لم يعد في الوقت مُتسع، وتلك الأنفاق كانت شديدة الطول في كلّ مرّة. المشكلة التالية هي تمكّنهم من سماع مطارديهم يهرولون خلفهم الآن. لن يستغرق الأمر طويلاً حتى يدركوهم، ممّا يعني أن أوان التدابير الحاسمة قد حان. لم يرغب ثاليون في الموت أو المخاطرة بحياته بلا داعٍ، لكنّه لم يجد أمامه أيّ خيارات صالحة في هذه اللحظة.
قال ثاليون فور ولجوهما غرفة تحكم أخرى: "ريكاردا، أعطيني البلورة الكبيرة. أنتِ وبيكار ستسلكان طريقاً مختلفاً بينما أتوجه أنا نحو الطابق الخامس. هكذا سيكون على الصيادين الاختيار، ولا أظنهم يرغبون في تفويت جائزة رأسي".
كان الأمر واضحاً، واستوعباه على الفور.
صاح بيكار قبل أن يغادر عبر البوابة اليمنى التي فتحها ثاليون للتو: "اعتني بنفسك واحرصي على السير في خط مستقيم قدر الإمكان. أعتقد أن الفرق الأقوى ستتجمّع حول الطوابق الخمسة".
رغبت ريكاردا في اللحاق به، وشعرت بسعادة خفية لعدم اضطرارها لمرافقة ثاليون بعد الآن، قبل أن يقاطعها صوته.
"ريكاردا. إن لم يخرج بيكار حياً، فلا داعي لأن تعودي".
ابتلعَت ريكاردا ريقها بصعوبة بالغة عند سماع تلك الكلمات، وشحب وجهها بالكامل قبل أن تومئ وتعدو داخل النفق الأيمن. كان الأمر قاسياً، لكنّ ثاليون لم يكن يثق تماماً بالمصطفاة الإلفيّة، ولم يكن ينوي مصادقتها بأي حال. لم تكن الشراكة الحالية تستدعي نجاة ريكاردا. كان الأفضل لها أن تنجو بالتأكيد، غير أنّ السبب في تلقيه هذا القدر من الدعم لم يكن مرده المصطفاة الإلفيّة. كان عليه الآن البقاء على قيد الحياة والفوز بحدث النظام هذا.
منحتْه بلورة ريكاردا مائتي ألف نقطة إضافية، بينما كافأه الاقتراب إلى هذا الحدّ من الصيادين بنحو خمسين ألف نقطة. وجد الأمر جنونياً لعدم معرفتهم حتى الآن طبيعة الجائزة المخصصة للمراكز الأولى.
انتظر بضع ثوانٍ قبل أن يفتح اللوحة في المنتصف ويفعل "الدوامة القرمزية"
ليطلقها داخل النفق المفتوح. لقد أبطأه رفيقاه قليلاً نظراً لاستحالته استخدام أفضل مهاراته الحركية دون المخاطرة بإصابتهما. تخلّص الآن من تلك القيود، وبات بإمكان ثاليون إطلاق العنان لنفسه أخيرًا. ينبغي أن يؤدي النفق التالي إلى الطابق الخامس، وهو ما بدا ملائماً لمعركة أخيرة. لم يدرِ ثاليون أيّ توافق سيمتلكه ذلك الوحشيّ ذو الرتبة دي، لكنّه أمل أن يُحدث ذلك فوضى عارمة تمكّنه من الظفر بالقتل وربّما مغادرة المكان حيّاً، متى اقترب الصيادون بما يكفي.
لا يزال في المركز الأول حتّى الآن، دون أن يلحق به أحد في المستقبل القريب. ربّما كانوا ينتظرون حتى اللحظة الأخيرة لتركيز الغنائم على شخص واحد، أو أنهم ببساطة لا يملكون ما يكفي. أثناء اندفاعه عبر النفق، شعَرَ ثاليون باقتراب الصيادين مجدداً. لا بدّ وأنهم أدركوا تحركه بسرعات فائقة الآن، ممّا دفعهم إلى تسريع خطواتهم جذرياً. تمنى ثاليون أن يصيبهم ذلك بالإرهاق، فما إن يتعلّق الأمر باستهلاك المانا، حتّى كان في أتمّ حال.
نعم، كانت تتناقص ببطء، لكنها ستستعيد ألقها مع استراحة قصيرة في لمح البصر. كُشِف مكانه حالياً كلّ بضع ثوانٍ، ممّا لم يساعد في تهدئة روعه البتّة. على الجانب الإيجابي، كان يجني نقاط لوحة صدارة تفوق بكثير ما تحققه المصطفاة الإلفيّة، التي كانت منافسته الحقيقية الوحيدة على الأرجح. استطاع سماع صدى خطوات يتردد في البعث خلفه، مقتربة بلا هواية، وهو أمر جنوني بالنظر إلى سرعة تحركه الفائقة.
حسناً، لعلّها إحدى ميزات التمتع بالرتبة دي، فكّر ثاليون بجهامة بينما واصل طريقه قدماً. وبما لم يكن بيكار رفقته بعد الآن، التفت ثاليون ليتأمّل جداريات الحائط والتماثيل التي شرعت تعرض نوعاً من القصص. وبسبب سرعة عبوره بجانبها، بدا الأمر أشبه بمشاهدة فيلم قصير. في البدء كانت هناك مملكة، وأمام بواباتها رقد نوع غريب من ثعالب الصحراء مبتهج المنظر. بدت تلك الثعالب بمثابة حيوان روحي ما لشعب الأوناري.
جلب لها الناس الهدايا، والطعام، والماء، وغالباً ما عرضوا عليها صغارهم. على الأقل، رأى ثاليون صوراً عديدة تذكّره قليلاً بالأسد الملك من حيث طريقة رفعهم للأطفال. ثمّ تغير كل شيء جذرياً بوصول قردة ذات أربعة أذرع راحت تصطاد ثعالب الصحراء. بدا أن المخلوقات لا تملك سبيلاً حقيقياً للمقاومة، فإما ذُبحت أو أُجبرت على الفرار. وبعد معاينة كل ذلك، ظل ثاليون جاهلاً بالسر الذي يجعل تلك الثعالب مميزة إلى هذا الحد.
غير أن مظهرها نال إعجابه؛ فقد كان بنيانها أكثر نحافة وشبهاً بالفهود، وبدا جلياً أنها تتمتع بسرعات فائقة. وما إن اختفت الثعالب، حتى بدأ الناس أنفسهم بالتغير مع نمو أورام خضراء على أجسادهم، ممّا لابدّ وأنه مثّل بداية النهاية. لا تزال القردة هناك، وعلى عكس الأوناري، تحول لون فروها إلى الأخضر فحسب دون ظهور أورام أو أمراض على أجسادها. من هناك فصاعداً، تحطمت الصور، وهو أمر مزعج بصراحة نظراً لأهمية ذلك الجزء على الأرجح.
لم يُطمس بعضها كلياً، بيد أن ثاليون لم يمتلك الكثير من الوقت للتوقف ومراقبتها في ظلّ المطاردة اللاحقة بخطاه. على إحدى الجداريات فحسب، التقط لمحاً لنصف وجه ما يحتمل أنه أحد ثعالب الصحراء. وسط كل تلك البلبلة، ظهر ثاليون في الغرفة الأخيرة ولم يتبقَ من عمر حدث النظام هذا سوى ثلاثة أيام ونصف. مضى الوقت هنا بسرعة تفوق كوكب الأرض الجديد، ممّا يعني نفاد الساعات سريعاً، وستكون هذه معركته الأخيرة على الأرجح إن لم يستمر في الرعد، وهو أمر لم يخطط له.
أمل أن تكون الساحة رحبة بما يكفي لتفادي المطاردة حتى انقضاء الحدث. بحسب حدة تحفز حاسة الخطر لديه وارتفاع نقاطه المتواصل، كان الصيادون يقتربون يقيناً، والأسوأ من ذلك أنهم لم يكونوا وحددهم. فكّر ثاليون بالطبع في الالتفاف نحو بوابة أخرى، لكنه استشعر حالياً خطراً يتأتى من كل نفق، ممّا يعني على الأرجح قدوم فرق مطاردة متعددة نحوه. لم يترك له ذلك خياراً يُذكر. وبعد مدح لقبه مرة أخرى، هبط الدرج المفضي على الأرجح إلى مملكة فاسدة أخرى.
لم يضطر هذه المرة للهبوط طويلاً قبل الولوج فيما بدا كأنها محيطة حيوية عملاقة. امتدّت غابة هائلة تحته، وفي المنتصف انتصب معبد ضخم نحو السقف. دُفنت الممالك الأخرى تحت الرمال غالباً، بيد أن كل شيء بدا هنا محتفظاً بهيئته بطريقة ما. كانت المنطقة شاسعة لدرجة عجز الصيادين عن إعاقة استخدامه لهيئة التنين المجنح، وهو ما فعله فوراً.
وبصفته تنيناً مجنحاً، استطاع الطيران بسرعة مع استعادة المانا التي فقدها جراء استخدام "الدوامة القرمزية"
لساعات. أبقى هالته محجوبة لتفادي استقطاب الكثير من الاهتمام. اتسام هذه المحيطة الحيوية بهذا الحجم كان أمراً إيجابياً، وإلا لأضحى تفادي الصيادين شبه مستحيل فور ولجوه. دوّى الهواء تحت أجنحته بينما تقدّم مراقباً الغابة أسفله بلا انقطاع. لمح بين حين وآخر تماثيل لتلك القردة ذات الأذرع الأربعة، عدا ذلك بدا الغياب التام للحياة سائدًا في الغابة. لا جِردان، لا طيور، ولا حتى بعوضة.
دفعه إحساس حاد بالخطر إلى الالتفات للخلف حيث لمح الصيادين الأوائل وقوفاً في ذات النقطة التي انطلق منها طيرانه، مشرفين على الساحة بأسرها. اضطر للاعتراف بكون ذلك مبكراً بعض الشيء. لقد قطع مسافة معتبرة، لكنه أمل في كسب دقائق إضافية على الأقل. تسلّحوا بالأقواس، والسهام، والسيوف، والرماح. ارتدى كل صياد درعاً يتوهج برونمات لم يشهدها ثاليون من قبل، لكنّ الأكثر إثارة للاهتمام هو امتطاءهم على ما يبدو مخلوقات تشبه ديناصورات الفيلوسيرابتور ذات ثلاث عيون زرقاء متوهجة على جانبي رؤوسها.
أبقى ثاليون عينيه على الصيادين بينما تقدّم نحو المبد الشاهق في البعث، والذي استبانت منه أول أصوات المعركة بالفعل. أوقد ذلك فوراً جذوة الحماس والأمل في دواخله. إن تواجد المزيد من البشر هنا، فستكون هناك إذن المزيد من المشتتات للمطاردة وربّما فرصة له لاقتناص الجائزة النهائية. كلّما اقترب ثاليون من المبد، ازداد ارتباكه لطول ما بلغ مسامعه من ترانيم صاخبة، أو ما يقوم مقام الآذان في هيئته التنينيّة.
وقفت بوابة المعبد مشرعة وبحجم يكفي لعبوره طيراناً بهيئة تنين، لكنّ فعل ذلك قد يثير فزع مختبري التجربة الآخرين الذين قد يتحولون إلى حلفاء محتملين إن كانوا بشراً. كانت المطاردة البرية تنتشر بتردد في الوقت الحالي، وهو ما صبّ في مصلحة ثاليون تماماً. اكتساب المزيد من الوقت أمر بالغ الأهمية، وكانت هذه المرحلة فسيحة بما يكفي لمواصلة تفاديهم لفترة أطول. عسى ألا يضطر لذلك، غير أنه بعيد كل البعد عن أسوأ السيناريوهات.
عاد بانسيابية إلى هيئته البشرية على ارتفاع متر واحد فوق البوابة وترك نفسه يهبط. بلغت الترانيم صخباً جنونياً الآن، وتعذّر تكاد تمييز أصوات المعركة في الخلفية. بدا وكأن تشوهاً مكانياً ما يعمل هنا؛ إذ بدت قاعة المدخل الداخلية منذ الوهلة الأولى رحبة كالمعبد بأكمله من الخارج. تساءل ثاليون دوماً عمّا يحلّ بالبشر بالداخل إن انهار هيكل مماثل أو فشل التلاعب المكاني ولو لثانية واحدة.
بدت قاعة المدخل خالية في الغالب باستثناء بعض الدمار، وبضع قردة نافقة، والعديد من كائنات الأوناري المشوهة بشكل مروع. لقد بدوا مروّعين حتى قبل مصرعهم. أشبه بالزومبي الأخضر منهم بالبشر الحقيقيين، ولعلّ وصفهم كذلك كان مجاملة لهم. لقد حسّن الموت مظهرهم حتماً بالتأكيد.
مقتفياً أثر الجثث، اخترق ثاليون المعبد مستخدماً "الاندفاع الحركي الذهني"
حتى ولج حجرة ضخمة للغاية تفوق حجم المعبد بخمسة أضعاف على الأقل. في المنتصف، وفوق مذبح ضخم، وقف أحد ثعالب الصحراء مقيداً في مكانه. بدا هذا الفرد نموذجاً فائق القوة. وعلى عكس أغلب الوحوش التي تضخم، أو تغلظ، أو تزداد خطورة في المعركة مع تطورها، بدا ثعلب الصحراء الغريب هذا أكثر تناغماً مع السرعة والأناقة مقارنة بمن شاهدَهم ثاليون في الجداريات. سيروكار — المستوى 195 أمام ثعلب الصحراء وقف ملك الأوناري رافعاً يديه كلتيهما نحو الأعلى بينما تمتم بتعويذة ما.
أمامه جلست صفوف من الأوناري المشوهين، وقبلهم تقاتل حزب بشري ضد مجموعة من القردة الهائلة والأوناري الفاسدين. عدا الملك، بدت كل كائنات الأوناري طافحة بالتشوهات المروعة مع أورام عديدة تنمو من لحومهم. حملت القردة أيضاً علامات الفساد، لكن ليس بالقسوة ذاتها التي ظهرت على الأوناري. تواجد أكثر من ثلاثين بشرياً، جميعهم في منتصف أو حتى أواخر الرتبة إي. ينبغي لمن بلغوا مستويات عليا المشاركة في حدث النظام الأول لبلوغ هذه المرحلة.
وستمثل خسارة هذه التجربة أيضاً حكماً يقارب الموت، ولا تبدو الأمور مبشرة لهم حالياً. لم يمتلكوا سوى نقاط ضئيلة، أتى جلّها على الأرجح من الصيادين المقتربين. مؤسف بعض الشيء، لكنّ ثاليون عجز عن إغاثتهم الآن. اهتمّ أكثر بالثعلب الذي طفق يراقبه بلا انقطاع. امتلك المخلوق ثلاث حدقات داخل كل شق عين مستطيل على جانبي رأسه، مما منحه مجال رؤية شبه كامل يماثل القردة ذات الأذرع الأربعة.
أعلن الملك مادّاً ذراعيه باتساع: "لقد حان الأوان أيها المواطنون الأعزاء. أخيراً، ومع جمع المسخ الأخير، يمكننا العودة إلى السطح".
بحركة خاطفة، ظهر نصل طقوسي في يد الملك اليمنى. بلغ استسلام مواطنيه حداً منعهم حتى من رد الفعل. وبدأت بضعة قردة بالتصفيق فحسب، أو هكذا فسّر ثاليون صرخاتها الصاخبة. ظلت نظرة الثعلب المتوسلة تقريباً مثبتة عليه، غير أن ثاليون لم يمتلك الوقت لإنقاذ الوحش. ولم يرد حقاً ذلك. كانت الإغراءات لاكتساب تلك الهيئة أعظم من أن تُقاوم. ينبغي أن يتمتع جنسه بندرة عالية للغاية. ربّما إمبيريانية أو ما يماثلها، حسبما خمن ثاليون.
توهج النصل الطقوسي في يد الملك بضوء أخضر عليل اشتبه ثاليون بقوة في كونه مصدر الأورام وخراب هذه المملكة. فعّل مهارة سلالته وانتقل آنياً نحو الأمام، ليظهر على ارتفاع خمسين متراً تقريباً فوق الثعلب.
هبّ طنين عنيف هز الغرفة عندما لوّح ثاليون بـ"سارانيا"
نحو الأسفل مفعّلاً المهارة النشطة التي أطلقت قوساً غير مرئي من الدمار. حدق البشر بذهول وأفواه فاغرة. زأرت القردة بينما اكتفى الأوناري الفاسدون بالنظر نحو الأعلى بعيون خاوية. كان الملك الوحيد الذي استجاب في الوقت المناسب. برز زائر محتدٍ رافعاً نصله وصاداً للضربة. حقيقة نجاحه في إيقاف الهجمة بيد واحدة كانت جنونية. لقد ضرب ثاليون بكامل قوته مستخدماً كلتا يديه، ومع ذلك أبعد الملك الضربة بكسل ظاهري.
لم يكن الثعلب المقيد محظوظاً بالمثل. قسمته الضربة نصفين تماماً، وهو ما ألمّ ثاليون حقاً، بيد أنه لم تتح فرصة لتحرير الوحش قبل إنجاز الملك للطقوس. تخيل ثاليون أن الموت مقيت بأي حال، لكن بما أن الملك كان عدواً جلياً للثعلب، فليستقبل ثاليون الخبرة إذن ليكون الأمر أفضل. عدا ذلك، ربّما بدا الموت على يدي سارانيا أرحم بكثير مما كان سيحدثه النصل الطقوسي.
"قتل!"
زأر الملك طافراً أمام ثاليون بغتة، ومسدداً النصل الطقوسي مباشرة نحو صدره. تفاجأ ثاليون بصدق لمدى الضياع الذي يصيب بعض البشر بعد قدوم النظام. ألم يدرك الملك ما اقترفه بحق أبناء شعبه؟ حتى القردة عانت بوضوح تحت إمارته. لتفادي الطعنة التي كانت لتخترق قلبه لولا ذلك، فعّل ثاليون مهارة سلالته مرة أخرى وظهر بجانب الثعلب.
وضع يداً واحدة على الجثة وفعل "اكتساب الهيئة".