انخفض صوتها، يكاد يكون حنوناً، لكن الأمر فيه كان حاداً كالفولاذ.
"حرري نفسكِ يا ثيا...".
ومع ذلك، تراجعت للخلف إلى الجدار والبندقية المنتظرين، متلاشية في الشكل الصلب لـ "الجرام"
والتراب والمعدن وحجر الخندق خلفها، تاركة ثيا وحيدة مع قلبها النابض وصدى تلك الكلمات في جمجمتها...