حكايات الإمبراطورية الأبدية الفصل 195 — وقت الدمج

اقرأ حكايات الإمبراطورية الأبدية الفصل 195 — وقت الدمج باللغة العربية على مانجا تايم.

عاد ثاليون إلى قبوة ولم يُضيِّع وقتاً في تفحص الأغراض التي جلبها جيم. بدا معظمها مخالباً أو ربما أسناناً شديدة السواد كأحلَكِ ليل ومشبّعة تماماً بالظلام. كان الكائن الأوليّ قد بلغ المستوى الثامنة عشر بعد وبلّورة الظلام تكاد تختفي. لم يملك ثاليون إلا أن يأمل في أن تكون المواد كافية لدفع الكائن لتجاوز عتبته. قذف بها دون تردد نحو السحابة الدوامة في الأعلى. للحظة خاطفة بدا الكائن الأوليّ كأنه يتجاهلها تماماً.

بلغت الأغراض ذروتها في منتصف الهواء محلقة على بعد نصف متر تحته. ثم وحالما بدأت بالهبوط تموجت نبضة خافتة نحو الخارج. بالكاد لاحظها ثاليون وكان ليفوتها لولا لقبه. في البداية بدا الأمر كأن المواد ستهوي إلى الأرض ببساطة ولكن أعقبتها نبضة أخرى أشد قوة. توقفت الأغراض في منتصف الهواء معلقة كأنما بقوة خفية قبل أن تنجرف ببطء نحو الكائن الأوليّ. ترك هذا المشهد ثاليون عاقداً لسانه لحظة قبل أن ترتسم ابتسامة عريضة على وجهه.

كانت تلك القدرة مذهلة بحق. لو استطاع تسخيرها بنفسه لرقا المفترس الظليّ إلى مستوى مختلف تماماً. بل ربما استطاع التلاعب بالظلام نفسه جاضِعاً إياه نحوه ليصنع نطاقه الخاص. راقب المخالب والأغراض وهي تختفي داخل الكائن الأوليّ متمنياً في صمت أن يكون هذا كافياً لتحفيز تطوره. إن اختار الكائن تأخير تحوله فلن يكون لديه أدنى فكرة عن كيفية إجباره على ذلك. كان الوقت ينفد وكان عليه إعداد نفسه.

خطوته الأولى ستكون إعادة صنع البناء ذاته الذي استفاده ضد الغريب. بعد ذلك سيشرع في طقس دمج الكائن الأوليّ داخل جسد المفترس الظليّ. وحالما جلس ليستعد ضربه إدراك مفاجئ كالبرق. هل سيكون من الحكمة أصلاً محو إارادة الكائن الأوليّ تماماً؟ سيكون الشوك الدامي عديم الفائدة تقريبا بلا إرادته عاجزاً عن النمو أو مساعدته بالشكل الملائم. ولهذا احتاج اهل القصر الذهبيّ إلى تنقيح الرابط مع الغريب.

بالطبع طُلب من أولئك القوم قمع الغريب تماماً أولاً لتجنب الفساد لكن الوضع لا يزال متقارباً. لم يكن الغريب قادراً على النمو بمفرده وهو أمر لم يكن مطلوباً في تلك الحالة لكن الأمر اختلف مع الكائن الأوليّ إذ شك ثاليون في قدرته على تحسينه يدوياً. إن دمر إحساس الكائن الأوليّ بذاته فمن المرجح أن يفقد القدرة على النمو تماماً وهو ما جعل قيمته عالية هكذا. كان جوهرياً سلاحاً يرتقي باستمرار حين يُمنح المواد الصحيحة.

أسيصبحان حقاً واحداً ويتطوران معاً أم ما زال بإمكان الكائن الأوليّ التطور وحده؟ إن احتفظ بإرادته فقد يكون ذلك ممكناً. إن دمرها ثاليون فلا رجح أن يحدث ذلك فما الذي سيحفز التطور في تلك اللحظة أصلاً؟ أزعجه هذا الشد والشد. كان عليه التفكير في هذه المعضلة مبكراً. ربما استطاع سؤال صوت النظام للإرشاد لكنه كان بمفرده الآن. محبطاً مرّ على كل ما حدث حتى الآن مستذكراً خبراته مع الشوك الدامي.

أكان الاختيار الصحيح حقاً قتل روح الكائن الأوليّ أساساً؟ وبينما كان يتأمل رفع بصري مراقباً المخلوق وهو يلتهم المواد الجديدة بنهم. كان هناك شيء طريف بغرابة في طبيعته الشرهة. حسناً، لتبتئس الأمور. الأفضل ترك الكائن الأوليّ يحتفظ بإرادته والتعامل مع العواقب لاحقاً. على الأقل لم يكن مربوطاً بروحه مباشرة مثل الغريب. سيكون نشطاً فقط حين يتخذ هيئة المفترس الظليّ مما يمنحه أيضاً مخرجاً سهلاً إن ساءت الأمور.

ولكن أيمكنه التخلي عن هيئة المفترس الظليّ أصلاً إن فقد الكائن الأوليّ السيطرة؟ كانت تلك بالتأكيد مسألة عليه سؤال صوت النظام عنها في لقائهما القادم. آمل ألا يصل الأمر إلى ذلك قط. مع استقرار رأيه حشد عزيمته لما سيأتي. سيمضي قدماً دون التكوين المصمم لمحو إرادة الكائن الأوليّ. سيكون الأمر مؤلماً بل فائق الإيلام وأكثر خطورة بكثير من ذي قبل. ولكن إن نجح فسيبلغ المفترس الظليّ مستوى جديداً كلياً.

كإعداد أخير نقل ثاليون المهارات الثلاث التي سرقها من النمل الأبيض إلى المفترس الظليّ. كانت إحداهما الضباب البنيّ بينما كانت الأخرتان تعويذتين أرضيتين. كان الضباب بالطبع هو الأهم. حتى لو تكيفت المهارات مع الظلام بدل الأرض فستمنح المفترس الظليّ خيارات أكثر بكثير في المعركة. جلس متخذاً هيئة المفترس الظليّ بالفعل ومستعداً لما سيحدث. كانت مشاعره متباينة فمن جهة تاقت نفسه للقوة التي جلبها هذا ومن جهة أخرى فإن شق صدره زرع كائن أوليّ وبلّورة ظلام في الداخل سيكون أكثر من مجرد ألم طفيف.

بعد ساعتين أخريين من التأمل شعر ثاليون بأنه مستعد لأي شيء يتربص أمامه. عاد لهيئته البشرية وشرع في رسم النجمة الخماسية للطقس. استغرق الأمر بعض الوقت لاسترجاع الخطوط بدقة ولكن بعد نقش رموز لا تحصى في الماضي لم يكن الأمر صعباً للغاية. كان هذا ابعد ما يكون عن أعقد طقس واجهه وحتى الأخطاء الطفيفة لن تعيق نجاحه. لا كأنه توقع ارتكاب أخطاء. إن كان الأمر يستحق فعله فإجناؤه باستقامة منذ البدء يستحق العناء.

أنصاف الحلول كانت مرفوضة. بدل استخدام دماء جوهره للعملية اعتمد ثاليون على خزان الدم الهائل للشوك الدامي مضخماً إياه بالمانا قبل وضعه على الأرض. بالكاد تذكر آخر مرة نقّى فيها دمه بنشاط فعليّ فغالباً قبيل توغله في القصر الذهبيّ. مضى وقت أطول بكثير مما ينبغي برأيه. كان لديه الكثير من التجارب بانتظاره فور انتهاء الحرب. القوس مثلاً وعيون مصاص الدماء كانا مشروعين يتطلع إليهما حقاً.

نافضاً عنه المشتتات ركّز على إتمام آخر الرموز. أشبه التصميم زهرة ووضع سبعاً من بلّورات الرياح الأقوى في مركز أوراقها الخارجية. لم يكن توافقها مهماً إذ خدمت فقط كمصدر طاقة للطقس. تطلبت الطقوس الأكثر تقدمية مصادر طاقة محددة أما لشيء أساسي كهذا فأي نوع سيفي بالغرض. كمن قلب التكوين مباشرة تحت كائن الظلام الأوليّ. ورغم قدرته على الحركة كان بقاؤه في ذلك المكان لصالح أمره.

كانت الرموز المنقوشة على الأرض والجدران قد ركزت مانا البيئة هناك بالفعل مما جعله الموضع الأشد فاعلية. فور وضع ثاليون لبلّورات الرياح شعره الكائن الأوليّ يطلق نبضة أخرى من نبضاته المميزة. وحين أخفقت البلّورات في الاستجابة انسلت شعيبة سوداء نحوهما ساعية لامتصاص طاقتهما. كان ذلك بالطبع ما لا يستطيع ثاليون السماح به. لتجنب مواجهة قبيل الاندماج أطلق الطقس دون تردد. ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه كاشفة عن أسنان حادة مستطيلة بينما سحب بلّورة الظلام القوية.

لم تكن هذه بلّورة عادية بل كانت يوماً بلّورة رياح مُحوَّلة بمشقة بالغة عبر تشريبها بالظلام. فاقت قوتها بكثير بلّورات الرياح القياسية وقد ازدادت قوة فحسب خلال عملية التحويل. كانت أصغر بقليل من تلك التي اندمجت معها إيلجي بفضل تنقيح لوكان الذي ضغط بنية البلّورة. الآن لم تكن أكبر من قبض ضئيلة للغاية مقارنة بهيئة ثاليون الشامخة البالغ علوها ثلاثة أمتار كـمفترس ظليّ.

سحب الطقس الطاقة من البلّورات فوراً مما جعل الرموز تئز بالطاقة. توقف الكائن الأوليّ عن شعيباته مشتتاً لحظة لظهور بلّورة الظلام. ثم وبشكل بالكاد ملحوظ بدأ يهبط. في البداية بدا غير مدرك لما يجري مرسلاً نبضتين يائستين لانتزاع البلّورة من قبضة ثاليون. ولكن نبضة مجردة لم تكن كافية لانتزاع أي شيء من يدي مفترس ظليّ. مدركاً سحب الطقس تقلب الكائن الأوليّ ضده لكن المقاومة كانت بلا جدوى.

لو هاجم التكوين مباشرة لربما حظي بفرصة لتعطيل العملية. عُرفت الكائنات الأولية بصعوبة هزيمتها حيث سمحت لها أجسادها الهلامية بإعادة تشكيل نفسها بلا انقطاع. لكن كان لها نقطة ضعف حرجة وحيدة وهي نواتها. لم يسحب طقس ثاليون الضباب الأسود المحيط بالمخلوق بل مسّ جوهره ذاته مما جعل الهرب شبه مستحيل. لو كان الكائن الأوليّ أقدم وأكثر خبرة في التلاعب بالطاقة لربما وجد سبيلاً للمقاومة.

لكنه لم يكن سوى ابنة أسابيع قليلة وخبرته القتالية الوحيدة اقتصرت على المناوشات الطفيفة ضد كائنات الرياح الأولية التي ألقى بها ثاليون في حجرته. ومع ذلك رفض الاستسلام. التوى الضباب الأسود لدوامة حلزونية محاكياً بغرابة حلقة تراكم ثقب أسود مع خلوه حتى من أضعف وميض ضوء. قفز هاله إلى مستويات غير مسبوقة متخطياً بكثير ما توقعه ثاليون. لم يتطور بعد وكان بهذا القدر من القوة بالفعل؟

لم يعنِ هذا إلا شيئاً واحداً—أنه كان ذا ندرة عالية استثنائياً. كائن أوليّ نخبوي حقيقي ويسعى غريزياً نحو تطور أسمى. ولكن كيف عسى أن يعرف بأمر عملية كهذه أصلاً؟ أكانت متأصلة في طبيعته ذاتها ودالة من النظام الذي أنجبه؟ أم أن النظام نفسه يهمس بالمعرفة للوحوش معوضاً افتقارهم لمتجر النظام وهي الميزة التي تمتع بها البشر منذ وصولهم؟ اشتعلت النجمة الخماسية على الأرض لتنبض رموزها بضوء أبيض ساطع بنفس وهج بلّورات الرياح.

احتدم سحب الطقس جارا نواة الكائن الأوليّ بقوة متزايدة. فوق الدائرة تشكل إعصار دوار من الظلام وتجلى غضبه في حلزون متسارع باستمرار. وحدها ضغطة هاله الصرفة كانت كفيلة بثني الأشجار القريبة التي غرسها ثاليون. ولولا امتلاكها توافقاً قوياً مع الظلام لكانت قد مُحيت على الأرجح. لم يعد الكائن الأوليّ يكبح نفسه. وأخيراً أطلق هجومه الأول رمح ظلام موجهاً مباشرة نحو إحدى البلّورات.

كان ذلك ما لا يمكن لثاليون السماح به. دون تردد أطلق شعيباته السوداء لاعتراض الهجوم. واقفاً في مركز الطقس لم يستطع التحرك بحرية إذ توجب عليه الحفاظ على السيطرة على التكوين. نمت شعيباته بقوة ملحوظة جنباً إلى جنب مع توافقه مع الظلام في الأيام الأخيرة باعثة الآن ضغطاً مرعباً. حين اتصلت بالرمح الأضعف بكثير التهمته فوراً كأنه لم يوجد قط. كانت الشعيبات بالغة الفاعلية ضد جميع أشكال الطاقة عادة ما تمتصها وتحولها إلى ظلام.

وضد هجوم مؤلف بالكامل من الظلام كانت أكثر فتكاً. اختفى الرمح الأسود في ومضة متهماً قبل أن يمثل أي تهديد. بدا الاختفاء المفاجئ لهجومه مربكاً للكائنات الأولية. للحظة خاطفة تباطأت دوامته كأنما أُلقي في ارتباك. وبينما صارع لاستيعاب مصيره الوشيك واجه ثاليون معضلته الخاصة. كان تجدده أسرع بكثير مما توقع. لقد كان مهيباً بالفعل حين اندمج مع إيلجي ولكن بصفته المفترس الظليّ اصطفت عوامل عدة لتنتج سرعة شفاء سخيفة تماماً.

نوى فتح جرح مخوفاً من أن يصعد الظلام من جسده مهاجماً الكائن الأوليّ. لكن لحظة تخطيط مخالِبه عبر صدره التأم الجرح فوراً تقريباً. كأن الإصابة لم تُحدث قط. حتى إن لحمه دفع مخالِبه إلى الخارج حين أخفق في سحبها بسرعة كافية. عنى ذلك أن الكائن الأوليّ سيضطر لدخول جسده أولاً قبل أن يتمكن من إضافة البلّورة. تحول الطقس بأكمله إلى فوضى عارمة. وحالما حاول ثاليون تعديل استراتيجيته بلغ الكائن الأوليّ نقطة انكساره وذهب بأقصى طاقته.

هبط ضغط مخنق بينما أظلمت الدوامة في الأعلى أكثر لتصير قوة ملموسة تقريباً. ورغم بقاء ثاليون بمعزل عن التأثر بغالبيته اضطر لاستخدام شعيباته لحماية البلّورات وأجزاء من دائرة الطقس من السحق. ضرب الكائن الأوليّ بشعيبات طويلة تنتهي بمخالب حادة كالشفرات لكن لحظة اشتباكها مع شعيبات ثاليون ارتد كأنه احترق. واصلت دائرة الطقس بناء الطاقة. ومهما قاوم الكائن الأوليّ جُرّ نحو الأسفل بوتيرة متسارعة.

عارض الطقس كل محاولة هرب ممكنة مسبباً عديمة جدوى الهجمات المباشرة إذ كانت شعيبات ثاليون —المشربة بجوهر المفترس السحيق— تلتهم كل ما تمسه في لحظات معدودة. ومع جَر الكائن الأوليّ للأسفل انضغطه شكله أكثر. اشتد الضغط مع كل ثانية عابرة وحين صار على بعد متر واحد فوق رأس ثاليون كان قد تقلص بشكل دراماتيكي. ما كان يوماً دوامة ظلام فوضوية انحدر إلى كتلة دوارة لا تكبر كرة قدم وتدور بسرعة جنونية.

في مسعى يائس للمقاومة حاول الكائن الأوليّ التشبث بالجدران بشعيباته. لقد كان سعياً عقيماً. ضمن ثاليون قصر صراعه بإرسال إحدى شعيباته لتحريره مسرعاً العملية. انهارت كرة الظلام الكثيفة نحو الداخل حتى لم يبقَ سوى نواتها مغلفة بشبكة معقدة من الظلال النقية والمكثفة. صار الضغط غير محتمل تقريباً واضطر ثاليون للكفاح حفاظاً على السيطرة على الطقس وجسده معاً. مع كل بوصة تحركها الكائن الأوليّ مقترباً ازداد انضغاطاً حتى بلغ أخيراً صدر ثاليون.

ولحظة اختراقه لحمه بدأ الألم.