"انظري، انظري! إنه عقاب من الفئة إف بندرة فائقة، وما زال في الفئة إف. هذا يعني أننا نستطيع أن نتقدم في السن معاً!"
هتفت الصغرى وهي تقفز بفرح. أما ثاليون فلم يكن يشاركها المرح أبداً، لكنه لم يبدو وشيك الهلاك على الأقل.
"يا زهرتي الصغيرة، تعلمين أن عليك التدرب بقوة. لا أظن أن لديك متسعاً من الوقت لتربية أليف"، قالت المرأة، التي خمن ثاليون أنها أمها، بابتسامة حزينة على شفتيها.
بدا جلياً أنها تتألم، واستشف ثاليون من لقبه وجود سبب آخر خلف تلك الملامح الحزينة. لذا، وبمجمل الأحوال، كان يفضل بشدة لو يتركونه وشأنه، وهو يقف في صف الأم تماماً بالوقت الحالي.
"لا، لا أريد قتله. سيصبح ذات يوم أحد طيور البرق والجليد العظيمة. ربما يمكننا حتى تطويعه ليتحول إلى كائن أكبر كي أتمكن من الطيران على ظهره عوضاً عن استحضار طبقة جليدية تحيط بي أو بقدمي طوال الوقت"، قالت الفتاة وهي تسحب يدها من العجوز الإلفية.
قرر ثاليون، المتدلي من تلك اليد، أن البقاء مع الفتاة أفضل من التعرض للقتل. ثم، ما الذي تعنيه بالبرق والجليد؟ لم يكن ثاليون يستطيع سوى ترويض البرق والرياح. إضافة عنصر ثالث قبيل تطوره قد تكون خطورة جسيمة. بالطبع، يعتمد الأمر برمته على كيفية تصنيف النظام له، ولكن إن تعامل معه بوصفه أشكالاً إضافية فلن يكون ذلك جيداً على الإطلاق. قد يؤدي الشكل السيء إلى الحط من ندرة تطوره، وقد يكون لعنصر آخر التأثير ذاته.
حدقت الإلفة في ابنتها طويلاً بينما وازن ثاليون خياراته. في غضون ذلك، أمل بكل ما أوتي من قوة أن تستخدم الفتاة أقوى وألطف نظرات الجراء التي رآها النظام على الإطلاق. بعد لحظات بدت كأنها الدهر لثاليون، تنفست الإلفة الصعداء أخيراً.
"حسناً. بشرط واحد، ألا تتوقفي عن التدريب. القوة هي كل شيء، ومع سلالة مثل سلالتك، يجب أن تكوني قوية. أتدركين ذلك؟"
حمل صوتها من القلق ما جعل ثاليون غنياً عن استخدام لقبه ليشعر به. بدأ يستعيد الإحساس في ساقيه أيضاً، واهتز منقاره بفعل البرد المتبقي في جسده. أحجم ثاليون عن اختبار مهاراته. إن تحول مجدداً إلى شكله البشري فسيتعين عليه قتل الاثنين بهجوم مباغت، وبما أنهما لا يقتلاه، فيمكنه الانتظار وترقب اللحظة المناسبة لتنفيذ اختفاء على طريقة هوديني.
"أنت الأفضل على الإطلاق!"
صرخت الفتاة الصغيرة وهي تعانق خصر أمها بقوة.
"سأتدرب بجدية لم أعهدها من قبل. أعدك، أعدك، أعدك!"
لم ترد الأم. ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتيها، لكن ثاليون شعر بكل المشاعر المدفونة تحتها. إن لم يكن مخطئاً، فقد كانت هذه الأم تؤمن أن ابنتها ستموت، أو أن شيئاً فظيعاً آخر على وشك الحدوث. ربما كانت الأم نفسها على وشك الموت؟ وقبل أن يتسنى لثاليون التفكير أكثر، عانقته الفتاة الصغيرة بقوة. كانت أبرد من المحيط بها حتى. أمسكت به من جناحيه الاثنيْن وأجبرته على النظر في عينيها المتألقتين.
"من الآن فصاعداً، سنكون صديقين حميمين ونصبح فائقَي القوة"، أعلنت الفتاة بابتسامة عريضة قبل أن تفكر بصوت عالٍ.
"ما زلت بحاجة إلى اسم... ربما نسبة إلى أحد الأجداد فائقِي القوة؟ لا، أسماؤهم مملة. آه! لقد وجدت. سأسميك قطع الجليد الصقيعي. وإن بذلت جهداً كبيراً، فقد أسميك قطع الجليد الصقيعي العظيم، أو قطع الجليد الصقيعي الذكي".
لم يكن ثاليون متحمساً، لكنه سيضطر على الأرجح لاحتمال هذا بالوقت الحالي. لقد شعر بالأسف لأجل الفتاة الصغيرة بالفعل. كل آمالها العטاش ستتحطّم بمجرد أن يطير مبتعداً. كانت روحة لطيفة لدرجة جعلت ثاليون يخشى أن تنتهي إلى وضع مريع تحت كل هذا الضغط.
"أظن أن هذه الاستراحة تكفينا. علينا الدخول واستئناف تدريبك"، قالت الأم بتنهيدة ثم أشارت نحو ثاليون بابتسامة خافتة.
"أعطني قطع الجليد الصقيعي. سأحرص على أن يمر الانتقال بسلاسة".
انتقال؟ مهلاً، أي انتقال؟ لا أريد الانتقال إلى أي شيء. فكر ثاليون، لكنه بدا مجرداً من حق الاختيار في الأمر. ورغم أن البرد قد خف، إلا أنه ظل متجمداً وعاجزاً عن تحريك جناحيه. وحدها منقاره كان يتحرك الآن، مصطكاً بعنف.
"حسناً، ها هو ذا! سأكون بالغة القوة اليوم!"
هتفت الفتاة قبل أن تقفز وتطبع طبعة شفتين سريعة على خد أمها. ثم ركضت نحو نفق صغير يقود إلى الجبل المتجمد. ألقت الأم نظرة أخرى على ثاليون بملامح فضولية قبل أن تتبع ابنتها. لم يكن الممر عبر الجبل طويلاً، لكن ثاليون لم يرى الكثير، ومرجع ذلك أساساً لكون تلك المرأة البلهاء تمسكه من قدم واحدة، مما جعله يتدلى مع كل خطوة تخطوها. آه، كم أكرت أولئك الإلف اللعينين. حقاً، ألا تستطيعين ألا تأرجحيني هكذا على الأقل؟
كانت الأم تختبر أعصابه بحق. لقد كانا محظوظين لأن ثاليون شعر بالأسف لمغادرة الفتاة الآن، وإلا لحاول بالفعل معرفة ما إن كانت مهارة التحول لديه تعمل بعد. الهروب و قتل الأم سيكون مبالغاً فيه مئة بالمئة بالنسبة للفتاة الصغيرة السعيدة. وفي نهاية المطاف، دخلا إلى ما بدا وكأنه غرفة طعام، ولمح ثاليون إلفاً ذا بنية قوية جالساً عند الطاولة. كان له لون الجلد الأزرق الفاتح ذاته الخاص بالفتاة والأم، إضافة إلى الشعر الأبيض الطويل الذي بدا أنهم يتشاركونه جميعاً.
خمن ثاليون أنه الأب. لم يبدو راضياً البتة عندما تحدثت الفتاة بحماس عن قطع الجليد الصقيعي وشرعت في الاحتجاج فوراً.
"لا، لا يمكن أن يكون هذا. هذا الوحش يمثل خطورة، ولا يمكننا تحمل إهدار الوقت، سيما حين يكون الكثير على المحك"، كاد الأب يصرخ.
"لا داعي للقلق! سأتدرب بجد إضافي لأكون مستعدة للكون الجديد"، هتفت الفتاة وهي تعانق أباها قبل أن تهرول خارج الغرفة.
خمن ثاليون أنها متجهة للتدريب، وإلا لما وافق الشيوخ قط على رحيلها هكذا. ومع رحيل ابنتهما، تبادل الاثنان نظرة واعية. وبعد التأكد من أنها أصبحت خارج نطاق السمع حقاً، تحدث الأب مجدداً.
"تعلمين أنه ليس لديها وقت لمثل هذا. إن اكتشفت إحدى العائلات الأخرى أمر سلالتها، فسوف يقتلونها".
آه. لقد فهم ثاليون على الأقل الآن سبب بدوهم جميعاً بهذا البؤس. كان يود بشدة استخدام خاصية التحديد على الفتاة للتحقق من مستواها، ولكن حُكماً بالسهولة التي ألقت بها القبض عليه بهجوم واحد، لم يكن مستواها منخفضاً على الإطلاق.
"أعلم"، أجابت الأم وهي ترفع ثاليون المتجمد، الذي كان يتدلى من يدها كدجاجة ميتة.
"لكنها ستُفجع لو قتلنا الطير الآن. ولابد أنه فائق الندرة. ربما يكون الجهد مثمراً في النهاية".
كان ثاليون متأكداً تماماً أنه لو كان أحدهم يبث اللقطات المباشرة للاعب الأول الآن، فهذا ليس ما يتوقعه المشاهدون.
"أنت محقة"، قال الأب وهو يتفحص ثاليون عن قرب.
"لكنه يبدو وكأنه هرب من مروض وحوش. نادراً ما تندمج الوحوش مع بلورة قوية كهذه من تلقاء نفسها. العملية وحدها مؤلمة وخطيرة للغاية. هذا يعني على الأقل أن الطير يملك فرصة للبقاء على قيد الحياة خلال الانتقال".
أما ثاليون، فبدأ يشعر بالذعر مجدداً في تلك الأثناء. انتقال؟ بقاء على قيد الحياة؟ أظن أن هذا الرجل فقد صوابه بالكامل. بحق الجحيم، ما الذي ينويان فعله بي؟
"علينا البدء فوراً"، قالت الأم.
"سيزول تأثير إيقاف مهاراته قريباً جداً".
غادرا الغرفة سريعاً ودخلا حجرة متجمدة. كانت الجدران مصنوعة بأكملها من الجليد، وتتوسطها بلورة جليدية هائلة. استشعر ثاليون هالتها الباردة بالفعل، ولم يستسغها قطرة واحدة. أنتما الاثنان محظوظان للغاية. لو لم أكن معجباً بالفتاة إلى هذا الحد لكنت ميتاً الآن، فكر ثاليون بينما تصاعدت نية القتل داخله. لكنه عرف أيضاً شعور النشوء بلا والدين. وسيكون الأمر أسوأ بالنسبة للفتاة.
كان واضحاً أن رابطة قوية تجمعها بهما، وفقدانهم سيكسرها أضعاف ما تفعله حقيقة عدم معرفتهم قط. وبلا أبنيها، ستكتشف العشائر الأخرى سلالتها القوية سريعاً، وتلك ستكون نهايتها. أُضجع ثاليون على بطنه فوق البلورة، وشعر بالأمر تماماً كتلك المرة التي خدعه فيها أحد الأولاد ليلعق درابزيناً معدنياً في أقسى شتاء يمكن تخيله. استحالة تامة للنهوض من دون خسارة حفنة من الريش. حقيقة أن الإلفين قد شرعا في ترديد تعويذة بصوت عالٍ وهما يحركان أيديهما فوقه لم تفعل شيئاً لتهدئة أعصابه.
أرجوكِ، أيتها الكارما، قفي بجانبي. إن إبقاء الوالدين لكيلا تموت الفتاة الصغيرة اللطيفة لا يمكن أن يتسبب في ميتي حقاً، أليس كذلك؟ كانت قطعة الجليد المنغرسة في بلورة صدره قد انكمشت بشكل ملحوظ وستزول قريباً. خمن ثاليون أنه بمجرد اختفائها، سيتمكن من استخدام مهاراته مجدداً. وبما أنه قرر عدم قتل الاثنين، فلا ضير في الأمر، بالوقت الحالي. زدادت الغرفة برودة، وبدأت البلورة تحته تنبض.
عاد البرد الذي كان ينحسّر ببطء عن جسده ليجتاحه فجأة بحدة متجددة. تجمد منقار ثاليون مغلقاً مرة أخرى، وحتى لو لم يكن كذلك، لكان الصراخ عبثاً. ما الذي يفعلانه بي بحق الجحيم؟! فكر ثاليون بينما تصاعد الذعر وهوت نقاط حياته باطراد. أيها الإلف البلهاء، أنا أموت هنا! ماذا عن جرعة حياة أو مهارة شفاء؟ لستما من الموتى الأحياء، أليس كذلك؟ لعنهما بغضب في قرارة نفسه بينما استمرت الطقوس وشريط حياته يهبط أدنى فأدنى.
ألا تجعل الفتاة اللطيفة تفقد أبويها شيء. وأن تموت لأن أبويها عبثا بطقس ما شيء آخر. إن انخفضت حياته إلى ثلاثين بالمئة، فسيتحول إلى شكله البشري. هناك حدود، وقد أبدى تسامحاً أكثر من اللازم بالفعل. احتدم الألم مع كل ثانية. وعندما بلغ شريط حياته خمسين بالمئة، قرر أنه اكتفى وفعل مهارته. لم يحدث شيء. لا يزال عقاباً عاجزاً، متجمداً فوق البلورة. ...تباً. سأحاول مجدداً عند الثلاثين بالمئة.
انتظر ثاليون الحتمية، مصلياً بصمت ألا تدمر هذه الطقوس تهذيب البرق والرياح الذي خضع له في مرحلة الإرشاد أو تقضي عليه.