تفرّس جون أرجاء متجره مطالعاً حجم الدمار. بابُه يقبع في قلب البناء، مستقراً فوق رفّ للكتب هشمه ونصفُه غارقٌ فيه. ورقدت رفوف أخرى مبعثرة حوله، وقد تناثرت الكتب على الأرض. وتمزّق بعضها، وتشرّمت من شدّة العصف. استبدّ به الغضب. ما ارتكب جون ذنباً، بل ولج طفلٌ متجره. وما كان الطفل مسؤوليته. لقد بذل وسعه لمعاونتها ثم تركها تمضي في سبيلها فرحةً آمنة. صحيح، ربما لم يكونا أبوي الفتاة الحقّيقيتين. لكن أكان مفروضاً عليه استجواب كلّ أب لكلّ طفل يقع عليه بصره؟ أكان مفروضاً عليه انتزاع كل طفل يراه من أيدي رفقائه وسوقهم إلى الحراس للتحقيق؟ ما كانت خطيئة جون قطّ اختطاف الفتاة. ولم تكن لديه وسيلة ليعلم، فبراعته تخصّ المكان لا العقل. ونازعتْه نفسُه تخريب البلدة، ومحوها من الوجود مع قاطنيها أجمعين. لكنّه أدرك أن أكثرهم أبرياء. وسيندم على ذلك لاحقاً. هدّأ جون روعه وانتقل بالانتقال الآنيّ إلى الرجل الذي حادثه آنفاً. كان قد غادر مكتبه، سائراً في قاعة المحكمة رفقة المرأة التي اعترضت سبيله. وما إن بلغ مكانهما حتى دفع بذكرى دمار متجره إلى عقليهما، فترنح الاثنين من الألم تحت وطأة سَوْرة المشاعر. حدّق الرجل في المرأة. سأل بصوت خاالطه غضب دفين تحت هدوئه الظاهري: "أمرتك بالرفق. لِمَ حطّمت بابه فوق بضائعه؟" أجابت المرأة: "هرب من السجن. اعتقلناه فما لبث أن غادر، عائدأ ليدير متجره السخيف". سألها الرجل: "أأعلمتِ جوناً بأنه ممنوع من المغادرة حين أتيتم به إلى هنا؟" تهكمت قائلة: "أأخبرتُه بأنه لا يستطيع المغادرة؟ لا. بالطبع لا. لقد حبسته في زنزانة لعينَة. من البديهي أنه لا يملك حق المغادرة. لقد كان نزيلاً في السجن. أمرته بالانتظار، فغادر الملعون. هرب. في أيّ عالم يُفترض بي أن أرفق بشخص فارّ؟ إن لم يرِد تدمير متجره الأحمق، لكان الأجدر به الجلوس والتصرف بتعقل". كانت تفور غيظاً. تنهد الرجل والتفت نحو جون، فسأل: "أكنت على دراية بأنك في السجن، وأن مغادرته أمر غير قانوني؟" هزّ جون رأسه. سجناً؟ هذا ما ظنّه؟ تلك القُضبان المعدنية الواهية؟ صاحت الفتاة: "بحق الجحيم، ماذا ظننته إذن؟" كتب جون: *تصميماً غريباً؟* ضحك الرجل، ووضع يده على كتف المرأة بينما التفت إليها وقال: "أرأيتِ؟ لم تكوني واضحة بشأن الشروط. جون هنا لم يهرب، بل غادر. هناك فرق. أمرتك بالرفق، وأمرتك بتوضيح ما يجري. وما فعلتِ أياً منهما. عودي إلى مكتبي، سنناقش عقوبتك لاحقاً". أومأت المرأة برأسها وانصرفت، عائدة أدراجها باتجاه السلم. التفت الرجل إلى جون مجدداً بعد أن ابتعدت المرأة عن نطاق السمع، وقال: "أسف أشد الأسف للأضرار التي لحقت بمتجرك بسببها. أعلم أن لديك تشكيلة بضائع غريبة الأطوار لذا لست متأكداً إن كان بمقدورنا تعويض الكتب، لكننا نستطيع استبدال رفوف الكتب والباب على الأقل. فضلاً عن تعويض مالي عن الكتب المتضررة". أمعن جون التفكير في الأمر. عمَّ كان يتألم حقاً على أي حال؟ كان يملك بضعة رفوف إضافية، وما كانت باهظة الثمن البتة. وسيحتاج إلى شراء باب جديد لكنه لن يكون باهظ الثمن هو الآخر. على أية حال، كل النقوش الرونية عليه صنعها بنفسه لذا يمكنه استبدالها. وكان يملك ثروة حقيقية من الكتب ليُعوض بها التالف منها. ولم يكن متأكدأ أساساً أيها تضرّر. لقد أغضبه مجرد وقوع الأمر. أشد غضباً ممّا ظنّ أنه يطيقه حتى. لكن نتيجة ما حدث لم تكن سيئة إلى هذا الحد، فلو أنه عكف على إصلاح الأمر عوضاً عن المجيء إلى هنا لكان قد سُوِّي بالفعل. ومع ذلك، لم يشعر بأن ذلك سيخفف من حدة غضبه. الغيظ الذي اعتصره لما ارتكب بحقه. أكان يبتغي الانتقام؟ إلحاق الأذى بالمرأة؟ لقد أراد ذلك، إن كان صادقاً مع نفسه. أراد تمزيقها إرباً وقذف أشلائها في أعماق الفضاء. لكن أكان ذلك سيشعره بتحسن؟ ربما لا. إذن، ما الذي يبغيه يا ترى، هكذا تساءل جون. كتب جون: *لا بأس*. قال الرجل: "أمتأكد أنت؟ سنكون أكثر من سعداء بتقديم التعويضات. فهذا خطؤنا الذي جلبناه عليك في النهاية". تجاوز جون مشاعر الحيرة التي انتابته تجاه الموقف. عجزُه عن إدراك ما يبتغيه، أو كيف يتعامل مع الألم الذي يعتصره. الغياب التام لأي أثر قد تحدثه أموالهم التي سيدفعونها في ميزانيته. "آه. حسناً، أشكرك في هذه الحال على كرمك وصبرك. وأعتذر أشد الاعتذار عن الألم الذي سببناه لك. وكن على ثقة أنها لن تفلت بيسر جراء هذا". انتقل جون آنياً إلى متجره، متوقعاً أن يغشاه الإحباط والغضب من جديد. لكن استقبله وجه مألوف، فتاة يافعة ببشرة بيضاء كالثلج وعينين حمراوين كـ... شيء أحمر. صاح نصف المصاص الدوما فور وصوله: "يا رجل، ماذا حدث هنا؟ أأنت بخير؟" حدق جون في الفتاة، لم تكبر يوماً واحداً ومع ذلك بدا عليها مزيد من الثقة. مزيد من اليقين بالنفس، وتشع منها هالة من القوة تكاد تجمد الهواء في متجره. لا بد أنها عثرت على فئة تحبها، هكذا فكر جون. شكّل صندوق صوته المكاني، متوقداً حماسة لمحادثة أحدهم لأول مرة: "أُلقي القبض عليّ، على ما يبدو". هكذا تحدث جون. أمالت الفتاة رأسها والتفتت نحو جانب جون حيث كان يتلاعب بالمكان: "بات بإمكانك التكلم الآن! لكن أظن أنني قادرة على التعامل مع التخاطر إن كان ذلك أيسر. انتظر، أُلقي القبض عليك؟ ماذا تقصد؟ ماذا حدث؟" صاغ جون ذكرى اعتقاله، بدءاً من لحظة وصول المرأة الأولى وحتى انتقاله آنياً إلى هنا ورؤية الفتاة مجدداً. وإذ تخوف من تكرار ما حدث سالفاً، فقد أسقط الكثير من التفاصيل الزائدة واكتفى بمخطط بسيط. ودفع بالذكرى إلى عقل الفتاة. "آآآه. إذن فرت إحدى الصغيرات النبيلات ووقعت أنت في المتاعب بسببه، هاه؟ هذا سيء يا رجل. لكنك بخير الآن أليس كذلك؟ نجوت بفعلتك؟" سألت، وسرَّها أن جون أومأ برأسها، "عظيم! إذن أنا بحاجة إلى كتاب عن الأقبية القريبة. أظن أنني أوشكت على الاستعداد لتطوري الربع مئوي بعد المائة لكني أريد أولاً قتل ثلاثمائة وحش بمفردي. ألديك كتب تحوي معلومات عن ذلك؟" المستوى الرابع بعد المائة بالفعل، هكذا فكر جون. غير أنه لم يكن متأكداً من المدة التي انقضت على أي حال. بضع سنوات بحسب التاجر الذي حادثه لكن ذلك قد يعود لعامين أو خمسة أعوام. لم تكن الصورة واضحة لجون. وخيل إليه أنه يستطيع سؤال الفتاة، بيد أن الأمر لم يكن بالغ الأهمية على أية حال. لوّح بيده، فاستقامت رفوف الكتب وقفت، وراحت الكتب تطفو عائدة إلى مواضعها. وتطايرت كتب أخرى من حول جون لتمتلئ بها الرفوف التي خصصها بجوار مكتبه. تمنى أن يحوي أحدها ما تبحث عنه الفتاة، وشعر بميل عاطفي نحوها. وألفة. وأكثر من وميض أمل في أن يزور عالمها يوماً ما. راحت الفتاة تُقلّب البصر بين الرفوف، متصفحة الكتب التي تتناول الوحوش والأقبية التي قد تلبي حاجتها. واستوقفها كتاب بعينه على ما يبدو، فحملته إلى مكتب جون. كان يتناول قبياً قارس البرودة قريباً يُدعى مسكن المتجمد بالصقيع. قالت وهي تضحك بخفة: "هذا يبدو جيداً. يتناسب مع جو البرودة الذي أعيشه بالفعل. أتغلب على زعيم بارد وغاشم وأغدو ملكة الثلج الغاشمة والأكثر برودة؟ ربما؟ إذن، قصة واحدة فقط للكتاب أليس كذلك؟" هزّ جون رأسه إيجاباً. "صحيح. حسنٌ، لست أدري أهذا أمر ممتع أم لا، لكنني حدثتك عن الحواسيب منذ أدهر، أتذكر؟ كان بإمكانك لعب الألعاب عليها أيضاً، لا الاكتفاء بمشاهدة الأشياء. وكنت ستستخدم تلك اللعبة الشبيهة بلوحة المفاتيح والفأرة التي حدثتك عنها، أتعتقد ذلك؟ كانت تُوصل بالحواسيب وبإمكانك الضغط على أزرارها، وهو ما يملي على الحواسيب الإتيان بأفعال شتى. حسناً، كانت ألعاب الفيديو شبيهة بالأفلام إلا أنك قادر على التفاعل معها، محركاً شخصية ما، دافعاً إياها للإتيان بأفعال. ومن ثم يتولى الحاسوب التحكم بالشخصيات الأخرى. أظنني تحدثت عنها من قبل، لست متأكدة. لكن الأمر يشبه هذا العالم لولا أنني كنت سأجلس في غرفتي أمام حاسوبي ضاغطة على الأزرار لأتحرك، وليتولى الحاسوب بدوره التحكم بك وبكل شيء سواه ليتفاعل مع ما أفعله. أصدرت إحدى الألعاب التي لعبتها زعيماً جديداً قبيل وقت قصير من زجي في هذا العالم، وكنت اقضي ساعات كل يوم محاولة قتله. لأسابيع يا رجل. شيء فظيع بحق. لست أدري لما لكن شيئاً ما في ذلك الزعيم كان أكبر من طاقتي. وما قتلتُه قط في النهاية، إذ وجدت نفسي هنا في الغابة ذات يوم إثر إصابتي بإحباط شديد بسببه. لكنني كنت أفكر مؤخراً في كم هو، لا أدري، أمر مثير للسخرية، أظن؟ لأنه بدا لي حينها وقتاً هائلاً أهدرته وأنا أموت مراراً وتكراراً على يد هذا الزعيم. أسابيع من حياتي ضاعت سدى، دون أن أجني شيئاً يُذكر. وبعد ساعات صرت خالدة وتغير إدراكي للزمن تماماً. ما بضع أسابيع وقد بات مكتوباً عليّ الخلود؟ أرى أنه لأمر رائع كيف يتغير ذلك بالسرعة نفسها بالنسبة لأحدهم". أومأ جون برأسه، وقد غمره الرضا للقصة. التقطت الفتاة الكتاب من على المكتب، وقالت وهي تتجه نحو إطار الباب الفارغ: "شكراً مجدداً على كل الكتب يا جون، أراك لاحقاً!" حملت قصتها دلالات غريبة بالنسبة لجون. فقد قارنت العالم بألعاب الفيديو مجدداً. في المرة السابقة، لم يكن جون يعرف ما ألعاب الفيديو بما يكفي لاستيعاب الأمر. لكنه حاز هذه المرة ذكريات رؤية غرفة الفتاة، أو ما ظنه غرفتها على أية حال. وقد أوضحت ما تعنيه بشكل أفضل. في عالم الفتاة، يمكن تلخيص وجوده بأسره في لعبة فيديو، شكلاً من أشكال الترفيه المتاح بكميات هائلة. يُعبث به. وأثار ذلك تساؤلاً عما إذا كان هذا العالم حقيقياً أم مجرد لعبة فيديو جُذبت إليها الفتاة. امتلك جون ذكريات تخص تقريباً مجمل وجود هذا الكون، لكن أيمكن أن تكون تلك قد زرعت فيه، على غرار ما فعله هو مع الآخرين؟ لم يبدو الأمر كذلك، بيد أن جون لم يكن خبيراً في سحر العقول، ولم يعد هذا أمراً يتيقن منه. كان باستطاعته الولوج إلى عالم الفتاة، أو استطاع ذلك في لحظة ما على الأقل. كان الأمر ملموساً، وستظل ذكرى ذلك تطارده حتى يعثر على سبيل آخر يقوده إلى هناك. لذا، على أقل تقدير، فحتى لو كان هذا العالم مجرد لعبة فيديو فإنه يظل حقيقياً بقدر العالم الذي قدمت منه الفتاة. وإلا، فكيف له أن يخرج؟ ولكن، هكذا أدرك، لم يخرج قط. لقد رأى قدرته على الخروج فحسب. أكان ذلك مزيفاً؟ فقط لخداعه وجعله يصدق أنه حقيقي؟ وحتى لو كان هذا المكان حقيقياً بقدر المكان الذي جاءت منه الفتاة، فمن يدرك لعل ثمة عالماً آخر يكون فيه موطن الفتاة مجرد لعبة فيديو، وتكون هي شخصية تلعب لعبة فيديو؟ لن تكون هناك نهاية لذلك، ولا خاتمة. مهما صعدت علواً فستظل هناك دائماً احتمالية أن يكون كل ذلك مجرد محاكاة لقوة أعلى منها شأناً. أهم الأمر شيئاً، هكذا تساءل جون. أغير هذا أي شيء بالنسبة له؟ لا، هكذا فكر. كان حقيقياً تماماً كما كان دوماً. يدير متجراً للكتب، ويلتقي أناساً مثيرين للاهتمام ويتعلم قصصاً شيقة. لا أهمية لوجود عالم آخر يعلو عالمه، ويتحكم بكل حركة يقوم بها. بالنسبة لجون، كان يتصرف بإرادته الحرة. يتخذ قراراته بنفسه، وانتهى الأمر. كان ممتعاً رؤية احتمال جديد، مهما بدا مرعباً. ورؤية الفتاة قلقة بشأنه ساعدت في تضميد بعض الألم الذي غشاه آنفاً. هكذا فكر جون، نهاية طيبة لليوم.
أمين مكتبة المغامرين الفصل 10 — صبر جون
اقرأ أمين مكتبة المغامرين الفصل 10 — صبر جون باللغة العربية على مانجا تايم.