أمين مكتبة المغامرين الفصل 7 — نوافذ جون

اقرأ أمين مكتبة المغامرين الفصل 7 — نوافذ جون باللغة العربية على مانجا تايم.

جلس جون على كرسيه وأخذ يقلب خياراته بين يديه. أدرك أن تعلم الكلام أهم بكثير مما ظن في البداية، غير أن الأمر لا يُحسم في يوم واحد. لعل بوسعه الانعزال والتركيز على محاكاة الكلام أسابيع أو شهوراً، حتى يبلغ مستوى مقبولاً. لكنه لم يرم إلى ذلك؛ فقد أراد معرفة الناس، وما يصنعونه، ومكابدتهم في الحياة. لقد أمضى وقتاً طويلاً وحده إلى ما قبل ساعات، وإهدار فترة أخرى مجهولة المدى لن يجدي نفعاً، بل سيهلكه. كان عليه أن يتعلم النطق، على أن يكون بين الناس في الوقت ذاته. لذا قرر جون الخروج في جولة شارعية، يهيم على وجهه بلا هدف بينما يراقب المحيطين به، مدققاً في كيفية حديثهم. أول ما لفت انتباهه أن العضلات تهتز بسرعة تفوق كثيراً ما فعله عند محاولته الأولى. كما أن اهتزاز العضلات ذاته لم يكن يولد أي هواء أو قوة مستقلة، أو هكذا بدا على الأقل؛ فوظيفتها اقتصرت على كبح الهواء المدفوع من الرئتين. كاد الهواء يتجمع ثم ينطلق فجأة في دفعة قوية واحدة قبل أن ترتد العضلات إلى وضعها، وتتكرر الدورة بأكملها. نظام دقيق ومحكم تمنع فيه العضلات الهواء بالقدر الكافي لاندفاعه الفوري، بمعدل مئات المرات في الثانية في بعض الأحيان. تنشدّ العضلات حين يتحمس الناس، فيعلو صوتهم وتشتد اهتزازاتها. تُدفع هبات الهواء هذه عبر الفم لتتشكل في أصوات تُعرف كلاماً. غير أن ما يدور داخل الفم بدا محيراً. كان جون يرى ما يحدث، ويتبين مواقع الألسنة والشفاه والوجاه والفكين. رأى ذلك كله عياناً لكنه عجز عن إدراك النمط. كان هناك أمر ما يحول تلك النفخات المنتظمة إلى كلام، غير أنه لم يكن جلياً. أما تكوين الصوت فكان واضحاً تماماً. تبين له خطؤه بوضوح، وتمنى لو أنه دقق النظر في تفصيل آخر؛ فربما لم يكن صنع الصوت بالتعقيد الذي تخيله. نوى أثناء جولته أن يعرج على متجر لشراء بعض النوافذ، لكن حماسة غامرة سرت في، وامتلك شغف النطق بتركيز تام، مهما كان عسيراً. لم يكن الأمر متعلقاً بالنجاعة أو اللياقة، أو تلبية توقعات الآخرين، بل كان تحدياً نصب عينيه حله، وقد لمس طلائع التقدم. أحاطت به الجدران الحجرية المألوفة حين اختفى من الشارع، منتقلاً آنياً إلى مبناه. ركز على حيز فارغ أمامه، محاولاً محاكاة الحركات العضلية التي رصدها في جولته. أقام حواجز لتحبس الهواء، وأضاف طيات في الفضاء تنفرج حين يدفع الهواء عبرها. ثم شرع في ضغط الهواء داخلها، فبدأت الطيات تهتز مع اختراق الهواء لها، ببطء شديد في البدء لعدم تيقنه من قوة الضغط. تسلل الهواء في دفعات، ونفخات تكاد تكون خفية تخرج من الجهة المقابلة. زاد تدفق الهواء تدريجياً، مراقباً اشتداد الاهتزازات وهي تنفتح وتغلق نحو مئتي مرة في الثانية. صار الصوت مسموعاً حينها، طنيناً منخفضاً يتردد صداه في أرجاء المتجر. كاد جون يصرخ طرباً، لولا عجزه التام عن الصراخ. أخذ يثب هنا وهناك، راقصاً في متجره مذهولاً بتقدمه. أدرك كم الأمر يسير. ما كان عليه إلا مراقبة ما يحدث وإعادة صنعه. غضب من نفسه لتأخره في المحاولة، ولتعاليه الفج عن النزول إلى مستوى هذه المخلوقات، واعترافه بتفوقها بطريقة ما. ومع ذلك، فقد كانوا متفوقين بالفعل. يتكلمون بسلاسة وعفوية. أما هو فكان الأمر عنده جهداً واعياً، شيئاً عليه افتعاله وخلقه. ورغم ذلك كله لم يملك سوى طنين وأزيز. بمقدوره إصدار ضوضاء، لا كلاماً. ومع هذا، غمره الفخر، بل النشوة. إن كان أحدهم يجهل شفرة مورس، فبإمكانه التواصل بالصوت. وخيل إليه أنه استطاع فعل ذلك مسبقاً بالنقر على الأرض أو الطاولة، لكنه الآن قادر على توليد الصوت بسحره. أدرك إمكانية تبسيط الأمر، وإن جهل الكيفية ولم يتيقن من ضرورتها. إن نجح هذا، فلماذا يزيد الطين بلة؟ أنشأ صندوق صوته المكاني من جديد، لكنه أضاف هذه المرة قسماً آخر أمام الطيات، شيئاً يلتقط ذلك الأزيز ويشكله صوتاً. سعى إلى محاكاة التجويف الداخلي للفم البشري. غابت عنه التفاصيل الدقيقة لكيفية إنتاج الفم للكلام، لكن الهيكل الفعلي بقي حاضراً. تشكل فم كامل أمام صندوق الصوت، منكمشاً عن الأعين المجردة. فتح الفم ودفع الهواء عبر صندوق الصوت. شابه صوتاً قريباً من حرف الواو، أو ربما الألف. لكنه صوت، أو حرف ربما. كان عليه مراقبة البشر مطولاً وتذكر تفاصيل تشكل أفواههم لإصدار الأصوات، غير أنه اقتراب كثيراً. أحس بذلك؛ فبين يديه ما سيعمل متى ما أمضى وقتاً في العبث به والتعديل. جلس جون إلى مكتبه مرة أخرى، محركاً فمه الفضائي ومحاولاً إصدار أصوات شتى. استبد به الاثتقان في توليد الحركات، بينما عصيت عليه الصوامت. عجز عن إطلاق بعضها مهما حاول؛ فاهتزازات صندوقه الصوتي لم تكن لتنتج حرف الباء مهما فعل، ناهيك عن غيره. لكنه سيكتشف السر، عاجلاً أو آجلاً. صار هذا في صدارة أولوياته، أن يرصد بدقة كيف يكلمه الناس حين يقصدونه. بيد أنه احتاج إلى استراحة، فالتدفق المستمر للحماسة لم يفد تقدمه بشيء. سيصل إلى الحل في وقته، أما الآن فأراد نوافذ. فكر جون في مراقبة أهل البلدة في طريقه إلى المتجر، لكنه وجد متعة خاصة في استنباط بقية الأحجية من الزبائن القادمين إلى محله. بدا الأمر مجزياً، وكأن كل زبون قد يكون المفتاح الأخير للحل. لذا أعرض عنهم، متوجهاً إلى متجر الأثاث الذي يرتاده. تولت العمل اليوم امرأة أخرى، عجوز ذات شعر رمادي قصير وثوب بني. حوته بالتحية فور دخوله: "أهلاً، سمعت عنك. أفضّل لو تختصر التخاطر قدر الإمكان، فهو يؤلمني بحق". هز جون رأسه، كارهأ إزعاج المسكنة، وأشار إلى النوافذ القريبة. سألت المرأة: "أتبحث عن نوافذ؟". أومأ برأسـه. "حسناً، النوافذ تُصنع عادة حسب الطلب. الزجاج باهظ ولا نتركه ملقى هنا وهناك. أتعرف أبعاد ما تحتاج إليه؟ بل الأفضل أن نأتي لمعاينة طلبك بأنفسنا إن لم يكن في ذلك مانع". أومأ جون برأسه، وفكر بنقلها آنياً إلى المتجر، لكنه تذكر اشمئزاز أبوي الطفل من النقل المفاجئ. بدت المرأة نافرة بالفعل من بعض قدراته، ولا مبرر لإخضاعها للنقل بغير رضاها. كتب: "انتقال آني؟". قالت وهي تتجه نحو الباب: "لا أستطيع الانتقال، لكن هذه العظام العجوز ستقطع المسافة على أي حال". نفى برأسه وأشار إليها ثم إلى نفسه. سألت وقد تلقى إيماءة موافقة منه: "أوه، أتطلب نقلنا كليهما، ربما؟". "حسناً لا مانع، مادام ذلك داخل البلدة، وخلوّ طلبك من تلك الانتقالات الغريبة ذات الآثار الجانبية". نقلهما جون معاً إلى داخل متجره، فأخذت المرأة تطرّف ببصرها بعد الوصول. علقت ناظرة إليه: "هذا مريح حقاً، أليس كذلك؟ لماذا تمشي بينما تستطيع بلوغ غايتك فوراً؟". كتب: "ممل". "أدرك، فثمة شعور فريد بإنجاز الأمور بالطريقة الصعبة أحياناً، حتى لو سهل السحر ذلك. لكن حبذا لو توفر لي متى أردت، ولولا طعني في السن لفكرت في صف جديد. أظن هذه المساحة حيث تريد نوافذكَ؟". قالت مشيرة إلى الفراغات في جدرانه. أومأ جون. طالما وجد جون الأمر مثيراً، علم أولئك البشر بقدرتهم على اكتساب صفة أخرى متى شاءوا. لم يُمنح هو خياراً قط؛ فبدا وكأنه حاز الصفة الأفضل سلفاً ولا داعي لتذمره. لكنه اختلف دائماً مع معنى الأفضل؛ فلعلهم يملكون أقوى المهارات، بيد أن ذلك تعريف واحد لا غير. تساءل عما يؤول إليه حال إنسان يعمر عمره، يراكم الإنجازات والقوة، مرتقباً بصبر صعود صفوفه. أَيبلغون جبروته يوماً؟ بل ويتجاوزونه؟ لم تسنح له فرصة النمو قط، من منظور عددي على الأقل. ذكّر نفسه بأن تقدمه الأخير في النطق أبان أن للمهارات أبعاداً تتجاوز الظاهر. "حسناً، هذه النوافذ ضخمة وستكلفك ثروة صغيرة. لكنني سمعت أن المال لا يقلقك على أي حال. هذه تشكيلتنا من الإطارات والزجاج، وإن رغبت في شيء مخصص، فبإمكانك مخاطبة مديرنا دائماً". قالت المرأة وهي تستل عينات صغيرة من الزجاج ومواد الإطارات، التي غلب عليها الخشب والحجر، بتدرجات لونية وملمس متفاوت، مصحوبة بزجاج مختلف النقاء والألوان؛ فبعضه شديد الصفاء يكاد يتوارى على مكتبه، وبعضه يستحيل النظر من خلاله. تأمل جون شكل البناء الأخير ومواده. أعجبه الحجر الأبيض المستعمل في الأحياء الثرية، وفكر باعتماده. أو ربما خشباً أفتح ليطابق أضواءه. على أي حال، بدا الإطار الداكن أكثر ملاءمة، فوقع اختياره على حجر داكن أسمته المرأة الأردواز. أما الزجاج، فأراده بيناً وجوده دون إفساد الرؤية الداخلية، فاختار زجاجاً صافياً تتخلله عيوب طفيفة. قالت المرأة وهي توضب معروضات النوافذ: "تأكد إذن، يا جون إن لم أكن واهمة؟ يمكننا إيصالها بحلول الأسبوع القادم. ستكلفك خمسين قطعة ذهبية الآن، وعشر أخر للأجور تدفعها بعد التركيب". استدعى جون ستين قطعة ذهبية، فلم يكن المال بالقدر الذي يعنيه ليؤجل دفعه. "الدفع مقدماً إذن، بدا أنهم لم يخطئوا الظن بك. شكراً جزيلاً يا جون، وأرجو أن تستمتع بنافذتك. ومم، إن لم يكن في ذلك إثقال، هل لي بعودة إلى متجر الأثاث؟". أومأ جون ونقلها آنياً إلى متجرها. حدق في نوافذه، متخيلًا إياها وقد ملأت الفراغات. أعجبته الصورة، وتطلع إلى الأسبوع القادم لرؤيتها حقيقة ماثلة.