قال إريك مبتسماً بعد اجتياز البوابة: "سارت الأمور بسلاسة أكبر بكثير مما ظننت في البداية".
دخل إريك وإيثان وفيلكس وإلارا —مختارة إيزيس ملكة الشفاء التي باركت إيفلين من قبل— إلى المدينة. وبدلاً من تعقب العربة التي تقدمتهم، انعطفوا يساراً وتوقفوا عند مدخل منزل مفتوح. في المرحلة الأخيرة، شكّل الأربعة فريقاً رائعاً وذبحوا متسابقاً تلو الآخر دون أيّ اكتراث. بل التقوا بمختار مصاص دماء سيء الحظ، لكنه تمكن من الافلات بالصمود حتى نقله تمعيله المكاني. لم ينجح أحد حتى الآن في خوض معركة حقيقية.
كان الجميع في غاية القوة مع وجود إلارا للدعم. لم تقتصر قدراتها على الشفاء وحدها، بل استطاعت سحق الأعداء حتى التربة بالحواجز. وكانت تلك بداية إمكانياتها فقط. فقد تمكنت من إطلاق تعويذات التعزيز والسرعة وغيرها الكثير، مما جعل المجموعة أقرب إلى الخلود. وإذا تمكن أحدهم من إحداث خدش أو جرح طفيف، كان يندمل في أقل من ثانية. وكان لقاؤهم في هذا الاختبار هبة سماوية أيضاً. فبواسطة أدوات خاصة اشتروها من متجر النظام الأخير، استطاعوا تعقب بعضهم البعض على الأرض الجديدة بعد عودتهم من رحلة البحث عن الكنز.
اكتسب هذا أهمية بالغة للربيع الوشييك اندلاعها. وكلما تمكنوا من التواصل مبكراً، كان ذلك أفضل. وربما سمح لهم ذلك بالتجمع مبكراً والقضاء على عدد من مختاري العدو قبل اندلاع الحرب الحقيقية. بدت المرحلة الأخيرة والأخيرة من رحلة البحث عن الكنز كأنها مفصلة خصيصاً لهذه المجموعة. إن إسقاط مملكة كهذه ينبغي أن يكون لعبة أطفال. وكانت مكافآت قتل بعض الحراس باهظة بصورة سخيفة. وتنكروا في هيئة بشر ليحظوا بميزة دخول المملكة دون ملاحظة، وهو أمر لن يستطيع الجن والقرابين ومصاصو الدماء تحقيقه.
كانت خطتهم بسيطة. سيجمعون أكبر عدد ممكن من المقاتلين إلى صفوفهم لخلق إلهاء بينما يندفع الأربعة عبر الأجزاء الداخلية للممدينة لحصد المقاتلين الأشداء. قد يتيح الإلهاء للأجناس الأخرى الدخول بسهولة أكبر، لكن هذه البداية المبكرة كانت أثمن من أن تُفوت. ولن يكون إيقاف التيار القرمزي بالأمر السهل على أي حال وسيحدث لاحقاً في المرحلة. كان لدى المختار البشري خطة أكثر دهاءً حتى ذلك الحين.
سيحاول إيثان مراقبة محيطه، وعند رصد أي أثر لمتسابق آخر —أو الأفضل من ذلك، مختار— سيتصرفون جميعاً معاً. إن القضاء على أحد مختاري العدو قبل بدء الحرب يمثل ميزة أكبر بكثير مقارنة بتحصيل بضع نقاط إضافية في لوحة الصدارة. ولن يمثل التوقف عن زراعة الجنود لبضع دقائق بينما يقتلون مختاراً للعدو أي مشكلة.
تمتم إيثان وهو يتأمل الكراسي الخشبية والطاولة باشمئزاز: "يبدو أنه لا توجد روح في المنزل. ربما يجدر بنا التحرك بدلاً من محاولة التأثير على مجموعة من الضعفاء".
علقت إلارا بصوتها العذب الذي قد يخص جنية: "حري بهؤلاء القوم ألا يكونوا بين الأقوياء حقاً. أتسااءل عما يجري هنا. تبدو هذه المدينة من بعض النواحي كأنها علقت في العصور الوسطى، لكن السور المزود بكل تلك الرونيّات يبدو مستقبلياً للغاية".
قال إريك بثقة وصدره منتفخ: "أوافقك الرأي، ربما نحتاج للبدء بمفردنا. من يحتاج إلى إلهاء على أي حال؟".
كان تجاوزهما للحشرات في المرحلة الأخيرة واحتلال المراكز الأربعة الأولى في لوحة الصدارة سبباً لابتهاج عظيم.
فكرت إلارا قائلة: "لم لا نستكشف المكان قليلاً أولاً؟ الآخرون لا يحصدون الكثير من النقاط، ويمكنني إخفاؤنا تحت غطاء من الوهم. ربما توجد ثكنات مليئة بالجنود يمكننا تطهيرها دون تنبيه أي شخص في المدينة. وكلما قل عدد من يعلمون بوجودنا، أصبح قتلهم أيسر".
كان جلياً أنها لم تكن تحب القتال بالأساليب الفظة على طريقة إيثان وإريك. بيد أن سخطها لم يظهر في أي مظهر خارجي.
أضاف فيلكس: "أنا أوافق إلارا أيضاً. ينبغي أن نبدأ بأكبر قدر ممكن من التخفي قبل الإجهاز على الجميع واستئصال كل من حولنا. سيكون إيجاد سيلة لإيقاف الطقوس أمراً بالغ الأهمية أيضاً. فقد تُمنح نقاط المئة وخمسين مليوناً لكل واحد منا عندما نعترض التيار القرمزي معاً".
ضحك إريك بخفة قائلاً: "حسن إذن، هكذا سنمضي. دائماً صوت العقل يا فيلكس، أليس كذلك؟"، مما جعل عيني إلارا تضيقان كأنها تتعقب فريسة.
ومع ذلك لم يلحظ أحد ذلك التغير الطفيف في السلوك.
سأل إيثان عرضاً وهو يشير إلى الخارج حيث صُفّت العربة: "ماذا سنفعل بالسجناء؟".
فقد دخلوا أيضاً برفقة قفص مليء بالعبيد مثل ثاليون.
هتف إريك وهو يهوي بقبضته على الطاولة الخشبية بجانبه فتحطمت: "دعوهم يذهبون، من الواضح. لم أفكر في الأمر مسبقاً. إنهم الإلهاء المثالي. ليسوا بالغين الخطورة لتنبيه أحد، لكنهم سيخلقون فوضى يمكننا استغلالها لقتل الحراس بسهولة أكبر".
أضافت إلارا محاولة الحفاظ على نبرة هادئة تماماً كالعادة: "ششش، لا تكن صاخباً هكذا. لا نعرف مدى جودة عزل الصوت هنا. كما يجب أن نتحرك بدلاً من تهنئة أنفسنا".
لم يبقَ ما يُقال. فتح إيثان الباب بابتسامة تعلو محياه، ليجد ثمانية حراس يحيطون بعربتهم ويناقشون سبب وصولها إلى هنا.
صرخ أحد الحراس في وجههم: "هي، أأنتما من قاد العربة إلى هنا؟ بالمناسبة، من أنتما؟ لم أركما من قبل. عرفا بنفسيكما".
لم يحاول إيثان التحدث حتى بل انطلق إلى الأمام، وانطلق خنجران بالفعل ليصيبا حارسين كانا يقفان في الخلف. بلغ إيثان من السرعة حدّاً عجز معه الحارس الأول عن النطق بكلمة حين طار رأسه. وأصاب الخنجران عيني الحارسين بدقة، إذ كانا أبطأ من أن يتفاعلا مع سرعة إيثان، حتى وهو بعيد كل البعد عن بذل قصارى جهده. امتلك المختار من الدرجة إي من المزايا ما يجعله عصياً على التصدي من قبل معدل الدرجة إي لدرجة لا يمكنه تخيلها.
أُلقي ثلاثة خنجر أخرى نحو الحراس بينما نشّط إيثان مهارة الحركة لديه مرة أخرى. استغرق الأمر ثواني معدودات حتى صار الحراس جميعاً ملقين على الأرض —أغلبهم موتى وقليل منهم مصابون إصابات بليغة.
أفلت أحد الحراس بكلمات عبر فقاعات حمراء خرجت من فمه: "لن أستسلم بلا مقابل".
تعذر على أحد سماع الكلمات، لكن البلورة الحمراء التي حطمها في كفه أطلقت صوتاً حارقاً مدوياً وقذيفة حمراء انطلقت نحو السماء لتنفجر بصوت هائل.
قال إريك بابتسامة: "هذا حد اجتياز المدينة دون لفت الانتباه"، مما دفع إلارا للتنهد بصوت عالٍ.
لاحظ الجميع في المجموعة العلامات المعلقة عليهم قادمة من الأسوار العالية ومن الأبراج الكثيرة المنتشرة داخل المدينة.
<-- ضحك أورغول بصوت عالٍ: "هاه، هؤلاء البشر حمقى كالمعتاد".
كان جالساً خارج المدينة برفقة مختاري الأورك الآخرين. بلغ عددهم ثمانية معاً: مقاتلان أشاوس بينما كانت الباقيات جميعهن ساحرات. وكانوا جميعاً مختارين لملوك كن زوجات لراعيه. جعله ذلك بطبيعة الحال قائد المجموعة. فلم يكن راعيه الأقوى فحسب، بل كان أورغول الأقوى في هذه المجموعة الصغيرة أيضاً. اشتعلت أمامهم نار خضراء لدى إحدى الساحرات لتكشف عما يدور داخل المدينة. وبتعبير أدق، فقد تعقبوا مجموعة من المختارين البشر.
وهمست ساحرة أخرى في آذان الحراس بأن أمراً ما يحدث في البيت الذي يقيم فيه المختارون، مما أدى إلى اكتشاف المختارين البشر. في البداية، خشى أورغول ألا يتمكن القاتل البشري السريع ذو المعطف الأخضر من قتل الجميع قبل أن يتمكن الحراس من إرسال إشارة، لكن أحد البشر قام بعمل بطولي حقاً بإطلاق الإنذار في اللحظة الأخيرة الممكنة.
سألت ميرا: "متكبرون حقاً. ماذا ترغب في أن نفعل بعد ذلك يا أورغول؟".
كانت الساحرة التي حافظت على تشغيل مهارة الرؤية. والأقوى بين الساحرات والوحيدة في المجموعة التي تجرأت على مخاطبته باسمه مجرداً. ولهذا السبب تحديداً كان يفضلها على الباقيات.
ابتسم أورغول على وسعه وقال: "برأيي، إن الحراس البشر بطاؤون بعض الشيء في نقل الرسالة إلى المقاتلين الأقوياء حقاً والذين قد يشكلون مشكلة لمختارينا الأعزاء. أما بالنسبة لنا نحن الأورسك، فلا شيء أهم من جلب الشرف لقبيلتنا. أقول إنه يجب أن نكرم البشري الذي نجح في قرع جرس الإنذار. ولنوضح لهم أنهم يأخذون هذا التهديد على مأخذ الجد".
ولم يكن يعجبه أيضاً مدى قوة حزب البشر. كانوا أربعة فقط، لكن كل واحد منهم كان خطيراً —ومن المرجح أنهم أقوى حتى من أي من مرؤوسيه المختارين الآخرين.
ابتسمت ميرا قائلة: "فكرة جيدة. سأهتم بالأمر"، قبل أن تبدأ في توجيه الساحرات الأخريات.
في النار الخضراء، تغير المشهد باستمرار بينما نقلت الساحرات وعيهن من برج إلى آخر حتى وجدن من يملك القدرة على قرع الجرس الكبير. استغرق الأمر بضع دقائق حتى ملأت ميرا عقله بالكثير من الذعر والقلق لدرجة أنه قرع الجرس صارخاً بشيء بلغة الرونيّات عن تعرضهم للغزو.
ضحك أورغول وهو ينهض: "أنا مسرور للغاية. أعتقد أن الوقت قد حان لنستفيد من الإلهاء الذي يوفره لنا أولئك المختارون البشر الآن".
اختفت الابتسامة كأن لم تكن قط حين ظهر سلاحه المفضل في يده، وانبعث جزء من طبيعته الوحشية. غلف ضباب أخضر مجموعة الأورسك برمتها، ناقلاً إياهم آنياً إلى داخل المدينة.
<-- صرخ حارس القرمزي برعب: "توقف أرجوك! أرجوك!"
حين انتزع زارغاز قدمه اليمنى. لقد اقتات على القرويين والجنود المرسلين من المدينة الرئيسية. وحتى الآن، سارت رحلة البحث عن الكنز بصورة مروعة. فلم يكن مختارو مصاصي الدماء الآخرون في صفه، بل انتظروا اللحظة المناسبة لتسديد طعنة في ظهره. في الظروف العادية، لكانوا انحنوا أمامه وتوسلوا التفاتته. بيد أنه منذ أن فقد راعيه قدراً كبيرًا من قوته، أوشكت الملوك الأخرى على التمرد، وامتد ذلك نزولاً حتى مرؤوسيهم.
وعندما يبلغ زارغاز مرتبة السيادة، سيحظى سيده بنصيب وافر من القوة، مما يصعب على مصاصي الدماء الآخرين التخلص منه. وجعله ذلك هدفا رئيسيا. كان المختارون الآخرون أضعف من أن يقتلوه. وفي مواجهة مصاصي دماء آخرين، لن يخسر زارغاز أبداً مع وجود السيادة القرمزية إلى جانبه. فقد منحه نبات الدم المتطور اليد العليا في كل معركة. في الواقع، كان زارغاز قوياً بما يكفي لهزيمة مصاصي الدماء الآخرين دونه في الوقت الراهن.
فقد كان خطه الدموي أعلى بكثير مما يُعتبر خطاً دموياً قوياً. تكمن المشكلة في المختارين الآخرين. فمنذ المرحلة الثامنة، أتيحت الفرصة للكثير من المختارين للتشكيل مجموعات، بينما بقي زارغاز بمفرده. واعتاد التواجد دائماً في المراكز الخمسة الأولى، لكن العمل الجماعي للمختارين الآخرين جعلهم خطيرين. ولم يجرؤ حتى زارغاز على قتال عدة مختار في المعركة ذاتها. وآمن بأنه سيفوز في مواجهة فردية ضد أي شخص في هذا الاختبار، لكنه سيُقتل على الأرجح في مواجهة جمع.
لم يعد مغادرة هذه المرحلة أمراً ممكناً. ورؤية كيف تفوق عليه المختارون الآخرون في إجمالي النقاط أثقلت روحه بشدة. لقد كان مجحفاً حقاً أن يحظى هؤلاء الضعفاء بفرصة لنيل الجائزة الكبرى لمجرد تجمعهم. وكان هناك أيضاً ذلك البشري الذي كان عليه الإمساك به وقته. هذا ثاليون. فقد حافظ على المركز الأول لفترة طويلة بكمية غبية من النقاط في لوحة الصدارة لم يستطع أحد الاقتراب منها.
غير أنه منذ المرحلة الثامنة، تمكن الجميع من اللحاق بالركب، وها قد سقط الآن خارج العشرة الأوائل. وكان ذلك مواتياً جداً لزارغاز إذ سيقل عدد من يتعقبون ثاليون بصورة ملحوظة في الوقت الراهن. إن تغذية نبات الدم الذي زرعه البشري كفيل بإيصال السيادة القرمزية إلى التطور التالي. وعند نقطة معينة، ستتزامن تطوراتهم، لكن ذلك لن يحدث إلا في أواخر الدرجة دي وليس قبل ذلك. وكان دفع السيادة القرمزية للتطور آخر خاطرة أدخلت البهجة إلى قلبه.
أو هكذا كان الأمر قبل دخوله المرحلة الأخيرة. في اللحظة الأولى التي استنشق فيها الهواء الملطخ بالدماء، أدرك أن هذه مرحلته. وكل ما احتاج إليه هو الانتظار حتى تتصارع مجموعات المختارين فيما بينها. انقطعت أفكاره على وقع انفجار أحمر ضخم دوى في وسط المدينة.
قال زارغاز بابتسامة واسعة وشريرة وهو يملي ناظريه على حارس القرمزي الملقى أمامه على الأرض: "يبدو أن الآخرين قد دخلوا بالفعل. لن أبطئ أكثر من ذلك وسألحق بهم".
صرخ حارس القرمزي: "أرجوك! أرجوك لا!"
بينما انطلقت دالية من كف زارغاز لتغوص في صدر الضحية.