ما إن غادرت حتى شرع ثاليون في الفعل. استشعار الطبيعة لديه يخبره عبر لقب الأثر الحارس أن جل الطاقة محبوسة في وريقات الزهور. أمضى ثاليون الليل كله في التهام الزهور بأسره لتقوية جسده الروحي. يوجه المانا عادةً عبر روحه لتعزيز جسده الروحي لكن هذه الزهور قدمت اللبنات المثالية وغدا جسده الروحي أشد كثافة بكثير بعد أن فرغ من التهام نصف حقل الزهور. لعل السيدة سيلفيرا كانت محقة في افتراضها أن زهرة واحدة تكفي لروح واهنة.
لكن روح ثاليون لم تكن واهنة قط وكان يحظى بأحد أفضل الأدلة لترشده في بناء جسده الروحي. استعمل الزهور المتبقية ليلف عروقاً روحية إضافية حول جوهر روحه مما مكنه بصورة أكبر. كان المنتصف من النهار قد حل حين فرغ ثاليون من الزهرة الأخيرة في الحقل. ضاعفت العملية قوة روحه تقريباً. لن يكذب وتلك النبتات كانت الصفقة الحقيقية. احتاج شيئاً كهذا في مرحلة التدريب إن أمكنه النجاة.
التفت ثاليون حوله تحسباً لنسيانه أي نبات متسائلاً عما إذا استغرق نموها ستين عاماً حقاً. عاد للداخل باحثاً عن مواد إضافية لزراعة الرووح أو موارد لتلطيف الجسد تأهباً للرحلة الوشيكة نحو القصر الذهبي في قلب المدينة حيث سيجري النداء. لم يكن في القاعة خدم لذا أخذ بعض اللآلئ التي تعد بمثابة الإكسير في هذا البعد وابتلع أكثر من عشر قوارير. لم يكن الأمر سوى ترقية طفيفة لكنها تظل مجدية.
حثه ريلاك على ابتلاع كل جرعة في الأفق لكن ثاليون تردّد إذ لمست بصيرته عجزاً عن تمييز أي منها وشرب مواد عشوائية في عالم سحر لم يكن بالخطوة الأذكى. وكانت لديه فكرة جيدة عما سفعله لآلئ القوارير بحسه الإضافي الممنوح من اللقب. ويا للأسف استعصت معظم اللآلئ على فهم ثاليون ليدرك منافعها. عوضاً عن ذلك استعمل بعض البلورات الذهبية لتعويض طاقته مواصلاً تمكين دمه لقمم جديدة.
وبدت هذه العملية يسيرة على نحو مدهش مع روح قوية. وما زال ثاليون يشعر بوهن شديد مقارنة بجسده الأصلي لكن ذلك سيفي بالغرض. بعيد وقت قصير أعلمه خادم بحلول الوقت وشق طريقه إلى العربة المنتظرة أمام القصر. عوضاً عن صعودها جلس ثاليون فوقها مع أحد الحجاب آملاً في إلقاء نظرة أخيرة على المدينة. وإن سارت الأمور على ما يرام فستكون الأخيرة له. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى ولجت العائلة النبيلة وكل الخدم إلى العربة متجاهلين ثاليون بأسرهم.
تساءل عما إذا كانوا يعلمون بالفعل بما فعله بحديقتهم. وإن علموا فكانت سلوكياتهم هادئة بالنسبة لنبلاء على الأقل. استشعار ثاليون لأمواج الغضب المنبعثة من العربة كان جلياً. كاد الأمر يكون مضحكاً وجعله يشعر بتحسن طفيف بعد تذكر ما فعلوه بتوركيل. وعند إعادة التفكير في الأمر برمته لمَ لا يمعن في العبث بهم قليلاً؟ أشار ثاليون للحاجب بالانتظار وركض عائداً للمبنى. انتزع كيساً ذهبياً كبيراً دأب الخدم على استعماله لحمل النباتات للمطبخ وولج القاعة المحملة بالكنوز الطبيعية.
صاح ريلاك بصخب في ذهنه: "لا تصدقني، أأنت فاعل هذا حقاً؟ أشعر وكأنني أشاهد سيد اللصوص قاطبة".
لم يردّ ثاليون وهو يهرول عبر القاعة جامعا أقوى غرض أمكنه العثور عليه. قوارير مملوءة بلآلئ قوية وبلورات تعزف بالطاقة وثمار نبتات نادرة استُخدمت على الأرجح لاكتساب التوافقات وغيرها الكثير وجدت طريقها إلى كيسه. كانت أغلب الأغراض بالغة القوة بحيث لم يجسر على استعمالها لكن بما أنه فعلها ثأراً لموت توركيل فقد تستحق العناء تماماً. وراح ثاليون يتفكر فيما ينبغي فعله بالأغراض.
أيمطر الأغراض الثمينة بينما يحلقون نحو القصر الذهبي أم يبادلها بكنوز روحية عند النداء؟ كم سيكون مضحكاً أن يقيم مزاداً بأغراض لا تخصه؟ شق ثاليون طريقه عائداً للعربة وحين استوى جالساً بجانب الحاجب بدأت الرحلة الأخيرة. شرعت الحشرات المربوطة بالعربة في خفق أجنحتها بسرعة متزايدة أشبه بمحرك طائرة وبقفزة انطلقوا في كنان السماء. كانت المدينة أشد ازدحاماً من ذي قبل مع حركة مرورية أكبر بكثير في السماء.
واضطروا مراراً لانتظار مرور عربات أضخم. وفوق القصر الذهبي كانت خنافس ضخمة تشبه الأفافيح بفكوك مهولة تحوم بوعيد. وكان القصر بذاته أضخم من القصر بعشر مرات—أعجوبة معمارية بحجم مهيب بحق. وتصاعدت أبراج عدة تتجاوز قمتها الكيلومتر الواحد وكلها من ذهب وثمة تماثيل كثيرة لملوك وملكات مثبتة على الجدار. حلقوا عبر البوابة الضخمة شاهقة الارتفاع متجاوزة المئة متر وحطوا في باحة شساعة مكونة برمتها من الرخام الذهبي.
وانطلقت عربات عدة وحطت في آن واحد مسلمة أفراد العائلات الملكية لأهم حدث سنوي في المدينة.
سأل ريلاك بابتسامة محاولاً تلطيف التوتر المتراكم طوال الساعات الأخيرة: "إن نجحت الخطة وهزمت أحد أفراخ النبلاء فأتراك تسمح لي برقصة نصر؟".
قفز ثاليون من العربة متجنباً الاحتكاك بالنبلاء وخطا بثقة نحو الداخل. وما زال يرتدي زي الخدم لذا لم يوقفه أحد. صغر قصر المدخل ما سواه إذ ضم أعمدة تتجاوز المئة متر وطوابق متعددة. وتزينت الجدران بلوحات ضخمة لمعارك ملاحمية. تتبع ثاليون جموع النبلاء حتى بلغ حلبة هائلة. كانت الحلبة بنية دائرية واسعة تحاكي الكولوسيوم في روما لكنها أضخم بكثير ومصنوعة من الذهب الخالص. حتى رمال الأرض لمعت بمسحة ذهبية.
وعلى عكس ما سبق حمل الجميع هنا أسلحة—عصياً سحرية وسياطاً وسيوفاً ومطارق وفؤوساً—إلى جانب وحوشهم مما دل على كونهم مروضين للوحوش. وغدت جل الوحوش حشرات تحلق حول أسيادها مرجع ذلك على الأرجح لقوتها الجبارة في هذا الجزء من العالم. بادر بعض النبلاء ممن لم يألفوا ثاليون بإصدار أوامر لافحة نحوه ظانين أنه خادم. اكتفى ثاليون الممنّي بالنفس بالإيماء متجاهلاً أوامرهم لعلمه أنهم لن يتذكره على أي حال.
انتزع رحيق سديم من حانة مجاورة وتسلق الدرج الحلقي العريض قاصداً المستويات العليا. استمتع ثاليون بملامح وجه الساقي حين ناوله الرجل أحد الأغراض الباهظة من كيسه. فمضى يوزع الأغراض على خدم بيوت النبلاء. ومع الغرض الأخير حظي ببعض المرح إذ رماه عند أقدام حشد من الفتيان الذين انقضّوا فوراً وراءه وشرع بعضهم في العراك. استمتع ريلاك بالأمر لا سيما حين رمى ثاليون الكنز الأخير فوق السياج إثر لمح أحد الفتيان له بوصفه منبع الثراء وقفز وراءه بعيون تملؤها الشراهة.
ابتعد ثاليون بخفة عن السياج عاين خلاله اصطدام المراهق بأرض الحلبة بقوة وبطنه أولاً محدثاً دوياً مدوياً بلغ مسامعه في طبقته. صعد السلالم نحو المستويات العليا ليظفر برؤية جيدة للحلبة. لم تمت الفتاة إذ عاين أحد أطباء النبلاء الأقوياء يشفي جسدها المكسور في ومضة ونقلهما معاً في لحظة تالية. وحين بلغ المستوى الثالث في العلو صدمه العدد الهائل من البشر. مئات آلاف النبلاء يملؤون القصر.
وفي تلك اللحظة ظهرت أمامه الأميرة تاليثرا وحارسها. ارتدى الحارس إزاراً ذهبياً شبيهاً بإزار ثاليون لكنه مزين بنقوش معقدة ودون قميص. أما زي تاليثرا ولمتعة ريلاك فضم صدريّة كاشفة وسراويل ذهبية ضيقة متعددة الفتحات الزخرفية. انحنى جل النبلاء في المنطقة عميقاً فوراً تاركين ثاليون وحده واقفاً.
حيته تاليثرا بابتسامة: "أهلاً، أترغب في الصعود لمقصورة كبار الشخصيات؟ لقد استغرق وصولك وقتاً طويلاً".
أخذ ثاليون رشفة من شرابه وأجاب: "بالتأكيد. هل يتوجب علي الانحناء أيضاً؟".
ردت تاليثرا ملوحة بيدها: "كلا، لا يهم الأمر الآن".
وفي ومضة وجد ثاليون نفسه في مقصورة وثيرة تمتلئ بوسائد ضخمة. وأمامه نافذة تتيح أفضل رؤية للنبلاء والحلبة بالأسفل. وبفضل اتصاله الخاص بالمانا عبر لقبه لاحظ ثاليون حاجزاً واقياً يحيط بالحلبة.
ابتسمت تاليثرا وهي تمسك بكأس من رحيق السديم: "أأنت راء؟ أفضل بكثير. ولا أحد يستطيع رؤيتنا هنا".
تفوه ريلاك في ذهنه فجأة: "أتظننا سنمارس الجنس الآن؟ لم أمارس الجنس قط".
طمأنه ثاليون مسلياً نفسه: "كلا، هذه مجرد مقصورة للمشاهدة على الحلبة فحسب".
في النهاية لم يكن سوى مصدر تسلية للأميرة ليس إلا.
سأل ثاليون: "ألا يقتضي عليك الظهور قبل بدء الحدث؟".
لم يشأ العزلة حبيساً في المقصورة لا سيما لعدم رؤيته أي مخرج.
أجابت تاليثرا: "نعم، لا يمكننا المكوث طويلاً هنا. لكننا نمتلك نحو ساعة".
سأل ثاليون: "عظيم. أيمكن لصديقك أن يخرجني بالنقل الآني أيضاً؟ احتياطاً إن نسيني أحد هنا".
بدا هذا حاسماً فالبقاء حبيساً في هذه الغرفة سيمنعه من التدخل.
ضحكت تاليثرا شاربة رشفة أخرى من الكأس الذهبية وقالت: "ظننت أنك ستستمتع بالمكان هنا أكثر، ولكن لا بأس".
عطف ثاليون الحديث قائلاً: "أسيقتتلون معاً أم مع الوحوش أسفل الحلبة؟".
أراد الإلمام بأكبر قدر ممكن قبل الشروع في خطوة.
شرحت تاليثرا: "سيقاتلون الوحوش في الغالب. ثمة ثلاثون مقعداً لنيل لقب المحارب المقدس وهي كافية للعائلات النبيلة الأقوى. أما البقية فلهم الحق بطبيعة الحال في تحدي الفائزين على مقاعدهم لكن ذلك نادر جداً. وردود الفعل العكسية من العائلات النبيلة القوية تجعل الأمر غير مجدٍ للضعيفة لتجربته".
كان هذا مثالياً بالنسبة له. فبات من المشروع الآن تحدي شخص جرى اختياره.
سألته بابتسامة عريضة: "أهلاً، أترغب في سماع طرفة؟".
أجاب ثاليون متبوعاً بالفضول لما قد تراه أميرة مسلياً: "بالتأكيد، لمَ لا؟".
انفجرت تاليثرا ضاحكة: "أخبرت المجلس برغبتي في التحدث إلى المحارب المقدس المزعوم من الأحياء الفقيرة. وأرسلوا فرق بحث حتى أولئك الذين بلغوا المستويات السماوية من الزراعة لكنهم عجزوا عن العثور عليه! أليس مضحكاً أن جرذاً من الأحياء الفقيرة بلا دراية بالزراعة ينجح في تفادي أقوى المزارعين في هذه المدينة؟".
سأل ثاليون بفضول: "لم أسمع قط بمزارعين سماويين. أهم أقوياء؟".
كانت الزراعة هنا تختلف جذرياً عما هي عليه في بعده. وبدت أشد صعوبة إذ غابت المهارات والمستويات. وقتل أحدهم لا يمنح أي منافع ولا توجد أشرطة مانا أو صحة لتقييم القوة. ولم يكن يسيراً استنتاج وقت نفاذ القدرة على التحمل لا سيما في عالم يمكن المرء فيه القفز متجاوزاً العشرين متراً بضربة واحدة.
قالت وما زالت مسلية: "هم على بعد مراحل قليلة من السيادة لكنهم أقوياء بما يكفي لتدمير هذا الكوكب بخنصرهم".
قهقه ثاليون: "أوه، حسناً أظنهم غاضبين جداً الآن".
لحسن الحظ أنه توقف عن قتل البشر. فهم يراقبون الأحياء الفقيرة بلا انقطاع على الأرجح ويمكنهم الانتقال آنياً—وربما يظلون خفيين عن العين المجردة.
ضحكت هي بشدة أكبر: "ليس لديك أدنى فكرة! إن نجح ذلك الفتى في تفاديهم لأكثر من أسبوع فسيغدو سيئ السمعة حتى في قصر أبي".
تبادلا الحديث مطولاً بشأن الزراعة حتى اضطرت تاليثرا للمغادرة إذ كان النداء على وشك البداية أخيراً. ظهر ثاليون في الطابق السابع منتظراً بدء العرض. رجل عجوز ممتلئ يطفو على مسافة مئة متر فوق الحلبة على منصة.
استهل صوته الجهوري: "أيها المجلس الموقر وعائلات مملكتنا النبيلة والضيوف الأجلاء، نقف اليوم على شفا التقاليد والبسالة. نجتمع للنداء العتيق—مراسم منقوشة في تاريخ شعبنا. إنه وقت يقف فيه أبناء وبنات السلالات النبيلة تحدياً في وجه أعتى وحوش عالمنا. فشجاعتهم وجلدهم ومهارتهم ستحدد لا إرثهم فحسب بل وقوتنا كأمة. إنه لمن دواعي فخرنا الترحيب بأجل ضيف بيننا، صاحبة السمو الأميرة تاليثرا التي تبارك تجمعنا بحضورها المشع. أيتها الأميرة، زيارتك تشرف هذه القاعة وإليك نهدئ هذا النداء. ومن خلال شهادتك قد ترتقي آمال شبابنا النبيل لتتجاوز مجرد الإرث إلى رتب المحارب المقدس النادرة والسامية. لقرون طويلة، نُطق لقب المحارب المقدس بإجلال مكتسب بأفعال بسالة تفوق الوصف. وما هذا سوى قتال محض—إنه بوتقة للروح حيث يقهر المرء ذاته ويتجاوز الوحوش ليغدو جديراً بالعباءة. ومن يرتقون سيحملون لا فخر عائلاتهم فحسب بل قوة شعبنا—شهادة حية على صمودنا ووحدتنا اللتين لا تلينان. فلنستعد لشهد العظمة. وليحمل كل متنافس إرث وشرف داره وهم يواجهون الوحوش. ومع كل ضربة وكل درع مرفوع وكل نبض يصدح بين هذه الجدران، لتصقل التجارب أساطير الغد بيننا".
أدرك ثاليون أن الأمر لن يكون بالبساطة التي صورها المتحدث. انتقل الرجل آنياً لمنصة أخرى تقف فيها الأميرة تاليثرا وحارسها ونبلاء كثر.
صرخ الرجل الذي جلس أمام الأميرة والنبلاء الأجلاء في بلورة تعمل كميكروفون ليدوي صوته في الحلبة برمتها: "أيها الجميع، استعدوا للمذبح".
أدرك ثاليون بدهشة أن لديهم معلقهم الخاص. ولسوف يكون هذا ممتعاً.