قال كاي بصوت يغلفه الذهول: "ما هذا؟!"، حين ظهر ثاليون أمامه كشبح يخطو خارج كابوس.
ورغم هدوئه المعتاد تحت الضغط، شعر كاي الآن ببرودة غير مألوفة من العجز. وبدت شفرتاه المنحنيتان، على فتاكهما، غير كافيتين على نحو مثير للسخرية أمام تلك الجسد الشاهق المتشح بالظلام. وخلال تفعيله لمخلب الظل، لمعت مخالب ثاليون الممتدة والمحاطة بالظلام الخالص بنوايا مميتة، ليهوي بها في قوس متوحش. تجمد كاي متصلباً بفجأة الذعر المتدفق. غير أن سيلاس، وسريع البديهة، دفعه خارج دائرة الخطر في اللحظة المناسبة تماماً بهبة من الرياح.
ومزقت ضربة ثاليون الأرض، حافرة خمس ندوب عميقة في التربة المتشققة، بينما تصاعد الدخان الأسود بزيزين من الشقوق.
وهتف سيلاس وهو يصعد إلى الهواء، والإحباط يملأ صوته: "هذا غير عادل! لا يمكن أن يتمتع أحد بهذا القدر من الحظ. لا بد أنه استولى للتو على هذا الشكل بعد أن قتله أحدهل في معسكره".
وقال ثاليون بصوت يقهقه كأنه منبعث من العدم ذاته: "لا يمكنك الانتصار".
وتطاير دخان زيتي من شفتيه وعينيه، واشتعلت الظلال المتشبثة بجسده بلهب أسود، لتزداد وحشية وتخفي هيئته، مما جعل تصويب كايل نحوه بدقة أمراً بالغ الصعوبة.
وسخر سيلاس محاولاً إطلاق ضحكة مرتعشة: "أهذا صحيح؟ أنتم الأقل عدد، وحتى قومك لا يساندونك!".
ورد ثاليون بزمجرة: "لأنك أحمق".
ودون إنذار، التوت الظلال من تحت كايل، وانطلقت أشواك حادة كالشفرات من الظلام الخالص. ونجا كايل من الموت بفارق شعرة، مبتعداً بدحرجة، ليتحطم قوسه في تلك العملية فحسب. وتردد صدى الطقطقة الحادة بأعلى مما ينبغي. واتسعت ابتسامة ثاليون الساخرة وهو يندفع نحو كاي، الذي كان يتراجع متقهقراً من الضباب الأسود الزاحف. لكن رد فعل كاي لم يكن خوفاً، بل شيئاً أعمق. تمرداً، وربما جنوناً أيضاً.
واهتزت الشفرة التي أمسك بها الآن بقوة مزعجة. وبدت عتيقة، نخرها الزمن، ومع ذلك التوى الهواء من حولها. وتردد صدى صرخات خافتة وهمسات شبحية من حافتها. إنه سلاح ملعون، بلا شك. لم يكن هناك متسع للتراجع. وضخ ثاليون المزيد من القوة في مخلب الظل وهوى طاعناً. فواجهه كاي وجهاً لوجه بالسلاح الملعون. والتوت طاقات أثيرية من السلاح قبيل اشتباكهما مباشرة، وتوهج هالة كاي بعنف. وهز الاصطدام الأرض.
فقُذف كاي إلى الوراء محلقاً في الهواء، بينما ثبت ثاليون نفسه بمجسات من الظلام تتدلى من ظهره وتغوص في الأرض. وقبل أن يتمكن من المطاردة، فرقع البرق في الهواء وأصاب ظهره، مفزعا إياه في منتصف خطوه. وترددت صرخات في عقله، غريبة ومؤلمة، لكن ثاليون طردها بنبضة من طاقة الروح الخالصة لتطهير التداخل. لقد حسم الاشتباك، وتدمر كتف كاي، حيث برز العظم الأبيض من اللحم الممزق. ودون تردد، أحكم ثاليون السيطرة على الظلال من تحت كاي وأرسل شوكة منطلقة نحو الأعلى.
لكن سياف الللعنة كان قد أخرج بالفعل رمز فروار. وفي لمح البصر، اختفى. لقد ذهب. وضغط ثاليون على فكيه. كان قريباً جداً. تلك الرموز اللعينة للفرار مبالغ في قوتها بطريقة سخيفة. كيف يمكنه قتل أي شخص إذا كان بمقدروهم الاختفاء بأكثر من مجرد ومضة فكر؟ حسن. إذا تعذر عليه القضاء عليهم هنا، فسيحرص على أن يخافوا مواجهته مرة أخرى أبداً. وبما أن قوس كايل كان مكسوراً، لم يعد هناك سبب للبقاء على الأرض.
واندفع ثاليون إلى الهواء، عائداً إلى إيجلي. ومع صعوده، تحول الجحيم الأسود الذي يلتهم ساحة المعركة إلى لهب أزرق متفرقع، وتثبت أقواس كهربائية تقفز بين ألسنة اللهب. ووجه الغضب نحو كايل، الذي كان يحاول الالتفاف حول النيران ليصل إلى كاي.
وصرخ سيلاس من الأعلى بعينين واسعتين ذهولاً: "النيران مرة أخرى؟!".
وتمتم بصوت خفيض واضعاً في الاعتبار ما حدث المرة السابقة بوضوح: "أوه لا... ليس الطائر مجدداً".
وراح ثاليون يغلف نفسه بانسياب العاصفة، ومع عواء الرياح، انطلق كالرصاصة الحية نحو سيلاس. ولوح الخوف في عيني سيلاس وهو يتطلع إلى كايل طلباً للمساعدة، الذي لم يقم سوى بهز كتفيه عاجزاً. وكاد ثاليون يضحك. بالطبع لم يمتلك كايل خاتماً مكانياً. فغالباً ما خُزنت سهامه في مكان آخر، والآن؟ لقد بات مكشوفاً تماماً. كانت سرقة الخاتم المكاني وسط المعركة ضربة عبقرية. وإذا كان ثاليون أكثر حظاً، فربما لم يكن رمز الفرار في الخاتم أيضاً.
وإن صح ذلك، لكان كايل هالكا حقاً. وابتسم ثاليون بخبث. حتى لو كان كايل أسرع بطريقة ما، فلن يصمد في مطاردة طويلة. فقد افتقر إلى التحمل، وسيفعل الخوف المتشبث بقلبه بقية المهمة. واضطر ثاليون إلى قمع ابتسامة ساخرة وهو يراقب كايل يتخبط محاولة إعادة تركيب قوسه المحطم. وفرقع الهواء حول ثاليون وسيلاس بالتوتر، ورغم تدافع سيلاس ليبعد المسافة بينهما، فقد كان جهداً ميؤوساً منه.
فلم يكن بالسرعة الكافية بتاتاً، ولم يكاد ثاليون يحتاج إلى بذل الجهد. ومع تغليف انسياب العاصفة لهيئته، التوى البرق حول أطرافه، دافعاً إياه إلى الأمام كصاعقة اتخذت شكلاً.