شَخَصَتِ الشَّمْسُ عالِياً فَوْقَ إحْدَى الْمُدُنِ الْعَظِيمَةِ الْكَثِيرَةِ التَّابِعَةِ لِلإمْبِراضُورِيَّةِ الأَبَدِيَّةِ. وَفَوْقَ إحْدَى الْبُرُوجِ العالِيَةِ، اسْتَعَدَّ دِيكٌ بِحَجْمِ بَقَرَةٍ لِيَأْتِيَ بِفِعْلَتِهِ، مُسْتَنْشِقاً الهَواءَ بِعُمْقٍ بَيْنَمَا بَقِيَ رَأْسُهُ قَرِيباً مِنْ قَدَمَيْهِ. وَعِنْدَما كادَ الدِّيكُ يُتِمُّ مِلْءَ رِئَتَيْهِ عَنْ آخِرِهِمَا، بَدَا أَشْبَهَ بِضِفْدَعٍ مَنْفُوخٍ مِنْهُ بِدِيكٍ.
طارَ رَأْسُهُ نَحْوَ السَّماءِ وَفَمُهُ مَفْتُوحٌ عَلى أُصْعُبِهِ، وَلَكِنْ قَبْلَ ثانِيَةٍ واحِدَةٍ مِنْ فُرْصَتِهِ لِإِزعاجِ الجَمِيعِ صَوْتاً، انْدَفَعَتْ نِيَّةُ قَتْلٍ مِنَ البُرْجِ الأَعْلَى فَجَعَلَتِ الدِّيكَ يَتَوَقَّفُ فِي مَكانِهِ. انْطَبَقَ مِنْقارُهُ فَزَعاً. وَإِذْ عَجَزَ عَنِ الحَرَكَةِ مِنْ هَوْلِ الصَّدْمَةِ، راحَ يُحَدِّقُ فَقَطْ فِي الاتِّجاهِ الَّذِي انْبَثَقَ مِنْهُ هَذا الشَّرُّ - البُرْجِ الأَطْوَلِ وَالأَسْطَعِ حَيْثُ يَعِيشُ الحاكِمُ.
فِي هَذا اليَوْمِ، لَمْ يَسْتَيْقِظْ كَثِيرُونَ عَلى أُغْنِيَّةِ الدِّيكِ المُنَغَّمَةِ الحادَّةِ المُؤْلِمَةِ الَّتِي سَتُحْفَظُ لِلْمِئَةِ سَنَةٍ القادِمَةِ. وَحْدَهَا طائِفَةٌ صَغِيرَةٌ تُسَمَّى المُخْلِصِينَ لِلرِّيشِ كانَتْ لَهَا نَظْرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ. فَبِالنِّسْبَةِ لِكَثِيرِينَ مِنَ الأَعْضَاءِ، تَرَكَهُمُ الصُّراخُ الحادُّ المَفْقُودُ يَبْكُونَ عَلى الأَرْضِ.
فِي هَذا اليَوْمِ، خَسِرَتِ الطائِفَةُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ أَعْضَائِها، وَانْضَمَّ مُعْظَمُهُمْ إِلى المُفْكَمِينَ المُكْتَئِبِينَ. أُصِيبَ الدِّيكُ بِاضْطِرابِ ما بَعْدِ الصَّدْمَةِ - مُؤَشِّرُ الحالَةِ المَرْبِكَةِ المُرْعِبَةِ - وَلِذَلِكَ، بَعْدَ أَنْ تَفَرَّغَ هَواؤُهُ، زارَ طَبِيباً عَلى الفَوْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنْ يَتَلَقَّى رَفْلَةً مِنْ حِمارٍ فِي نِهایَةِ كُلِّ يَوْمٍ.
فِي الإمْبِراضُورِيَّةِ الأَبَدِيَّةِ، أَظْهَرَتْ إحْدَى الدِّراساتِ الطِّبِّيَّةِ الأَكْثَرِ شُهْرَةً أَنَّ افْضَلَ عِلاجٍ لِلأَلَمِ القَدِيمِ هُوَ أَلَمٌ جَدِيدٌ. مَجْمُوعَةُ العُلَماءِ، جَمْعِيَّةُ الآثارِ الجانِبِيَّةِ، الَّذِينَ كانُوا يَدْرُسُونَ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ حالِياً، لَكَانُوا عَلَى عِلْمٍ غالِباً بِحالَةِ الدِّيكِ. لِلأسَفِ، كانُوا جَميعاً آلِيِّينَ يَفْقِيدُونَ أَيَّ عاطِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَلا يُمْكِنُهُمْ البَتَّةَ فَهْمُ ما يَعْنِيهِ صُراخُ الدِّيكِ العالِي الحادُّ لِباقِي المُواجِهِينَ فِي الصَّباحِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَهَذا لَيْسَ عَنِ الدِّيكِ أَوْ الآلِيِّينَ مِنْ جَمْعِيَّةِ الآثارِ الجانِبِيَّةِ. كَلّا، بَلْ هُوَ عَنْ كُلِّ ما أَدَّى إِلى هَذِهِ الحالَةِ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ. لِكَشْفِ أَيِّ مَأْساةٍ تَكَشَّفَتْ فِي بُرْجِ الحاكِمِ، نَحْجُ إِلى غُرْفَةِ نَوْمِهِ. فَبِالنِّسْبَةِ لِلْباقِينَ، تَحَوَّلَ صَباحُ هَذا اليَوْمِ إِلى نِعْمَةٍ. وَعَلى العَكْسِ تَماماً بِالنِّسْبَةِ لِلْحاكِمِ، الَّذِي أُصِيبَ بِنِيَّةِ القَتْلِ كامِلَةً مِنْ زَوْجَتِهِ، الَّتِي كانَتْ تَقِفُ حالِياً أَمَامَ سَريرِهِ العَرِيضِ الَّذِي يَتَجاوَزُ عَرْضُهُ خَمْسِينَ مِتْراً وَالمَصْنُوعِ مِنْ رِيشِ الهُنُودِ الضّائِعِينَ.
كانَتْ عَيْناهُ واسِعَتَيْنِ وَوَجْهُهُ شاحِباً. رَفَعَ الغِطاءَ إِلى ذَقْنِهِ بَيْنَمَا لَمْ يَجْرُؤْ إِلَّا عَلى خُلْسَةِ النَّظَرِ مِنْ فَوْقِهِ لِيَرَى ما حَدَثَ. وَقَفَتْ أَمامَ سَريرِهِ زَوْجَتُهُ بِوَجْهٍ مُحْمَرٍّ، وَشَعْرُهَا الطَّوِيلُ المُمْتَحِنُ يَشْتَعِلُ ناراً.
"هُوَ... هُوَ... ما الأَمْرُ يا عَزِيزِي؟"
تَمَكَّنَ بِالصَّعْبِ مِنْ إخْراجِ تِلْكَ الكَلِماتِ مِنْ شَفَتَيْهِ. عِنْدَما تَكُونُ فِي هَذا المِزاجِ، كانَ مِنْ الأَفْضَلِ إبْقاءُ الفَمِ مُغْلَقاً. وَيُفَضَّلُ، مِنْ بابِ أَوْلَى، الانْتِقالُ الآنيُّ بَعيداً. أَمَّا في حالَةِ الحاكِمِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمكِناً. فَبَعْدَ لَيالِي كُوكيزِ الشُّوكولاتَةِ العَدِيدَةِ لِلتَّعافِي مِنْ قُرْبِ زَوْجَتِهِ، صارَ بَدِيناً لِلْغايَةِ عَنْ أَنْ يَنْتَقِلَ آنِيّاً.
لَقَدْ حاوَلَ كُلَّ شَيْءٍ، لَكِنَّ كُوكيزَ الحِمْيَةِ كانَ مَذاقُهَا بَظيعاً لِدَرَجَةِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعِ المُتابَعَةَ. فِي حالَتِهِ، كانَتِ الطَّرِيقَةَ الوَحِيدَةَ لِلْهُروبِ مِنْ زَوْجَتِهِ عِنْدَما تَكُونُ فِي هَذا المِزاجِ الخَاصِّ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، كانَ مُحْتاجاً لِلكُوكيزِ مُقابِلَ كُلِّ هَذا الضَّغْطِ. فِي البِدايَةِ، كانَ قَدْ دَخَّنَ حُزَماً عِدَّةً مِنَ السِّيجارِ كُلَّ يَوْمٍ، لَكِنَّ صَوْتَهُ أَصْبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْشَنَ بَعْضَ الشَّيْءِ، وَهُوَ ما كانَ مَرْعِباً عِنْدَما تَضْطَرُّ لِمُخاطَبَةِ شَعْبِكَ من حِينٍ لآخَرَ.
الشُّفَاةُ، الَّذِينَ كانَ يَجِبُ أنْ يُصْلِحُوا رِئَتَيْهِ، أَرادُوا مِنْهُ أَيْضاً أَنْ يَتَلَقَّى رَفْلَةً مِنْ حِمارٍ، وَلِذَلِكَ اضْطَرَّ لِمُعالَجَةِ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ. عَرَفَ الحاكِمُ أَنَّهُ لَيْسَ الأَذْكَى لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَثِقُ بِهؤُلاءِ الآلِيِّينَ إِطْلاقاً. مِنَ الجَيِّدِ أَنَّهُ بَدَا هَذِهِ المَرَّةَ غَيْرَ مَسْؤولٍ عَنْ سَبَبِ انْفِجارِ زَوْجَتِهِ.
وَإِلَّا لَكانَ فَضَّلَ زِيارَةَ الحِمارِ ذِي المُسْتَوى تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ مَعَ الحَوافِرِ التِّيْتَانْيُومِيَّةِ الخاصَّةِ. فِي هَذِهِ اليَوْمِ، كانَ الحاكِمُ الشَّخْصَ الوَحِيدَ الَّذِي لَمْ يُلاحِظْ أَنَّ الدِّيكَ لَمْ يَصْرُخْ.
"إِنَّهُ أَمينُ المَخْطوطاتِ. لَقَدْ خانَنَا. بَعْدَ كُلِّ ما فَعَلْتُهُ لِأَجْلِهِ."
كانَ صَوْتُهَا كَأَظافِرَ تَحُكُّ خِزانَةً.
"هُو، أَمينُ المَخْطوطاتِ؟ كَيْفَ؟ أَلَيْسَ مَحْبوساً فِي القَبْوِ وَطَعامُهُ الوَحِيدُ هوَ الكوكائين السَّائِلُ عَلَّهُ يَنْتَهِي عَنِ القِصَّةِ الَّلا نِهائِيَّةِ لِلإمْبِراضُورِيَّةِ الأَبَدِيَّةِ؟ يا رَجُلُ، ما زِلْتُ أُعانِي لِلْحُصُولِ عَلى ما يَكْفِي مِنَ الأَشْجارِ لِطِباعَةِ هَذا الكِتابِ الَّلا نِهائِيِّ."
شَرْدَ الحاكِمُ، غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلى كَيْفَ كانَتْ سِيماءُ زَوْجَتِهِ تَسْوءُ ثانِيَةً بَعْدَ ثانِيَةٍ.
"تِلْكَ الأَشْجارُ الغَبِيَّةُ لَمْ تُرِدْ أَنْ تَمْنَحَ جُذُوعَهَا لِلإمْبِراضُورِيَّةِ الأَبَدِيَّةِ، وَالحطّابُونَ مُصابُونَ بِصَدْمَةٍ مِنْ مُونُولُوجاتِ الأَشْجارِ الطَّوِيلَةِ وَالحَزِينَةِ حَقّاً، وَعِنْدَما تُرْسِلُهُمْ إِلَى الطَّبِيبِ، يَحْصُلُونَ عَلَى إجازَةٍ مَرَضِيَّةٍ تُمْكِنُهُمُ البَقاءَ فِي المَنْزِلِ طِيلَةَ الأُسْبُوعِ القادِمِ، مُعَالِجِينَ رُؤُوسَهُمُ المَكْسُورَةَ بَعْدَ رَفْلَةِ الحِمارِ. إِنَّهُ كَحَلَقَةٍ لا نِهائِيَّةٍ لا يُمْكِنُ كَسْرُهَا، وَالوَحِيدُ الَّذِي يَسْتَفِيدُ... هُو، يا عَزِيزِي، أَهوُناكَ شَيْءٌ تُريدُ قَوْلَهُ؟"
ازْدادَ وَجْهُ الحاكِمِ شُحوباً، وَحاوَلَ إخْفاءَ المَزيدِ مِنْ جَسَدِهِ تَحْتَ غِطَائِهِ.
"لَمْ يَكْتُبْ أَمينُ المَخْطوطاتِ الإمْبِراضُورِيَّةَ الأَبَدِيَّةَ فَحَسْبُ، بَلْ كَتَبَ فِي الدَّقائِقِ العَشْرِ الَّتِي لَمْ يَكُنِ الحُرّاسُ يَرَاكُبُونَ فِيها كِتاباً آخَرَ. كِتاباً كامِلاً عَنْ إمْبِراضُورٍ آخَرَ يُدْعَى تِيبِيرِيُوس. هَذِهِ زَنْدَقَةٌ مِنْ أَعْلَى طِرازٍ."
قالَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ خِلَالِ أَسْنانِها المُصْطَكَّةِ. فِي الظُّرُوفِ العادِيَّةِ، لَمْ يَكُنِ الحاكِمُ يَهْتَمُّ كَثِيراً بِأَيِّ كائِنٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ تَقُومُ زَوْجَتُهُ بِتَعْذِيبِهِ حَتَّى المَوْتِ. لَيْسَ هذا فَحَسْبُ، بَلْ كانَ هُناكَ العَدِيدُ مِنْهُمْ، مَمَّا جَعَلَ المُسْتَحِيلَ عَلى دِمَاغِهِ حِفْظَ حَتَّى نِصْفِهِمْ، لَكِنَّهُ ما زَالَ مُحْتاجاً لِأَمينِ المَخْطوطاتِ.
كانَ الوَحِيدَ الَّذِي يَتَذَكَّرُ قِصَّةَ الإمْبِراضُورِيَّةِ الأَبَدِيَّةِ الكَبِيرَةِ. لَمْ يَمْتَلِكِ الكَثِيرُونَ سَعَةَ الدِّماغِ لِحِفْظِ قِصَّةٍ لا نِهائِيَّةٍ. لَكِنْ كانَ هُناكَ سَبَبٌ آخَرُ أَيْضاً. سَبَبٌ جَعَلَهُ أَكْثَرَ خَوْفاً مِنَ العادَةِ مِنْ زَوْجَتِهِ. كانَ قَدْ قَرَأَ هَذِهِ القِصَّةَ أَيْضاً. تَميمَةُ الزَّمَنِ المَكْسُورِ كانَتْ قِصَّةً عَظِيمَةً فِي رَأْيِهِ.
تِيبِيرِيُوس، الإمْبِراضُورُ الخالِدُ، كانَ مَعْبُودَهُ، وَغالِباً ما كانَ يَضْحَكُ خِفْيَةً عِنْدَما كانَ يَقْرَؤُهَا سِرّاً. لَوْ ماتَ أَمينُ المَخْطوطاتِ، لَكَانَ ذَلِكَ نِهايَةَ تَميمَةِ الزَّمَنِ أَيْضاً، وَما زَالَتِ الصَّفَحاتُ الأَخِيرَةُ مَفْقُودَةً، وَكانَ يُرِيدُ بِشِدَّةٍ مَعْرِفَةَ كَيْفَ انْتَهَتْ.
"أَوْه... هُو... أَيُّ مَسْخٍ سَيُحاوِلُ حَتَّى قِراءَةَ كِتابٍ آخَرَ؟ أَمْه... يا عَزِيزِي، قُلْ فَقَطْ، أَيْنَ أَمينُ المَخْطوطاتِ الآنَ؟"
سَأَلَ الحاكِمُ، مُسْتَعِدّاً لِغَطْسٍ سَرِيعٍ تَحْتَ غِطَائِهِ مَرَّةً أُخْرَى.
"إِنَّهُ مُعَلَّقٌ أَمامَ البُرْجِ بالطَّبْعِ، بَيْنَمَا نِسَخِيَ المُتَطابِقَةُ تُجَهِّزُ نارَ الجَحِيمِ لِإِنْزالِ المَزيدِ مِنَ الأَلَمِ. حالِياً، مُعْظَمُ الأَلَمِ ناتِجٌ عَنِ الانْسِحابِ مِنَ الكوكائين السَّائِلِ، لَكِنَّ هَذا عَلى وَشْكِ التَّغَيُّرِ قَرِيباً."
اضْطَرَّ الحاكِمُ لِابْتِلاعِ رِيقِهِ بِصُعُوبَةٍ. الجُزْءُ الأَسْوَأُ - حَتَّى لَوْ نَجَحَ فِي إِفْلاجِ أَمينِ المَخْطوطاتِ وَوَضْعِ مُقَلِّدٍ مَنْحُوسٍ مَكانَهُ - هُوَ أَنَّهُ مَعَ طِبِّ اليَوْمِ، قَدْ يَسْتَغْرِقُ أَمْرُ تَعافِي أَمينِ المَخْطوطاتِ آلافَ السِّنِينَ. وَعِنْدَما يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِالأَلَمِ الجَسَدِيِّ، كانَ الأَطِبَّاءُ واثِقِينَ مِنْ أَنَّ أَفْضَلَ عِلاجٍ هُوَ الاسْتِماعُ لِأُغْنِيَّةِ هُوغُو، السَّرَطانِ الضّائِعِ فِي وِعاءِ حَساءٍ يَبْحَثُ عَنِ الحُبِّ، بِأَدَاءِ غارِي النَّوَرِسِ.
"هُوَ... أَوْه... عُقوبَةٌ عَظِيمَةٌ جِدّاً. سَأَنْزِلُ عَلى الفَوْرِ وَأُمْحَمْ... أَتَمَتَّعُ بِأَلَمِهِ وَعَذابِهِ."
قالَ الحاكِمُ، مُتَنَفِّساً بِصُعُوبَةٍ فِي مُنْتَصَفِ الكَلامِ. الكَذِبُ عَلى زَوْجَتِهِ كانَ يَمْنَحُهُ دائماً دَفْقَةَ أَدْرِيالِينٍ يَحْلُمُ بِهَا أَيُّ رِياضِيٍّ مُتَطَرِّفٍ.
"حَقّاً؟ هَذا... هَذا رائِعٌ، لَكِنْ لا أُمْكِنُنِي الانْضِمامُ إِلَيْكَ الآنَ. عَلى رِحْلَةِ تَسَوُّقِي الَّتِي تَمْتَدُّ لأَلْفِ سَنَةٍ، صادَفْتُ آلَةَ تَعْذِيبٍ خاصَّةً أَرْغَبُ فِي اشْتِرَائِها. تُسَمَّى مُحَرِّكَ العَذابِ. أَسَمِعْتَ بِهَا مِنْ قَبْلُ؟ هُو... ما بِكَ يا رَجُلُ؟ لا أَسْتَطِعُ تَذَكُّرَ خُرُوجِكَ مِنَ السَّرِيرِ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ فِي المَرَّةِ الأَخِيرَةِ."
حَمَلَ صَوْتُهَا هَذِهِ المَرَّةَ قَدْراً مِنَ التَّسْلِيَةِ.
"أَوْه... لَمْ أَسْمَعْ بِهَا قَطُّ، يا عَزِيزَتِي. أُرِيدُ فَقَطْ رُؤْيَةَ كَيْفَ يَبْدُو أَمينُ المَخْطوطاتِ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ تَعْذِيبَاتُكِ."
قالَ الحاكِمُ، مُتَحَرِّكاً نَحْوَ البابِ بِسُرْعَةِ ما حَمَلَتْهُ ساقاهُ الثَّخِينَتَانِ الصَّغِيرَتَانِ. لَمْ يُكَلِّفْ نَفْسَهُ حَتَّى عَناءَ ارْتِداءِ مَزيدٍ مِنَ المَلابِسِ. كانَ القَميصُ وَالمَلابِسُ الدَّاخِلِيَّةُ كافِيَيْنِ. لَمْ يَكُنْ هُناكَ وَقْتٌ لِلتَّضْييعِ.
"زَوْجِي؟ أَهوَ أَنْتَ حَقّاً؟ لَمْ تَكُنْ بِمِثْلِ هَذا الحَماسِ قَطُّ تِجاهَ أَسالِيبِ تَعْذِيبِي مُنْذُ أَنْ قَلَيْتُكَ فِي بَوْلِ الغُورِيلا. سَأُعَجِّلُ وَأُحْضِرُ مُحَرِّكَ العَذابِ بِأَسْرَعِ ما يُمْكِنُ. سَيَكُونُ هَذا صَباحاً رومانِسِيّاً مَلِيئاً بِالتَّعْذِيبِ وَصُراخِ الأَلَمِ."
وَبِهَذِهِ الكَلِماتِ، اختَفَتْ. لَمْ تَكُنْ زَوْجَتُهُ الشَّيْءَ الوَحِيدَ الَّذِي اخْتَفَى، إِذْ تَخَلَّى الحاكِمُ عَنْ كُلِّ لِياقَةٍ وَهُوَ يَهْوِي عَبْرَ الدَّرَجِ. كانَتْ غُرْفَةُ النَّوْمِ عالِيَةً فِي البُرْجِ. ضَمَّ البُرْجُ مِصْباحاً، وَمِصْعَداً مُضادّاً لِلْجاذِبِيَّةِ، وَدَرَجاً دَوَّاراً. كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَطِعِ اسْتِخْدامَهُ لِوُزْنِهِ المُفْرِطِ.
بَدَلَ ذَلِكَ، كانَ عَلَيْهِ الرَّكْضُ عَلى الدَّرَجِ الضَّيِّقِ. بَدَا وَكَأَنَّهُ يَطيرُ عَلى الخَمْسِ خَطَواتٍ الأُولى، وَارْتَفَعَتْ ثِقَتُهُ بِنَفْسِهِ. لَوْ اسْتَمَرَّ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ، لَكانَ فِي الأَسْفَلِ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ. اخْتَفَتِ الثِّقَةُ بَعْدَ خَمْسِ خَطَواتٍ. كانَ العَرَقُ يَتَصَبَّبُ مِنْ وَجْهِهِ، وَأَصْبَحَ تَنَفُّسُهُ مُتَقَطِّعاً. وَمَعَ ذَلِكَ، أَبْقاهُ فِكْرَتانِ مُتَوَاصِلَتَيْنِ.
أَرادَ مَعْرِفَةَ كَيْفَ اسْتَمَرَّتِ القِصَّةُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ تَرَاهُ زَوْجَتُهُ هَكَذا. كانَتْ فِي مِزاجٍ طَيِّبٍ جِدّاً، وَهَذا ما قَدْ يُؤَدِّي بِهَا لِاسْتِدْعاءِ الطَّبِيبِ. اِرْتَعَدَ بِمُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ فِي بَرنامجِ تَأْهِيلِ الحِمْلِ الزَّائِدِ العَدْوانِيِّ. وَبِهَذا الحافِزِ، تَمَكَّنَ الحاكِمُ مِنَ الوُقُوفِ أَمامَ أَمينِ المَخْطوطاتِ المُعَلَّقِ قَبْلَ عَودَةِ زَوْجَتِهِ.
كانَ يَبْدُو جَيِّداً جِدّاً بِالنِّسْبَةِ لِشَخْصٍ لا تُحِبُّهُ زَوْجَتُهُ. لَمْ يَكُنْ هُناكَ سِوى بَعْضِ الجُرُوحِ الجَسَدِيَّةِ وَالعِظامِ المَكْسُورَةِ. ما دَامَ لَمْ يَذْهَبْ إِلى طَبِيبٍ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ تَكُونُ لَدَيْهِ فُرْصَةٌ لِلشِّفاءِ التَّامِّ أَيْضاً.
"تَحِيّاتِي، أَيُّهَا الأَمِينُ العَزِيزُ."
هَمَسَ الحاكِمُ بَعْدَ النَّظَرِ فِي كُلِّ الاتِّجاهاتِ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ أَنَّ أَحَداً لا يَسْتَرِقُ السَّمْعَ.
"قَرَأْتُ أَيْضاً... أَوْه... كِتابَكَ الآخَرَ. لَوْ أَفْرَجْتُ عَنْكَ، أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ لَطِيفاً لِلْغايَةِ وَتُخْبِرَنِي كَيْفَ يَنْتَهِي؟"
"أَمْه... بِالطَّبْعِ... كَيْفَ نَزَلْتَ إِلى هُنا؟"
تَمْتَمَ أَمينُ المَخْطوطاتِ.
"هَذا خارِجُ المَوْضُوعِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ نُخْرِجَكَ مِنْ هُنا حَتَّى تُتابِعَ عَمَلَكَ. والآنَ اثْبُتْ مَكَانَكَ..."
قالَ الحاكِمُ، بَيْنَمَا بَدا الحَماسُ والفَزَعُ واضِحَيْنِ عَلى وَجْهِهِ. عِنْدَما عادَتْ زَوْجَتُهُ مَعَ مُحَرِّكَ العَذابِ العَرِيضِ الَّذِي يَتَجاوَزُ عُشْرَةَ كِيلومِتْراتٍ، كانَ أَمينُ المَخْطوطاتِ قَدِ اخْتَفَى، وَحْدَهُ الحاكِمُ وَقَفَ أَمامَ المِشْنَقَةِ الفارِغَةِ. عَبَسَتْ عَبُوسَةٌ عَلى وَجْهِهَا عَلى الفَوْرِ، وَانْشَحَنَتْ غَضْبَةٌ ثانِيَةٌ بِوُضُوحٍ.
"زَوْجِي. أَيْنَ أَمينُ المَخْطوطاتِ؟"
كانَتْ نَبْرَتُها مُسْتَوِيَةً تَقْرِيباً، مَمَّا جَعَلَ الحاكِمَ يَكادُ يَنْسى عُذْرَهُ المِثالِيَّ. مِنَ الجَيِّدِ أَنَّهُ امْتَلَكَ مَساحَةً فارِغَةً كافِيَةً فِي دِماغِهِ، وَبَدَأَ عَلى الفَوْرِ بِالنَّصِّ الطَّوِيلِ الَّذِي أَعَدَّهُ أَمينُ المَخْطوطاتِ. الرَّجُلُ كانَ عَبْقَرِيّاً بِبَساطَةٍ. وَلَكِنْ بَعْدَ الكَلِمَةِ الأُولى، نَسِيَ لِلأسَفِ ما أَرادَ قَوْلَهُ.
"أَنَا... أَنَا... أَنَا أَكَلْتُهُ."
كانَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الوَحِيدَ الَّذِي خَرَجَ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ كَيْفَ ارْتَسَمَتْ ابْتِسامَةٌ عَلى وَجْهِ زَوْجَتِهِ. كانَتْ هَذِهِ المَرَّةَ الأُولَى الَّتِي تَفْخَرُ فِيها زَوْجَتُهُ بِهِ حَقّاً. حَتَّى إِنَّهَا طَبَعَتْ قُبْلَةً عَلى خَدِّهِ، وَقَرَّرَ أَنَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ كَذِبِهِ عَلَيْهَا. كَذْبَتُهُ الصَّغِيرَةُ تَرَكَتْ نَتائِجَ غَيْرَ مُتَوَقَّعَةٍ.
لِبَدْءِ الأَمْرِ، أَرَرَتْ زَوْجَتُهُ عَلى أَنَّ مُجَرَّدَ الهَضْمِ لَمْ يَكُنْ كافِياً، مَمَّا أَدَّى إِلَى رَمْيِ غائِطِهِ لِلْأَيَّامِ القادِمَةِ فِي مُحَرِّكَ العَذابِ، الَّذِي عَذَّبَهُ حَتَّى التَّطَرُّفِ. هَذا أَدَّى إِلى مُراجَعَةٍ سَيِّئَةٍ للغايةِ، حَيْثُ رَأَتِ الزَّوْجَةُ أَنَّ الغائِطَ لَمْ يُعَذَّبْ بِالشَّكْلِ الكافِي. وَبَيْنَمَا لَمْ يَكُنِ الغائِطُ يَمُرُّ بِوَقْتٍ طَيِّبٍ، تَعَرَّضَ مُحَرِّكُ العَذابِ أَيْضاً لِصَدْمَةٍ مِنْ كامِلِ العَمَلِيَّةِ.
وَبَعْدَ ذَهابِهِ لِلطَّبِيبِ، اضْطَرَّ لِزِيارَةِ بُسْتانِ الضَّحِكِ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ حَتَّى الآنَ، فَرُبَّما كانَ يَضْحَكُ حَتَّى اليَوْمِ. لَرُبَّما كانَ المَريضَ الوَحِيدَ الَّذِي شُفِيَ حَقّاً. لِلأسَفِ لَمْ يَهْتَمَّ أَحَدٌ بِمُحَرِّكِ عَذابٍ، وِلِذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ بِهَذَا الإنْجازِ الطِّبِّيِّ.