أثار خلو ثاليون من أي راعٍ ردود فعل متباينة للغاية. اطلقت كاساندرا ضحكة مدوية. اكتفى معظم الملوك بهز أكتافهم غير آبهين بالأمر البتة. لكن سولان… كان سولان على وشك الانفجار من الغد. كان وصول بشري إلى هذا المدى بمفرده أمراً يثير الإعجاب وزيادة. امتلكت نيسسا مهارة تكشف صدق الأقوال، وأكدت لها أن ثاليون لم يكن يكذب. لولا ذلك، لما صدقه سولان قط. كل تلك الموارد التي أهدرها مطارداً الشائعات.
كل ذلك القلق بلا جدوى. العزاء الوحيد تمثل في أن ثاليون سيغدو مشكلة مزعجة للغاية للفصائل الجنية الأخرى. وفي غضون ذلك، بدت كاساندرا متحمسة بوضوح.
"أرجوك، اسأله عن الأشكال الأخرى التي يمتلكها ومستويات ندرتها. وايفيرن بتلك القوة في الفئة إي يُعد أمراً مثيراً للإعجاب حقاً".
للأسف، حافظ ثاليون على إيجاز إجابته. فلم يذكر سوى ثعبان بحري وكائن إيكليبساري. مثل ذلك خيبة أمل لكاساندرا. أما بالنسبة لنيسسا، فقد بدا الأمر كشفاً مذهلاً. وباعتبارها ملكة تنحاز جزئياً إلى الظلام، فقد واجهت كائن الإيكليبساري مراراً وتكراراً وعرفت الكثير عنه.
"مستحيل. قل لهذا الوغد أن يتحول إلى تلك الهيئة. لن أصدق امتلاكه لهيئة إيكليبساري إلا إن رأيتها بعيني هاتين".
بدا صوت نيسسا أقرب إلى فحيح منه إلى كلام. إذ تسبب مجرد حضورها في اهتزاز الملكة الضعيفة التي أمامها بعنف. غير أن الرسالة لم تصل بالشكل المقصود. راقبا معاً المختار وهو يبتلع ريقه بصعوبة ويكرر كلمات نيسسا. وبسبب صوتها المرتجف، افتقرت الكلمات إلى أي تهديد. مع ذلك، لم يكن ثاليون في مزاج يسمح له بالكشف عن المزيد من أسراره. واكتفى بالرد بأنه سيفعل ذلك في وقت لاحق. لكن خطته للتعامل مع القاعدة الجنية بدت محكمة.
قالت نيسسا وهي تبتلع غيظها من صدّ بشري محض لها: "علي الاعتراف، لم أهتم بيون جديد قط كما أهتم بهذا".
أضاف سولان من بين أسنان مطبقة: "ربما. فمن أجل مستقبل إمبراطوريتنا الجديدة، سيكون وجود فانين أحرار أمراً ضرورياً. كما أن الهيمنة على المختارين الجُنْ في إحداثيات النظام ستكون بالغة الأهمية أيضاً".
ثم أظلمت تعبيرات وجهه قليلاً.
"بعد ذلك، سأعلن علناً أن ثاليون انضم رسمياً إلى فصيلنا، وأُذكِّر الآخرين بأن أحد أقوى الفانين يقف إلى جانبنا الآن".
<-- بعد انقطاع الاتصال، فكر ثاليون لفترة وجيزة في الطيران مباشرة نحو القاعدة الجنية. لكن ذلك لم يكن القرار الأذكى على الأرجح. ستصبح الأمور أسهل بكثير بوجود المختار إلى جانبه. كان بيجار قد اقترح مسبقاً السيطرة على القاعدة بالكامل. وبهذه الطريقة، يمكنهم استفلال الغزوات وبوابة الانتقال المؤسسة مسبقاً للوصول إلى الفضاء المدمج. سيكون قطع دائرة الانتقال العادية المتصلة بالمختارين الجُنْ الآخرين أمراً يسيراً بما يكفي.
وبعد ذلك، لن يمنعهم شيء من تحويل الجزيرة إلى موقع أمامي متكامل. وعندما تعلق الأمر بالخطط، وجب على ثاليون الاعتراف بأن بيجار لم يخيب ظله ولا لمرة واحدة حتي الآن. غالباً ما كان الرجل يفكر في المكافآت التي سيوفرها سولان والآخرون. فقد وضح تماماً ما يبتغيه. وربما يحصل المختار أيضاً على بعض النباتات الجديدة، رغم أنها ستكون أضعف بكثير من تلك التي استخدمتها في القتال. كان هناك مشكلة حقيقية واحدة فقط.
الوقت. حدث النظام التالي يقترب بسرعة، وقبل أن يبدأ، احتاجوا إلى سيطرة كاملة على القاعدة الجنية. والجانب الجيد هو أن أي مختار آخر لم يعثر عليهم بعد. فالصلة الوحيدة بالعالم الخارجي كانت دوائر الانتقال. شعر ثاليون بشيء من الأسف لعدم تمكنه من إبلاغ أصدقائه قبل حدث النظام؛ بأنه يشكل فصيله الخاص وبأنهم قادرون على مغادرة إريك. سيحتاجون إلى دفاعات قوية. وإذا عثر عليهم مختارون آخرون، وخصوصاً في الفئة دي، فإن مقاتلتهم وجهاً لوجه ستكون شبه مستحيلة.
على الأقل بمستواه الحالي. لكن مع بناة الفضاء المدمج، ستكون التحصينات القوية ممكنة. ومع تعدد المواقع الأمامية، يمكنهم التنقل بين مناطق الزراعة، أو حتى السفر مباشرة عبر شبكة الانتقال إلى الفضاء المدمج. مجمل القول، بدا المستقبل أكثر إشراقاً بكثير. ليس لثاليون وحده، بل للبشر ككل. وللمرة الأولى، حظي بدعم سماوي قوي، ودون أن يُفرَض عليه أي مباركة. والأهم من ذلك… وجد أُخيراً ما يسعى من أجله.
الخطة بحد ذاتها كانت بسيطة: السيطرة على القاعدة الجنية. الفوز بحدث النظام القادم. جلب حلفائه من معسكر إريك. تتبع الغرض وصولاً إلى تشكيل الانتقال. ومن هناك فصاعداً… يمكنه التركيز بالكامل على ازدياد القوة. وكل ما أمله أن تسير الحرب على ما يرام بالنسبة لأصدقائه. <-- كانت الحرب تسير بشكل سيء للغاية بالنسبة لإريك. فقاعدته قريبة من معقل جني، بينما يواجه إيثان مصاصي الدماء ويقف رايان في مواجهة قبيلة عفاريت.
لولا قواعدهم المحصنة، لكانوا قد سقطوا منذ فترة طويلة. لكن الآن، وصل الجن الأوائل إلى الفئة دي، وهذا غيّر كل شيء. ليس الحرب وحدها، بل الوصول إلى بوابات الانتقال أيضاً. بات بإمكان إريك زيارة فصيل سيده ليصبح أقوى. المشكلة تكمن في أن الجن، وفصائل أخرى، كانوا يضاعفون الضغط محاولين منعه من بلوغ الفئة دي أو التواصل مع سيده. لم يكن إريك وحده من يعاني. وقع أصدقاء ثاليون في المتاعب أيضاً، لكل منهم أسبابه المختلفة.
سيلاس مثلاً، ما زال مكلفاً من سيده بقتل إيفيلين، لكنه لم يجد أي فرصة حتى الآن. كان كارجول وفورلوك محيطين به طوال الوقت تقريبا، مما جعل أي محاولة أمراً مستحيلاً. ثم كان هناك أثيلريون. لقد فقدوه خلال مهمة بالغة الخطورة، حيث تخلف عن الركب وتظاهر بأنه جني ساقط. لحسن الحظ، لا يزال جمع المعلومات غير موثوق في هذه المرحلة، لذا لم يعلم أحد أن جنياً يعمل بالفعل مع إريك. وبسبب ذلك، استقبله الجن، وهو يعمل الآن جاسوساً رغماً عنه.
في الوقت الحالي، كان أثيلريون يتجول داخل القاعدة الجنية للمخترة ليراث، خائفاً باستمرار من أن يتعرف عليه أحد، وخاصة إيلاريا التي عرفت تماماً ما فعله. جعل ذلك الأمور أسوأ. ففي عالمهم الأصلي، كان أثيلريون مستشاراً للملك والملكة. وعرف الكثير من الجن وجهه. والسبب الوحيد لعدم انكشاف أمره حتى الآن هو حجم التغير الهائل الذي طرأ عليه خلال الأشهر الماضية. مع ذلك، إن اكتشف أحدهم هويته الحقيقية، فلن يستغرق الأمر طويلاً حتى تكتشف إيلاريا الأمر.
وعندها سينتهي كل شيء. حمل أثيلريون حالياً خمسة جروح عميقة عبر صدره، وما زال السم عالقاً في جسده. ولم تتمكن الشافيات من تطهيره بالكامل بعد. سيستغرق الأمر وقتاً قبل أن تتمكن من القتال بكامل طاقته، أو والأهم من ذلك، مغادرة القاعدة. صنعت الجدران الخارجية للمستوطنة من حجر داكن يرتفع لأكثر من خمسين متراً. وتمنست فيها لآلئ زرقاء متوهجة من المحيط، استُخدمت لتشغيل القبة الهائلة التي تحمي المدينة.
هذا هو السبب أيضاً وراء تفتيش كل فصيل عن الكنووز الطبيعية مثل اللآلئ والبلورات؛ فبوابات الفضاء المدمج عاجزة عن نقل مثل هذه المواد. لا يزال البشر متخلفين في هذا الجانب، لكنهم ليسوا بالضعف الذي يتيح محوهم بضربة بسيطة. لم تكن الجدران هي الدفاع الوحيد. فقد ارتفعت فوقها ثمانية أبراج ضخمة، يرتفع كل منها لأكثر من ثمنين متراً، وثُبتت فوقها مدافع قوية. وبينما تعاملت الجدران مع تهديدات الأرض، أمنت الأبراج السماء.
في الداخل، ضجت القاعدة بالمتاجر ومساكن المعيشة.
ولم تكن "مناطق المعيشة"
سوى ثكنات صغيرة؛ أماكن للنقط لا غير. بلا مطاعم، بلا حانات… لا شيء مما اعتاد أثيلريون الاستمتاع به بين البشر. في البداية، ظنهم جميعاً حمقى. وظن أنهم سيموتون سريعاً. لكن ذلك لم يحدث. وبالنظر إلى الوراء… شعر بأنه كان أكثر حيوية في الأشهر القليلة الماضية مقارنة بكل سنوات عمره في الوطن. لقد افتقدها. السلحفاة العملاقة الغبية. الفتى ذو الجلد الحجري. جوش، جاك، كارجول… المسابقات السخيفة التي اعتادوا خوضها.
في البداية، اعتبر الأمر شذوذاً عندما كانوا يحصون عدد تمارين الضغط التي يمكن للمرء إنجازها في ثلاثين ثانية. ولكن ما إن انضم إليهم، حتى أصبح الأمر ممتعاً حقاً. وحتى إنه افتقد الأمسيات التي يتسلل فيها هو وكارجول إلى المطابخ مع فورلوك ويدمران المؤن بالكامل أثناء شواء كل ما يمكنهما العثور عليه. قبل لقاء البشر، وجد سلوكهم فظاً؛ طريقة تحيتهم، وافتقارهم للرسميات. والآن… لم يزعمه سوى الانحناء المستمر للجن وأخلاقهم المتصلبة.
كان من الصعب عدم إظهار ذلك. شيء براع فيه يوماً ما، وهو إخفاء أفكاره أثناء التدبير. لكن أثيلريون هذا… لم يعد الجني ذاته. وعندما تعلق الأمر بالتنظيم، كان الجن أسوأ حتى من البشر. فقد ساعدت بلورات التواصل من الفضاء المدمج، لكن هناك عدد هائل من الجن ببساطة. في يوم ما، وجد على الأرض بشر أكثر بكثير من الجن في عالمهم الأصلي. والآن… ذهب معظم هؤلاء البشر. مقارنة بقاعدة البشر، بدا هذا المكان أشبه بخلية نمل؛
جن يتحركون في كل مكان، ويتراكضون باستمرار. غادر أثيلريون الشافيات قبل عشرين دقيقة تقريباً، وهو يتجول الآن في القاعدة محاولاً الظهور بمظهر المشغول بما يكفي لتجنب تكليفه بعمل. للأسف، لم يدم ذلك طويلاً. لاحظته جنية شابة ذات شعر بنفسجي طويل.
"أنت، يا صاحب الكتفين العريضين. نحتاج إلى مقاتل. تعال معي. ينقصنا شخص لخط الفدامة".
كان هذا مزعجاً للغاية بالنسبة لجني، لكن أثيلريون لن يستسلم بسهولة. فقد تعلم احتضان الفوضى من أفضل المعلمين.
"أنا آسف للغاية، لكن فريقي يحتاجني. حظاً موفقاً في مهمتك".
"لا يهم. أنت آت معنا. إن غادر فريقك، فسيفعلون ذلك بدونك. لقد أمر الملوك الرعاة المتحكمون بالتحقق من مختارة فيرنيل وقاعدتها. يبدو أنها ربما تكون خائنة للجنس الجني. اتبعني الآن".
كان صوتها كالفولاذ، لا يترك مجالاً للنقاش. ولم يكن أمام أثيلريون خيار سوى الطاعة. قد يصب السفر إلى القاعدة الأخرى في مصلحته في الواقع. سيُبعده عن إيلاريا، وحال عودته، يمكنه التوجه فوراً في طريقه إلى قاعدة البشر. لقد وثق في مراقبة الآخرين له، وما زال يحتفظ برمز التواصل الخاص به. تحركت المرأة بسرعة وسط الحشد. فكر أثيلريون لفترة وجيزة في التسلل، لكن ذلك سيلفت الانتباه لا غير.
وإن بدأوا البحث عنه، سيصبح الأمر خطيراً للغاية قريباً. سرعان ما التقى ببقية أفراد المجموعة، وجميعهم مقاتلون أکفاء للغاية، في حدود المستوى مائة وسبعين. وجب عليه الاعتراف بأن نخب الجن أقوى من معظم البشر. فهناك فرق كثيرة جداً يمكنها منافسة أصدقائه البشر. لم يكلف القائد عناء تقديمه واكتفى بالإشارة لهم بالتحرك. وسرعان ما وصلوا إلى مركز الانتقال. أكثر من ثلاثين دائرة انتقال مغروسة في الأرض، تتفعل كل منها بوميض قصير من ضوء أزرق.
مجموعات تأتي وتذهب باستمرار. لاحظ أثيلريون سريعاً أنهم ليسوا الوحيدين المكلفين بهذه المهمة؛ فقد تجمع أكثر من مائة جني، وكلهم يفوقون المتوسط في القوة.
قال قائدهم: "استمعوا جيداً. سنقضي على كل جني في الجانب الآخر ونؤمن مواردهم. بمجرد الاستيلاء على القاعدة بنجاح، سنعود".
لم يطرح أحد أسئلة. اكتفوا بالايماء. وبالقرب منهم، كان قادة الفرق الآخرون يصدرون أوامر مشابهة. بدأت دوائر الانتقال في اكتساب الطاقة، واستعد الجميع للتحرك. ما زالت جروح أثيلريون تؤلمه، لكنه كان قوياً بالقدر الكافي للتعامل مع أمر كهذا. ثم… بدل تشكل بوابة الانتقال المعتادة، تردد صدى صدع عالٍ في المكان. توهجت الدائرة مرة واحدة… ثم انطفأت.
تمتم قائدهم: "لا بد أنهم عطلوا شبكة الانتقال الخاصة بهم".
لم يستغرق الأمر طويلاً حتى توصلت المجموعات الأخرى إلى الاستنتاج ذاته.
"كيف عرفوا بالكمين؟"
"هذا لا يمت للمنطق بصلة…"
ارتفعت الأصوات؛ منزعجة، مرتبكة، غاضبة. وقف أثيلريون بهدوء بينهم، عاجزاً عن إخفاء شعور خفيف بالارتياح. على الأقل لن يضطر للقتال الآن. مع ذلك، أبقاهم قائدهم في أماكنهم. بعد بضع دقائق، وصلت المختارة الجنية. كان وجهها شاحباً من شدة الغضب وهي تهبط أمام قائدهم، الذي ركع على ركبة واحدة فوراً.
قالت: "أعتذر لفشل خطة سيدك، لكن الانتقال قُطِع".
أجاب المختار ببرود قبل أن ينطلق عائدًا إلى السماء: "حاولوا إعادة تأسيس الاتصال. قد يكون هناك خلل. يصر سيدي على أن فيرنيل لم تكن قادرة على توقع هذا؛ فهي تفتقر إلى القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة".
راقب أثيلريون مغادرتها بينما كانت أفكاره تتسابق. كان هناك شيء يحدث. وربما، فقط ربما… قد تصبح هذه فرصة البشر الوحيدة للبجي. إن بدأ الجن في انقلاب بعضهم على بعض… فكل شيء قد يتغير.