مرّت الساعات وجون جالس على كرسيه راضياً بحياته. يكاد ينتهي من كل ما أراد فعله، هكذا فكر. ستكون هناك أمور أخرى لملء وقته ما إن يكتمل بناؤه، لكن هذا المشروع استهوى انتباهه فترة قصيرة. وشعر بقدر من الاكتفاء منه. دخل رجل إلى متجره، بشعر كثّ أشثّ وثياب ممزقة تغطي جسده القصير. "ما أغلى كتاب لديك؟" سأل. فكّر جون في الأمر، لكنه لم يكن متأكداً. لم يدفع ثمن أيّ من الكتب، وعند جون، كانت كلها متساوية القيمة. قصة ممتعة واحدة تكفي لأي من كتبه، بغض النظر عما يراه البشر قيمة لها. لم يفكر من قبل في تكلفة كتبه بالذهب. يميل البشر إلى تقدير الحلي والزخارف الفارغة بأعلى بكثير من المعرفة أو المنفعة، هكذا فكر. تدفّقت مجموعة من الكتب المليئة بالعلامات المعدنية والنصوص المختلفة لتملأ الرفّ المجاور له. اتسعت عينا الرجل وهرع نحو رفّ الكتب، ممسكاً باثنين غطاهما الذهب. "إن شاركتك قصة فائقة الإمتاع، أيمكنني أخذ هذين؟" امتلأ صوته بلهفة لم يهدها جون من قبل كثيراً. أومأ جون برأسه. نادراً جداً ما يرفض قصة ممتعة. تكلفة كتاب إضافي لا تساوي شيئاً مقارنة بتعلّم المزيد عن هؤلاء البشر. "كنت مغامراً منذ زمن بعيد. عرفت في كل الأرجاء باللهب سريع الخطى، وفي يوم ما استأجرني ملك لأتخلص من تنين اتخذ من زاوية مملكته مقراً. قبلت المهمة، مجاناً بالطبع. المال لا يعني شيئاً لمن هو مثلي حين يكون المواطنون الفقراء على المحك، فحياتهم بلا معنى أمام قوة التنين الخام." قال الرجل، مستهلاً قصته. بدت الكلمات سُمّاً لجون، تتسرب عبر جسده وتمزقه إرباً. أذهله الألم، وفتت كلماته المخادعة عقله قطعاً. هذا الرجل كذاب، عرف جون، وكل ذرة في كيانه أدركت صدق ذلك. كُلفت كلماته بالخداع والمكر، محاولة بائسة لسرقة كتب جون. محاولة لن تنجح. ضغط جون بسحره على الرجل، فتلاشت كلماته تحت الثقل الهائل. حدق الرجل في جون بخوف ويأس. نهاية تليق بكذاب، فكر جون. لكن ذلك لن يجدي، لن يجدي قتل هذا الرجل. مهما بلغت قسوته وعنفه، فلا يزال لجون أعمال هنا. لديه متجر ليديره، وموت هذا الرجل سيجلب له المشاكل. أم يفعل حقاً، فكر جون، وهو ينهض ليقفل بابه، حاجزاً نوافذه بشذوذ مكاني آخر. ربما لن يُفتقد هذا الرجل. ربما لن يتسبب موته في أي مشكلات البتة. ربما لن يلاحظ أحد حتى. كانت الإغراءات قوية، ولا يزال ألم خداع الرجل طازجاً في ذاكرة جون. بوسعه نقل الرجل آنياً إلى الفضاء، وتركه يطفو بلا هدف حتى الجوع. بوسعه سحقه وإرساله إلى حقل ليصير سماداً. أسيلاحظ أحد أصلاً؟ أسيأبهون؟ لم يكن جون متأكداً. لكنه أدرك أن قتل الرجل ليس صواباً، ليس الآن. ربما لاحقاً إن عاد وأثار مزيداً من المشاكل. لكنه الآن مجبر على الهدوء والتفكير في الموقف بمزيد من المنطق. هذا الرجل مجرم، هاجم جون وحاول سرقة كتبه. مدّ وعيه إلى بقية البلدة، فوجد السجن الذي كان فيه سابقاً. استدعى ورقة وقلم، وكتب عليها "لصّ"، لاصقاً إياها بظهر الرجل. ثم نقل الرجل آنياً إلى إحدى الزوايا الخالية وسحب وعيه إلى بناية من جديد. بداية فظيعة للنهار، فكر جون. لقد مرّ وقت طويل منذ أن شعذ بذلك الألم، وكان قوياً هذه المرة بشكل خاص. لا بد أن الرجل ذا تاريخ من الخداع والأكاذيب، فالصدق مجرد فكرة ثانوية بالنسبة له. عرض مثير للشفقة، فالأكاذيب أدوات الضعفاء. حوّل انتباهه إلى متجره، مفكراً فيما يمكنه تحسينه فيه أيضاً. هناك الزخارف واللوحات والرفوف التي بوسعه ملء الجدران بها. لكنه لم يكن في مزاج يسمح له بالمشي في الشارع في هذه اللحظة، وبدا أن كل شيء آخر قد تم إنجازه. لديه حجر الأبيض الجميل، ونوافذه وبابه فاخران، والداخل مضاء ومكتظ بالمنتجات. لم يبقَ الكثير ليفعله، ولا أشياء لتشتيت نفسه بها. بوسعه العمل على تقليص سحر إنتاج صوته، لكنه صار قابلاً للاستخدام والحافز له في تراجع. ربما في وقت لاحق، وليس الآن. أراد جون شيئاً ممتعاً لفعله، سيفي الزبون بالغرض، لكن لم يكن هناك أحد في الوقت الحالي. أدرك أن بابه ما زال مغلقاً، ونوافذه محجوبة، ففكّ قفل الكل، فاتحاً متجره من جديد. انتظر لفترة قصيرة، قرابة ساعة من الجلوس على كرسيه متمنياً شيئاً يفعله، حين دخل زبون مألوف من الباب. دفعت فتاة أصغر سناً كرسياً ترتاده أمّها. "مرحباً مجدداً، أتريد كتاب مغامرات آخر إن لم يكن في الأمر مانع؟" سألتي الأم. أومأ جون برأسه، مدركاً أن الكتب المزخرفة لا تزال مستقرة على مكتبه وتملأ الرفّ. لوّح بيده، مستبدلاً بها جميعاً كتب استكشاف أخرى لم ترها الفتاة في المرة الفائتة. إن أرادت شيئاً محدداً فبوسعتها سؤاله، لكن جون اعتقد أنها قد تستمتع بتشكيلة جديدة. راقب الأم وهي تسحب الكتب عن الرف لتتصفحها الفتاة، وتعيدها حين تهز الفتاة رأسها. راق له مراقبتهما ليهدأ، وتتلاشى الإحباطات والآلام التي شعر بها، لتستبدل بها البهجة وحماس قصة أخرى يتعلمها. صادقة أيضاً، فكر. لم تكذب الفتاة في المرة الماضية، وليس مرجحاً أن تفعل هذه المرة أيضاً. قضيا وقتهما في الثرثرة حول الكتب التي تصفحاها. كانت الفتاة متحمسة لبعض القصص، بينما رأت أن بعضها سيكون مملاً. لا توجد حبكة عالم كافية، هكذا قالت. وبعض الأشجار بدت رمادية، هكذا قالت. الأمر الذي بدا طريفاً في المرات القليلة الأولى، لكنه صار الآن مملاً وباهتاً فحسب. استقرّ اثنان على كتاب، جالبين إياه إلى مكتب جون. كان الأول من سلسلة، وهو يعلم ذلك. سلسلة عن مصاصي دماء وأقنعة حجرية، كتبها مؤلف نَسّاء مهووس بالبهرجة. تساءل كيف سيؤثر ذلك على صنف الفتاة. إن نسي المؤلف شيئاً، أسيُزال من العالم بمجرد أن يتقدم العالم إلى النقطة التي يُنسى فيها؟ في أي نقطة سيُحدد ذلك، على أي حال؟ متى تتيقن من أن المؤلف قد نسي شيئاً، بدلاً من أنه لم يعد يحظى بأهمية فحسب؟ أسيؤثر عقل المؤلف أثناء قراءته على العالم بحيث إنه حين ينساه، يُزال في تلك اللحظة؟ أم ستستكشف الفتاة عالماً مليئاً بالثغرات كما كُتب، متسائلة عما يجعل القواعد تبدو بلا معنى أبداً؟ وتساءل كيف سيعمل الأمر لكون الكتاب سلسلة أيضاً. أسيسمح صنفها لها بمتابعة كيف ستتطور القصة، أم سيكون كل كتاب عالماً منفصلاً بشخصيات مختلفة، يتقدم في جدول زمني مغاير لما كُتِب أصلاً؟ أذهل جون صنف الفتاة. فتنوع البشر لا يفتأ يدهشه. "أريد هذا الكتاب من فضلك يا جون!" قالت الفتاة من كرسيها. "كنت أقرأ الكتاب الأخير الذي أعطيتني إياه وكان ممتعاً للغاية للغاية. كانت فيه فتاة قوية حقاً فعلت بعض الأشياء الرائعة التي بدت رائعة نوعاً ما، لكن العالم بدا ممتعاً حقاً للعيش فيه. الكثير من الغابات والحيوانات والأصناف التي حصلت عليها كانت ممتعة للغاية أيضاً. كنت لصّاً! مع جناحي ظل سوداء وبإمكاني الطيران في الأرجاء. لم أطيران من قبل، لقد كان ذلك ممتعاً حقاً. رؤية الأشجار وهي تمر بسرعة تحتي كانت رائعة للغاية. كان كتاباً جيداً وسأقرؤه أكثر بالتأكيد. آمل أن يكون هذا جيداً أيضاً، لم أسبق أن رأيت مصاصي دماء. ربما سأكون مصاص دماء قويّاً للغاية." قهقهت. "شكراً على الكتاب مجدداً يا جون." قالت الأم، بينما أخذت الفتاة الكتاب ودُفعت خارج المتجر. من واقع وصف الفتاة، كان جون يزداد قناعة بأنها لم تتابع القصة الرئيسية على الإطلاق. البطل الرئيسي فعل بعض الأشياء الرائعة؟ لم يكن يستحق الذكر بالنسبة لها، إذ مضت الفتاة تفعل ما تشاء وتستكشف الغابات. مذهل. تحسّن مزاجه، وأدرك ذلك. كان هادئاً وراضياً. تلاشت الإحباطات، فمساعدة زبون وسيلة قوية لتطهير نفسه، أدرك مجددًا. أيّ شرور هيمنت على عقله غمرتها البهجة التي شعر بها من مساعدة شخص دخل متجره. حتى إنه بات يحظى بزبائن متكررين، بشكل متكرر نوعاً ما الآن. مفاجأة، رغم أنه يود تنوعاً أكبر أيضاً. المثالي، فكر، سيكون مزيداً من الزبائن إجمالاً، جدداً ومتكررين. لكنه يملك ما يملكه، وقد أعجبه بما يكفي. قرر جون تفقد اللص الذي تعامل معه سابقاً، ناظراً إلى السجن الذي تُرك فيه. بدا الرجل غاضباً، بعد أن مزّق الورقة الملصقة بظهره إرباً، صاضرخاً في الممر. بدا اثنان آخران من السجناء غاضبين منه، مطالبين إياه بالصمت، بلغة أشدّ تلويناً. دنا حارس من زلازة الرجل. "أخبرناك، لا يمكننا إطلاق سراح أي كان لمجرد قولهم إنهم اقتحموا السجن. أعني حقاً، ألم تستطع اختلاق عذر أفضل؟" "أخبرتكم، لم أقتحم المكان. نُقلت داخله آنياً رغماً عني. لا أري انتمي إلى هنا. أخرجني في هذه اللحظة." قال اللص. "نعم نعم، أرسلك وحش إلى هنا رغماً عنك. معظم الناس هنا رغماً عنهم، أتدري؟ تلك هي النقطة. سنتحدث في أقرب وقت ممكن لكن لدينا أولويات أخرى الآن لذا تهدأ وانتظر، حسناً؟ لن يستغرق الأمر طويلاً بعد الآن." قال الحارس وابتعد عائداً في الممر. مرّت دقائق قليلة، وأقبل حارس آخر نحو زنزانة اللص. كان درعه أنظف بكثير من سابقه، مع مزيد من العلامات على كتفه. "سمعت أنك تثير المشاكل؟" قال الحارس. "أنا لا أثير المشاكل، بل أُسجن بغير حق. ستطلق سراحي في هذه اللحظة!" قال اللص. "اهدأ الآن، أخبرني بما جرى بالضبط." "كنت في متجر ذلك الوحش الملعون، أتعرفه؟ كتب جون، هكذا يدعوه. سمعت الناس يقولون إنك تستطيع الحصول على كتب مجانية إن رويت قصة فقط لذا ذهبت لأحصل على كتاب جدي المفضل لمجرد قراءته مرة أخرى، لأذكر نفسي بالرجل العظيم الذي كان. ورويت لهذا الوحش قصة رحيل جدي، أمتع قصة أعرفها. يا له من رجل، واجه المرض طويلاً قبل أن يوديه في النهاية. أنا فخور جداً بمن كان، وبعدها هاجمني الوحش بلا أي سبب على الإطلاق. ساحقاً إياي تحت ثقله. "ظننت أن عظامي ستتحطم، وكنت واثقاً من أنه سيأكلني. وبعدها صفّع قطعة الورق هذه على ظهري ناعتاً جدي بالعاهرة ونقلني آنياً إلى هنا. إنه يسخر منا فحسب. يجب عليك قتل ذلك الوحش قبل فوات الأوان. لم أرتكب أي خطأ يا سيدي، أردت فقط تذكاراً لجدّي العزيز منذ أن احترق تذكاري الأخير في حريق حين هاجم قطاع الطرق منزلنا." قال اللص، والدموع تنحدر على وجهه. "آه ذلك الوحش، نعم لقد سمعت عنه. يقولون إنه فرّ من سجن هنا أيضاً، لست متأكدأً لمَ نتركه يستمر في إثارة الفوضى. سأخلي سبيلك، لا ينبغي لأحد أن يعاني على يد شيء كهذا." قال الحارس، فاتحاً البوابة ومخرجاً اللص.
أمين مكتبة المغامرين الفصل 17 — أمانة جون
اقرأ أمين مكتبة المغامرين الفصل 17 — أمانة جون باللغة العربية على مانجا تايم.