كان التقدم مذهلاً. مقارنة بكايل ورجاله الذين شقوا طريقهم بوصة بعد بوصة متوقفين باستمرار لحرق الضباب أو علاج الجراح، كان تقدم ثاليون بلا عناء. خلفه، سار الجنود بلا مبالاة تقريباً. أطلق عدد من السحرة والرماة تعاويذ من فوق كتفه لدعمه، لكن ذلك لم يكن ضرورياً البتة. أي جثّة متحركة نجت من اللحظات الأولى داخل الحديقة إما انهارت تلقائياً أو ثقبتها كوالح زاحفة تسللت إلى عيونها وأفواهها إذا تبين أن جلودها صلبة للغاية.
لم يكاد ثاليون يحريك إصبعاً بينما كانت فيرثورن القرمزية ترفل في بيئتها المثالية. كعنكبوت نسج شبكته في قلب سرب من الجراد، اقتاتت بنهم لا يلين. لمئات الأمتار، التهمت كل كائن ميت حي في طريقها. غير أن الساحرة أدركت في النهاية أن قوتها لم تعد تتدفق إلى جيشها. أوقفت الطقوس فجأة قاطعة سحر الدماء الذي غذى مخلوقاتها. ورغم كونه مزعجاً قليلاً، لم يؤثر التغير بشكل كبير على الموقف.
تلقت الجثث المتحركة دفعتها الأولية عند الوصول إلى الأنفاق، لكن دون التدفق المستمر للسحر، تلاشت الميزة. وكان الأكثر إلحاحاً وصول أعداء جدد، مصاصي دماء. لم يكونوا أقوياء بشكل خاص، لكن تكتيكاتهم كانت أكثر صقلاً من الجثث المتحركة خالية العقول. أطلقوا هجمات قائمة على الدماء امتصها ثاليون بسهولة. وعندما فشلت تلك، تحولوا إلى مقذوفات جسدية، سهاماً برؤوس من العظام المسحورة.
لكن ثاليون، المشي بهدوء وسط المجزرة، استدعى حاجز مانا شفيفاً أمامه. تحطمت السهام عليه لتتطاير الشرر والشظايا في الهواء كنجوم محتضرة. وحتى عندما تمكنوا من صدع الحاجز، اكتشف ثاليون شيئاً جديداً، بوسعه إصلاحه في خضم المعركة. تدفق من المانا موجه نحو الشقوق أعاد الجدار المتموج. كانت تقنية لم يحتاج إليها من قبل. في معظم المعارك، كان الحاجز درعاً سريعاً لضربة واحدة، لا جداراً يُحافظ عليه بمرور الوقت.
أتيحت لمصاصي الدماء فرص ضئيلة لشحن هجماتهم. أطلق رماة ثاليون وابلًا تلو وابل مابقين العدو محاصراً ومشتتاً. ودون وصول إلى فنون التعاويذ التقليدية، لم يمتلك غالبية مصاصي الدماء شيئاً آخر يعتمدون عليه. سحر دمائهم، الذي كان مميتاً ذات يوم، صار عديم الفائدة تقريباً ضد ثاليون. أطلق الإدراك شيئاً في داخله، فهماً للطبيعة الحقيقية لشوك الدم، ولماذا كان تينيبريس، مصاص الدماء الأول، مخيفاً حتى لدى بني جنسه.
أدرك ثاليون الآن أن فيرثورن القرمزية صُممت ليس فقط لقتل الأحياء بل لالتهام الموتى الأحياء. وخاصة مصاصي الدماء. صُوغت النبتة للسيطرة على سلالات الدماء ذاتها التي تستهلكها الآن. كان الأمر منطقياً. امتلك مصاصو الدماء الدماء الأكثر نقاء وفعالية. سلاح يحولهم إلى فرائس سيرتقي بطبيعة الحال إلى قمة سحر الدماء. كان الأمر مثيراً للسخرية، بل وشاعرياً. تساءل ثاليون عما إذا كان مجتمع مصاصي الدماء قد عقد عهداً ذات مرة بعدم افتراس بني جنسهم.
تذكر تلك الحبكة من أفلام مصاصي الدماء القديمة على الأرض، وبشكل غريب، بدا أنها تصدق هنا أيضاً. إذا كان تينيبريس ضعيفاً، فقد يكون الآخرون يخططون لسقوطه بالفعل. لقد عرفوا بالتأكيد ما صُمم شوك الدم لأجله حقاً. وبينما توغل في الأنفاق متبعاً حديقته الحية للموت، أصبحت أفكاره أثقل. نبضت فيرثورن تحت ضلوعه متخمة وجشعة وهي تحتسي مئات اللترات من الدماء. وصلوا في النهاية إلى غرفة تحت الأرض شاسعة، العتبة الأخيرة.
مُسحت آخر الجثث المتحركة من وجودها. الآن لم يبقَ سوى مصاصي الدماء. كان الفضاء ضخماً — أكثر من مئة متر ارتفاعاً وبنفس العرض، على شكل مكعب تام. التف ضباب أحمر عبر الهواء كأعاصير تتلوى. على الجانب البعيد وقف ممر واحد حيث انتظرت الساحرة ووحشها المجنح والأوركيد أحمر البشرة. وخلفهم، بالكاد مرئي، كان بداية العمود الأخير. كانت هذه الغرفة الأخيرة قبل النهاية الحقيقية. ملأ مئات مصاصي الدماء المكان مشكلين دفاعات طبقية.
تلمع تعاويذ دمائهم في راحات أيديهم، لكن ثاليون استطاع أن يتبين أنهم أخطأوا الحساب. على المدى، لن تكون تلك التعاويذ أكثر من شرر ضد إرادته. ألقى مصاص دماء، أكثر إبداعاً من البقية، كرة نار تقليدية نحو الحديقة القرمزية. تهاوت دون أضرار عبر الكوالح. تحولت نيرانها البرتقالية إلى قرمزي غير طبيعي بينما امتدت مهارة ثاليون السماوية الكامنة لتشمل نطاقه المستدعى. لكن هذا كان مختلفاً.
لم يستطع التقدم ببساطة بعد الآن. في الممر، جاء الأعداء من اتجاه واحد. هنا، سيهاجمون من كل الجوانب. بنى مصاصو الدماء أبراجاً خشبية على طول جدران الغرفة مانحة إياهم مواقع إطلاق مرتفعة وسترة. لن تكون المعركة القادمة سهلة ولن يفر مصاصو الدماء. وقف ثاليون داخل الممر مباشرة، خلف درع المانا خاصته، محاراً في خطوته التالية. التفت إلى قومه.
"لقد اقتربنا. دفعة أخيرة. على إشارتي، نغمر الغرفة ونقضي على كل مصاص دماء بداخلها. سيبقى معالجو كايل هنا — أي جريح يتراجع إلى هذا الممر للعلاج. أي..."
لم يكمل الجملة. تدفق هالة طاغية إلى الممر كمد جارفضاغطة بثقل مخنق. التفت ثاليون، ضيق عينيه. دخل شخص من الظلال، مصاصة دماء ملفوفة بحرير أحمر قاني، متجاوزة حضورها حتى الوحش المجنح الميت والاوركيد الأحمر والسااحرة التي رافقتها. كانت ذات مصاصة الدماء التي هاجمت قاعدته في بداية المرحلة الخامسة. لمجرد وصولها، تقهقرت فيرثورن القرمزية. انكمشت الحديقة، التي كانت مستشرسة وبرية، كورقة شجر خائفة.
اتسعت عينا ثاليون حين شعر بذلك، ليس بمصاصة الدماء نفسها، بل بالنبتة القابعة تحت قلبها. كان ذلك التهديد الحقيقي. لم يستطع رؤيتها، لكن هالتها غلفت الغرفة كلعنة جشعة. مهما كان ما يعيش بداخلها فقد كان أقدم، أعمق، وأقوى. مقارنة بها، كانت فيرثورن القرمزية شتلة في غابة من العمالقة.
صاح ثاليون، بصوت حاد ومضبوط: "خطة جديدة. أنا أتولى مصاصة الدماء. كارغول، إيفلين، جوش، جاك، أنتم تتعاملون مع الساحرة والأوركيد والوحش المجنح. والبقية، تعاملوا مع مصاصي الدماء العاديين. لا تردد. لا رحمة. نقتل كل شيء".
التقى بعيني مصاصة الدماء، وفي الوقت ذاته، نادى في داخله على فيرثورن.
"أيها اللعين، إياك والتراجع الآن. لن أهزم أمامها ولن تجعلني أبدو ضعيفاً. فكر كيف سيكون طعمها بمجرد أن ننتزع تلك النبتة من قلبها".
كانت رسالته مشبعة بشهوة الدماء وإرادة لا توهن. للحظة، ساد الصمت تاماً. ثم، في عمق صدره، توهجت حرارة كشمس ثانية. تحركت فيرثورن القرمزية، لا خوفاً بل غضباً. لقد فهمت. لا تراجع. لا استسلام. إما الكل أو لا شيء.