انتهت حصّة الإرشاد بقرع الجرس. لعلّه للمرة الأولى في تاريخ هذا الصف لم يثب الطلاب من مقاعدهم فورا لمغادرة الغرفة. بدلاً من ذلك، استقبلوا السيد هندريكس بسيمفونية من أنات التذمر المخيب للآفاق.
قال بصوت خافت: "موسيقى عذبة تطرب أذني".
لم يكن أحد يعيره أي انتباه. أخذوا يتحركون أخيرا. ما من تشتيت عابر يفلح في إبطاء طالب داخل حجرة الدراسة في منتصف استراحته.
"جانيس، روي، تذكرا أنكما مدينان لي بفقرتين عن ملابس المدرسة اللائقة. أحذية الكروكس ليست ملابساً مقبولة للقدمين. البقية، أراكم غداً".
مضى يوم تيف في عادية مباركة. لم تكن تنتظر حدوث أي شيء، لكن بعد إثارة الأسبوع الفائت، بدا المدرَس باهتاً بشكل مفرط. كانت الرياضيات جافة، والتاريخ خبراً عتيقاً، والممرات بين الحصص متخمة بثرثرة لطيفة عوضاً عن دمار صدع قيد التكون. وحين تاقت تيف إلى غدائها، كانت قد نسيت تماماً أنها ينبغي أن تقلق بشأن حقيقة كونها شريرة عظمى تحيط بها مجموعة من المواطنين. إلى أن جلست تيف، وحدها، على طاولة في ركن المقصف، وشرعت في إخراج محتويات حقيبة غدائها الورقية، وبدأت تصنفها أمامها حسب الوزن واللون والشكل والملمس كالعادة.
لمفاجأة تيف الكبرى، وضعت كانديس صينية على الطاولة وجلست مقابلها. حدقت تيف بينما التقطت الفتاة السطويّة الساندويتش من صينيتها وأملته بعين ناقدة بحثاً عن القمة المثالية للقضم.
قالت كانديس دون أن ترفع عينيها: "أعرف ما تفكرين فيه. لماذا أجلس هنا؟ أو شيئاً قريباً من ذلك، أظن. أنت صادقة، لذا سأكون صادقة أنا أيضاً. تبدين، اممم، غريبة. لكن ربما أنت رائعة أيضاً؟ سنرى".
كان فم تيف قد أخذ يفتح ببطء، فأغلقتْه ببطء.
سألت تيف: "هل أنت مقيّم جيد لما هو رائع؟".
نظرت كانديس أخيراً إلى تيف، وراحت ملامح وجهها تعبر مجدداً عن مدى عجزها عن استيعاب كلمات تيف. لم تكن مرتبكة، بل كانت تنظر إلى الفتاة وكأنها لا تصدق أن لديها الجرأة لتقول ذلك في وجهها.
وضّحت تيف قائلة: "أعني. أنا لا. لا أُكنّ لك عداوة، لكن إن لم تكوني تدركين، فلا أظنني قادرة على انتقاء شخص رائع من وسط حشد".
أخذت كانديس قضمة ببطء، مبقية عينيها مسمرتين على مضغ تيف البطيء للغاية بانتظار أن تنهار تيف. لم تفعل. ابتلعت كانديس طعامها أخيراً، وابتسمت، وأشارت إلى تيف.
"أترين؟ هذه بداية. بلا هراء، يمكننا العمل مع هذا. كل بطل يحتاج إلى شخص عاقل يوازنه".
تمتمت تيف مستنكرة: "عذراً؟"، تماماً عندما كانت على وشك أكل تفاحتها.
لم تر كانديس أي خطأ فيما قالته فهزت كتفيها.
قالت بغطرسة، رغم أنها رسمت ابتسامة خفيفة: "أنا أتحدث عن نفسي بالطبع. سأحصل على شارة قيادة الفريق الأساسي العام القادم. أنا شخصية ذات شأن نوعاً ما".
حدقت تيف في كانديس، التي رفعت حاجبها بتساؤل وتابعت الحديث وكأنها تتحدث عن الطقس.
"ما رأيك في التشجيع الرياضي؟ من الواضح أن المساعد يحتاج إلى المشاركة، لكنه لا يستطيع أن يخطف الأضواء من البطل".
سأت تيف بذهول: "تظنينني مساعداً؟".
لو لم تكن تعلم أن كانديس تمازحها بوضوح، لربما شعرت بالإهانة. على الأقل، كانت متأكدة تماماً من أن كانديس تمازحها.
قالت كانديس بجدية، ولا زالت ابتسامتها مرسومة: "ربما ليس بعد. لكننا سنصل بك إلى هناك".
مدت يدها عبر الطاولة وربتت على يد تيف بتعجرف.
"لا تقلقي".
قلّبت تيف عينيها وأكلت هلامها. مر بقية اليوم الدراسي شبيهاً ببدايته، وهو أمر لم يكن مفاجئاً بمجرد أن فكرت تيف بالأمر. لن يكون لديها حصة تربية بدنية حتى الغد، وهنا حيث ستصبح الأمور غريبة.
كان والدها قد أرسل مسبقاً متطلبات تيف الجسدية المحدثة إلى المدرسة، لذا ينبغي أن يكونوا على دراية بأنها أصبحت مصنفة تحت بند "الاحتياجات الخاصة".
لم تحب تيف هذه الصياغة؛ فقد بدت وكأنها تحمل طابعاً مهيناً، لكنها كانت الحقيقة وكانت ببساطة متوترة بشأن كيف قد يتلقى أقرانها نبأ إعفائها... مهما كانت صيغة ذلك الإعفائيّة. أما عن تغييرات خصائصها الأخرى... وبما أن التقييم برأها من أي سمات أو قدرات محظورة، فلم تكن ملزمة بالإفصاح عن حرفي السين الخاصين بها. للأسف، لم يكن لمجرد وجود حرف سين في ذهنها أن يمنحها عبقرية خارقة.
لم تتجسد فوريا بوصفها البعث الثاني لأينشتاين، وهو ما كان للأفضل على الأرجح. لم تكن ترغب في التعامل مع شعيرات متناثرة هكذا. رغم ذلك، تفاجأت تيف قليلاً لرؤية إيمي تقفز نحوها بمجرد دق الجرس، بينما كانت تيف تنتظر الحافلة في موقف السيارات.
سألت تيف: "ألا تقضين وقتاً مع أصدقائك اليوم؟".
لم تكن إيمي تستقل الحافلة عادة. حتى عندما كانت تأتي إلى المنزل مباشرة بعد المدرسة، سُمح لإيمي بالمشي حيث مُنعت تيف من ذلك. لكانت تيف قد تذمرت من هذا الظلم، لكنها لم تحقد على إيمي في حريتها، وبعد انخفاض مستوى قوتها، لم تستطع تيف حشد الطاقة الكافية لكي تجادل.
زقزقت إيمي: "كلا! ولكن لماذا قفين في طابور الحافلة؟".
سألت تيف: "لأنني أريذ العودة إلى المنزل؟".
منحتها إيمي نظرة غريبة.
"عليك تفقد هاتفك أكثر".
أخرجت تيف قطعة البلاستيك الصغيرة من حقيبتها. على عكس بعض أقرانها، لم تكن مهووسة بامتلاك أحدث وأروع طراز. بالنسبة لها، لم يكن الهاتف وسيلة للثرثرة مع الأصدقاء وحشر نفسها في التجمعات الأكثر رواجاً. بل كان وسيلة عملية لاستدعاء شخص يملك سيارة ولإعلام والديها بمكان وجودها الحالي. حدقت فيه، مصدومة لرؤيتها مكالمة فائتة ورسالتين جديدتين. لم يسبق أن اتصل بها أحد. كانت، إن لم يكن شيئاً آخر، متوقعة التصرفات.
وكونها تتبع القواعد، كانت دائماً تبقي الجهاز صامتاً ومخفياً في الصف، بعيداً عن أي إغراء لإخراجه والمجازفة بمصادرته. برمجت إيمي بطريقة معاكسة تماماً عملياً. لم يكن هاتفها هو الأحدث والأروع، بحد ذاته... أو على الأقل، لم يكن الأغلى، أو الأفضل، أو الإصدار الجديد كلياً. استطاعت تيف أن تتصور بسهولة عالماً تستيقظ فيه إيمي على فئة مبرمج تقني... أو على الأقل، حرفي. رغم أن ذلك بدا غير مرجح تماماً، الآن بعد أن توقفت حقا لتفكر في الامر.
كانت تيف قد استيقظت بالفعل على فئة، وكان ذلك نادراً لعائلة واحدة. لم يكن غريباً تماماً أن يرث الأطفال بعض جينات والديهم المحسنة إذا كانوا من أصحاب القدرات، لكنه عادة ما يكون ضئيلاً. كانت قوة فكتوريا المحسنة نادرة بالفعل. لم تكن إيمي بقوة أختهم الكبرى، لكنها ربما كانت أقوى طفلة في صفها، وقد حصلت على حصة لا بأس بها من ذكاء والدها أيضاً. وهو ما بدا مقرفاً. لكن بالحديث عن أختها ووالدها، تفقدت تيف هاتفها أخييراً.
كانت المكالمة الفائتة من والدتها، تسأل عن سير يوم تيف. قلبت تيف عينيها؛ كانت المكالمة من الساعة التاسعة والنصف صباحاً وكان اليوم بالكاد قد بدأ. علاوة على ذلك، ما المفترض بتيف فعله؟ أتعطل صفها بالرد على المكالمة فقط لتهدئة مخاوف والدتها؟ بدا ذلك طريقاً ممتازاً لمصادرة هاتفها. كانت الرسالة الأولى من والدها، تخبرها بأن الجانب الإداري لاستيقاظها قد أُنجز وأن المدرسة قد أُخطرت بتقييمها.
حرص على التأكيد بأن كل المعلومات ذات الصلة قد قُدمت وأنه لا يتوجب عليها مشاركة المزيد مع أي شخص، ولا حتى المدير. كانت الرسالة الأخيرة من فكتوريا، وهو ما فاجأ تيف. عادة، كانت تيف تصادف أختها الكبرى في المنزل، لكن بخلاف ذلك لم تكن تتحدث معها عبر الهاتف. وينطبق الأمر ذاته على جميع أفراد عائلتها، وخاصة أختها الكبرى المستقلة جداً والمعتمدة على نفسها تماماً. إن لم تكن تغوص بنشاط في صدع، كانت تدرب جسدها للحفاظ على لياقتها أو مشغولة بوظفتها.
والتي، الآن بعد أن فكرت تيف بالأمر، كانت مكرسة حصرياً لحمايتها.
ترنمت إيمي: "الأخت الكبرى الكبرى قادمة لاصطحابنا. سأحظى بركوبة معها".
وصحيح تماماً، هذا تماماً ما قالته الرسالة. بالكاد أتيحت لتيف فرصة تأكيد الكلمات الفعلية حين سمعت صوت بوق وصراخ صوت فكتوريا.
"أيتها الشقيقات الصغيرات! إلى هنا!"
وبالفعل، ها هي فكتوريا تقف هناك في سيارتها الكامري البالية.
"اركبن السيارة!"
"أنا أولاً!"
ركضت إيمي إلى الأمام، شامة باب المقعد الأمامي. على عكس شاحنة والدتهما، قد يمنح المقعد الأمامي شيئاً فعلياً لإيمي. لم تهتم تيف كثيراً في أي الاتجاهين، لكنها ضحكت عندما أُحبطت محاولة إيمي لتسبقها. جذبت المقبض بلا جدوى، لكن الباب لم يتحرك.
تذمرت وهي تنحني إلى الخلف بكل قوتها بينما استمرت في التشبث بالمقبض: "توري، اشتري سيارة أفضل!".
ابتسمت فكتوريا باهتة وهي تنحني وتمسك المزلاج من الداخل: "دعيه يرحل، أيها الغبية. أنت تعلمين أنه مكسور والتمسك به هكذا لن يصلح شيئاً".
تذمرت إيمي وهي تنزلق إلى الداخل: "نعم، نعم. إلى أين نحن ذاهبتان؟! لماذا أنت هنا؟! ".
ضحكت فكتوريا: "استرخي. نحن لا نقوم بشيء مميز".
عضت إيمي شفتيها بعبوس: "آه. فلماذا أنت هنا إذاً؟ ليس لأنني لست ممتنة لركوبة، لكن لماذا لست في العمل؟".
تنهدت فكتوريا، متخذة نبرة أكثر جدية: "أنا أعمل".
انحنت إلى الوراء للتأكد من أن تيف تستقر بشكل مريح.
"كيف حالك في الخلف؟".
تنهدت تيف: "أنا بخير، توري".
سألت إيمي بحيرة: "ماذا تقولين إنك تعملين؟".
استمرت فكتوريا في التحديق في تيف بينما كانت تربط حزام الأمان، لكن شفتيها ظلتا مغلقتين في خط رفيع مشدود.
تنهدت تيف أحيراً: "إنها [حارستي الشخصية]".
رفعت نظرها لتجد إيمي تحدق بها، مصدومة ومرتابة.
سألت بلهجة قاطعة لالتفات نحو فكتوريا: "ماذا؟ لماذا فعلت ذلك؟ لماذا قد تحتاجين لذلك؟ لا أستطيع الفهم. انتظري... ألهذا علاقة بفئة تيف السرية للغاية؟".
لم تقل تيف شيئاً بينما كانت إيمي تهرطق، ناقلة نظراتها بين شقيقتيها. بمجرد أن أنهت حديثها، ألقت فكتوريا نظرة خاطفة على تيف قبل أن تحدق في إيمي بجدية.
"تريدين مني طردها، يا رئيسة؟"
"ماذا؟! لن تجرؤي!!"
بقدر ما قد يكون ممتعاً رؤية فكتوريا ترمي إيمي من السيارة، لم تكن تيف تافهة إلى هذا الحد.
تنهدت تيف: "لن يكون ذلك ضرورياً. نعم، يا إيمي. إنه لأجل فئتي. ولا، لن أخبرك بما هي. لا تسألي".
توسلت إيمي وهي تستدير للخلف: "لكنني أريد أن أعرف! لماذا تبقين الأمر سرا؟ ما المميز جداً فيه؟ ماذا لو كان رائعاً حقاً؟".
ردت تيف ببرود: "ماذا لو لم يكن؟".
أخرجت إيمي لسانها واستدارت إلى الخلف.
"حسناً، جيد! ابقي مملة إذن! ربما عندما أستيقظ، لن أخبرك، من باب المبدأ فقط!".
ضحكت فكتوريا: "رجاءً. أنت لا تتوقفين عن الكلام أبداً. عدم إفشائك للأسرار سيكون مستحيلاً حرفياً".
عبست إيمي: "مهلاً. أستطيع حفظ سر".
شاكستها فكتوريا: "أنا متأكدة من ذلك".
"أتعلمين ماذا، لن أخبر أيًا منكم أيضاً. هكذا إذن!".
ضحكت فكتوريا: "حسناً. لا تخبرينا عندما تصبحين مواطنة. بهذه الطريقة، لا داعي لنقيم حفلاً".
استسلمت إيمي فوراً: "أتراجع عن كلامي. أحضري كعكة. الكثير من الكعكة. والمثلجات. عجينة الكوكيز".
"عليك الاستيقاظ أولاً!"
تذمرت إيمي: "أعلم! إنها على بعد عام كامل! لكن على الأقل لست بحاجة للانتظار طويلاً حتى أتمكن من الذهاب إلى أكاديمية الدفاع".
آه نعم. موضوع المحادثة المفضل الجديد لدى إيمي. عبست تيف لكنها بذلت قصارى جهدها خلاف ذلك لئلا تدع تحولها الأخير في المزاج يفسد حماس أختها تجاه أكاديمية الدفاع. كل ما استطاعت إيمي الحديث عنه هو عدد الموارد التي تحت تصرف الأ أكاديمية الدفاع. بعد تلقي رسالة التوصية الخاصة بها، قامت إيمي ببعض التنقيب الجاد حول الأكاديمية. وأبرزها، الفصول والدورات التي يمكن للمرء أن يأخذها للمساعدة في توجيهه نحو مجال معين.
وتراوحت على نطاق واسع، اعتماداً على مقدار ما يرغب شخص ما في إنفاقه أو استثماره في سعيه نحو التقدم، من شيء أساسي مثل الفصول عبر الإنترنت لمرة واحدة إلى برنامج يشبه برنامج التدريب العسكري المكتمل تماماً.
كان برنامج "الشباب العدل"
جزءاً من ذلك النظام، حيث يمكن للأبطال الناشئين الارتباط بموجهين ذوي خبرة في برنامج تدريب مهني. لا يمكن لأ احد أبداً التنبؤ ما إذا كان سيصبح حقاً شخصية ذات قدرات، ولكن إذا كان الشخص مصرّاً ومتفانياً بما فيه الكفاية، فيمكنه توجيه فئته من مواطن إلى واحد من العديد والعديد من أدوار الدعم أو الإدارة. لم تكن إيمي مهتمة بمحاربة الجريمة مباشرة، لكنها طارت من فرحتها بمجرد اكتشافها أن بعض الأبطال الأكثر شهرة القائمين على التكنولوجيا يقدمون آراء وأعمدة نصائح إلى جانب ورش عمل للحرفيين الناشئين.
قضت طوال رحلة العودة إلى المنزل وهي تلغي آذان أخواتها، متغزلة بهذا المشروع الذي نشره متدرب لمراجعته من قبل الزملاء. طارت معظم التفاصيل التقنية فوق رأس تيف، لكن بدا الأمر وكأن شخصاً ما، من خلال الحساب المتقدم والعبث الكافي، قد أنشأ آلة لحساب احتمالية أن تأكل أي علامة تجارية معينة من غسالات الملابس أو المجففات جورباً واحداً من زوج. على ما يبدو، كانت دقيقة حتى منزلتين عشريتين، لكنها احتجت إلى مزيد من التحقق.
يا له من عالم يعيشون فيه. عندما أوقفوا السيارة أمام منزلهم، انطلقت إيمي خارج السيارة للحصول على سبق في لعب ألعاب الفيديو قبل أن يتمكن أحد من قول لا لها، بينما أطلقت كل من تيف وفكتوريا تنهيدة راحة. كان الاثنتان تحبان أختهما الصغيرة، لكنها كانت مزعجة للغاية. ومملوءة بالكلام. ومملوءة بكل شيء.
تنهدت فكتوريا: "لقد غادر الاعصار المبنى".
وافقت تيف: "أشبه بدخل المبنى. ما زال يتعين علينا الدخول إلى هناك. ألن نتجرأ؟".
"ما لم تكوني ترغبين في العيش في سيارتي الكامري، فنعم".
مازحت تيف: "أفترض أنه لا مهرب من ذلك. كم تتقاضين لقاء الإيجار؟".
سخرت فكتوريا ودخلت الشقيقتان. لم تصل إيمي في الواقع بعيداً في سعيها للعبة الفيديو. كانت والدتهما في المدخل، تنتظرهن، وغالباً مستعدة لتحوم حول تيف أكثر قليلاً، لكنها انتهزت تلك الفرصة لإزعاج إيمي كما سنحت لها. اتخذت إيمي القرار المشؤوم بمحاولة المرور بجانب ميليسا، لكن ذراع القانون الطويلة امتدت، وثبتتها، وبدأت تدغدغها. أومأت فكتوريا وتيف بهدوء بالتحية أثناء مرورهما، لكنهما تجاهلتا صرخات الضحية.
تبع ذلك بضع ساعات من السلام والهدوء، حيث قضت فكتوريا الوقت في قراءة كتاب في غرفة تيف بينما كانت الفتاة نفسها تكمل واجباتها المدرسية بواجبيّة. كان كل شيء على ما يرام حتى الساعة الرابعة والنصف، عندما أعلن والدهما عن العناق... أقصدي العشاء.
"ما رأي الجميع في الخرشوف؟"
أوقفوا الهاتف، كان هذا تطوراً جديداً!
انتعشت ميليسا على الفور: "الخرشوف؟".
قد يبدو الأمر غريباً بعض الشيء للغرباء، لكن في منزل فاندين، كان الخرشوف متعة نادرة. كما أنه كان وجبة كاملة، ولكن في بعض الأحيان، في غير موسمها عندما تكون خرشوفات صغيرة ومثيرة للشفقة، كانوا يقرنونها بشرائح اللحم أو الضلوع. خرج ريك من المطبخ وهو يحمل حقيبتين، أظهر منهما نموذجاً رائعاً لخرشوفة بحجم كرة نرمين منتفخة.
صرخت إيمي: "خرشوف!"، وكان المنزل مرة أخرى معرضاً لخطر الإصابة بالصمم.
حتى مدت ميليسا يدها بتهديد بأصابع متحركة.
"لا! أمي! ليس مجرد مرة أخرى!"
قفزت إيمي وفرت من الغرفة. نهضت ميليسا ببطء شديد وتعمد وراحت تدق الأرض خلفها. غرق المطبخ في صلح مسالم. أخذت فكتوريا إحدى الحقائب من والدهما وأومأت بموافقة وهي تراقب حصيلتهما.
"هذه جيدة. تفاجأت أنك تمكنت من الحصول على الكثير".
ضحك ريك: "وأنا أيضاً. كانت مطروحة للبيع. اثنتان بدولار، وكان هناك صندوق كامل منها. كان علي القتال وسط حشد للحصول على هذه".
أثنت فكتوريا: "وهم يقولون إن لديك فقط سي في القوة. هل لدينا كل ما نحتاجه لمرافقتها؟".
تأمل والدهما: "لدينا ملح، الكثير من الزبدة. يا فتيات، تفقدن الليمون والمايونيز".
تمتمت تيف بجهامة: "لا أحد يحتاج إلى المايونيز"، بينما عبثت فكتوريا بشعرها.
وقالت: "ليس الجميع يكره المايونيز. نحن بخير. هذه العبوة ممتلئة لنصفها على الأقل".
أخرجت عبوة بلاستيكية صغيرة على شكل ليمونة وأعطتها رجة. سيستمر ذلك لفترة طويلة.
قال ريك وهو يسحب وعاء ضخماً ويملأه بالماء: "رائع! الآن كل ما نحتاجه هو الوقت. وفي هذه الأثناء، أي أخبار عن الصدع؟".
وجدت تيف أنه من المثير للاهتمام أن يسأل والدها أختها عن الأمور المتعلقة بأصحاب القدرات، ولكن مرة أخرى، كان يعمل مع مصلحي المشاكل الذين يتعاملون بشكل أساسي مع الجانب البشري من البطولة، وليس الصدوع. كان ذلك نطاق فكتوريا.
هزت فكتوريا رأسها: "لا يبدو أنه صدع قابل للحياة. سيتركونه يأخذ مجراه ويغلق. المنطقة أكثر قيمة للمدينة كمنطقة تجارية مقارنة بمنطقة صدع متخصصة للغاية".
قال ريك بحزن: "يا للعار. لا أقول إن سانتا روندا تحتاج إلى تدفق النقود، لكن صدعاً جديداً سيصنع العجائب للاقتصاد المحلي. لا أستطيع أن أتذكر آخر مرة فتح فيها صدع في المنطقة".
سألت تيف: "ألم يظهر واحد العام الماضي في هوليوود؟".
سحبت كرسياً بجانب فكتوريا وراحت تتابع والدها وهو يطبخ.
أومأ ريك: "بالطبع. لكنني لا أعتبر ذلك محلياً. أعني، إنه تقنياً لا يزال مقاطعة لوس أنجلوس، لكن ذلك على بعد ثلاثين ميلاً. أنا أتحدث داخل المنطقة. سانتا روندا هي ماذا، أربعة أميال؟ خمسة؟ إذا كنا نتحدث عن صدوع "محلية"، فقد نذكر مصافي لونغ بيتش أيضاً".
سألت تيف: "ألم يتوقفوا عن الإنتاج منذ سنوات؟".
لم يكن ذلك مؤخراً، لكنها كانت تكاد تقسم أن أحد دروس التاريخ الخاصة بها تطرق إلى الأمر. أو ربما كان خط أنابيب ألاسكا المشؤوم؟ يا له من مسعى غريب، ضخ النفط عبر برية متوحشة. ولكن مرة أخرى، كانت قد رأت المجمعات الصناعية الضخمة في لونغ بيتش مرة أو مرتين، وبدت دائماً وكأنها تنفث بخاراً.
أوضحت فكتوريا: "لقد توقفوا عن استخراج النفط، لكن لديهم صدعاً. نصف الآلات التي يمكنك رؤيتها من الطريق السريع تنتج في الواقع طاقة للحفاظ على استقرار الصدع. إنه قديم؛ متأكدة تماماً أنه فتح في أواخر الثمانينيات".
سألت تيف: "حقا؟ هل يمكنهم إبقاء صدع مفتوحاً طوال تلك المدة؟".
ضحك ريك: "لا تستخفي بإزمة مبرمج تقني. لونغ بيتش مستقرة ومربحة للغاية. إنها مركز اقتصادي رئيسي لجنوب كاليفورنيا وتصدير هام".
سألت تيف وهي تتقدم إلى الأمام: "ماذا ينتجون؟".
عندما فكرت في صانعي المال في جنوب كاليفورنيا، فكرت في بيفرلي هيلز ونجوم السينما. تبادلت فكتوريا والدهما ابتسامة ساخرة.
قالت فكتوريا أخيراً: "الفحم السحري".
شعرت تيف وكأن عالمها يتحطم حولها.
"الفحم... السحري؟"
ما الجحيم الذي كان ذلك؟ بدا وكأن شيئاً سيقاتل من أجله بطل من الدرجة الثانية في رسوم متحركة صباح يوم السبت مقلدة، برعاية واضحة من تكتل للطاقة.
ضحكت فكتوريا على نظرة الاشمئزاز على وجه تيف: "أجل. فحم سحري. فحم سحري. هي، لا تحدقي بي، لم أسمه أنا! أماه سياسي ما فعل. إنه בדיוק ما يبدو عليه. فحم، ولكنه سحري. كل فوائد الفحم الطبيعي الذي تحفره من الأرض، دون أي مخاوف بيئية. لا تصاب حتى بالرئة السوداء. إنه نظيف تماماً وأكثر كفاءة بنحو خمسمائة بالمائة من وقود الكربون القياسي".
صاحت إيمي، عائدة في أعקاب والدتهما: "إذن لماذا لا نستخدمه في السيارات؟ أو الأفضل من ذلك، أين السيارات الطائرة؟ لقد وُعدت بسيارات طائرة".
ابتسمت ميليسا: "لم توعدي بسيارات طائرة. لقد وُعدت أمي بسيارات طائرة".
سأل ريك: "هل حاولت يوماً حشو قطعة صخرية في خزان وقود؟ أنا متأكد من أنهم يعملون على ذلك. لماذا لا تعملين على ذلك أنت؟".
أعلنت إيمي بنبرة حازمة: "ربما سأفعل!".
ممتاز، فكرت تيف، المستقبل يبدو مشرقاً. لم يكن الخرشوف مجرد وجبة مفضلة للعائلة. بل كانت وجبة اجتماعية نشطة بشكل لا يصدق. حصل الجميع على وعاء مع خرشوفة ضخمة (حتى تيف)، وكانت هناك قطع إضافية لميليسا وفكتوريا وأي شخص يريد مشاركة واحدة إضافية. كان لكل منهم أوعية صغيرة ذات صلصات غمس مختلفة (رغم أن تيف فضلت الزبدة المذابة مع لمسة من الليمون). في منتصف الطاولة كان هناك وعاء عملاق، محجوز عادة لأمسيات الأفلام، حيث يمكنهم ملؤه بكيسين كاملين من الفشار.
وبينما كانوا يأكلون، كان نصف المرح يتمثل في رمي القطع المتبقية غير القابلة للأكل من الأوراق في المنتصف دون إثارة غضب شخص بالغ. بما أن ميليسا كانت مذنبة أيضاً برمي (وإخطاء) ورقة بين الحين والآخر، فقد وقعت المسؤولية بالكامل على عاتق ريك. لقد كان متسامحاً، وباعتباره الرجل الوحيد، كان أقلية فادحة. التقطت ميليسا أطراف الحديث حيث تركته فكتوريا وريك عندما ناقشا صدع سانتا روندا.
في الدوائر التي تحركت فيها، كان معظم الناس سعداء برؤيته يرحل. كانت قيادة الشاحنات مهنة صعبة لأسباب عديدة، ليس أقلها المتطلبات المفروضة على وقت الشخص والمضاعفات التي تثيرها عند محاولة تكوين عائلة. لكن قيادة الشاحنات لمسافات طويلة كانت خطيرة بشكل خاص، نظراً للبرية التي كان على السائقين عبورها. لم يكن العالم الحديث، بكل أبطاله الخارقين، بل وأسلحته الخارق، مدجناً بالكامل.
يمكن للحظارة أن تظهر أينما أراد الناس وضع جذور، ولكن الأمر كذلك بالنسبة للصدوع. إذا لم تكن هناك قاعدة بشرية كبيرة بما يكفي الراغبة في الغوص في صدع وإغلاقه، فيمكنه بسهولة اجتياح مستوطنة والقضاء عليها.
ولهذا السبب "اختار"
معظم البشر العيش في امتدادات حضرية ومدن ضخمة. كان هناك الكثير من المجتمعات الريفية والبلدات، لكن الطرق السريعة بحاجة إلى حماية بالحواجز. لم تكن تلك رخيصة، ولم تكن مضمونة ضد الخطأ. إذا هرب وحش من صدع ونجح في التكاثر في العالم الحقيقي، فيمكنه أيضاً طغى حاجز غير مراقب. لم يكن الطريق السريع رقم خمسة الصاعد عبر الممر المركزي خطيراً تماماً مثل تلك الطرق المحفوفة بالخاطر التي سلكها سائقو شاحنات الجليد فوق البحيرات المتجمدة، لكنه ظل معتركاً بطول ثمانمائة ميل على أي حال من المكسيك إلى أوريغون.
صدع واحد "خفيف"
أقل كان هماً أزيح عن صدور كثير من الناس. لكن ذلك أثار أيضاً نقطة للمعارضة، بينما لعبت ميليسا دور محامي الشيطان. قد يقول البعض، إذا كان صدع واحد مفتوحاً ومستقراً، فهل سينشأ صدع آخر حقاً في المنطقة المحيطة؟ كان القليل جداً معروفاً عن الصدوع. لم يعرف أحد ما إذا كان هناك حد لعدد ما يمكن أن ينشأ، أو في الواقع، أين يمكن لأحدها أن ينشأ. يمكن أن تظهر في أي مكان... حرفياً، في أي مكان.
بما في ذلك عالية جداً في السماء، مما يعرض الطائرات للخطر، أو على بعد أميال في البحر. أكدت البحرية منذ فترة طويلة وجود صدع متقلب في وسط المحيط الهادئ، لكنه كان أعمق بكثير من أن يتم الوصول إليه بأمان ولم يكن بإمكان الناس إلا انتظار إغلاقه. كمدينة غنية، لم تكن سانتا روندا بحاجة إلى أي خشب طري، وهو ما كان يُعتقد أن الصدع ينتجه. تتكون الجزء الأكبر من المدينة من مناطق سكنية، ولم يرغب أحد في جرافات أحدث مركز تسوق بأحدث تجديد وتحويله إلى ساحة أخشاب.
بدأت إيمي تطرح الأسئلة، بدءاً من أنواع الوحوش التي تفرخ في الصدوع وصولاً إلى كيفية محاربتها من قبل الناس، وبذلت فكتوريا قصارى جهدها للإجابة. لم تكن هناك إجابة قاطعة واحدة حول كيفية التعامل مع الصدع، حيث كانت هناك متغيرات كثيرة متأصلة في الألغاز الخارقة للطبيعة، واعتمد الأمر أيضاً على من يمكنه الاستجابة أولاً. تبين أن الناس متنوعون تماماً مثل الصدوع. جلست تيف إلى الخلف وفركت بطنها الممتلئة، راضية وسعيدة بالاستماع إلى أخواتها يتحدثن.
إذا كان ما كانت تسمعه صحيحاً، فربما لن تحتاج إلى القلق بشأن الصدوع لفترة أطول. كانت تلك شؤون فكتوريا... عندما لم تكن تحمي تيف. وحتى في ذلك الحين، افترصت تيف أن أختها الكبرى ستمضي قدماً للعودة إلى العمل قريباً بما فيه الكفاية. في النهاية، ستتجاوز صدمة فئتها الجديدة، وسيعود العالم إلى طبيعته.