تخفّى ثاليون خلف رجل بدا ثرياً، استدلالاً بملابسه على الأقل. ارتدى الرداء الأزرق المعتاد، لكنه زُيّن بتطريز ذهبي، ومشى رافعاً رأسه، متجاهلاً المواطنين المحيطين به تماماً. هدف مثالي. حافظ ثاليون على مسافة آمنة وتعقب الرجل حتى أحد المنازل الكبيرة القريبة من القصر العملاق. فتح رجل، يُرجح أنه خادمه، الباب قبل أن يبلغ الثري مدخله. قد يشكل هذا مشكلة. انتظر ثاليون عشر دقائق أخرى على مسافة آمنة، مراقباً المنزل.
وعندما تأكد من خلوّ الأنظار، اقتراب من الباب. حاول محاكاة مشية رجل أعمال متسرع يعلم تماماً إلى أين يتجه وليس لديه وقت يضيعه.
انفتح الباب أمامه، وحيّاه الخادم قائلاً: "أنا آسف للغاية، لكن السيد لا وقت لديه لك".
ردّاً على ذلك، أطلق ثاليون شوكة دموية اخترقت رأس الرجل، فامتصت دمه وخزنت رفاته في خاتمه المكانيّ. تحرك بخفة، ودخل المنزل، محاولاً ألا يصدر أي صوت. امتد أمتداد ممر أمامه بطول عشرة أمتار تقريبا، وهو أمر مثير للاستغراب لمنزل بهذا الحجم. ما كان يجب أن توجد كل هذه المساحة. اصطفت على الجدران لوحات مرسومة للرجل الذي رآه يدخل قبلاً. محاكياً خطى الخادم، سار ثاليون نحو الباب الوحيد في نهاية الممر.
انتظر وأنصت، لكنه لم يسمع شيئاً، ففتح الباب مستعداً للضرب. خشي لفترة وجيزة احتمال وجود أطفال بالداخل، لكن لا مفر من ذلك. كان عليه المضي قدماً حتى لو اقتضى الأمر قتل أطفال. في هذا الواقع الجديد، قد يمتلك هؤلاء تعويذات قوية أيضاً. لم يستطع السماح لأخلاقياته بالتأثير عليه، وإلا فسيُقتل. مع ذلك، كانت الغرفة فارغة.
حسناً، كلمة "غرفة"
لم تكن دقيقة. كانت أشبه بمساحة معيشة فسيحة يزيد عرضها على ثلاثين متراً. لم يكن هذا منزل ناجٍ عادي. وفي وسط الغرفة، انشق درّج في اتجاهين: واحد يصعد للأعلى وآخر يقود نحو الأسفل. لا بد من وجود تلاعب مكانيّ ما لأن الجزء الداخلي للمزل بدا أكبر بكثير من مظهره الخارجيّ. قرر تفقد الطابق العلوي أولاً. وعندما اقترب من الدرج، سمع باباً ينفتح وخطوات تنزل إلى الأسفل. تفحص الغرفة بسرعة ولمح كوباً شبه ممتلئ على إحدى الطاولات الكثيرة.
مثالي. تحرك ببطء حول الدرج كي لا يراه القادم. بعد لحظات، دخل الرجل غرفة المعيشة وسار نحو الكوب باسترخاء تام. هكذا بالضبط قضى نحبه، بشوكة دموية اخترقت رأسه. امتص ثاليون دم الرجل فوراً، مطعماً به الشوكَة القانية. وفحص خاتمه المكانيّ، فوجده ممتلئاً بلفائف وأساور، وسيف ماء، وسترة زرقاء، وحزمة أزهار. خزن الجثة مع مقتنيات الرجل في خاتمه المكانيّ واستكشف بقية المنزل بهدوء.
وجدت غرف واسعة عديدة، وغرفة تدريب، وحوض سباحة، وغرفة نوم، لكن لم يكن هناك أحد غيره. وبناءً على ذلك، هبط نحو القبو. فتح باباً معدنياً كبيراً فصعقه ما رأى: أقفاص ضخمة تضم ما لا يقل عن عشرين عبداً في كل منها. لابد من وجود مئة وخمسين عبداً هنا على الأقل. بدا وكأنهم جثث أكثر من كونهم بشراً. انعدم اللحم تقريباً على العظام، وأفصحت النظرات الفارغة في وجوههم عن الكثير. كان الوضع أسوأ بكثير مما توقعه.
أمل في ظهور سيناريو يتمكن فيه على الأقل من منح الأقوياء من العبيد الأردية الزرقاء الخاصة بالنبلاء ومساعدتهم في إيجاد طريق للخروج... حسناً، تبخر هذا الأمل سريعاً لدى تأمله العبيد في الأقفاص. لم يكونوا حتى أقوياء بما يكفي للوقوف. وهنا جاء الجزء الأصعب، لكن لا مفر منه، هكذا فكر حين فتح الباب الأول واستحضر شفرة المانا خاصته. قضت ضربة مانا واحدة على كل العبيد دفعة واحدة.
انتقل إلى الزنزانة التالية مكرراً العملية، وصاحبت أفعاله أصوات الصراخ. بكى بعض العبيد، لكن لم يكن بوسعه فعل شيء. استغرق وقتاً ليس قصيرأ لقتل كل العبيد، مطعماً الشوكة القانية بكل واحد منهم. شعر بالتقزز وهو يخرج من القبو، لكن أي خيار امتلكه؟ أيهدر دمائهم؟ المؤكد أنهم ما عادوا بحاجة إليه. ومع ذلك تعذر عليه تركهم أحياء. سيموتون غداً مهما حدث، وموتهم سيعزز قوة الأردية الزرقاء أكثر.
لا تقلقوا، سأحسن استغلال هديتكم، تمتم ثاليون لنفسه ناظراً إلى الأسفل. لم يمنحوا الكثير من الخبرة، لكن الشوكة القانية سُرّت كثيراً بحصولها على كل ذلك الدم. والأهم أن تلك الأردية الزرقاء لم تنل شيئاً منه. ولربما استمتع أولئك كثيراً بقتل العبيد، هكذا فكر متذكراً لقاءه الأول حين ضحك أولئك الأشخاص مطولاً وهم يغرقون العبيد ببطء. بعد فترة قصيرة، غادر المنزل، ماشياً بالوتيرة العملية ذاتها نحو المنزل التالي.
هذه المرة لم يفتح أي خادم الباب، فقرع الباب مرتين.
أجابه رجل كأنما يكاد يصرخ: "ما الذي تفعل هنا في منتصف الليل؟ ألا تعلم أن غداً يوم مهم؟"
ردّاً على ذلك، انطلقت شوكة دموية من يد ثاليون فاخترقت رأس الرجل وأردته قتيلاً فوراً. أمسك ثاليون الجثة بسرعة وسحبها للداخل، مغلقاً الباب خلفه. امتص الدم، وأخذ كل ما يملكه الرجل وخزنه في خاتمه المكانيّ. كان المنزل أصغر من سابقه، لكنه ضم عدداً أكبر من الناس بالتأكيد. سمع أصوات ما لا يقل عن شخصين خلف باب ما. فتح ثاليون الباب بوتيرة طبيعية، كأن صاحب المنزل هو من يفعل، ثم انفجر متحركاً.
انطلقت كروم من يديه مخترقة قلوبهم وقاتلتهم فوراً قبل أن يستوعبوا ما يحدث. كان هذا ينجح بشكل جيد حتى الآن. لم يتوقعوا أبداً هذا النوع من الهجوم، مما سهل مهمته. لماذا يتوقع أي قادم من كوكب مختلف أن يتمكن من التوغل هكذا داخل المدينة دون أن يلاحظه أحد؟ بعد تغذية الشوكة القانية بدمائهم، خزن مقتنياتهم في خاتمه المكانيّ. كانت الغرف الأخرى فارغة، فانتقل إلى الأسفل ليعثر على مزيد من الناس في الزنزانات، بالمئات هذه المرة.
كان أسرع هذه المرة فقتلهم جميعاً وشق طريقه عاداً أدراجه إلى غرفة المعيشة. جلس محتاجاً لبعض الوقت. ثقل فعل قتل هؤلاء العزل على كاهله، واحتاج وقتاً ليستجمع قواه. أشغل نفسه بفحص الخواتم المكانية للقتلى. احتوى أحدها على عدة زهور شمس منتصف الليل، فاستهلكها فوراً كمتعقب ظل. بعد تغذية الشوكة القانية بدماء أشخاص كثر، شعر بالنبتة تشتعل قوة.
"حان وقت المنزل التالي"، تمتم ثاليون، غير متطلع لقتل هذا العدد من العبيد مجدداً.
ومع ذلك، استحق الأمر عناءه. تلقى سبعة آلاف وخمسمائة رصيد من مهمة الإرشادات وكان بحوزته بالفعل عشرة آلاف وستمائة وأربعون رصيداً من الوحوش وبضع بشر صادفهم في الميدان. قتله للعبيد والنبلاء رفعه إلى واحد وخمسين ألف رصيد، وهو أمر جنونيّ تماماً. غادر المنزل متوجهاً إلى المقابل له عبر الشارع. لم يتبق سوى أربعة من المنازل الكبيرة. حالفه الحظ لبلوغه هذه النقطة، لكن أحداً بالداخل لم يتوقع شيئاً.
قرع ثاليون الباب، لكن أحداً لم يجب. جرب المنزل التالي ولا مجيب أيضاً. هذا سيء. أيكسر الباب؟ لكن هذا سيفضح حصول أمر خاطئ من الخارج. عدل عن الفكرة وبدأ التحرك نحو القصر. حين اقترب من الحراس، سمع دوي أجراس الإنذار العالية يتردد صداها في أنحاء المدينة الصغيرة. كان الحراس يتحدثون ودخل أحدهم للداخل. مستغلاً فرصته، اقترب ثاليون من الحارس المتبقي. بدأ الناس يتدفقون خارج منازلهم.
كان عليه الإسراع.
"هيه، ما الذي يجري؟"
سأل بنبرة بريئة.
"لا يمكن أن يكون الإنذار، أليس كذلك؟"
"بل هو الإنذار! نحن نتعرض لهجوم! ماذا تفعل؟ ألم تُبلغ بالإجراءات؟"
رد الحارس بخشونة. وقبل أن يتمكن الحارس من قول المزيد، أطلق ثاليون شوكة دموية عبر رأسه. أمسك الجثة بذراع وفتح الباب بالأخرى منزلقاً للداخل. وقف ثاليون في قاعة مدخل ضخمة، أكبر بكثير مما يوحي به مظهر القصر الخارجي. وحدها هذه القاعة عادلت حجم القصر من الخارج. أضاءت المشاعل المكان بضومان متراقصة. أضجع الحارس خلف أحد الأعمدة الكثيرة المصنوعة من نوع ما من الرخام الأبيض وامتصه وأخذ أغراضه، ثم وضع جثته في خاتمه المكانيّ.
ثم انطلق إلى الجانب الآخر من القاعة بمهارة حركته، حيث وُجد باب عملاق آخر. فتح الباب الكبير فإذا بدرج عظيم، وسمع الحارس الآخر يتحرك صعوداً على الدرج بعيداً فوقه. استخدم مهارات حركته سريعاً للهبوط نحو القبو. لم يلمح فرصة لقتل القاطنين هنا، لكنه واثق من قتل العبيد بسرعة ولا بد من وجود كثر هنا.
اندفع ثاليون إلى الأسفل فرأى حارسين آخرين أمام الباب، فبادر بإبلاغهما بلهجة مستعجلة: "نتعرض للهجوم. هناك مصاصو دماء في كل مكان بالمدينة".
"ماذا!"
هتف أحد الحارس، لكن قبل أن تسنح له فرصة لقول المزيد، استخدم ثاليون كرمة الشوكة القانية لاختراق قلبيهما والامتصاص من دمائهما. بدت الكروم أقوى بكثير الآن بعد أن تغذت على كل تلك الدماء. وضع ثاليون رفات الحارسين في خاتمه المكانيّ ودخل السجن. كم عدد العبيد البشريين الموجودين في هذه المدينة وحدها وفي هذا القبو الجوفي الضخم، لبلغوا بسهولة ما يصل إلى ثلاثمائة عبد. أبدت شفرة المانا براعة فائقة في القضاء على مجموعة أشخاص أضعف منه بكثير.
ثقل كل قتل على كاهله لكن لم يوجد ميكانيزم آخر وكان عليه فعله. حاول إنجاز ذلك بأسرع وأقل طريقة ممكنة إيلاماً.
وحين بلغ باب الزنزانة الخامسة، سأله عبد بصوت واهن: "أنت من الأرض، أليس كذلك؟"
"نعم، لكني ما زلت عاجزاً عن إخراجكم. أنا ضعيف للغاية في نهاية المطاف"، قال ثاليون بحزن، مبدياً صعوبة بالغة في التماسك.
"إذن فلا بأس"، نطق العجوز مغمضاً عينيه، مرتقباً الموت، رافعاً رأسه، أو بالقدر المستطاع في وضعه الجالس.
رد ثاليون بشفرة مانا لإنهاء معاناة العبيد بأسرع وقت ممكن. ومع ذلك استغرق وقتاً أطول مما حبّذ لقتلهم جميعاً وتغذية الشوكة القانية بهم. كادت النبتة تنفجر قوة الآن. شعر بالاشمئزاز، لكنه ظل يذكر نفسه بغياب أي ممر بديل. غادر ثاليون القبو، فاتحاً الباب ببطء شديد، وسمع أصواتاً كثيرة من الطابق العلوي.
"لقد قتلوا أكثر من خمسة وثلاثين عبداً ثم هربوا عبر التطور"، سمع صوت رجل يهتف.
"امشطوا المدينة. لا أود أي مفاجآت أخرى"، قالت صوت أنثوي بنبرة حادة.
"ألا يجدر بنا مطاردتهم؟"
هتف عجوز بحقد في صوته.
"إن شئت تفويت فرص النيل من غد والطبقات الأفضل فأنت حر في الذهاب"، رد الصوت الأنثوي بهدوء غريب، "تنتظرك مرحلتان أخريان بعد هذه لاصطيادهم".
بعد قليل من الحديث، غادر الأشخاص. ألم يلاحظوا خلو الباب الأمامي من أي حارس؟ تساءل ثاليون. سمع خطوات عديدة متجهة صعوداً، وغالباً ما تقاسم مزيد من النبلاء هذا القصر كمنزل. شكل هذا مخبأً مثالياً، وكان عليه الآن الاختيار بين الصعود وقتل الأشخاص أو مغادرة القصر وتجربة مزيد من المنازل. قد يتواجد حارس جديد عند البوابة الأمامية، أو لم يغادر بعض الأشخاص بعد ولم يسمعهم ببساطة من مكانه في الأسفل.
في الوقت الحالي، انتظر أمام الباب المعدني الثقيل للقبو كي تستعيد المانا عافيتها بالكامل. استنزف قتل كل أولئك العبيد قدراً كبيراً، لكنه اعتمد في الغالب على كرمة الشوكة القانية التي تكلفتها من المانا أقل من سرعة تعافيه الطبيعية. وإلا لاستغرق الأمر وقتاً أطول بكثير. بعد تغذية الشوكة القانية بجميع العبيد، ارتفعت سرعة تعافيه كثيراً، وأبصر بوضوح في الظلام وغدا سمعه أفضل بمرور الحال.
أمضى الساعة التالية أمام القبو، مفسحاً المجال لملفة كي تحاضره في فنون السيف، منتظراً اللحظة المناسبة للظهور. قرر ثاليون قتل بعض النبلاء المقيمين هنا. جزئياً لأنه عجز عن إبادة المزيد من العبيد وإلا لتداعى شيء بداخله. والسبب الآخر تمثل في رغبته الجامحة في قتل النبلاء. حان وقت المواجهة الحاسمة.