حكايات الإمبراطورية الأبدية الفصل 512 — إمبراطورية تشيلتورين

اقرأ حكايات الإمبراطورية الأبدية الفصل 512 — إمبراطورية تشيلتورين باللغة العربية على مانجا تايم.

تغيّرت أشياء كثيرة في الأسابيع التالية. أامت الفصائل الكبرى في الأرض الجديدة شبكة نقل آني بين معسكراتها سمحت لها بنقل الجيوش سريعاً. أدّى هذا بالفعل إلى تخلي شخصيات بارزة عن ديارها لمجرد وقوعها تحت وطأة الاجتياح. قضى العوخ على العدد الأكبر حتى الآن. ومع ذلك، استحال قتل المختارين في معظم الأوقات، إذ كانوا يفرّون فور إدراكهم استحالة الفوز بالمعركة. لم تكن تلك سوى الضربات الأولى، وما زالت الحرب بين الفصائل لم تندلع بكامل ألقها.

لم ينجح أيّ من المختارين في بلوغ رتبة دال حتى الآن، ويرجع ذلك في الغالب إلى استهلاك المستويات الأخيرة لخبرة تعادل رتبة هاء بأكملها. رغم ذلك، اقترب كثيرون بشدة، ولم يعد الفصل سوى مسألة أيام. ثم حدث ما قلَب كل موازين المختارين. استطاعوا تفعيل البوابة المؤدية إلى نطاق ملوكهم قبل الموعد المتوقع بشهر كامل. كانت مقيّدة بشدة، ولا تسمح إلا لصفوة مقدسة بدخول العالم الجديد.

كانت تذكرة ذهاب بلا عودة في الوقت الحالي، واستحال على أيّ كان الانتقال من العالم الجديد إلى الفضاء المدمج. لم يكن الملوك أغبياء، وسرعان ما وجدوا سبيلاً للاستفادة القصوى من هذا الوضع الجديد. عجِز الأشخاص ذوو الصقل البدني العالي أو المستويات المرتفعة للغاية عن العبور من البوابة، غير أن هذه القيود لم تشمل المعرفة والمهارة. أرسلوا بناة وخيميائيين عبر البوابة لدعم مختاريهم، مزودين بخواتم مكانية سمحت لهم بنقل كميات هائلة من مواد البناء.

لم تكن الحجارة مسحورة أو ذات طبيعة خاصة، بيد أن ذلك كان قابلاً للتغيير بنقوش قليلة في العالم الجديد وبسرعة نسبيّة. في ومضة طرف، تلاشت المدن المبنية بالغالب من الخشب وتحولت إلى معاقل ضخمة. ارتفعت جدران حجرية مسحورة لأكثر من ثلاثين متراً، بينما حماة قبة قوية الجميع في المدينة. ارتفعت أبراج مراقبة متعددة لأكثر من ستين متراً، مزودة بعرّادات ودوائر سحرية وما شابه. غدت المدن معاقل أبعد ما تكون عن السقوط اليسير.

اقترن هذا بدوائر النقل الآني ليصبح مهاجمة عاصمة كهذه طريقاً مسدوداً، حتى لو نجح مختار في بلوغ رتبة دال. كانت التحصينات قوية للغاية. عفن المدافعون في الأرض القديمة غالباً من الجوع بفعل الجيوش التي عسكرت حولهم، لكنه استحال هنا بفضل شبكة النقل الآني. علاوة على ذلك، لم يكن المرء مضطراً للأكل سوى مرة في الأسبوع، اعتماداً على الصنف والصقل البدني. لن يجدي حصار فصيل نفعاً أيضاً.

استطاعوا جلب جيش التحالف بأسره في طرفة عين، وحينئذ ينقلب المهاجمون إلى دائرة الخطر. تمثلت الاستراتيجية المفضلة في السيطرة على المنطقة المحيطة بالهدف لقتل جماعات الصيد أو القتال من أجل كنوز طبيعية كبرى تقذف بالمرء إلى الأمام. تمثلت تكتيكات أخرى في تجاهل بقية المختارين ببساطة واستهداف الغارات والفصائل الخالية من الحماية السماوية. وجدت تلك الجماعات نفسها فجأة في وضع سيئ للغاية.

افتقرت بغالبيتها إلى التحصينات لفعل أي شيء ضد المختارين، ولم تملك ما يكفي من المقاتلين حين شرع المختارون في التجمع لشن هجمات كبرى عبر دوائر النقل الآني. ومع ذلك، لم يكن هذا سوى البداية، وبينما شرعت تلك الإمبراطوريات السريعة في خطواطها الأولى، كان ثاليون يضمر شيئاً آخر. غير آبه بكل ذلك، كان يحلّق حالياً في كبد السماء على هيئة تنين وايفيرن قاطع السماء فوق صفحة المحيط الشاسع.

اشتعل ثاليون شوقاً لمعركة مع مختار ليرى فحسب إن كان بمقدوره فعلها. كمن الإشكال في عدم تحرك المختارين بمفردهم أبداً وجهله بمواقعهم. عُرف لديه مختاران فحسب؛ إريك وتلك الجنية. استحال على ثاليون قتال أيهما الآن. مثّل المحيط أيضاً ملاذاً آمناً محكماً، إذ استحال على أيّ من المختارين مقارعة هيئته المائية. أدرك أيضاً أنه مع اكتمال شبكة النقل الآني، بات الهجوم المتهور على مدينة بأسرها أمراً مستبعداً.

إذن، إلى جانب كون المحيط أماناً ضد المختارين ممن ليسوا سحرة ماء، أمل ثاليون في العثور على كنوز طبيعية كبرى في أعماقه أو فوق الجزر الشحيحة التي كانت تطفو من حين لآخر. عجت المحيطات بالحياة، ولهذا ارتاى أنها المكان الأمثل لكسب بعض المستويات، رغم تباطؤ جني الخبرة بشكل دراماتيكي. بلغت خسارة الخبرة عند قتل وحش يفوقك بأربعين مستوى مقارنة بآخر يسبقك بستين مستوى نحو سبعين بالمئة.

من جهة أخرى، قفز جني الخبرة بشكل جنوني إذا تمتع الوحش بفارق يتجاوز ستين مستوى. كانت تلك الوحش تمثل نوادر وغالباً ما كانت أبعد ما تكون عن الضعف، وحتى ثاليون بهيئاته الجديدة انتظرته معركة طاحنة عند محاولة إسقاط واحد منها. ظل في النهاية المفترس الأبرز، لكنه استغرق أكثر من ساعتين حتى أردى نوعاً من التماسيح قتيلاً. أضحى ثاليون مع كل معركة أشد تمرساً بهيئته، وهو ما اكتسب أهمية بالغة بالنسبة له تفوق جني المستويات، رغم أن الأخير لم يكن سيئاً قط.

بلغ المستوى مئة وثلاثة حالياً، وهو أمر جيد في الوقت الراهن. تباطأ بفعل قلّة الخبرة المكتسبة مع حاجته المتزامنة لمقادير أكبر بكثير مع كل مستوى. صطاد بصفته وايفيرن الطيور الكبيرة فوق السطح، والتي كانت في يوم ما نوعاً من طيور النورس. مثلت هيئة الوايفيرن الأصعب في التأقلم معها. بدت الفجوة في الحجم بين إيغلي والحال الراهن عملاقة بحتة. لم يعنِ هذا شعوره بعدم الارتياح بهيئة الوايفيرن، بل تعذر قيامه لتلك المنعطفات الحادة التي أفضت إلى مواقف مؤسفة هنا وهناك.

لم يكن التحليق بهدوء أكبر أثناء مطاردة الفريسة من شيم ثاليون أيضاً. أراد بلوغ أقصى ما يمكن بلوغه ثم المضي إلى ما بعده. استمتع في اللحظة الراهنة بالهواء البارد وهو يداعب وجهه أثناء اختراقه للسماء بحثاً عن جزيرة كبيرة يصارع فوقها شيئاً ما. لم يمضِ وقت طويل حتى ينطلق حدث النظام التالي، لذا وجب عليه الاستعداد. اختلفت كل جزيرة صادفها حتى الآن اختلافاً تامّاً. مثلت إحداهنّ موضع تعشيش عملاق للطيور، بينما تمثلت التالية بغابة سامقة تعج بك شتى صنوف المخلوقات.

بدت التشكيلة لطيفة، لكن ثاليون بدأ يتوق لمعركة حقيقية. لم تكن إبادة مخلوقات تفوقه بعشرين إلى ثلاثين مستوى مجدية حقاً. بدت الأهداف الأقرب لرتبة دال مرغوبة أكثر بكثير. ربما استطاع مقارعة رتبة دال مبكرة، لكن ذلك ظل مرهوناً بنادرة ذلك المخلوق. بيد أن الجزيرة الكبرى التالية بدت مثيرة للاهتمام. قامت عليها مدينة بأسرها ذات جدران حجرية وأربعة موانئ. دلّ صنعهم هذا بأكمله من الحجر إما على تنقيبهم عن شيء ما أو كون هذه غارة.

فتّش ثاليون عن أي عداء من الفصيل القاطن هناك ليحظى بمبرر وجيه لقتل كل فرد فيها، لكن بدا أن عرقيات متعددة تقطنها بسلام، وسوى بضعة جنود على السور، بدا كل شيء هادئاً للغاية. بدت المدينة كبيرة نسبياً مع آلاف مؤلفة تقطنها. أثار هذا فضول ثاليون فتحول إلى هيئته البشرية لاستكشاف الأمر عن كثب. فيما عدا العرقيات، رأى بشراً من الأرض وأولئك ذوي الأردية الزرقاء، وبعض الأشكال البشرية ذات الحراشف السمكية، وآخرين شبيهين بالبشر ذوي أربع أرجل وسرطانات بحرية.

رجح كون الأخيرين أصحاب الغارة. لم تكن كل الغارات بمثل هذا اللطف حتى الآن. حتى ذلك التاجر الذي أنقذه شكّل وبالاً للتعامل معه. تساءل عن شعار هذه الغارة. لابد من ارتباطه بالتجارة، وإلا لما بلغوا هذا المبلغ من المسالمة. استخدم ثاليون الاندفاع الحركي الذهني بالتزامن مع التلاعب بالدم للغوص نزولاً بهيئته البشرية مع إبقاء هالته محجوبة وكبح كافة مهاراته الكامنة التي قد تثير جلبة.

آثر عدم القفز فحسب داخل المدينة حتى لو لم تكن محمية بقبة، وأن يُعرف بنفسه بالطريقة اللطيفة عبر اجتياز ما بدا أنه البوابة الأمامية. بنيت البوابة مباشرة بجوار أحد الموانئ التي وقعت جميعها خارج الجدران المرتفعة. تمثلت الأسلحة فوق السور في نوع من الرماح الطويلة. يرجح صدور الهجوم من الماء حال تعرضهم للاعتداء، لتغدو رماحهم السلاح الأكفأ. مع اقترابه، حظى بنظرة أقرب على شعب السرطانات.

شيل كاري — مستوى مئة وثمانية أربعون جعل الخليط بين أرجل السرطان الأربع، والجسد البشري، والأذرع الأربع ذات المخلبين الكبيرين والمخلبين الصغيرين، إلى جانب تلك الأعين الناشئة، منها تبدو استثنائية للغاية في نظر ثاليون. لم يبعد ثاليون عن الميناء سوى ستين متراً حين استخدم التحديد، تفادياً لمفاجأتهم بشدة عند هبوطه في الميناء. بالمقابل، تلقى ثاليون ضربات من عمليات تحديد متعددة مراراً وتكراراً بينما واصل هبوطه نحو الميناء.

على ارتفاع عشرين متراً من الأرض، تخلى عن طيرانه وهبط بحرص لينال هبوط سوبرمان الرائع الذي تمرّن عليه في رحلة البحث عن الكنز، لكن بلا الجزء المتفجر. حزن قليلاً لعدم امتلاكه لصفعة تكتونية بعد الآن. أشهر بضع أفراد من شيل كاري أسلحتهم، غير أن الجلي تماماً تمثل في عدم عدائيتهم وعدم اعتبار ثاليون تهديداً حقيقياً. انخفض مستواه وبدت هالته محجوبة بالكامل. تمثل الشيء الوحيد القادر على فضح أمره في ملابسه وقبضة ساريانا، لكنهم لم يبدوا منتبهين لتلك التفاصيل الدقيقة.

قال الحارس الأطول ذو لون القششرة البرتقالي الفاتح بنبرة ودودة: "أهلاً بك في إمبراطورية تشيلوريان. كيف يمكننا مساعدتك؟"

مثلت هذه طريقة مثيرة للاهتمام لصياغة السؤال دون الإفصاح عن الكثير. بما أن ثاليون كان مجرد فضولي ويرغب بمعلومات إن أمكن قبل رحيله مجدداً، فلن يخبرهم بذلك مباشرة وإلا ارتفع السعر. لم يملك ثاليون أي مال أيضاً، بغض النظر عن تاجي الفضة جراء كونه زعيماً لزنزانة ليوم واحد، وحينها لم تكن لديه ثقة بقدرته على مبادلته، ناهيك عن رغبته في ذلك. سيمنح الزج به في زنزانات أقوى الكثير مقارنة بمبادلته هنا مقابل معلومات.

"أهرب من الحرب بحثاً عن موطن جديد أو مكان أستطيع الإقامة ورفع مستواي فيه على الأقل."

لا بد أن الصراع بين الفصائل معروف جيداً هنا أيضاً. أومأ شيل كاري ذو اللون البرتقالي الفاتح، وبدا الأمر شبيه بانحناءة طفيفة للأمام لعدم امتلاكه رقبة.

"آه نجل ذلك تماماً. هرب الكثيرون هنا من الجنيات، لكن إن أردت البقاء هنا فهناك بضع قواعد يجب اتباعها. لا قتل ولا سلب بالطبع، لكنها أمور واضحة بذاتها. عموماً، أنت حر في المجيء والذهاب كيفما شئت، لكن الإقامة لا تتاح إلا مقابل الدفع. يمكنك الدفع بتنفيذ مهام من لوحة المهام أو بيع الجثث الهامدة للحياة البحرية التي قتلتها. هذا كل ما في الأمر. وجدنا أن إبقاء الأمور بسيطة هو الأفضل، لا سيما في العالم الجديد. أكل شيء واضح؟"

بدا الرفيق لطيفاً للغاية حتى الآن، لكن ثاليون لم يبتلع الطعم كاملاً. واجهته علامة استفهام كبرى حول ماهية تلك المهام والقدر الذي تجنيه نظير جلب الجثث المقتولة. من جهة أخرى، ارتاى ثاليون أن تفقد هذه الغارة لا يعود إلا بنفعه. قد يتعلم هنا كيف تدار مدينة في الفضاء المدمج، وربما استهدفت بعض المهام وحوشاً بالغة القوة، وهو ما سيناسب تماماً إشباع غريزته المتعطشة للدماء.

ابتسم ثاليون قائلًا: "نعم، الأمور واضحة، لكن لدي بضع أسئلة. كيف اعثر على المتاجر التي تتلقى جثث المخلوقات النافقة التي أجلبها؟ ذكرت أيضاً أن بقائي مشروط بمساهمتي، فمتى يُطرد الناس؟"

أومأ الرفيق ذو اللون البرتقالي الفاتح مع كل جملة كأن الأمر بديهي.

"أه نعم، أسئلة وجيهة. تتبع هذا الشارع حتى الساحة الرئيسية، والبانية الكبيرة هناك مخصصة للمبادلة. إن كانت حصيلتك ضخمة، فيمكنك تركها في الميناء وإبلاغ السلطة بأنها حصيلة قتلك. سيكلفك ذلك القليل، لكنه أضل من العودة بخفي حنين. تُمسي الليالي خطيرة للغاية، ولهذا نشرع في إغلاق البوابات حين يميل الشمس للغروب. نطرد الجميع ممن لم يظفروا بتذكرة أو يدفعوا ثمن الإقامة. هم بالطبع أحرار في المحاولة في اليوم التالي، فلا تقلق."

أجل، بدا كل هذا أشبه بالتاجر المزعج من المرة السابقة. ربما استطاع ثاليون فعل صنيع طيب لأجل الناس هنا ممن عانوا لدفع ثمن الأمان. لم يكن بحاجة لجثث الوحوش التي قتلها. إن بالغت تلك السرطانات في إزعاجها، فمن يمنعه عن التهام عمود الغارة الخاص بهم؟ عمود غارة محول بالكامل إلى الظلام، قد يعزز صقله البدني حتى. تساءل ثاليون عما إذا كان قادراً على امتصاصه أسرع الآن بكونه في رتبة هاء.

أجل، بدت هذه الإقامة القصيرة بالغة الإثارة.

ابتسم ثاليون: "شكراً، يبدو هذا أعدل من أن يُرفض. سأنطلق لاستطلاع المدينة ولوحة المهام إذن."

أشار الحراس بمخالبهم جانباً، فيما بدت حركة شبيهة بالتلويح باليد. أثناء مروره، أمسك ثاليون بقناعه الأحمر القابع في ردائه وارتداه تحسّباً لتعرّف أحدهم عليه.