اه حقّاً، هذا يشبه المطلوب تماماً. لنرَ ما هو أهمّ لدرجة تدفعك لتدوينه. فكّر ثاليون بابتسامة عريضة وهو يتّجه نحو الرفّ. وتبيّن أنّ كلّ لفافة كانت مخطّطة لبناء سلاح أو درع. بالنسبة إلى ثاليون، مثّلت هذه كنزاً دفيناً لم يفكّر فيه حتّى قبل اتّخاذ قراره بالنزول إلى هنا في المرحلة الأخيرة. قد يساعده هذا كثيراً عند إعادة صنع درعه وسيفه. المشكلة الوحيدة هي أنّ كلّ شيء صُمّم لأجل الأقزام، ممّا يعني أنّ الدرع لم يكن ملائماً له تماماً، لكنّه يستطيع تكييف الرّونمات لتناسب عتاده الخاصّ.
أمّا بالنسبة للأسلحة، فقد أحبّ الأقزام المطارق، وهذا لم يكن مفيداً له كثيراً. ومع ذلك، وُجدت رونات تسرّع الضربات أو تمنحها قوّة إضافيّة، وتلك ستكون نافعة على السيف. وبينما كان ثاليون يطالع المخطّطات، عثر على تصميم صغير للمدينة يوضّح أماكن تخزين الموادّ. تعذّر عليه تعرّف الموادّ، إذ استخدم الأقزام شيفرة رونيّة غريبة. ترجمت مهارته اللغويّة النصّ العاديّ، لكنّ الشيفرات والرموز الرونيّة أظهرت حدودها بوضوح.
رُبّما كُتِبت على هذا النحو لضمان عدم تمكّن الغرباء من سرقة مؤونتهم. وحين استعرض ثاليون المخزون، اكتشف أنّ بعض مراكز الموادّ لم تكن في هذه المدينة حتّى، بل في أنفاق خاصّة. وبالتفكير ثانيةً، ربّما كانت تلك الأنفاق مناجم. هل يصحّ أصلاً ترك الموادّ هناك؟ لم يكن ثاليون متأكّداً. بدا واضحاً أنّه لن يملك أيّ وقت خلال حملة البحث عن الكنز هذه لصنع أيّ شيء شبيه بدرعه أو سيفه.
تطلّب الأمر الكثير من الدماء ممّا سيضعفه، والكثير من الوقت الذي لم يكن يملكه. في الواقع، لم يدْرِ حتّى إن كان بمقدوره صنع أيّ شيء بعد حدث النظام. في أفضل الأحوال، سيظفر بفئة سماويّة فائقة القوّة، لكنّ حتّى في تلك الحالة، استبعد قدرته على ردم هوّة القوّة الشاسعة بينه وبين أولئك الذين امتلكوا سلطة تقرير الموت والحياة: النخبة المختارون من الملوك، أو الكائنات الجبّارة كالـمير الذي قاتل إريك.
كان ثاليون أضعف بكثير من الأساس، ولا يعود الأمر للمستويات. وحتّى لو ارتقى في نهاية التدريب شأن الجميع، لما ظفر بأيّ فرصة ضدّ القزم المختار الذي دمّر درعه وسيفه. كانت الإحصائيّات الإضافيّة وربّما المهارات الإضافيّة ستتيح له شنّ هجوم مرتدّ أشدّ خطورة، لكنّ احتمال الانتظار لقطف النصر ظلّ قريباً من الصفر. لم يكمن سبب قوة أولئك المختارين في ندرة فئاتهم أو بركاتهم فحسب، بل في سلالاتهم الجينيّة القويّة بصورة سخيفة.
إنّ تقديم مَلِكٍ المشورةَ أو مكاسبهم المستمرّة في الإحصائيّات التي أسفرت عن فئات عالية الندرة، لم تشكّل سوى رأس الجبل الجليديّ. شكّلت سلالة الدماء أساس قوّتهم قاطبةً، صانعةً فارقاً أعظم بكثير من ندرة الفئة أو العرق. للإنصاف، لم يمتلك ثاليون فئة سماويّة من قبل، والمهارة الوحيدة التي حظي بها بندرة سماويّة كانت فعّالة إلى أقصى حدّ. غير أنّ سلالة القزم تغلّبت بوضوح حتّى على كامنه السماويّ خلال قتالهما، إذ عجز حتّى عن تحويل نيران القزم إلى تناغم ثاليون.
بالطبع، جاز أن يكون الأمر عائداً لشيء آخر تماماً؛ كمهارة ندرة متجاوزة أتى إريك على ذكرها، والتي يجدر بها مقاربة قوّة السلالة على الأقلّ، بيد أنّ ثاليون شكّ في ذلك. بمراقبة المعركة بين إريك والـمير، بدا جليّاً أنّ الـمير كان أقوى بكثير من كايلير. نعم، كان كايلير مقاتلاً قويّاً بشكل مثير للسخرية يستطيع استخدام مهارات ناريّة فائقة دون تكلفة مانا تقريباً، لكنْ ضدّ الـمير، لم يعنِ ذلك شيئاً يذكر.
عجز ثاليون عن إلحاق الضرر بجسد الـمير بعد أن سحب الأخير ذلك الضباب الغريب الذي التهم درع إريك كأنّه غير موجود أصلاً. وفوق ذلك، تمتّع الـمير بسرعة فائقة ورشاقة وذروة مطلقة من القوّة البدنية. بدت حقيقة قدرته على قتال إريك –الذي حمل ذلك السيف الضخم– بيدين عاريتين أمراً جنونيّاً. لولا تدخّل ثاليون في النهاية، لخرج الـمير منتصراً بسهولة، بعد قضائه على فريق إريك بأسره.
كان الـمير في القمّة، لكنّ الأمر لم يعنِ ثاليون كثيراً في صميم الواقع. عجز حتّى عن تصوّر الفوز ضدّ شخص مثل كايلير، وراوده شكّ عميق في أن تكفي فئة سماويّة وحدها لسدّ تلك الهوّة. ولم يكن فارق المستوى هذا مشكلة ثاليون المستقبليّة الوحيدة. هناك أيضاً الترقّي القادم من الفئة دال عند المستوى مئة وثمانين. لن ينتظر أيّ من المختارين ثانية واحدة، بل سيرتقون فوراً لكسب ميزة على المنافسة وفي الحرب التي كانت على وشك الاندلاع في الأرض الجديدة.
في هذه اللحظة، لم تكن الفصائل منظّمة بعد ولم تتواصل مع حلفائها. لم تكن هناك إمبراطوريّة قزميّة أو أموات حيّون يشنّون الحروب على الآخرين بمختارين متعدّدين، لكنّ ذلك سيتبدّل حتماً بكلّ تأكيد. غير أنّ كلّ مستوطنة ستسعى سريعاً لاكتساب الأراضي بأيّ وسيلة كانت، ولن يقف أحد بوجه مختار أساساً. وربّما لن يحاول الكثيرون ذلك حتّى. حتّى ثاليون سلّم القيادة ببساطة إلى إريك. للإنصاف، لم يكن ثاليون قائداً قطّ، بل حارساً يتيح للضعفاء فرصة للنجاة.
في معظم الفصائل، لا تتلقّى الموارد إلَّا إن قدّمت إسهاماً. وفي الطوائف، تكسب نقاط إسهام تتبادلها لاحقاً بالكنوز. كان هذا النظام الأكثر شيوعاً، واستخدم مايك وكالدريك نظاماً مشابهاً حتّى، مع فارق تمثّل في دفع ثاليون، أو ذلك النظام بالأحرى، للأقوياء كي يساعدوا الضعفاء. لم تتواجد ترتيبات كهذه عادةً، وبدت الأمور أسوأ تحت إمرة معظم القادة. وعلاوة على كلّ ذلك، ظلّ السبب الأكبر متمثلاً في القزم المختار الذي همّ بمهاجمة معسكرهم.
كان ترك إريك يحمل عبء الحراصة هو الاستنتاج الطبيعيّ ولم يندم على شيء. ومع لعنته والمهارة الكامنة التي تطبق اللعنة على أيّ نيران، فضّل ألا يَبقى. ودون كبح كامنه، عُدَّ معجزة عدم إصابة أحد بالعدوى. كان الصدام بين إريك والقزم المختار بعد حدث النظام مرجّحاً للغاية على أيّ حال، نظراً لظهور الاثنيْن على مقربة شديدة من بعضهما. وربّما هكذا ستندلع الحرب الكبرى، وأيقن ثاليون تماماً استغراقها أعواماً قبل أن تضع أوزارها.
أرادت كلّ فئة غزو الأراضي لأجل ملوكها. وشكّ ثاليون في توقّف أيّ مختار إلى أن يقع الكوكب بأكمله تحت سيطرته. جاز وجود ترتيب سلام إن تساوت قوّتا قوتين، لكنّ اتفاقاً كهظا لن يصمد إلَّا بدوام تساويهما. وإن ارتقى مختار ما إلى رتبة أعلَى أو ظفر بتعزيز قوّة مماثل، فسيؤدي ذلك حتماً إلى الحرب. حتّى وإن لم يكن ثاليون شخصاً لطيفاً وقد قتل كلّ من وقف في طريقه تقريباً، ظلّ يرفض تعرض الأبرياء –أولئك الراغبين في العيش فحسب– للأذى على يد المختارين النهمين للسقوط في براثن القوّة.
ولم تكن أيّ من الفصائل لطيفة بشكل خاصّ كذلك. لم يُظهر الأقزام أيّ لطف تجاه البشر الآخرين. وربّما كان مصاصو الدماء أسوأ بمراتب، ولم يحظ ثاليون بتجارب رائعة مع العفاريت أيضاً. للإنصاف، لم تكن مسألة عرق بحتة، فقد تصرف البشر بفظاعة مع بني جنسهم أيضاً. تواجد أصحاب مثل ثوروالد أو الرداء الأزرق، ممّن قتلوا أيّ شخص مقابل مكاسبهم الشخصيّة فحسب. وكلّما كان الهدف أضعف، كان ذلك أفضل لهم.
في نقطة ما، سيتوجّب على ثاليون تولي الزمام وتسليم مسؤوليّات التنظيم برّمتها إلى كالدريك ومايك لضمان ظفر الضعفاء بحياة هادئة وطويلة حقّاً. وبحسب مجرى الأمور الحاليّ، أُجبر الجميع على رفع المستويات بأسرع ما يمكن لمجرد البقاء على قيد الحياة. وحتّى في الفصائل الألطف كفريق إريك، سيتوجّب عليهم الإسهام مع ذلك، سيّما بمجرد اندلاع الحرب. تكمن المشكلة في أنّه حتّى لو بلغ ثاليون مستوى من القوّة يتيح له مسح الأرض بالمختارين، فسيظلون محتفظين بالأعداد ورائهم، والملوك.
جهل ثاليون موعد فتح الكون الجديد للآخرين، ممّا يتيح للملوك السفر إلى هناك. لكن حين يقع ذلك، ستغدو كلّ القوّة التي جمعها بلا معنى. وكلّما حاز مساحات أكبر، صعبت حماية شعبه. أمكنت مساحة صغيرة للغاية، لكنّها ستنتهي حينئذ لتشبه الغاليّين في مواجهة الإمبراطوريّة الرومانيّة في أستريكس وأوبيليكس حتّى يُفتح الكون الجديد. وجهل ثاليون كذلك طريقة التعامل مع شخص مثل إريك. بدا الرفيق معقولاً، لكنّ الجليّ أنَّ سيّده لن يقبل أبداً بنظام يشابه ما تصوّره ثاليون.
بدا واضحاً تلقّي إريك أوامر من سيّده ينبغي تنفيذها. وحتّى لو غزا إريك الأرض الجديدة، فلماذا يسمح سيّده لفصيل مثل فصيل ثاليون بالوجود من الأصل؟ السبر المنطقيّ الوحيد تمثّل في عدم رغبته بخسارة مختاره إن تفوّق عليه ثاليون بالقوّة. حسنًا، كانت تلك كافّة أفكاراً مستقبليّة، ولن يغدو ثاليون قويّاً بالقدر الكافي لامتلاك فصيل خاصّ به لوقت طويل، سيّما في ظلّ هيئة الأمور على الأرض الجديدة.
ممّا أعاده إلى الحدادة والسؤال المبدئيّ: هل يبيح لنفسه أسابيع قليلة بلا رفع مستويات لصنع درع رائع أو سيف؟ اعتمد الأمر على الأرجح على سرعة تفاقم الأمور ومدى ثراء ساحات الصيد. إن استطاع حصد مستويات معدودة في اليوم، فستكون المداومة على الطحن أفضل. لكن إن حظي بمستوى واحد يوميّاً أو أقلّ، فنعم، يمكنه التفكير في صنع شيء رائع. أحبّ ثاليون الحدادة دوماً، سيّما حين تبلغ الجنون بالتشكيلات والبلّورات، واحتاج درعاً جديداً وسيفاً جديداً على أيّ حال.
استحال لجوؤه لشراء سلاح ببساطة. ربّما تقبّله إن أتى مكافأة من حدث النظام، لكن خلاف ذلك؟ لا فرصة. بدا القتال بسيف صنعه بنفسه شعوراً رائعاً بحقّ. وبالحديث عن المكافآت وأحداث النظام: ستتيح له فئة سماويّة الانضمام إلى أيّ حدث نظام مستقبليّ، إذ لم يهمّ العمر قيد أنملة، فقد امتلك خلوداً من تلك الناحية. وإن شابهت الأحداث الأخرى هذا الحدث بأيّ شكل، فقد يعثر على وقت لصنع درعه وسلاحه هناك.
وحينها، سيكون ثاليون قد حظي بفئته السماويّة مسبقاً، ممّا يعني عدم احتياجه لإنهاء السباق في المركز الأوّل، أو على الأقلّ ليس بمثل هذا الترتيب المرتفع. سيبدو الأمر رائعاً، نعم، لكن إن أتيحت له فرصة ممارسة بعض الحدادة، فلم لا يغتنمها؟ أمّا الآن، فما تمكّن من فعله في هذه المرحلة هو جمع كلّ مكوّن ومادّة احتجها لجلسة حدادة. عنى ذلك نهب موادّ الأقزام بأكملها، أو أفضلها على الأقلّ.
استعرض ثاليون اللفّات بخفة حتّى فرغت الغرفة بأسرع ما يمكن. دخل كلّ ما تسنى وضعه في تميمته المكانيّة. حتّى سندان الحدادة والمطارق القليلة المعلّقة في رفّ مجاور له. تابع الصعود عبر الدرج البالغ به الغرفة الأخيرة والتي بدت واعدة. تواجدت لفّات أقلّ على الرفوف المحاذية للجدران، لكنّ كلّ واحدة بدت أغلى ثمناً بكثير من نظيراتها في الأسفل. شابهت الغرفة بأسرع ما يمكن مرصداً فلكيّاً، بالنظر إلى هيئة السقف.
وتوسّط المكان طاولة مستديرة كبيرة، استقرّ فوقها شيء مغبرّ بدا بشكليّة مريبة وكأنه خريطة. اندفع ثاليون نحوها وباشر بتنظيف قطعة الرقّ الكبيرة. لقد كانت خريطة، وليست مجرد خريطة بسيطة. تمثّلت في تصميم متكامل لكلّ مستوطنات ومناجم الأقزام، متضمنة هيكلاً مثيراً للاهتمام لابدّ أنّه الكنز العظيم الكامن داخل البركان. وبدا أن مدينة الأقزام الكبرى استقرت أسفل البركان مباشرة.
هتف ثاليون بابتسامة عريضة: "بينغو!"
كانت هذه بداية ممتازة، متى ما تجاهل الوقت الذي أهدره في بداية المرحلة مكابحاً مهارته الكامنة. لكنّ سؤالاً بدأ ينخره: إن وُضعت خريطة مماثلة في هذا البرج، ألم يعثر شخص آخر على أخرى مشابهة؟ رُبّما بانت البلّورة الحمراء الضخمة المحدّدة على الخريطة باهظة القيمة للغاية وتمنح قدراً هائلاً من نقاط لوحة الصدارة. وقد تكون البلّورة مثالية لإمبراطوريّة الدم وتنمية نيران ثاليون في المستقبل، إن لم يحج إلى نقاط لوحة الصدارة.
لكن من جهة أخرى، قد يغدو المغامرة إلى هناك خطيرة للغاية. سيطالب أيّ شخص قويّ بدرجة معينة برأس ثاليون، ولربّما أنجز معظم المختارين ذلك بسهولة. هرب ثاليون في المرة الأخيرة لعدم رغبة كايلير بقتله، فقد احتاجوه حيّاً للكشف عن اسم سيّده. ولن يكترث المختارون الآخرون على الإطلاق ولن يخوضوا مخاطر مماثلة. بدأ ثاليون في الأنفاق لنزوله إلى الأرض خلال مرحلة الغابة، لكنّ معظْم الآخرين غاصوا في باطن الأرض على الأرجح مع هبوط النحل من القمم.
ورُبّما بدأت تحت الأرض حصراً إن تسلقت للأسفل تماماً. إن حالف الحظّ ثاليون، لبقي العديد من المختارين قرب قمم الأشجار لقتال النحل كسباً لمزيد من نقاط الخبرة ولوحة الصدارة. ومن جهة أخرى، انقضى يوم كامل، وهو وقت أكثر من كافٍ للعثور على أحد مداخل الإمبراطوريّة القزميّة. وقد ظهر ثاليون على مقربة شديدة من البركان الرئيسيّ. وفي الواقع، ستكون المدينة التالية هي العاصمة القزميّة.
تنهد ثاليون قبل اندفاعه عبر الغرفة كإعصار دافعاً بكلّ شيء داخل تميمته المكانيّة: "آه، تباً. أنا جشع أكثر من الحدّ لأتراجع الآن."
وودّ لو تفحّص كلّ شيء بعناية، لكنّه رغب ببلوغ المدينة الرئيسيّة والكنز العظيم بأقصى سرعة ممكنة. بوسعه العودة بحثاً عن الموادّ بعد تأمين الكنز الرئيسيّ. وإضافة إلى ذلك، ستزخر العاصمة بذاتها على الأرجح بالعديد من الموادّ، حتّى إن لم يخطّط ثاليون لرحلة جمع. بساطة المقاربة الأكثر أماناً: الحصول على الكنز العظيم ثمّ الركض طلباً للنجاة بحياته.