حكايات الإمبراطورية الأبدية الفصل 112 — تجليات

اقرأ حكايات الإمبراطورية الأبدية الفصل 112 — تجليات باللغة العربية على مانجا تايم.

قال ثاليون في صمت تلو ثوان من التعافي، متوعداً برتب النبلاء فوقه بنظرة تحد: "متى راحلون إذن؟ لست بحاجة لأسبوع لأجمع أمتعتي".

سأله رئيس المجلس وظهور مفاجئ أمامه يحمل من القوة ما جعل ركبتيه ترتجفان: "من أنت؟".

أجاب ثاليون رافعاً رأسه وابتسامة على شفتيه، ليتسع عبوسه حين رأى وجه رئيس المجلس يحمرّ: "هزمت ذلك الوغد النبيل، وبمنطق الأمور أنا محارب سماويّ قادم".

سألت الأميرة تاهليترا بعبوس وقد ظهرت أمامه مع حارسها: "أهذه خطتكم طوال الوقت إذن؟".

أجاب هازاً كتفيه: "حسناً، نوعاً ما. كنت واثقاً من قدرتي على الفوز على بعض الأوغاد هنا على الأقل".

حسناً، كانت مغامرة أكبر بكثير، لكن الاعتراف بذلك لا ينفع لاحقاً.

هتف رئيس المجلس بارتياب: "مستحيل! لست خادماً، كيف لك أن تبرع هكذا في تطويع الدماء؟".

تمتم ثاليون بهراء اخترعه لتوه: "كان أنفي ينزف وأنا صغير، أتعلم. حين يشتد البرد يبدأ بالنزف وحسب. ومنذ ذلك الحين أدركت أن تطويع الدماء سيكون طريقي".

ظهر شخص أمام الأميرة وبانحناءة سريعة بدأ التقرير: "وجدنا من يدعي أنه رأى المحارب السماويّ المزعوم".

انحنى الشخص بعمق وناولها بللورة. ولمستها ليظهر في الهواء وسط السماء شاشة عرض بعرض عشرين متراً، عارضة ثاليون وهو يتمتم لنفسه بينما يرسم ابتسامة عريضة بالدم في نهاية إحدى رسائله العديدة. لم يلاحظه الرجل الذي أحضر البللورة بعد، لكن رئيس المجلس والأميرة عرفاه فوراً.

هتف رئيس المجلس بصدمة: "أنت صاحب الرسالة!".

وربما خجل قليلاً لعدم اكتشافهم الأمر من قبل.

سألت الأميرة بانزعاج خفيف: "لماذا لم تخبرني حين تحدثنا البارحة؟".

هز ثاليون كتفيه محافِظاً على استرخائه: "حسناً، لكان الأمر غريباً للغاية لو تفوهت به هكذا. متى الرحيل إلى ذلك القصر الذهبيّ العملاق إذن؟".

ضحكت الأميرة بصوت عال: "ليس سيئاً. كنت هنا داخل هذه الأسوار طوال الوقت بينما بحث عنك الجميع في الخارج. رجل من الأحياء الفقيرة نجح في الاختباء من أفضل محاربي هذه المدينة. أمر مضحك حقاً".

وجد ثاليون نفسه بعد قليل في استراحة حيث كان بقية المشاركين في الاختبار يتابعون الحساة بانتظار انتهاء المناداة. وأحسنوا جميعاً تجاهله، ولم يعبأ ثاليون بذلك، فقد كان هناك بار فتناول بضعة مشروبات. فقد كان يوماً حافلاً بالأحداث حقاً. واصل الشرب وهو يتابع النزالات الأخيرة. وما حدث بعد ذلك غدا كطيف غامض. فما إن انتهى النزال الأخير حتى نقل حارس الأميرة ثاليون وحيداً إلى القصر الذهبيّ العظيم.

وحصل كل هذا بلا حديث. ربما كان الرجل ضجراً وحسب. والوضع بأكمله غريب للغاية. ألم يُنقل هنا إلى هذه الغرفة أولاً، ثم نقلوه هكذا فجأة؟

اكتفى الحارس بنقر أصابعه قائلاً: "إلى القصر السماويّ در".

ولا بد أن الرجل أقوى بكثير مما توقع. ولم ترافق الأميرة لأنه ربما توجب عليها زيارة مدن أخرى على الكوكب. هذا ما حدث به ثاليون ورليك أنفسهما على الأقل. وسيصل النبلاء الآخرون بعد أسبوع، مما يمنحه بعض الوقت ليغدو أقوى. ظهر في قاعة عملاقة، مترامية الأطراف لدرجة تعذر فيها رؤية السقف. وامتدت أعمدة ذهبية عديدة نحو السماء، تغطيها نقوش مشتعلة بالقوة.

هتف رليك: "يا للهول، لقد نجحنا! لم نتحدث عن هذا أبداً، وأعلم أنك أنقذت حياتي، لكن... أيمكنك تطوير جسدي أكثر قبل الرحيل، وهل ستغادر حقاً بعد تلك الطقوس؟".

أجاب ثاليون وهو يتلفت حوله: "سأغادر بعد الطقوس. لتتدبر أمرك وحدك حينها".

وكان مشوشاً للغاية بما يجري ولم يصغِ تماماً لكل ما قاله رليك. لمح أشكالاً عدة في الأفق. ألم يفترض بأحدهم استقباله هنا؟ جلس ليمضي الوقت ويتابع ارتقاء روحه حتى يصل أحدهم. ولا جدوى من السير في اتجاه واحد، فالمسافة بعيدة للغاية. وسيستغرق الأمر أياما لبلوغ الغرض الصلب التالي، وهو أحد الأعمدة الذهبية. لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة. ليظهر أمامه رجل ذهبيّ، فكان جلده وقزحيتي عينيه وملابسه وحتى أسنانه من ذهب.

قدم نيفراكس نفسه بلا مشاعر، واقفاً بشموخ أمام ثاليون: "اسمي نيفراكس، وسأكون معلمك".

وأضاف بينما ينتقلان إلى غرفة ضخمة أوسع من أغلب المنازل وتغص بكل ما يمكن اشتهاؤه: "هذه غرفتك".

وإلى جانب السرير وغيره من الأثاث، توهجت دوائر سحرية عدة على الأرض. جدير بالذكر أن ثاليون لم ينل فرصة قول شيء لذلك الرجل الغريب. ولو استطاع لتذمر ربما من النقل القسريّ. فقد اكتشف أن تنقيله هكذا بأمر الآخرين أمر لا يطيقه بحق.

وتابع نيفراكس بنبرة قاسية: "ستسرع هذه الدوائر ارتقاءك، وتلك مخصصة للانتقال، فهي تؤدي إلى قاعات التدريب لصغاركم".

سأل ثاليون محتاراً في كيفية مخاطبة الرجل وصعوبة استيعابه لما يدور: "حسناً، شكراً. متى نبدأ؟".

والأفضل البدء بالارتقاء فهو شيء يجيده على الأقل. قبل لحظات، كان ثاليون يتابع النداء. والآن يجد نفسه يتعامل مع هذا الرجل الذي يبدو غافلاً تماماً عن الأعراف الاجتماعية.

قال نيفراكس بعد لحظات: "البداية الآن بالطبع"، ليظهرا إثره على منصة عملاقة يتمرن فيها مئات البشر بأسلحة مختلفة.

وخلافاً لما جرى في التدريب التمهيديّ، لم يقتصر تدريب هؤلاء على أنفسهم فحسب، بل رافقهم معلمون يوجهونهم. تمرنت مجموعات بالسيوف، والسيوف القصيرة، والخناجر، والأسلحة الثقيلة كالمطارق وغيرها. وما إن يكتمل شكل السيف حتى يتنقل المعلمون لتقديم النصائح للمقاتلين.

وسأل نيفراكس بعد لحظات موجهاً سؤاله لثاليون الذي ما زال ذاهلاً يحاول استيعاب الانتقال الفوريّ: "أي سلاح تخختار إذن؟".

أجاب ثاليون بعد تعافيه من الصدمة: "سأختار السيف".

كان هذا مثالياً، فلديه الآن عام أو ربما عامان ليغدو سيافاً ماهراً. وسيكون هذا التدريب قيماً للغاية حين يعود إلى التدريب التمهيديّ. ويمكن لهؤلاء المدربين تعليمه تقنيات لم يتخيلها قط، وأشعلت فكرة ذلك الطمع في عينيه. وعوضاً عن الأسلحة الرهيبة التي استخدمها البقية، ناوله نيفراكس عصا خشبية، وبدأ التدريب حين صفعه الرجل بلا مراسم على رأسه. حسناً، يبدو أنه يستطيع نسيان مساعدة أولئك المعلمين.

أيكون نيفراكس قد أفسد شيئاً ما، وتدريب ثاليون هو عقابه؟ كان نيفراكس ماهراً بشكل لا يصدق في التعليم، إن تجاوز المرء حقيقة أنه لا يكاد ينطق ويهوي عليه بالضرب أحياناً بلا إنذار. وتفاجأ نيفراكس في البداية بمدى سوء ثاليون في فنون السيافة، لكن ذلك تغير سريعاً. تحسن ثاليون ساعة بعد ساعة. وأراه الرجل أشكالاً عدة من الهجوم والدفاع، وبنهاية اليوم الأول تعلم ثاليون أكثر مما تعلمه طوال التدريب التمهيديّ بمساعدة اللفافة.

وتفاجأ نيفراكس مجدداً لعلمه بأن ثاليون لا يحتاج حقاً إلى النوم. فبعد الليلة الأولى، اقتصرت استراحة ثاليون على ثلاث ساعات للتأمل بل وخلق عروق روحية إضافية. غير أن الاكتشاف التالي صدم نيفراكس بصورة أكبر، فثاليون عجز عن إلقاء أي تعويذة. هذا العجز وضع ثاليون في صف مع طلاب كثر، حيث ألقى عجوز محاضرات حول كيفية استدعاء كرة نار. وبدا كل شيء في هذا سريالياً بالنسبة لثاليون.

فقبل لحظات، كان يقف في حلبة يقاتل في سبيل حياته، والآن يجلس في حجرة درس. ولم يعره أحد أي اهتمام، ولا حتى نيفراكس. فلا رفقاء ولا تعارف، بل تعلم وحسب. ولم يتحدثوا حتى إلى بعضهم.

فكر ثاليون محاولاً ابتلاع أكبر قدر ممكن من المعرفة: "يا له من مكان مخيف".

ورغم جهود نيفراكس كافة، أخفق ثاليون في استدعاء كرة نار واحدة. وأتاح لرليك المحاولة أخيراً، إذ انخرط الرجل تماماً الآن. فقد علم قرب استعادة جسده وسعى جاهدة لاستدعاء كرة نار، لكن رليك أخفق أيضاً. لاستدعاء كرة نار، توجب على المرء تشكيل رخصة وانكماشها في اللحظة المناسبة لتبرز كرة النار. وكلما ضغط ثاليون الرخصة انهارت وضاعت طاقته. كان الأمر مختلفاً تماماً عن السيافة، حيث حقق ثاليون تقدمًا هائلاً مع كل ساعة تمضي.

وبات بوسعه التبديل بسلاسة بين المناورات الهجومية والدفاعية. واتسمت هجماته بالسرعة والفتك، أو بمقدار الفتك الذي تمنحه عصا خشبية. وفي اليوم الخامس، عرّفه نيفراكس إلى شيء يدعى تحمير الجسد، أو هذا ما ظنه ثاليون على الأقل. وكلّفه بتسلق جبل ذهبيّ عملاق يرتفع كيلومترات عديدة. والتحدي؟ مع كل مرحلة زاد الضغط، كأن ثقلاً هائلاً يضغط على كتفيه. وبحلول المرحلة الثالثة، عجز ثاليون عن الحراك تقريباً.

وبدأ الدم يجري من عينيه وأذنيه، لكن بفضل تحكمه بالدماء، نجح في سحبه للداخل مجدداً.

وبخّه رليك في رأسه محفزاً إياه للمضي: "امضِ! حمر جسدي أكثر! لا تكن خاسراً هكذا، أمسمى هذا ألماً؟".

ومن السهل على رليك قول ذلك، فهو لا يشعر بالألم نظراً لتحكم ثاليون الكامل بجسدهما المشترك.

أجاب ثاليون بانزعاج: "أتستطيع التزام الصمت قليلاً؟".

كان الألم مبرحاً، لكنه رفض التوقف. وأمل فقط أن ينقله أحدهم إلى الخارج، نيفراكس ربما، إن علق في إحدى المراحل.

وسخر رليك مستمتاً بوضوح: "امضِ، امضِ، امضِ! تسلقت كثيراً في الأحياء الفقيرة، وأنت تعاني لبلوغ المرحلة الرابعة من هذا الجبل".

وواجه ثاليون مأزقاً حقيقياً. وتطلب الأمر تحكمه كله لتعزيز جسده، ورغم ذلك بدأ الدم يرشح من جلده. وكان الضغط على عظامه وعضلاته هائلاً لدرجة بدت معها عظامه كأنها تشرع في الانثناء. وبعد خطوات أخرى موجعة، هوى على ركبة واحدة وانهار بعدها بوقت قصير ووجهه يصطدم بالأرض.

تمتم ثاليون من بين أسنان مصكوكة: "هذا سيء حقاً".

فصاح رليك في رأسه: "انهض أيها الخاسر المتذمر! كيف تجرؤ على جلب مثل هذه المذونة لجسدي المجيد؟".

أجاب ثاليون بانهزام: "حسناً، هذا الجسد لم يعد يجدي نفعاً. لقد بذلت جهدي كله، وأظننا عالقون هنا".

فرد رليك بحيرة: "حقاً؟ آه، لعين. هذا سيء. لكن لا يبدو أن أحداً غيرنا قد لاحظ".

وهو ما كان مربكاً نظراً لاحتمال صراخه ألماً في مرحلة ما. فما بال هؤلاء القوم حقاً؟