كانت القاعة هائلة وذات خمسة طوابق. بُنيت الجدران من رخام أحمر لم يره ثاليون من قبل. توسط المكان حوض دم كبير يتردد عليه الجنود لتجديد مخزونهم قبل التوجه إلى المستويات العليا. انطلق إنذار متواصل يستحيل معه أي حديث من دون ضخ المانا في الصوت. وجدت قضبان فارغة وقسم للأسلحة والأهم من ذلك سلالم تهبط إلى المنتصف. جرى عدد كبير من الجنود بحيث لم يلاحظ أحد وجود ثاليون. مر بجانب حوض الدم وقلد الآخرين بخطف بعض الدماء.
أراد سانغويس إمبيرا ابتلاع الحوض بأسره لكن ثاليون كبح جماحه مؤقتاً. سيحين وقته ولا شك في ذلك. مع ذلك اختلفت زيارته لحوض الدم في تفصيل صغير آخر. قاد سراً قطرة من دماء جوهره إلى داخل الحوض. كان على وشك الهبوط مستوى للأسفل فما عساه يكترث لو اندلعت الفوضى هنا؟ تمثل السبب الأكبر في رغبته بمعرفة ما إذا كان هناك نوع من مصفوفة التطهير لتلويث دماء السلسلة القرمزية قبل أن يتمكن الملك من تفعيل الطقوس.
إن وُجدت مصفوفة تطهير فلن تنجح هذه التكتيكات. بدت هذه الطريقة الأفضل لاختبار الأمر. من واقع تغير لون الدم وتدفقه المشؤوم كأن طاقة كامنة ترقد في داخله لم يتغير شيء في البداية. أدرك استشعار دماء ثاليون بالطبع ما هو أكثر بكثير. عبرت اللعنة الحوض بأسره في ثوان معدودة. اكتشف حارس قرمزي على الجانب المقابل ذلك بالطريقة الصعبة. كاد يتعثر في قدميه حين امتصاصه بضع لترات من الدم استعداداً للمعركة العلوية.
بعد ثوان قليلة كان يتمرغ على الأرض صائخاً. استغل ثاليون هذا الإلهاء للتوغل أكثر في الأنفاق الواقعة تحت الزقورة. خرج في قاعة مطابقة وهرع سريعاً إلى أحد الأنفاق الجانبية حيث قتل الجنديين الحارسين لمستودع البلورات الحمراء. خدمته الظروف كثيراً. استطاع الدخول وصار قادراً على التحرك بحرية عبر المستويات والأنفاق من دون أن يلاحظه أحد. أصيب الجميع بالذعر مما يدور بالأعلى وبدا أن أحداً لم يلاحظ تفريغ غرف الصعود بسرعة.
ربما حال الحلف الحظ واظن احدهم انهم استيقظوا بالفعل بواسطة شخص اخر. رغم كل الحظ الذي حالفه حتى الآن إلا أن ثاليون اضطر لمقاومة ضحكة مجنونة تكاد تفر عندما راح يكدس جبالاً وراء جبال من البلورات الحمراء داخل تميمته المكانية. استعان حتى بمحالیق سانغويس إمبيرا لإنزالها بشكل أسرع لكثرتها الهائلة. تمثل الجزء الأفضل في مغادرته حيث انتظره أسقف قرمزي عند الاستقبال بقصد تسليم عشر بلورات حمراء.
تذمر الرجل بصوت عال من أن أحدهم لا بد أنه أيقظ بالفعل الموجودين في غرفة الصعود التي كُلف بالتعامل معها. باعتباره موظف استقبال جيداً تناول ثاليون البلورات وبعد حديث سريع حول سوء تنظيم السلسلة القرمزية برمتها قتل الرجل فور التفاته. لم يكن ببال ثاليون أن يتذمر أحدهم من سوء تنظيم عملية الإبادة الجماعية لمملكة بأكملها. في غرف الصعود ساعد ثاليون في إنتاج أساقفة قُرْمزيّين لم تشهد المملكة مثيلهم قط.
لم يدم الأمر طويلاً بعد تغذيتهم لسانغويس إمبيرا واحداً تلو الآخر. بدأ ثاليون يشعر ببعض الذنب إذ بث سانغويس إمبيرا بهجة نبات نجو من أطول شتاء ويشهد الآن أول أشعة الشمس. شهيته في مستوى آخر فحسب ولا شيء غير ذلك. ردد ثاليون لنفسه مراراً أنّه لم يرتكب خطأ. بفضل البلورات والأساقفة القُرْمزيّين الكثيرين الذين قتلهم ثاليون ارتفعت نقاط تصنيفه هي الأخرى إلى مستويات جديدة كلياً لم يتوقعها هو نفسه.
<-- "ما الذي يحدث بحق الجحيم مع هذا الثاليون؟!"
زأر كايلير غضباً إثر تفحصه للوحة الصدارة. كان قد دخل المدينة للتو رفقة بقية الجنيين ولم يفلحوا سوى في قتل بضع حراس قرمزيين. في هذه الأثناء أنجز البشري المستحيل. لم يتجاوزهم فحسب بل تجاوز التجربة بأكملها. الأسوأ من ذلك؟ لقد فعلها مجدداً.
"عما تتذمر يا كايلير؟ إنه مجرد بشري. كم عدد نقاط لوحة الصدارة التي يملكها؟ لعلّه عثر على ريجنت قرمزي شارف على الموت ونال عشرة ملايين نقطة صدارة مصادفة. لا داعي للقلق"، قالت أوليندرا بهدوء وهي جنيّة مختارة شكلت النقيض التام لكايلير.
كونهاماخرة نباتات حاولت دوماً التماس الجانب الإيجابي وهو أمر ارتد عليها بقوة حين انفجار كايلير كبركان مع صعود عمود لهب بسمك خمسة ألماس وارتفاع يتجاوز عشرين متراً في السماء.
"عشرة ملايين نقطة؟ أتمزحين؟ إن أردت الحديث عن الأمر فتحققي من لوحة الصدارة أولاً!"
هذه الإهانة لم تقبلها أوليندرا واعتبرتها دون مستواها بوضوح.
"أترجّين حقاً أن أبحث في لوحة الصدارة عن بشري يشغل المرتبة الثلاثين تقريباً؟"
أدى ذلك إلى انفجار ناري آخر.
"آآه! لا يقع ثاليون في المرتبة الثلاثين. إنه في المركز الأول مع خمسمائة وعشرين مليون نقطة صدارة أيتها العاهرة الغبية!"
فقد كايلير السيطرة تماماً للحظة ومع أخذ الجنود على الأسوار لهذا الغزو محمل الجد لاحظوهم فوراً. لم يكونا الوحيدين في رصدهم. لا بد أن يُلاحظ عمود نار كهذا وبالنسبة لعيني إيثان الحادتين لم تكن الحاجة قائمة حتى ليبدو بهذا الحجم الكبير.
"لقد لاحظنا الجنيون المختارون"، قالت لياريث بوجه جامد قبل ثانية من استطاعتها شن هجوم شامل على زميلها لفقدانه السيطرة هكذا.
"رجاءً إنهم أربعة فقط كأنهم يجرؤون على..."
قال كايلير قبل أن يوقف نفسه صارخاً: "التشكيل الآن!"
<-- "إيريك أتزال تشعر بحال جيدة؟"
صاح إيثان مستخدماً المانا في صوتاً ليُسمع فوق صخب المعركة.
"بالطبع لم أكن أفضل قط. ما كان ينبغي لنا التسرع هكذا. قتال القاعدة بأسرها هو أسهل سبل حصد نقاط لوحة الصدارة"، رَدّ إيريك بصياح مرافق لابتسامة جامحة على محياه.
كان يقاتل حالياً ريجنتين قرمزيين في آن واحد على ارتفاع خمسين متراً فوق الأرض.
"رصدت مجموعة من الجنيين المختارين. تقدر قيمتهم بنحو ثلاثمائة مليون نقطة صدارة. عددهم كبير ولكن ما رأيك في خوض التجربة؟ إنها مخاطرة ولكن..."
بدأ إيثان قبل أن تنطلق موجة ضوئية هائلة من إيريك الذي قضى على الريجنتين القرمزيين بهمتين شعاعيتين متتاليتين قبل أن يتحول إلى ضوء ويعيد تشكيل نفسه بجانب إيثان.
"كفى كلمات. لنحطمهم. أحس برغبة عارمة في القتال والانطلاق أظير إيريك بصوت عال بينما ارتفع هالاته أكثر غامرة مئات الأمتار حوله بضوء أبيض كثيف. منذ معركة الأمير دأب إيريك بلا كلل على التحسن وظهر ذلك جلياً الآن. في المعركة ضد الأمير تمثلت المشكلة في عدم قدرته على الصمود طويلا مع تفعيل مهارة التعزيز خاصته. زالت تلك المشكلة وبدت حفنة من الجنيين المختارين دمى اختبار مثالية. "حسناً.
فيليكس إيلاريا أأنتم معنا أم لا؟"
سأل إيثان مذهولاً بعض الشيء لكنه بذلك السؤال اقتحم باباً مفتوحاً.
"أنا منزعج لسؤالك هذا أصلا"، قال فيليكس بينما بدأت عصاه تتوهج بضوء أشد.
"أمر واحد فقط. هناك الكثير من المهارات التي لم أضطر لاستخدامها بعد. إذن أمران هامان. استمرا بغض النظر عن الإصابة فستلتئم في لمح البصر. ثانياً لا تحاولا مساعدتي إن تدمّرت أجزاء من جسدي. فقط لا تدعوهم يتكاتفون ضدي كثيراً اتفقنا؟"
قالت إيلاريا مستعدة بدورها للقتال بكل قوة ضد مختارين آخرين.
"إذن لننطلق. آه ومما بين قوسين من الآن فصاعداً استخدما الرموز للتحدث حتى لا يسمعونا"، قال إيثان مسحباً ثلاثة سهام خاصة من جعبته.
غُمِست كل منها بسائل أخضر جعل حجر السطح تحت قدميه يُدخن مع سقوط كل قطرة. انعدمت الحاجة للمزيد من الكلمات حين اندفعوا جميعاً للأمام. اختار إيريك الطريق المباشر محلقاً على ارتفاع عشرة أمتار فوق أسطح المنازل عبر خفقان أجنحته الضوئية. قفز إيثان من سطح لآخر بسرعة مستحيلة تعسر متابعتها بالعين مدعوماً جزئياً بمهارة إخفاء. حلّق فيليكس مباشرة في الهواء مهيئاً نفسه لمعركة بين سحرة.
بقيت إيلاريا متخلفة قليلاً عن البقية متخذة موقعاً مرتفعاً كفيليكس. بدا أن الجنيين أدركوا بسرعة بالغة جدية الموقف إذ اندلعت الفوضى العارمة في صفوفهم. صعد نجم ناري نحو السماء لمنازلة فيليكس. بلغت شدة الحرارة حداً احترق معه كل ما يحيط بالجني رماداً بلا هوادة. انفجرت أمام إيريك أدغال خضراء نحو السماء بينما دمرت محاليق بسمك أمتار عديدة المنازل واندفعت نباتات مفترسة بارتفاع ثلاثين متراً وبأفواه فاغرة من الأرض.
استهدف إيثان أحد النباتات بسهم محطماً رأس النبات كأنه أصيب بقاذفة صواريخ. بالكاد تفادت الجنية التي وقفت عليه قبل ثانية قبيل لحظة الاصطدام. استحالة إطلاق المزيد من السهام لإيثان تمثلت في ظهور لياريث أمامه والرياح تعصف حول هيئتها والشفرة مرفوعة سلفاً. بجانب إيثان انبثق جني آخر من الظلال شاهراً خنجرين متوهجين. حظي إيريك بالجزء الأسهل متقدماً مباشرة وممزقاً الأدغال.
ربما كان فيليكس صاحب الخصوم الأصعب. ففضلاً عن كايلير صعد أريليون أيضاً إلى السماء. فاق أريليون كايلير سرعة واستخدم ضوءاً أزرق لهجماته. اصطدمت أشعة زرقاء بحاجز المانا الكثيف الذي استدعاه فيليكس لحماية نفسه بينما أطلق عدة سهام بطول خمسة أمتار مصنوعة من الرياح للقضاء على كايلير الذي أطلق قاذف لهب ضخماً باتجاه فيليكس. هزت موجات صدمية المدينة حين اصطدمت المهارات. وقفت إيلاريا على سطح تدمّث رفاقها الثلاثة عن بُعد مما أفضى لوصولهم لمستوى الطاقة المعتاد لديهم عند تفعيل مهارات التعزيز للقصوى.
بلغ فقدان المانا من جانب إيلاريا حداً هائلاً لكنه كان موطن سلالتها. لم تمتلك فحسب مخزون مانا يوازي عشرة أضعاف مانا ساحر عادي بل تدرج تعافيها مع إجمالي ماناها الأقصى ليزداد مع انخفاض ماناها الفعلي. سمح لها ذلك بمواصلة دعم رفاقها كافة دون خسارة أي مانا. وجدت سبل أخرى يمكنها بها مساعدة رفاقها في القتال لكنها اقتصرت حالياً على الدعم والشفاء. بدا الأمر كطبيعة ثانية لها وقدرة على الحفاظ على المهارات حتى أثناء تعرضها للهجوم وهو ما لم يتأخر حدوثه.
بالنسبة للعدو شكل إبعاد المعالج أفضلية كبرى أفضى مراراً للفوز بالمعركة. لم تفاجأ إيلاريا حين هبط جني بسيفين على السطح أمامها. بدا شعره ببياض بشرته بينما تراكم الصباغ الجليدي على سيفيه. ابتسم الجني بظفر لدى رؤية البشر منشغلين بإسناد معالجهم. من دون إلقاء أي وهم كانت مسألة وقت لا غير حتى يعثر عليها أحدهل. لم يتأخر الجني طاطاً فاندفع للأمام طاعناً قلبها بأحد سيفيه لتباغته سفرة أثيرية طاعنة لقلبه بعد ثانية.
جاء الهجوم المرتداد بالسلاح ذاته بسرعة عجرت معها المختارة عن التفادي أو حتى الإدراك قبل انثقاب قلبها. نشر سيفه الصقيع حول جرح إيلاريا وفعلت النسخة الأثيرية لسيفه الجليدي المثل تماماً. بقفزة للخلف مترافقة بهسيس مذهول أخرج المختار جرعة شفاء ليختفي السيف الأثيري فور توقف هجومه.
"أي نوع من السلالات الغبية تمتلكين؟"
هزت إيلاريا بصوت مهسوس بينما وقفت مبتسمة بلا اكتراث. اندمل جرحها في ثوان واختفى الصقيع. استغرقت هذه العملية وقتاً أطول بكثير بالنسبة للمختارة رغم تقاربه الجليدي العالي. أخطأ الجني. حملت سلالتها بضعة تأثيرات إضافية سمحت لها بتعلم مهارات مختلفة. تمثلت أول مهارة تعلمتها في مهارة سمو تعكس كل هجوم يصيبها. بلغت تكلفة المانا ارتفاعاً كبيراً لكنه لم يعن لها الكثير. عند لجوء المعالجين لمهارات الشفاء لأنفسهم تراجع الكفاءة عادة.
حدث العكس تماماً مع إيلاريا وبفارق صغير واحد. لم تستخدم مهارة شفاء على نفسها بعد. تمثلت مهارة كامنة أخرى تعلمتها في استعادة حياة تعادل نصف المانا المنفقة. ومع استنزاف استدعاء الخطوة لدعم الرفاق قدراً هائلاً من المانا توفر ما يكفي منه لشفائها فورياً. عانت الفكرة من ثغرات عديدة. فعلى سبيل المثال تعافى مخزون حياتها بمستويات عبثية لكن إجمالي مخزون صحتها لم يكن بذلك العلو.
تدنت مقاومتها للقعر. فلو قُطعت رأسها أو دُمّر جسدها بضربة واحدة لما أدت مهاراتها نفعاً. قدم الراعي خاصتها رؤى وفيرة لكيفية إصلاح ذلك مستقبلاً غير أن تلك الأمور انحصرت في الرتب العليا. عُدَّ ما تفعله حالياً استثنائياً بالنسبة لرتبة إي. برزت مشكلة أخرى تمثلت في عجزها التام عن قتل أحدهم بالمهارات. تعلمت حتى الآن تحريك حواجز المانا بسرعة بما يسحق أحدهم لكنها تعذرت كاستراتيجية ضد المختارين.
مثلت في الوقت الحالي المضاد المثالي لأولئك المقاتلين السريعين الساعين غالباً وراء المعالج. اكتفى الجني ليعاود الاندفاع مستهدفاً رأسها هذه المرة. لم تتسم إيلاريا بالسرعة لذا استحال الانحناء تفادياً للتأرجح. امتلكت لمثل هذا الهجوم ملاذاً أخيراً وحيداً. تحول جسدها بأسره إلى ضباب أخضر قبل اصطدام السيف لتُعيد تشكيل هيئتها عقبه المرور. ترك ذلك الجني في وضع مكشوف تماماً لتشكل فوقه حاجز مانا لتقع عليه.
مع ذلك تجاوزه الجني بسرعة مفرطة قافزاً بعيداً. أثناء إعادة تشكيلها ألقت إيلاريا ثلاثة أوهام قوية لنفسها تفعل جميعها مهارة الرد عند الإصابة. أمكن للمعركة الحقيقية أن تبدأ الآن.