حدّق ثاليون في صفحة المحيط الأزرق المترامية والبراقة بانتظار هادئ. أكّد له أحد الرماة وجود شعب مرجانية في الأسفار تحته بالاستدلال من أسراب السمك المتخاطفة بأنماط معقدة. وقف قرب دفّة السفينة منتظراً ريثما يعبر المتشكلون من خلال البوابة. استمتع بنسيم مالح يلاطف وجهه وتبعث حدّته ذكريات صبباحات منعشة خلت على الأرض مع أصحابه. لم يستغرق الأمر طويلاً ليتجمّع أمامه أكثر من ستّين متشّكلاً والتصقت عيونهم المنتظرة بقعامه المقنّع.
بدأ ثاليون بصوت حازم غير أنه موزون: "اسمعوني جميعاً، أنزل أنا أولاً لآتيكم بهيئة عالية النقاء. في المقابل أريد كل لؤلؤة زرقاء تجدونها إلى جانب جيف كل الوحوش التي تقتلونها. توجد في الأعماق بلورات أضخم لكن الوحوش هناك أقوى بكثير. لا أستطيع تقدير مبلغ قوتها التي بلغتها لكن تذكّروا: لا تغوصوا وحدكم قط. تزخر المياه الأعمق بمفترسات بارعة في الكمائن والحبار العملاقة من أخطرها بينها".
استقرّ كلامه في نفوس الجماعة وسرت بينهم موجة موافقة. صفق بعضهم بحماس وبدت نشوتهم ملموسة. كانوا بالطبع متلهفين ليروا الهيئة التي سيجلبها ثاليون. لاءمه هذا الترتيب تماماً. سيتولّى المتشكلون اللآئل الأصغر ويتركون له حصد البلورات الهائلة المختبئة في الأعماق. تيسّر له لاحقاً أيضاً جمع اللآئل والمواد التي جمعها سحرة الماء وإن استبعد احتياجه إليها. يعني تقوية أهل قاعدته جاهزية أفضل لقتال الموتى الأحياء ونال سروراً لرؤية الآخرين يتحسّنون.
حان الآن وقت الإيفاء بوعده. قفز ثاليون بلا تردّد فوق درابزين السفينة ليتحوّل في منتصف الهواء إلى هيئة ثعبان منادي المدّ الملساء لحظات قبل شقّ الماء. جاء الولوج سلساً لدرجة حسده عليها غطّاسو الأولمبياد. تفحّص ثاليون المياه وهو ينحدر إلى حضن المحيط البارد. لمح على عمق أربعمائة متر تقريباً شعباً مترامية تزخر بالحياة. دارت أسراب السمك بألوان مبهرة فوق الرأس بينما دبّت السرطانات عبر المرجان تحتها.
جابت أسماك القرش المكان وقصّت أجسامها الملساء الماء برشاقة مفترسة. بدت أغلب المخلوقات مهيبة وتراوح مستوياتها في الستينات أو أعلى. مكث ثاليون هنيهة مسحوراً بالمشهد. طالما امتلك رقص المحيط الدائم أسلوباً لأسره. مع ذلك صغرت الشعبة عما زاره أخيراً رغم اتساعها. انبسط هيكلها الشبيه بالقرص تحته فسيفساء من الألوان والحركة. تحوّل انتباه ثاليون أثناء سباحته على حافتها نحو إيجاد هيئة مناسبة للمتشكلين.
تجرّأ ودخل مياه أغمق وأكثر غموضاً ومارس استشعار التيارات كما علّمه تدريبه الأخير لتلطيف الجسد. صار الأمر أسهل واشتدّ ارتباطه باللقب. نهضت مهاراته الكامنة وأخفت حضوره عن المخلوقات الأخرى بينما انزلق بلا جهود في الماء. تطلبت سرعته حركة ضئيلة وبقى مفترساً صامتاً في عنصره. هجس ثاليون في نفسه: سيكون من الحكمة في مرحلة ما دمج طفرة المدّ وتمويه الأعماق في مهارة كامنة معززة واحدة.
تخيل الاحتمالات رغم جهله بوجود حدّ لعدد المهارات التي يستطيع الحفاظ عليها. مزيج مثالي من القوة والكفاءة وتلك كانت الأمنية. أظلم الماء حوله مع تعميق الغطس وخبا ضوء الشمس إلى أزرق محبر. ظلّ بصره حادّاً رغم الخفوت كأنه أضيء بشمس شخصية. لمح قريباً وهجاً خافتاً لبلورات متجمعة على قعر المحيط وطرح إشعاعها الشريب ظلالاً على التضاريس الصخرية. اعتلى إحدى البلورات سرطان ضخم وانطوت كلاباته بانتظار تهديد خفي.
حرس بلورة أخرى باراكودا هائل وحام جسمه الأملس كحارس. باراكودا سن المرجان – المستوى 79 فحص ثاليون الباراكودا باهتمام. بدت أسنانها بالفعل مصنوعة من المرجان وهو تكيف غير معتاد لكنه فعال بوضوح. دار حول المخلوق بحذر وابقاه خارج نطاق رصده. أثارته الباراكودا على الأرض دوماً كمطاردين ساكنين ينفجرون في الفعل بسرعة مذهلة متى دخلت فريسة نطاقهم. كان هذا ضخماً وتجاوز طوله ثمانية أمتار واقتدرت فكوكه القوية على تمزيق الفريسة بضراوة لم تبارها أغلب الأسماك الأخرى.
عدّل ثاليون موضعه وبحث عن الزاوية المثالية للضرب. حبس المحيط أنفاسه أو ربما كان إدراكه وحده إذ حنّك الأدرينالين تركيزه. فعّل رمح الماء حين دخل النطاق. أزال تيار نفاث الماء الباراكودا كلياً وشق جسمها الأملس إلى نصفين بنظافة. لم تمتلك السمكة فرصة للرد وانطفأت حياتها في لحظة. ارتعش السرطان الضخم بعنف بقربها وأضاء قشرته المغطاة بالمرجان خافتاً إذ التفت نحو الاضطراب. تجسّد ثاليون جانب جيفة الباراكودا وهدأت سحنته المركزة.
فحص هيئة الباراكودا بعين خبيرة. جاءت مجموعة مهاراتها فقيرة ومخيبة وآنت فقط القدرة على العض وابتلاع الفريسة. تمنّى ثاليون مرونة أكبر وشيئاً يخدم المتشكلين في فريقه بصورة أفضل. فضّل منحهم هيئة أمتن وأكثر قابلة للتكيف رغم إمكانية إثبات نفعها لاحقاً. طرح ثاليون الباراكودا كخيار ووضع رونةً مجهزة على البلورة التي حرسها السمك. تلاشت البلورة داخل حلقته المكانية ببريق خافت.
بلغ ارتفاعها متراً تقريباً وصغرت مقارنة بالتي يشغلها السرطان حالياً. تبرّز السرطان الواعي تماماً بالتهديد الآن بعزم. نبضت قشرته بالنور وبدأت كلاباته توهج بوعيد. حام ثاليون أقرب وكل عضلة مستعدة لدحره بعيداً في لحظة. تساءل: ألا يمتلك هذا السرطان هجمات بعيدة المدى؟ أتى الجواب سريعاً إذ صفق السرطان كلاباته معاً وأطلق موجة صدمة مفاجئة سارت عبر الماء. كاد ثاليون يفلح في تفعيل درعه المائي في الوقت المناسب وتبددت قوة الهجوم بلا ضرر ضد سطحه البراق.
أطلق ثاليون رمحي ماء نحو السرطان وأصاب كل منهما بدقة. استقرت بقايا السرطان مبعثرة بعد لحظات حول البلورة غير المحروسة الآن. جمع البلورة وجيفة السرطان وأودعهما مع الباراكودا في حلقته المكانية. انحدر ثاليون أعمق في المحيط بعد التعامل مع تلك العقبات. وضحت التغيرات في البيئة التحت مائية. نقطت تشكيلات صخرية طافية المنظر وتوشّحت بمجموعات من النباتات المضيئة. تمايلت خصلات طويلة من الأعشاب البحرية بلطف في التيارات بينما أضافت زهور شاهقة بلغ ارتفاع بعضها خمسة أمتار لمسة أجنبية على مشهد البحر.
فكر ثاليون مندهشاً بجمالها الغريب: "هذه النباتات لا تنتمي إلى هنا".
تذكّر مدى تبعثر البلورات آخر مرة غامر فيها بالأعماق. تركزت هذه المرة وذكرت ببلورات الريح فوق الجبال تقريباً. تلألأت تحت منه بلورات متعددة بخفوت وتباعدت بما لا يزيد على مائة متر. حرس كل واحدة مفترس مهيب. غير أن بلورة واحدة برزت. أحاطها سرب كثيف من السمك وخلقت أجسامها الفضية حاجزاً منيعاً. ترشح ضوء البلورة الازرق الخافف بالكاد عبر صفوفها المتحركة. راقبها بثشوق متزايد.
"أيحجبون البلورة عن المفترسات الأخرى؟ هذا ينبغي ألا يجدي..."
شبّه السمك بالسردين لكنه أضخم وألمح عدده الهائل إلى ما هو أشدّ تهديداً. قاوم ثاليون رغبة تمييزه من بعيد فقد يثبت الاقتراب باستهتار كارثياً. حوّل بصره إلى بلورات مجاورة أخرى أحاط كلّ منها حراس شرسون. سبح حبّاران ضخمان بدوائر كسلانة حول بلورة وخفيت أجسامها جزئياً بنتوءات صخرية. وُجد اثنان للوهلة الأولى وكشفت نظرة أدق عن أربعة أخرى تُموّهت تماماً وتربصت.
فكّر ثاليون بابتسامة ساخرة: "إنهم يصطادون. تعلّم الحبار الصيد وهو طريف تقريباً".
أخطبوط هائل بعيداً عن الحبار ولم يكن عادياً إطلاقاً. امتدّت جسيماته الكثيرة أبعد من الثمانية المعتادة ونافس حجمه بناء صغيراً. أضاء جسده الشفاف بخفوت ودليل استهلاكه لبلورة زرقاء. دورت أسماك القرش حول بلورات أخرى وقصّت أشكالها الهائلة الماء برشاقة مفترسة. لاح قرش أبيض كبير نما إلى أبعاد مسخية إلى جانب أخرى شابهت قرش النمر والشعب المبالغ في حجمها. لمح ثاليون أدنى تمساحاً أسود ضخماً ممدداً على بلورة وفتحت فكوكه واسعة كأنه يستمثر في الشمس.
بدا غريباً ألا يستطيع التنفس تحت الماء حتماً لكن كل شيء يغدو ممكناً مع النظام. راقب ثاليون بصمت ووزن خياراته. أثمر صبره بعد نحو نصف ساعة إذ هبطت مجموعة جديدة من المفترسات من الأعلى. تواجدت ثلاثة دلافين بينها وبلغ كلّ منها حجم حوت قاتل صغير. جرت حركاتهم بسلاسة وقصدهم جلي حين لمسوا سرب السمك الحارس للبلورة. كانت الدلافين صيادين ماهرين بتكتيكات معقدة. راقب ثاليون بتركيز وتلهف ليرى كيف ستؤدي هذه النسخ المتطورة ضد السرب الغامض.
تحرّكت الدلافين على الأرض بدقة متعمدة وأحاطت كرة السمك البراقة برقة منسقة. زفرت تيارات من الفقاعات وخلقت حواجز ساقت السمك إلى تكوين أضيق. دفعت الدلافين ببطء وثبات السرب صعوداً نحو السطح وابتكر كل عضو في القطيع دوره لاختراق واختطاف أقرب سمكة بضربات سريعة وممارسة. غاص أحدهم أحياناً مستقيماً بقلب السرب ونفض ذيله القوي ليصعق عشرات الأسماك الصغيرة دفعة واحدة. بدا رغبة الدلافين في تكرار هذه الاستراتيجية المألوفة لكن سمك الحراسة الصغير امتلك نوايا مغايرة في غدوّ فريسة.
تخلّى السرب بسرعة مذهلة عن البلورة واندفع نحو أحد الدلافين المهاجمة. أحاطه السمك تماماً قبل إمكانه الرد. اختفى الدلفين بعد نبضة قلب واستبدل بغبار أحمر خافت تبدد في الماء. لاقى الدلفين الثاني المصير نفسه وابتلعه السرب المتواصل في لحظات. أفلح الثالث وحده بسرعة البديهة في الفرار. انطلق نحو السطح ودفع جسمه الانسيابي إلى الحدّ وغاب السرب عنه بالكاد. عاد السمك الصغير سريعاً إلى البلورة واستأنف مداره الهادئ كأن شيئاً لم يحدث.
راقب ثاليون من مسافة آمنة ودون بصره الحاد كل تفصيل. بدا الأمر مخيفاً إذ لم يتأذَّ أي سمك صغير خلال المناوشة القصيرة رغم احتمال أكل القليل. أثار ريبة المفترسات الأخرى تجاه السمك اهتمامه أكثر من غيره. أمرت هذه الكائنات الصغيرة بدرجة غير عادية من الاحترام أو الخوف من جيرانها بوضوح. هجس ثاليون بعواقب قتل أحد حراس البلورة. قد تثير هفوة فوضى بين المفترسات المحيطة وتجبره على تراجع خطير.
شهد اقتراب جاحظ عملاقة إبان ترويه من إحدى البلورات ليفاجئ سريعاً بالحبار المتربص بقربها. لم تمتلك الجاحظة فرصة واختفت بلطخة مجسات لم تترك مجالاً للرحمة. لم تبدُ المخلوقات الأخرى قادرة على تحدّي حراس البلورة. نفذ صبر ثاليون وهو يبحث عن فرصة. أضاء توهج البلورات الأزرق الخافت الأعماق وجعل الاقتراب المتخفي مستحيلاً تقريباً. احتاج للتحرك بسرعة وحزم مستغلاً أبسط عنصر مفاجأة.
تجلى هدف ثاليون بوضوح: قرش النمر. نضح بحضور قوي بطول اثني عشر متراً وبثّ جسمه الأملس والعضلي سرعة وقوة. لم بلغ رهبة القرش الأبيض القريب الذي اعتبره أخطر من مواجهته لكنه لم يكن ضعيفاً البتة. لم تهمه أسماك القرش الأصغر الدائرة حول البلورات وافتقرت إلى إمكانات النمو والمرونة المتطلبة. وفّر قرش النمر هيئة ممتازة للمتشكلين. سمحت قدراتهم بجمع اللآئل بكفاءة والتقدم سريعاً.
دوّن ثاليون ملاحظة ذهنية لاكتساب غرفة أخرى للحوض المائي حين عبرت الفكرة ذهنه وهو تفصيل لم يستطع تجاهله. ثبّت ثاليون أعصابه مع اتخاذ القرار. بدا غريباً عدم استطاعته التنفس في هيئة ثعبان منادي المدّ لكنه قلّد إحساس الأنفاس العميقة ليهدأ. تطلب القتال القادم دقة وسرعة. اندفع ثاليون من الظلال وشق شكله الثعباني الماء كالسهم. التقط ضوء البلورات الأزرق حدّ نصله حين أطلق شق مانا استهدف مباشرة ذيل قرش النمر.
ضمن النصر لو اقتدر على قطعه. ردّ القرش بسرعة متفجرة فتفادى الهجوم واندفع نحوه بنية فتاكة. انحرف ثاليون يساراً وأطلق شق ماء آخر مع تحركه. ارتكب القرش خطأ فادحاً هذه المرة إذ لم يحاول التفادي. أصاب الهجوم خطمه وحفر جشاً عميقاً أثار تخبط الوحش بألم. اغتنم ثاليون الفرصة وأطلق شق ماء آخر اخترق بوضاعة زعنفة قرش النمر الصدرية. شلت الإصابة حركته وتركته عرضة للخطر. تطلبت إطاحة المفترس الضخم ضربات أدق إضافية.
لم يكن قتل كائن بهذا الحجم بلا إتلاف البسة كثيراً أمراً سهلاً لكن ثاليون حافظ عليه. خزن الجيفة بحلقته المكانية بلا إبطاء ودفَع نفسه نحو السطح. جاء توقيته مثالياً فاندفع القرش الأبيض الكبير والتمساح الضخم نحو جيفة قرش النمر الميتة تماماً وقت صعوده. دفع ثاليون هيئة ثعبان منادي المدّ إلى حدودها وتسابق نحو السفينة الطافية التي علقت فوق الماء بانتظار عودته. أسقط ثاليون جيفة قرش النمر على السطح بعد دقائق واسترعى انتباه المتشكلين.
بدا هذا غريباً بعض الشيء لبقائه في هيئة ثعبان منادي المدّ. جهل أثر أخذ هيئة القرش على المهارة إن التقط تميمته روحاً متبقية جزئياً بصورة كامنة. استجابوا فوراً وغاصوا في الماء لادعاء هيئة القرش. لمسوه فرداً فرداً وتحولوا إلى نسخ أصغر وأضعف قليلاً من قرش النمر وتوجّهت الهيئات الجديدة للغطس بالماء لتفسح المجال لآخرين. جاءت هيئة قرش النمر لائقة لا مثالية لثاليون شخصياً.
أثار قدرته الكامنة على التحليق مكاناً اهتمامه وهي صفة غابت عن القروش عادة. مع ذلك عدّت المهارة عديمة النفع في هيئته الحالية ومقدراته الأخرى المركزة على العض غير ملائمة لاحتياجاته.
فكر مراقباً عملية التحول برضا: "سيحسن المتشكلون استخدامها".
منح ثاليون نفسه لحظة إغاثة وجيزة قبل إعادة تركيزه نحو الأعماق. بقي الكثير للقيام به ولم ينته الصيد قط.