قرر جون أخذ استراحة مذكّراً نفسه برغبته في قضاء وقت أطول للاستمتاع بسكينة الفضاء. انتقل آنياً إلى زاويته الصغيرة في الفضاء وجال بصره حوله. بقايا صغيرة مخلفة من إلقائه تعويذته قبل وقت ليس بعيداً، وما زال الفضاء يبدو كأنه يستقرّ في المكان وحوله. تطلع حوله مستمتاً بالنجوم المتألقة في البعيد، وبالصمت شبه المطلق الذي يلفّه. كان الجو هادئاً، وفي أيام مثيلة اليوم كان بحاجة إلى بعض الوقت لاستيعاب الأمور كلها. الإحباطات تتجمع في داخله. يعود جزء من ذلك إلى الإنسان المزعج الذي اضطر إلى التعامل معه، ويعود جزء آخر إلى شحّ المعلومات التي يملكها عن الكون الجديد الذي بات وشيكاً على زيارته. يا لتفكير يجعله يكتشف في يوم واحد وجود شيء بهذا القدر من الأهمية، ثم يجد حقاً صدعاً يؤدي إليه، ثم يُجبر على إغلاقه. القصص التي يمكن لأولئك الناس أن يرووها له، عن الحواسيب والحياة بلا سحر. كل إنسان سيلتقي به سيكون شديد الأهمية بالنسبة إليه، عظيم المعنى. حياة مختلفة تماماً عن كل ما تخيله ممكناً. كان بمقدوره مدّ يد لمسه. انجرف عبر الفضاء محاولاً منع نفسه من الانزلاق نحو الاكتئاب. هناك أشخاص هنا يتسمون بالإثارة أيضاً، هكذا ذكر نفسه. بل إن شخصاً ما من ذلك الكون قد يمرّ من هنا. وربما أشخاص من أكونان أخرى بنفس قدر اختلاف كونها. لم تخطر هذه الفكرة على بملك قط. لماذا جيء بها إلى هنا على أي حال؟ أكان هذا الكون مختلفاً بطريقة ما عن البقية؟ أكان هناك جذب في هذا الكون، نوع من القوة التي تسحب عبر النسيج؟ إن لم يكن هناك سحر في كونها، فقد يعني ذلك أن الكائنات لم تُجلَب يقط من أكوان أخرى. ربما لو عاش في كونها لما سنحت له الفرصة للقاء بها. وربما كان خيراً له ألا يتمكن من زيارة كونها بعد كل شيء. لو كانت لديه أي وسيلة ليعرف أنه سيعود. لكن الخطر كان عظيماً للغاية، وهو يعرف ذلك مسبقاً. حان وقت العودة، هكذا قرر جون. لقد أمضى وقتاً كافياً غارقاً في أفكاره، وأراد لقاء المزيد من الناس ومعرفة قصص أكثر إثارة. ربما عادت الفتاة بحكاية أخرى عن عالمها، أو ربما جاء مسافر آخر بقصة تخصه. لم يكن لديه أدنى فكرة عن الوقت المنقضي، ولا توجد نقطة مرجعية هنا ليستند إليها. أول ما لاحظه جون عند عودته هو طبقة الغبار التي تراكمت على كل شيء. لقد مرّ وقت طويل، هكذا شعر. لكن ذلك كان مفيداً له، ليمتلك وقتاً لاستيعاب الإحباطات. وللتعامل مع مشاعره بطريقة بناءة. لوّح بيده فتطاير الغبار كله عبر الهواء نحوه قبل أن يختفي، ثم جلس إلى مكتبه. الكرش المألوف يحيّيه متكيفاً مع جسده المشوه. مريح، هكذا فكر. بالطبع كان بوسع جون الطفو فحسب مريحاً جسده من الضغوط. لكن كان هناك شيء في الجلوس على مقعد يشعره بالصحة، فالوسائد تتشكل حسب جسده دون أن تزيل الضغط بل تمنح نعومة لطيفة. دخل زبون إلى المتجر، قزم، هكذا لاحظ جون. أذناه مسحوبتان إلى الخلف ومغطاتان بشعره الأشقر الطويل. بشرة سمراء وعينان بنيتان ترمقان صفوف رفوف الكتب التي استقبلته. أومأ القزم لجون برأسه ثم مضى يقلب الكتب. أمر مثقير، هكذا فكر جون، أول زبون لا يطلب منه شيئاً محدداً بمجرد دخوله. راقب القزم وهو يتجول بين رفوف الكتب منتقياً كتاباً ومقلباً فيه قبل أن يعيده. أخذ القزم وقته متفحصاً كل رف كتب يملكه جون، قبل أن يعود ساراً إلى الرف الأول ويلتقط كتاباً ليحمله إلى مكتب جون. "أود شراء هذا الكتاب. أنت تقبل قصة مشوقة أليس كذلك؟" سأل القزم واضعاً الكتاب على المكتب. كانت حكاية خيالية عن إنسان تعثر فجأة في صفة قوية وهزّ العالم من جذوره. خالقاً بنياناً حيث لم يكن هناك شيء، وموطّداً علاقات بين الأجناس المختلفة ومنقذاً العالم من تهديد عظيم ما. أومأ جون للقزم. "حسنأ، أنا قزم في الواقع. لا تخبر أحداً رغم ذلك" قال القزم مزیحاً شعره جانباً ليكشف عن الأذنين اللتين رآهما جون سلفاً. 'أنا أعرف' كتب جون. أُخذ القزم على حين غرة، "كيف عرفت؟ ما الذي دلّ عليك؟" سأل القزم باهتياج. لم يكن جون متأكداً كيف يرد، لذا أمل فقط أن يمتلك القزم بعض المقاومة للتخاطر. تذكر القزم وهو يدخل متجره، تذكر رؤية القزم وكل قطعة منفصلة شكّلت الكل. دفع الذاكرة لتصل إلى القزم واضعاً يده مطمئناً ليبدو وكأنه يمتلك نوعاً من الألفة مع الأمر إذ تقبل الذاكرة دون أي ألم مرئي. "يا للهول" رد القزم مصدوماً لرؤية نفسه بتفاصيل أكثر بكثير مما شهده قط. "هكذا تري الجميع؟ هذا جنون. حسنأ، إخباري بأنني قزم كان خطتي أساساً بصراحة. لست متأكداً مما قد أشاركه ويكون مشوقاً. دعنا نرى... أه! ممم لا لن يكون ذلك مشوقاً بما يكفي. بوسعي إخباري إياك عن تلك المرة التي، لا كان ذلك مملاً. آه!" قال القزم رافعاً إصبعاً بحماسة وكأنه تذكر قصة. "لذا كنت أمارس المشي في الشارع ذات يوم مخفياً أذناي كعادتي حين اصطدمت بهذه الفتاة. كنت حينها لا أزال جديداً جداً على أمر إخفاء الأذنين هذا فوضعت قبعة، قبعة كبيرة. على أي حال عندما سقطنا، سقطت قبعتي أثناء التعثر ورأت أذناي. أصابني الرعب مما قد يحدث، فقد انكشف السر وكان عليّ إيجاد بلدة جديدة أهرب إليها. هوية جديدة، كل شيء. ثم اقتربت هي أكثر وسحبت شعرها إلى الخلف قليلاً مظهِرة أنها قزمة هي الأخرى! أعني ما هي احتمالات ذلك؟ قزمان يصطدمان ببعضهما في الشارع هكذا؟ أمر شديد الجنون بالنسبة لي. ظننت أن الأمر انتهى بي حتماً!" قال القزم مستنداً إلى الخلف ومغسغساً. دخل زبون آخر إلى المتجر رامقاً جون بنظرة. فتاة بشرية، صغيرة السن. نظر القزم إليها ثم عاد بنظره إلى جون، "على أي حال، أيكفي هذا ثمناً للكتاب؟" أومأ جون برأسه وراقب القزم يأخذ الكتاب ويغادر المتجر. اقتربت الفتاة من مكتب جون وعيناها تكادان تطلّان من فوق المكتب نحو جون. "أهلاً أيها السيد، قالت أمي ألا أأتي إلى هنا لأنك لعين ومخيف لكنك لا تبدو ليعيناً ومخيفاً. هل أنت لعين ومخيف؟" سألَت الفتاة جون. تساءل كيف يرد على الطفلة، فلم يكن التخاطر خياراً فما من فرصة تقريباً لأن تستطيع هذه الفتاة تحمل ذلك. أما الكتابة فلم تبد خياراً أيضاً إذ إن الفتاة على الأرجح لا تقرأ. لكنه سيحاول على أي حال. 'أين أمك؟' كتب جون في الهواء أمامها. قهقهت الفتاة وحاولت لمسه، فسارع جون إلى جعل الكتابة تذوب. "ما هذا؟ أيمكنك فعل ذلك مجدداً؟" هزّ جون رأسه مفترضاً أن الفتاة لا تقرأ بعد كل شيء. لم يكن درياً ما يصنع مع الطفلة بغير وسيلة للتواصل. سبب إضافي ليبذل جهداً جاداً في محاكاة النطق على ما يظن. رغم أنه أمل بشدة ألا تجد الأطفال أنفسهم ضائعين في متجره غالباً. مدّ وعيه إلى خارج المتجر فوصلته الروائح الكريحة والأصوات المزعجة. بحث عن شخص ربما فقد طفلاً، شخص هلع يصرخ باسم ما ربما. تمنى لو عرف اسم الفتاة، فكر ناظراً إلى حيث كانت الفتاة. لاحظ أنها لم تعد واقفة أمام مكتبه بل راحت تركض مخترقة الشذوذ المكاني الذي صنعه لرف الكتب المجاور بينما كانت تضحك. لا بأس، فكر جون. طالما كانت في متجره فستكون في أمان. أخذ لحظة ليقفل بابه ويسدّ النوافذ ببوابة بحيث يُردّ أي شيء يدخلها. واثقاً من أن الفتاة ستكون حبيسة متجره وألا أحد سواه يستطيع الدخول واصل بحثه عن الوالد. استغرق الأمر بضع دقائق إضافية ليجد شخصين يبحثان عن ابنة، وكلاهما على بعد شوارع قليلة عن الآخر وعن متجره. راقبهما وهما يسألان المارة عما إذا رأوا فتاة صغيرة تطابق وصف الفتاة الموجودة في متجره. واثقاً من عثوره على أبويها، نقلهما آنياً إلى متجره أمامه. صرخ كلاهما لتغير محيطهما ثم صرخا مجدداً لدى رؤيتهما لجونا. ثم صرخا مرة أخرى لرؤيتهما الفتاة لكن صرخة حماسة وارتياح. سارع الأبوان نحو الفتاة محتضنين إياها ودون أن يحولا أنظارهما عن جون. حملا الفتاة وتوجها نحو الباب محاولين فتحه وأيديهما ترتجفان وهما تعبثان بمقبض الباب. نقلهما جون إلى الخارج ثم فتح الباب وأزال البوابات عن النوافذ. ولا حتى كلمة شكر، فكر جون. كانت الفتاة آمنة، ووجد الأبوين وأحضرهما إلى الفتاة فوراً وكانت الاستجابة خوفاً. لم يكن متأكداً مما كان بإمكانه فعله بشكل مختلف ليجعلا لا يخافان. كان بوسعه الخروج والعثور على الأبوين عوض نقلهما آنياً، لكن ذلك كان سيعني ترك الفتاة وحدها بلا رقابة. وكان سيطيل الوقت حتى يلتقيا مجدداً. كان بوسعه إحضار الفتاة إلى الأبوين لكنهما لم يكونا مجتمعين على أي حال. الفتاة نفسها بدت لطيفة على الأقل ولعلها تكبر وتعامِل الآخرين باحترام أكبر. تساءل عما إذا كان بوسعه فعل أي شيء الآن لإصلاح الأمر. أيمكنه اللحاق بهما والقول إنه ليس لعيناً؟ سيفزعهما ذلك فحسب، وهو واثق من ذلك على الأقل. فكر جزء منه في التنكر بزي إنسان مثلما فعل القزم لكنه دفع الفكرة جانباً مجدداً. إنه جون وسيبقى جون. وعلى الناس أن يتعلموا فحسب بأنه ليس هنا ليؤذيهم. ربما ساعده النطق في هذه المواقف، فقدرته على التحدث إلى الطفلة قد تمنحه معلومات إضافية يستغلها لتهدئة الأبوين. وربما أتاحت له القدرة على مخاطبة الأبوين إظهار أنه لا يضمر لهما الأذى. فكر في الكتابة إليهما لكن أي حركة أتاها كانت تجعلهما ينتفضات ناهيك عن إلقائه للتعاويذ بهذه الحرية. عزم على أخذ تمرين النطق بمزيد من الجدية من الآن فصاعداً. وحتى إن لم يكن الأمر يعنيه، فهو يعني الكثير للأشخاص الذين جاء للقائهم.
أمين مكتبة المغامرين الفصل 6 — طفل جون
اقرأ أمين مكتبة المغامرين الفصل 6 — طفل جون باللغة العربية على مانجا تايم.