بدأت الخطة بإيصال تيف وأيمي إلى مكان آمن.
غلّفت ميليسا هذه الخطوة بشعار "تعالين لشاهدن عملي"، لكنها لم ترد تعريضهاما للخطر أو وقوفهما في طريق أحد.
إن لم تجدا عملاً في غرفة القيادة، فبإمكانهما الاختلاط بهدوء بمجموعة الناجين. شاءت الصدفة أن تطلب غرفة القيادة أيادي للأعمال البسيطة، مثل نقل زجاجات المياه ذهاباً وإياباَ ونحْل المعدات لمن هم أقدر على استخدامها. دلّت خيمة صغيرة تعلوها إشارة زائد حمراء تيف على مكان الجرحى، وتساءلت عما إن كان أطباء قد وصلوا. …وتحديداً، الدكتورة ووترز. هزّت رأسها ومذّرت نفسها بأن إيرفاين تبعد أميالاً.
صمت المكان فور دخول ميليسا خيمة القيادة. اعتادت والدة تيف ترك هذا الأثر في النفوس، وضاعف لباسها من وقعه. تطلبت عودة الجميع إلى أعمالهم ثانية واحدة، لكن أحدهم ممن بدا صاحب شأن تقدّم نحوهما.
سأل بحدة: "الاسم؟"
لم يكن فظاً، لكن مسؤولياته فاقت طاقته بلا شك، فالتزم الإيجاز ضرورة.
قالت ميليسا: "بريكهاوس."
كانت على رأس عملها، فحان وقت اسم مهنتها. أومأ الرجل باقتضب وهو يطرق معلومات في حاسوب لوحي. راقه ما رأى على ما يبدو، فأومأ مزيداً من الإيماءات.
"مساعد بقوة بدنية؟ يذكر سجلك حرف سين في القوة. ما حدك الأقصى؟"
"خمسة آلاف رطل باستمرار. ستة إن تحدثنا عن دفعات قصيرة، وعشرة في مأزق طارئ لمرة واحدة، لكنني أنتهي بعدها."
هزّ الرجل رأسه وقال: "لا يفترض أن نصل إلى ذلك، لكننا بحاجة إلى آليات ثقيلة. الفريق الذي تفاوضه وكالة إدارة الكوارث يتخلف لعدة ساعات، ونريد البدء بإزالة قطع الحطام الكبيرة لنشرع في تنظيف المباني. أتمتلكين قدرة على أعمال الأنقاض؟"
"أنا لها."
"إذن سترفعين تقريرك إلى جيم لاسو، ابحثي عن الرجل الضخم ذي السترة الحمراء."
توقف الرجل ورفع نظره إلى ميليسا.
"حسناً، إنه ضخم بالنسبة للجميع. سيخبرك بما تفعلين. أيتها السيدة، إن لم يقلها غيرك، شكراً لخدمتك."
مضت ميليسا ملوحة بيدها ومحتة، بينما تسمرت تيف وأيمي في مكانهما حيرة. لم تعرفا قدرهما وشعرتا بارتباك بالغ فجأة.
سألهما الرجل قبل أن تبتعدا وتجلبا المشاكل لنفسيهما: "أتلكم والدتكم؟"
أومأت تيف بصمت. هزّ الرجل رأسه برفق، لا استخفافاً.
"لا نرى متحرين في خدمة فعلية مع أطفال طوال الوقت. البطولة لعبة يافعين في الغالب."
ضحك في سرّه ثم رمقهما بنظرة جادة.
"ليس هذا مركز رعاية يومية. أأنتما هنا للمساعدة أيضاً؟"
هتفت أيمي بحماس: "بالتأكيد!"
نظر الرجل إليها وأشار بإصبعه.
"يعجبني هذا الموقف. توجها إلى خيمة المتطوعين. احصلا على شارة، واعرفا المكان الأنسب لمساعدتكم، وانطلقا. أه، ولا تذكرا حفظ الأوراق التي يمنحونها لكما؛ إن استغلتما هذا للمدرسة أو القبول في العدالة الفاعلة، فيمكنكما احتساب اليوم رصيداً."
كادت أيمي تجر تيف إلى الخيمة التالية ووضعتها في طابور المعاملة فوراً. لبقعة ضربتها كارثية طبيعية، تواجد الكثيرون مستعدين وراغبين في العون… إلى أن ظهر شيء وجعل تيف تدرك أن ليس كل الحاضرين هنا يتصرفون بإيثار. لمعت مهام نظام عديدة في حاشية رؤيتها، فافتنتها من غير إزعاج. لم تتح لها فرصة الغوص في التفاصيل تماماً، إذ خطفت أيمي شارتها وانطلقت تتبع توجيهات أخرى. همّت تيف بالنداء حين لفت انتباهها الواقف في رأس الطابور.
قال: "هي."
رفعت تيف بصرها في اللحظة المناسبة لرؤيته يعقد حاجبيه.
"أيتها الصبية، أيُسمح لك بالتواجد هنا؟ أأيقظتِ أصلاً؟"
طرفَت تيف عينيها. افترضت وجود قواعد تحكم من يحق له التطوع ومن لا يحق له. على قدر رغبتها وأيمي في المساعدة، لم تكن تيف متأكدة من إمكانية تكليفهما بعمل فعلي. عمل الأطفال اللعين.
"نعم، أيقظت هذا الأسبوع، في الواقع."
اتسعت عينا الرجل وقال: "أه. تهانينا. انظري، سأكون صادقاً، تبدين نحيلة بعض الشيء. أتظنين أنك قادرة على معالجة نقل الصناديق؟ هذا جل ما نملكه للمتطوعين الجدد. عمل ممل وبسيط، لكننا نحتاجه."
عبست تيف وقالت: "أملك حرف دال في القوة. ما وزن هذه الصناديق؟"
عقد الرجل ذراعيه فوق صدره فوراً وقال: "دال؟ كلا، هذا مستبعد تماماً. أعذريني يا صبية، لكن القواعد قواعد. عند حرف دال، تعدين عبئاً. أتنتلكين مهارات تقنية؟"
هزّت تيف رأسها: "لا."
"آسف، إذن لا يمكنني منحك شارة. انظري، لمَ لا تتوجهين إلى خيمة الناجين؟ وضعوا بعض الطاولات والكراسي هناك، فهناك مكان تنتظرين فيه على الأقل."
لمحت تيف ظهر أيمي باختصار، مراقبة إياها وهي تتعلم كيف ترصّ الطرود الصغيرة فوق منصة نقالة كألعاب تتريس. لم توقظ أختها بعد، وكانت تيف متأكدة تماماً من عدم سؤالهما عن ذلك! بدا الأمر مجحفاً بعض الشيء، لكن تيف لم تستطع جزم حجم العون الذي ستشكله بصدق. تأكدت من حوزتها لهاتفها وتوجهت صوب الخيمة الكبرى. لم ترتاد تيف سيركاً قط، لكنها تخيلت استخدام هذا المكان، ربما لا بوصفه الخيمة الكبرى، بل باعتباره جذباً رئيسياً.
كما قال مدير المتطوعين، تواجدت طاولات وكراسي كثيرة مجتمعة، ومؤلفة من تشكيلة طرازات عشوائية. بعضها انتمي في الأصل للمساحات الخضراء الخارجية لووك، بينما بدا أن أخرى جُلبت من غرف استراحة صغيرة. كان المكان صاخباً ومزدحماً، ونادراً ما وُجد مقعد شاغر، لكن لسبب ما، بعث ذلك على شعور وثيق بالأمان. شعور يمنع تثبيت أي شيء قالته أو فعلته بسبب الأحاديث المتداخلة المستمرة. أخرجت تيف هاتفها وطلبت رقماً.
أرادت معرفة أمر ما فور مغادرتهما المنزل، وتساءلت لِمَ لم تكتشف والدتها الأمر بنفسها. أين كانت فيكتوريا؟ أكانت آمنة؟ أكانت حية؟! ما أرادت تيف مقاربة تلك الفكرة الأخيرة. وكأنها استجابت لأفكارها، صرخ نغمة رنين مألوفة على بعد أقدام خلفها. التفتت تيف بسرعة، في اللحظة المناسبة لرؤية يد ترتفع بجانب مؤخرة رأس فيكتوريا.
دوست صوت فيكتوريا المتعب في أذنها ومباشرة أمامها: "تيف؟"
سألت تيف وعقلها يحاول استيعاب مصادفة الاصطدام بأختها البحتة: "توري؟"
قفزت فيكتوريا، مختبرة الظاهرة نفسها لسماع صوت أختها مرتين. التفتت بسرعة، لكنها ابتسمت باتساع على عكس تيف المتسمرة في مكانها.
سألت فيكتوريا: "أبخير أنت، يا قطعة السكر؟"
قالت تيف بغضب: "نعم… يفترض بي أنا سؤالك هذا!"
حدقت الاثنتان في بعضهما، وفيكتوريا تابتسم وتيف في ذهول.
ابتسمت فيكتوريا وقالت: "يمكنك إغلاق الهاتف الآن يا تيف."
انتفضت تيف، ناسية تماماً إمساكها بهاتفها قرب أذنها رغم وقوع أختها على بعد أقدام معدودة. أغلقت الخط على عجالة وأحفت هاتفها، في اللحظة المناسبة لترفعها فيكتوريا عن الأرض.
"توري! توري! هناك ناس!"
داعبتها فيكتوريا: "أخجلة أنت من أختك الكبرى؟"
"لا، لكنك ترجحينني! قدماي، قد تصدمين أحداً! لا أريد التحول إلى سلاح هراوة!"
قالت فيكتوريا مطولاً: "آه، نقطة وجيهة."
ثم أنزلت تيف على قدميها.
"ما رأيك أن نخطو خطوة للخارج وتخبريني بما تفعلينه هنا؟"
أوضحت تيف ببيان: "أحضرتنا أمنا. استجابت لنداء العون، فرافقتها أنا وأيمي."
ابتسمت فيكتوريا ابتسامة باهتة وقالت: "أيمي هنا أيضاً؟ بما كانت أم تفكر؟ ليس هذا بمركز رعاية يومية."
عبست تيف، مما ضحك فيكتوريا، وقالت: "هذا ما قاله معالج المتطوعين حين وصل إليّ! لكنه لم يقل شيئاً لأيمي!"
"حسنًا، لا يلومنّ إلا أنفسهما حين تستولي على المخيم. لست قلقة بشأنها كثيراً."
تنهدت تيف: "وأنا كذلك. كنت قلقة عليك."
ابتسمت فيكتوريا قبل أن تذوب درامياً وقالت: "أوه. كانت أختي الصغيرة قلقة عليّ! كم أنا مباركة!"
"لا تكوني بخيلة."
لكعت تيف بطن أختها. لم يكن لذلك أي أثر.
ضحكت فيكتوريا وهي تلكم إحدى قبضتي تيف وتبدأ بوضعها في قفل رأس: "استرخي. أتظنين أن مكاناً سيطالني؟"
اختنقت تيف وقالت: "توري، ما عرفت ما أفكر به. كما لا أستطيع التنفس. دعيني أذهب."
فعلت فيكتوريا، لكن كي ترمي تيف في الهواء قبل إدارتها مرة أخرى وتجلوسها على كتفيها. تركت تيف الأمر يحدث ببساطة، لخبرتها الطويلة في العيش حول أشخاص أقوياء. قادتهم فيكتوريا إلى الخارج ووجدت مكاناً منعزلاً ولطيفاً في ظل شجرة لا تزال صامدة حيث أمكنهما الحصول على بعض الخصوصية.
سألت تيف وهي تعزف الطبول على رأس فيكتوريا: "إذن، أستخبرينني؟ ماذا حدث؟ أذهبت إلى الصدع؟ أكان خطيراً؟ أأصبت؟ كيف كان الأمر؟!"
ضحكت فيكتوريا وقالت: "يا قطعة السكر، أستتركينني أتكلم؟ أبطئي! لنبدأ من القمة. كان الصدع صغيراً، وهو تصنيف لا مؤشر للحجم المادي. تري، تحتمل الصدوع أي شيء بداخلها. تكون أحياناً بحجم مبنى، وأحياناً بحجم مدينة. أظن أن أكبر صدع مسجل يقارب حجم كنتاكي."
تنهدت تيف: "أوه واو."
رغم عدم يقينها التام بحجم كنتاكي بصراحة. عرفت فقط شبهه القليل بساق دجاجة، وعرفت ذلك حصراً بسبب ملصق رأته داخل مطعم كنتاكي.
"يحدد حجم الصدع بناء على عدد الوحوش الواجب صيدها قبل تطهيره. يكف عن التفريخ فور تطهيره. تضم الصدوع الصغيرة عادةً من عشر إلى عشرين وحشاً في داخلها."
سألت تيف: "فقط؟ أكلها بحجم تلك الحشرة الكروية؟ رأيناها على التلفاز!"
تنهدت فيكتوريا: "كلا، ليس دائماً. لكن وحوش الصدوع تكون ضخمة جداً عادة. وُجد في هذه الحالة وحشا زعيم شبيهان بتلك الحشرة. هرب ذاك الذي رأيته من الصدع لحظة تفكك أختامه، فدخلنا وقتلنا الآخر. وُجد غيرها، لكن جلها بلغ حجم سيارة دفع رباعي كبيرة، لا مبنى."
سألت تيف: "أكانت كلها… حشرات؟"
تنهدت فيكتوريا مجدداً وقالت: "نعم. وكانت مقرفة للغاية."
تمتمت تيف: "أنا مسرورة لعدم دخولي، أو لعدم خروج المزيد منها. أه، ومناسبة الحديث… كنت قلقة حقاً. سمعنا على الراديو بوقوع وفيات متعددة، وخشيت…"
طبطبت فيكتوريا على ساق أختها وقالت: "شكراً لك يا تيف. لكنني أستطيع التدبر بمفردي داخل صدع."
سألت تيف: "أحقا تفعلين؟"
لا تشكيكاً بمهارات أختها، بل لجهلها التام بقدرات فيكتوريا.
"تقاتلين بقبضتيك. ماذا تفعلين ضد حشرات عملاقة؟"
هزت فيكتوريا كتفيها وقالت: "تجدين سُبلاً للإفادة. أعترف، ملائمتي أفضل للقتال ضد البشر، لا الوحوش. لا أدرى حجم عوني في صدع كبير."
سألت تيف: "أأحظيتَ بشيء رائع على الأقل من الصدع؟"
منحتها فيكتوريا نظرة غريبة وعبست تيف.
"ماذا؟ نعلم الاثنتان حيازة الصدوع للغنائم!"
ضحكت فيكتوريا: "صحيح. لكن هذا ما قد تقوله أيمي عادة."
ضحكت تيف: "أليس كذلك؟ لكن بجدية. كيف يبدو الداخل؟"
"إيه، يختلف كل صدع. كان هذا عبارة عن أدغال فائقة النمو. استخدمنا بضع مساحات صافية كحلبات، لكن حدود الصدوع اشتملت على أشجار عملاقة تنمو متلاصقة لدرجة تعذر الضغط بينها. تنعدم الحدود الصلبة أحياناً؛ ويوجد مجرد حاجز خفي يستحيل عبوره. لست متأكدة من قيمة هذا؛ إذ انعدمت ترسبات الموارد الواضحة. أفترض إمكانية قطع الأشجار العملاقة إن احتاج أحدهم خشباً كثيراً، لكنني لست [ماسحة]. لا أدري ما القيّم وما العقيم."
غرِقتا في صمت مريح حين جلستا على كومة أنقاض. كادت تيف تتعثر فجذبَتْها فيكتوريا لتلصقها بها.
تنهدت تيف مسندة رأسها إلى أختها: "أنا سعيدة لأنك بخير."
ما ردت فيكتوريا سوى: "ممم."
شرع عمال عديدون في النهاية بحفر متجر محطم عبر الساحة المقابلة لهما. راقبت تيف بمتعة وهم يضعون علامات على قطع مختلفة من المبنى الساقط، قبل قدوم أشخاص ذوي قوة خارقة لجرها بعيداً. شاهدن ميليسا تمر مرة أو مرتين، حاملة كتل خرسانية بحجم سيارة صغيرة وتمشي وكأنها ظفرت بصفقة رائعة في متجر السلع المستعملة. رغم ذلك، لم يعمل كل المكلفين في المنطقة على نقل الأنقاض، وخلافاً لتيف وفيكتوريا، لم يملك كل المتجولين سبباً وجيهاً لفعل ذلك.
راقبت تيف شخصاً ساعد في تحديد الفارق بين النفايات الحاملة للثقل والقمامة الجاهزة للنقل، وهو ينحني وينخل الفوضى على الأرض ويضع شيئاً في جيبه. ذكّرتها حركة على شاشة نظامها بوجود مهام أهملتها.
قالت تيف بصوت منخفض: "توري. أتذكرين حين أخبرتني عن مهام المودة؟ المثال الذي طرحته عن رجال الشرطة الفاسدين؟"
"أجل؟"
"أظنك قلت إن النظام يمنحك دائماً خيار توجيه مودتك يميناً أو يساراً. لتكون شرطياً جيداً أو سيئاً."
هزت فيكتوريا كتفيها: "بالتأكيد. يفعل ذلك عادة."
"حسنًا، عرض عليّ النظام مهاماً عديدة، لكن خلا أي منها من أكثر من خيار واحد. أترك لك تخمين الجانب الذي ترجح إليه الكفة."
ابتسمت فيكتوريا بسخرية وتنهدت: "دعيني أرى. سيبدو هذا ممتعاً."
أدت تيف الحركات وأدارت شاشتها. ارتفع حاجبا فيكتوريا وهي تمسح النص قراءة، وازداد الارتفاع مع قراءتها المزيد. عجزت عن التحمل أكثر في النهاية فانفجرت ضاحكة. مهمة: غلة طفيفة انهب المحيط. استعد ما لا يقل عن خمسة آلاف دولار من البضائع لخزائن زنزانتك. المكافأة: +1 شهرة سيئة.
"أجل يا تيف، لا أظن الفكرة صائبة البداية. ربما لا تنهبي وسط منطقة كارثة."
تمتمت تيف: "يبدو أن البعض يرى ذلك."
ضحكت فيكتوريا: "ما تعنينه؟ النهب في أزمة جريمة. أعني، السرقة جريمة بوضوح، لكن استغلال الفوضى يجلب عقوبات إضافية إن أُمسِك بك. لمَ تعتقدين وجود هذا الكم من رجال الشرطة الهائمين في المكان؟"
أجالت تيف نظرها مجدداً بالمبنى، ولاحظت، كما قالت فيكتوريا، وجود حفنة ضباط يراقبون جهود الإنقاذ. وليسوا هم فحسب، بل ظهر أبطال عديدون براقو المظهر بأزياء ملونة منذ استقرار الصدع، وبدوا كأنهم يهيمون في البداية أيضاً.
سألت تيف: "أفكل هؤلاء يترقبون سرقة أفراد أشياء إذن؟"
لم تدر كيف تشعر إزاء هذا. أكانت هذه حقيقة البطولة حقاً؟
أومأت فيكتوريا: "أو أمور مشبوهة أخرى. تظهر الكوارث جانبي البشر، الأفضل والأسوأ. تعم الفوضى ويسهل استغلال الأمور وسط الارتباك."
أومأت تيف، ناظرة مجدداً إلى إحدى مهامها: "تشبه ذلك الشخص نوعاً ما."
أشارت تيف إلى المشرف في المبنى المقابل الذي وضع بضائع في جيبه. حدقت فيكتوريا فيه بإمالة فضولية لرأسها.
"أظن صعوبة إثبات دس أحدهم شيئاً صغيراً في جيب أو سترة معطف واردة. لكن لِمَ يرغب ذلك الرجل في فعله؟ إنه مشرف. وعليه معرفة القواعد ويخاطر بخسارة الكثير."
خمنت تيف: "أيفترض أنه لا يقهر؟ ألا يظن أحد إقدامه على أمر كهذا مطلقاً؟"
هزت فيكتوريا كتفيها: "وكيف يثبتون ذلك؟ أعني، أظن إمكانية طلبه لإفراغ جيوبه واردة، لكن ماذا إن زعم إحضاره شيئاً من منزله؟"
ضحكت فيكتوريا والتفتت صاغرة إلى تيف.
"لِمَ ننتقد ذلك الرجل أصلاً على أي حال؟"
قالت تيف: "لأنه يسرق. راقبته يلتقط شيئاً. ها هو، ألقِ نظرة."
استدعت تيف مهمة ثانية، وبدت هذه أشد ريباً من الأولى. مهمة: إشراف مباشر يعزز حضور شرير خارق المجرمين الأصغر في مجال الرؤية ويقويهم. استخدم هالتك لتسهيل الجرائم الصغيرة. التقدم: 1/ 10 - نجاح عمليات النهب المكافأة: +5 شهرة سيئة حدقت فيكتوريا في المهمة، وتحولت ابتسامتها تدريجياً إلى عبوس حين أدركت ما تنظر إليه.
قالت فور إدراكها: "انتظري. سرق هذا الرجل شيئاً حقاً؟ وأفلت بفعله؟ يا له من وغد! وفي العلن أيضاً، وما رأيت شيئاً!"
خطت فيكتوريا خطوة للأمام فتعلقت تيف بمرفقها فوراً.
"توري! أين تذهبين؟"
قالت فيكتوريا بحرارة: "سأذهب للإبلاغ عنه! أو لتلقين أولئك الشرطة قطعة من رأسي على الأقل! ما هذا، أيقفون و(أصابعهم في دبرهم)؟ يتقاضون أجراً إضافياً من ميزانية المدينة مقابل الاستجابة للصدوع!"
توسلت تيف: "توري، توري. لا يمكنك الإبلاغ عنه!"
"لم لا؟"
"لأنك ستضطرين للإبلاغ عني حينها!"
توقفت فيكتوريا في مكانها وحدقت في أختها المعلقة بذراعها. بدأت تروس عقلها بالدوران واستغلت تيف اللحظة لتبين بعجالة.
"انظري، كما قلتِ، يستحيل إثبات الأمر، أليس كذلك؟ والطريقة الوحيدة لمعرفتنا بالأساس تعود لمهمتي. لكن إن أرينا الشرطة مهمتي، فسيدركون كوني… تعلمين. وفوق ذلك، وبمجرد كوني كذلك، أساعد شخصاً آخر على خرق القانون. هذا ليس عادلاً!"
ما حاولت فيكتوريا جر تيف إلى الشرطة، بل جذبتهما لتعانقها.
"نادراً ما تكون الحياة كذلك، يا قطة. نادراً حقاً. فماذا ترومين فعله بشأنه؟"
تذمرت تيف: "لا شيء نستطيع فعله، أليس كذلك؟"
"الأمر برمته عائد لك. إن أردت حقاً، نستطيع المشي إلى هناك ومواجهة الرجل. يفترض به الإشراف، لا النهب. وبإمكاننا عدم فعل شيء أيضاً. لا يهم كونك من تكونين بطريقة ما يساعد شخصاً آخر على خرق القانون. فهم يخرقون القانون، لا أنت. ولن يكتشف الشرطة الأمر إلا إن أخبرتهم أنت… لأنني لن أفعل بالتأكيد."
"لكن ماذا إن اكتشف ذلك الرجل كوني… من أكون؟"
قالت فيكتوريا ملوحة بكتفيها: "هدديه بالضرب."
حدقت تيف في أختها ببلادة.
سألت فيكتوريا: "ماذا؟ الأشرار ليسوا لطافاً مع الأشرار الآخرين. أظن الوضع أسوأ من المرتزقة، وهي قطاع خالٍ من القانون تماماً على مقياس الرمادي. وعلاوة على ذلك، أنا [حارستك الشخصية]. إن تفوه بشيء، فلن يدين نفسه فحسب، بل سيهددك. ومن يدرك عدم وجوب استدعاء القليل من الدفاع عن النفس المبرر بالوكالة؟"
قالت تيف باقتضاب: "توري. لا يمكنك ضرب من لا يعجبونك فحسب."
ابتسمت فيكتوريا: "لست البطل، بل أمي. ومناسبة الحديث، يجدر بي مهاتفتها."
"لم؟"
"لأخبرها بحيازتي لك ومغادرتنا."
"نغادر؟ ألم أصل للتو؟"
"الخيار الثالث: نغادر. لا تفعلين شيئاً حيال ما يقترفه ذلك الرجل، وتنسحبين من الموقف قبل أن تتحولي إلى مشكلة."
أومأت تيف. إن صدقت مع نفسها، استحسن سمع ذلك. ندمت على المجيء أساساً، فمن يتوقع، لا يوجد الكثير لتقوم به مراهقة لا تطمح للانضمام إلى العدالة الفاعلة. لم يبد الصدع مثيراً لعدم السماح لها بالاقتراب منه، وهو الأفضل. وجعلها النظر إلى الدمار تحس بالسوء فحسب. وامتلكت سؤالاً واحداً فقط.
"وماذا عن الصدع؟ دعيني منك، أتستطيعين المغادرة فعلاً؟ ألا تحتاجين إلى إغلاقه؟"
كررت فيكتوريا: "إغلاق؟ لا أحد يستطيع إغلاق صدع. جل ما نستطيع فعله هو استقراره، وهذا ما فعلناه مسبقاً. فعلناه قبل وصولك بوقت طويل: أتظنين حقاً أن أمك ستأخذك وأيمي إلى وسط صدع نشط غير مستقر؟"
تمتمت تيف: "حسنًا، بصراحة… قليلاً؟ لم أفكر بالأمر بصراحة إلا حين كنا في طريق القدوم، لكن فات أوان قول أي شيء حينها."
"يا فتاة، عرفت أمك على الأرجح استقرار الصدع قبل نظام الإنذار السريع. إنها مساعدة مسجلة؛ وتتلقى تلك التحديثات."
تذمرت تيف بعبوس، ناظرة من فوق كتف فيكتوريا. حيث لا تزال الدوامة مرئية فوق المباني.
"كيف يكون الأمر آمنأً بينما لا يزال ذاك يطفو وسط الساحة؟"
"قلت لك. لا يمكن لأحد إغلاق صدع. نستطيع محاولة إبقائه مفتوحاً لفترة أطول بإجراءات تفوق استيعابي، لكنه سيذوب تلقائياً إن لم نفعل. قد يستغرق أياماً، أو أسبوعاً. كان هذا صغيراً، لذا لن يأخذ وقتاً طويلاً."
أومأت تيف: "أه. ولا تحتاجين إلى المساعدة في التنظيف؟"
"يا تيف، حطمت مؤخرتي في الداخل بالفعل. لا مجال لقضائي الساعات القادمة في التقاط الحجارة. اتركِ هذا لأمي؛ إنها غريبة الأطوار في ذلك. إضافة إلى ذلك، أعتقد أنني مدمنة لك مثلجات."
أدركت تيف عدم مديونية فيكتوريا لها بأي شيء تقنياً، لكنها عرفت أيضاً عيش الأشرار وموتهم على التفاصيل القانونية. وإن نوت أن تصبح شريرة خارقة، وجب عليها التعود على استغلال تلك التفاصيل. ولهذا طلبت تيف، بلا خجل إطلاقاً، كرتين من الشوكولاتة مع إضافات إضافية في وعاء وافل مغطى. نعم، ربما بدا اقتناء أتباع أمراً جيداً. راقبَتْها فيكتوريا وهي توازن كرزة حمراء فاقعة بلسانها فوق القمة لمنع تدحرجها، وهزت رأسها.
قررت تيف تدارك خسائرها وأكلت المثلجات قبل سقوطها على الأرض.
بدأت تيف وهما تجلسان في مقصورة منعزلة داخل محل المثلجات وتحدقان في حركة المرور الهادئة بعد الظهر في الخارج: "لم تحصلي على أي غنائم. أتلقيت مهاماً حين دخلت الصدع؟"
شكل فضول تيف المتقد أمراً شائعاً لفتاة في السادسة عشرة، وأدركت فيكتوريا ذلك. لكن الرغبة في إبهار أختها الصغيرة لم تغيّر الماضي.
قالت وهي تمتص رشفة من مخفوق الحليب: "لا. ليس هذه المرة. لا منطق ولا سبب لطريقة توزيع النظام للمهام. قد ترين سلسلة مهام كاملة في بعض الأيام، مثل يومك اليوم مثلاً. وقد لا ترين واحدة قط في أيام أخرى. أعترف بغرابة عدم تلقي واحدة داخل الصدع، إذ أحصل على واحدة على الأقل عادة ‘للمساعدة في إغلاق الصدع.’ لكن ربما يعود الأمر لاجتيازي مهمة بالأمس عبر صيرورتي [حارستك الشخصية] وارتفاع مستواي؟ من يدري."
"ألا تبدين… لا أدري الكلمة المناسبة… متهورة؟ غير مكترثة؟ بخصوص مهامك؟"
"كيف ذلك؟"
"أعني، إنها تؤثر على ترقيك، أصحاح؟ كيف نفترض التخطيط المسبق إن جهلنا موعد منح النظام للمهمة القادمة أو كيفيتها؟"
"هاها يا تيف، نحن صغار. بلغت لتوك السادسة عشرة، ولم أبلغ العشرين بعد. أمامنا وقت. إضافة إلى ذلك، أظنك تبالغين في تقدير المهام والترقي. ليست بذات الأهمية الكبيرة التي تظنينها. يملك أقوى الناس في العالم حفنة مستويات فحسب. تعلّمي مجاراة التيار فحسب. ستتعلمين هذه الأمور في المدرسة، وعلاوة على ذلك، إن لم تنوي استخدام فئتك، فقد لا يهم الأمر كثيراً في النهاية. لا تقبلي أي مهمة لا ترغبينها، ولا تدعي النظام يشعرك بالذنب لكونك شخصاً آخر. أنت منيعة، فلا تدعيه يتنمر عليك."
أطلقت تيف تنهيدة عميقة. كان اليوم طويلاً للغاية؛ وبدا وكأنه شهر انقضى منذ الأمس، حين توجهتا إلى النقحاد وجري تقييمها. كعادتها، أصابت أختها. انتفت حاجتها للقلق. لا بشأن الصدوع، ولا الأبطال، ولا محاولات النظام لدفعها نحو مودة محددة. تستطيع العودة يوم الإثنين لكونها مراهقة عادية ويومية، تتأفف من البثور والواجبات المنسية. وللأسف، فكرت تيف، لن ينفعها عذر الكلاسيكي المتمثل في أكل كلبي لواجباتي المنزلية بعد الآن.
لا وكأنه نفع أصلاً، لكن عائلة فانداين لم تملِك كلباً وما استطاعت تيف الكذب.
قالت فيكتوريا بابتسامة خبيثة، مما جعل تيف تتجمد وملعقتها في منتصف الطريق إلى فمها: "رغم أني قلت كل ذلك، ربما يجدر بك البدء بالتخطيط المسبق. إنه لشيء يفعله شرير خارق تماماً."
ضحكت فيكتوريا وهي تكسب لنفسها ركلة في قصبة الساق.