لم يكن إلياس يفهم شيئاً مما يجري. الواقع أنه بلغ من شدة حيرته أن توقف في ممرات السرداب ليفكر في الأمر لحظة واحدة. كل شيء سار على ما يرام. أُحيي أنخيت، وكانوا على وشك القضاء على كل إنسان وقزم في مرحلة التمهيد، أو على الأقل تعقبهم جميعاً. ثم هز انفجار الغرف المجاورة، ففضول أنخيت دفعه إلى التعمق أكثر. وعثروا هناك على زهرة حمراء جميلة تفتحت، ومنذ تلك اللحظة، لم يفارق الابتسام وجه أنخيت، وهو يكرر رغبته في قتل ذلك الإنسان أولاً.
لم يدرك إلياس تماماً ما قصده أنخيت. لاحقاً، اتضح الأمر جلياً. كان رجل يختبئ داخل تلك الزهرة طوال الوقت. لا بد أن البتلات حظيت بتأثير إخفاء قوي منع تسرب أي مانا أو ما شابه، فحتى إلياس، بحواسه الروحية المعززة، لم يَرَ سوى زهرة. أمر مثير للإعجاب حقاً. ولا بد أنها كانت أقوى حتى من النبتة التي زرعتها إيلاريا بعد قتل جميع أشقائها، بمساعدة كبيرة من راعيها بالطبع. ولم يكن اختفاء جميع مصاصي الدماء الأقوياء سوى ميزة إضافية بالنسبة إليه.
بقي لوسيوس، لكن إلياس كان يميل إلى ذلك المصاص. فقد كان عوناً لهما، ودعم كل منهما الآخر ليصبح أقوى. وأثناء الحرب ضد الإلف، لم يتراجع لوسيوس أو يترك الموتى الأحياء يتلقون كل الضرر. قاتل بجدية، بل خاطر بحياته عدة مرات. كانوا جميعا متلهفين لصيد الأحياء... إلى أن وقفوا أمام تلك الزهرة، منتظرين انتهاء ما بداخلها. ومنذ تلك اللحظة، زاد الأمر إزعاجاً. لم يقتصر الإنسان الذي خرج من الزهرة على القدرة على المقاومة، بل نجح في قتل عدة مصاصي دماء.
ثم، لإحباطهم، تمكن حتى من الإفلات من أنخيت. وقبل أن ينطلق في إثره، طلب أنخيت من إلياس إقامة قاعدة ملائمة على السطح، ثم اختفى في سحابة من الضباب لتعقب الإنسان. وقف إلياس مكانه، وتزاحمت في رأسه مئات علامات الاستفهام.
ما الذي يُعد قاعدة "ملائمة"
لشخص بحجم أنخيت؟ كم من الأرصدة سيتعين عليه إنفاقها لببلغ ذلك المستوى؟ أكان أنخيت يخطط لقتله سراً ويبحث عن عذر فحسب؟ لحسن الحظ، لم يكن متجر النظام قد فتح أبوابه بعد، وأمل إلياس بیأس أن يعود أنخيت قبل حدوث ذلك، ليتمكن على الأقل من توضيح بعض الأمور. ولكن لخيبة أمله، لم يحدث ذلك. لم يكن أمام إلياس خيار سوى دخول متجر النظام وإنفاق آخر رصيد جمعه على مدى أسابيع للحصول على أكبر قاعدة يستطيع تحمل تكلفتها.
وانتهى به الأمر بإنفاق أكثر بكثير مما ينبغي لأي ميت حي في هذه المرحلة من التمهيد، لكنه ظن على الأقل أنه صار آمنًا الآن. ثم ظهرت المشكلة التالية. استغرق أنخيت وقتاً طويلاً في العودة إلى السطح. وفي النهاية، بدأ إلياس يظن أن أنخيت خانهم وتوجه مباشرة إلى قصره الذي، وفقاً للأساطير، كان من المفترض أن يرتفع من الرمال. وما زالوا لا يدركون مكان وجوده. في الوقت الحالي، كان وضعهم واضحاً نسبياً: كان البشر يختبئون في القلعة السوداء المسروقة، ويجلون معظم محاربيهم الأضعف إلى مدينتهم الكبيرة مستخدمين البوابات على سفنهم الطائرة.
وكان الإلف خلفهم مباشرة، يستعدون للإقلاع بسفنهم وخيولهم الخاصة. وشك إلياس في أن السبب الوحيد لبقاء أي إلف هو أن ذلك الإلف الضخم، الشديد الغضب، كان يجبرهم على البقاء. فقد جن جنونه حين رأى أن إلياس أخذ جثة أمير الإلف. وما زالت روح الأمير محتجزة في الداخل، سجينَة في جسدها الخاص. ولولا ذلك، لما تمكن إلياس من استخدام سلالة الإلف. ولحسن حظ إلياس، لم تتبق لدى الأمير أي قوة للمقاومة.
لقد كان يتألم باستمرار، وكان ذلك الألم ينخر عقله ببطء، تاركاً إياه حطاماً متمتماً ومكسوراً. وكانت المشكلة الحقيقية بين الإلف هي الأنثى. خمن إلياس أن سلالتها كانت أقوى حتى من سلالة الأمير. وحسن الحظ أنها لم تكن تبدو مهتمة به على الإطلاق. هكذا انتظر الموتى الأحياء في قاعدة إلياس الجديدة وصول أنخيت الذي لم يأتِ قط. أرسلوا كشافة إلى النفق، لكن الشئ الوحيد الذي عاد كان ذلك الطيف القرمزي.
لقد فاجأ إلياس ونجح حتى في قطع ذراعه. لحسن الحظ، لم يكن يشعر بالألم، وتلك إحدى أعظم مزايا كون المرء ميتاً حياً. صحيح أن البعض اختار الاحتفاظ بالقدرة على الشعور بالألم، لكن إلياس لم يفهم أولئك الضعفاء قط. على أي حال، كان ذلك الطيف القرمزي قوياً، وحقيقة أنه بتر الذراع التي ترتدي خاتمه المكاني أثارت غضب إلياس تماماً. وحينها أدرك أنه لم يكن مخلوقاً حقيقياً، بل مهارة يُتحكم فيها عن بعد.
ظن في البداية أنه يستطيع إرسال بضع مصاصي دماء للتخلص من مطلق السحر وينتهي الأمر، لكن ذلك لم ينجح. كان مطلق السحر ماهراً جداً في سحر الدماء وحرك الطيف بدقة. واستخدم التضاريس كالجدران والأرضيات والسقف لتفادي هجمات إلياس مراراً وتكراراً، إلى أن قرر إلياس بنفسه تولي الأمر. والآن، وقف إلياس في الممر متسائلاً عما فعله أنخيت حقاً، لأن الطيف القرمزي أتى من نفس الاتجاه الذي هرب إليه الإنسان.
أكان هذا الطيف إحدى مهارات أنخيت؟ أكان يعبث بهم مستمتعاً بالفوضى؟ لم يستطع إلياس استبعاد أي شيء. فعندما يتعلق الأمر بأنخيت، لم يكن هناك ما يعتقد أن ذلك الوغد الشرير عاجز عنه. بل إن التفكير في هالة أنخيت أثار قشعريرة إلياس. لا... لم يكن أنخيت على الأرجح. لا بد أنه شخص آخر. بدت هالة الطيف شبيهة نوعاً ما بهالة الإنسان، لكن لا يمكن أن يكون هو، أليس كذلك؟ فهذا يعني أن الإنسان هزِم أنخيت.
ضحك إلياس بخفوت مع تعمقه أكثر. يا له من تفكير غبي. لا توجد طريقة تمكن ذلك الإنسان من هزيمة أنخيت. كان أنخيت أقوى وأبرع من ذلك بكثير. كانت تلك الموجة الصدمية المدمرة التي أطلقها بعد سحق تلك الروح المعذبة مثيرة للإعجاب حقاً. ربما لم يدرك الإنسان حتى ماهية تلك التعويذة. بدا الأمر له وكأن أنخيت قام بحركة قبض واستدعى الجحيم ذاته. أجل، لا مفر من أن ذلك الأبله لا يزال حياً.
كم بلغت غباوة من يرقي قدراته قبيل المعركة الحاسمة مباشرة؟ واصل إلياس الضحك وهو يتحرك في الممر. إن من هاجمه بالطيف القرمزي لن يستطيع استخدام رمز هروب للفرار. سيوضح له إلياس شخصياً معنى الألم الحقيقي. كان فقدان الذراع انتكاسة، وسيتطلب الأمر بعض الوقت للشفاء، لكنه ظل أقوى من مطلق السحر هذا أياً كان. ربما كان ساحراً مثل كاثرين، يبرع في التعويذات الباهرة لكنه عديم الفائدة في القتال القريب.
سيكون هذا سهلاً. خطا إلياس بخطى واسعة في الممر. كان خيمياء مصاصي الدماء قد جمعوا الدم والجثث بالفعل. بوسعهم فعل أشياء مذهلة بالدم، وستُستخدم الأجسام لتوليد المزيد من الموتى الأحياء. ومن الواضح أن الأحياء لم يمتلكوا مثل هذه المزايا، مما جعلهم أدنى شأناً بلا شك. تابع التقدم غير آبه، حتى التقط رائحة الدم المعدنية. لكنها لم تكن الرائحة المعتادة التي تحوم حول مصاصي الدماء.
كلا، كانت هذه الرائحة عطرة. شبه ممتعة، إن اضطر إلى الاعتراف بذلك. اشتدت الرائحة كلما تقدم، إلى أن رأى مصدرها. في نهاية الممر، حيث ينفتح على حجرة، تفتحت زهرة حمراء من كرمة تلتف عبر الأرض. لم تكن الكرمة وحدها، بل بدا أن الأرضية بأكملها صارت مصنوعة من الخشب، مع كرمات بلون الدم تتلوى في كل مكان. كأنها... حية. ذكره ذلك بالنبتة التي رقاها الإنسان في الداخل سابقاً. اللحظة التي اقترب فيها، أصبحت الكرمات عدوانية، واندفعت نحوه.
لكن إلياس لم يكن بطيئاً. وبتلويحة من يده المتبقية، أطلق موجة صدمية قوية من الميازما. اتسعت عيناه عندما رأى أن عدداً قليلاً فقط من الكرمات قد دُمِّر. اخترقت البقية باندفاع، ولم تكد تتباطأ، مستهدفة قلبه مباشرة. لقد تشبعت بقوة جعلت الموجة الصدمية تعجز عن ردعها. أحدثت الميازما تأثيراً، نعم، لكنه لم يكن كافياً. لم تذبل الكرمات. بل تجددت بسرعة. فكر إلياس بذهول خفيف: ما الذي يجري هنا؟
استدعى مسرعاً سيف ميازما في يده المتبقية ووجه ضربة واسعة. كانت هذه المهارة أفضل بكثير للقطع ونجحت. قُطعت الكرمات المهاجمة في أجزاء من الثانية، وتراجع بسرعة مستخدماً مهارة حركة. لم تشكل تهديداً حقيقياً. تطلب الأمر بعض الوقت لقطعها جميعاً ليتمكن من المرور. استطاع رؤية خط الضباب الأحمر، نفس الخط المتصل بالطيف القرمزي. لا بد أن مطلق السحر كان قريباً. كانت هذه النباتات أخبث مما ظن في البداية.
ربما كانت تنمو هنا طوال الوقت، وكان شخص يتمتع بقدرات دماء قوية يستخدمها الآن، لتغذية سحره وإبعاد الدخلاء. ألقى إلياس بضعة شفرات ميازما أخرى، لكن الكرمات استمرت في التدفق. والأسوأ من ذلك: التهمت الكرمات المقطوعة ونمت بشكل أسرع. أطلق خمس شفرات بالفعل ولم يحقق أي تقدم حقيقي. لم تكن النباتات تتجدد فحسب. بل كانت تتطور وتزداد قوة. وانضم المزيد والمزيد من الكرمات. بدأت إحدى الكرمات تتوهج باللون الأحمر وشقت الهواء، مرسلة قوساً قرمانياً نحوه، تماماً مثل شفرة الميازما الخاصة به.
لم تكن بنفس القوة، لكنها كانت قوية بما يكفي لتجعله يتجنب الاصطدام بها. أي نوع من الأدغال كان هذا؟ كان كيان واحد يتحكم بها بكل تأكيد. لقد كانت منسقة. وتتابع الهجمات. في هذه اللحظة، اقتنع إلياس تماماً أن النبتة كانت صياداً خبيراً. عندما تفادى الضربة الحمراء، كانت إحدى الكرمات قد أطلقت شوكة دماء تستهدف بدقة المكان الذي كان على وشك الهبوط فيه. لم يكن أمام إلياس خيار سوى التحول إلى ميازما وإعادة تشكيل نفسه على بعد أمتار قليلة.
كانت هذه النبتة خبيثة وتتعافى أسرع مما تستطيع سحابة الميازما تدميرها. تلكم كانت مشكلة نباتات كهذه. فقد كانت شديدة الخطورة على الموتى الأحياء أمثاله. بوسعه تحويلها إلى موتى أحياء في النهاية، لكن التغلب عليها فوراً كان شبه مستحيل بسبب قوة حياتها الجنونية. والأسوأ، لم يكن لديهم قلب أو رأس يستطيع تدميره لتحقيق فوز سهل. كلا، كان عليه إرهاقها تدريجياً. ولم يكن لديه الوقت لذلك.
كان الطيف القرمزي يقتل مصاصي الدماء على الأرجح في كل ثانية. لم يكن هنا لقتال نبتة. كان هنا من أجل مطلق السحر. تحول إلياس إلى ميازما وتجاوز النباتات تماماً، دخل الحجرة. كانت الغرفة بأسرعها غابة من الكرمات القرمزية وزهور عملاقة متفتحة تشبه زهور عباد الشمس. وعلى إحداها... جلس مطلق السحر بالطيف القرمزي. جلس هناك متربعاً، في هُدوء تام. تفاعلت النبتة فوراً لحظة إعادة تشكيل إلياس، مطلقة الجحيم عليه.
طارت أشواك متعددة نحوه. وبدأت عدة كرمات تتوهج باللون الأحمر وأطلقت هجمات قاطعة نحوه. تفادى إلياس الضربات جانباً، متجنباً أسوأها ورأى خط الضباب الأحمر المتصل بصدر الإنسان يتلاشى فجأة. التفت رأس الإنسان للأعلى. وتوهجت عيناه بلون قرمزي، كالجمر في الليل. واستقرتا مباشرة على إلياس. لم يكن هذا ممكناً. كيف حدث هذا؟ وقف إلياس مسماراً في مكانه من الصدمة. هل هزم ذلك الإنسان...
أنخيت حقاً؟