كان ذلك يوم المحاضرة، وقد ألقاها أحد شيوخ تأسيس الأساس في الطائفة. شقّ نينغ طريقه نحو قاعة الشؤون العامة بخطى متأنية. كانت المباني المنتشرة على جانبي الممر الحجري تقف بتناظر تام، لدرجة أن أسقفها القرميدية وأعمدتها المنقوشة كانت تعكس إحداها الأخرى بدقة بدا معها الأمر غير طبيعي. ربما قُصد بذلك رمزية التوازن أو الانسجام. رائع. أومأ نينغ برأسه موافقاً. لمح قاعة الشؤون العامة تلوح في الأفق بعد وقت قصير.
دخله ليفاجأ بأنه وصل قبل موعده بنحو نصف ساعة. كان ذلك الخيار الآمن. إن وصلت مبكراً تجاهلك الناس. وإن وصلت متأخراً تذكرك الناس. وإن صادف أن كان من يتذكرك شخصاً قادراً على تسويتك بالارض صدفة بتدفق طاقة طائش، فمن الأفضل عادة عدم إغواء القدر. مثل هذه الأمور الصغيرة هي ما يجب الحذر منه. التفاصيل الدقيقة تهم.
"الأخ نينغ!"
دوى صوت تشانغ فنغ البهيج من أحد أركان القاعة. كان يلوح بحماس، إلى جواره وي جوسانغ ودانغ رولانغ. ابتسم نينغ ورد التحية بانحناءة مألوفة مع تشبيك يديه أمامه قبل أن يقترب. للوهلة الأولى، لم يبدو أي شيء غير عادي. كان وي جوسانغ وتشانغ فنغ ودانغ رولانغ لا يفترقون تقريباً هذه الأيام. المفاجأة كانت في الشخص الرابع الواقف معهم. كان شاباً حاد الملامح، بلغ بالفعل المرحلة الثانية من تكثيف الطاقة.
وكانت رداؤه أعلى جودة بشكل ملحوظ من أداء بقية التلاميذ الخارجيين، وبدا الثقة على وجهه قريبة من الغرور. ألقى الشاب نظرة متأنية على نينغ قبل أن يتكلم.
"إذن، أنت عضو آخر في ما يسمى بجمعية التكافل هذه."
بقيت عيناه معلقتين لفترة قصيرة قبل أن يومئ برأسه برهة.
"تبدو... مقبولاً."
أمال نينغ رأسه بخفة شديدة، وانسابت عيناه نحو وي جوسانغ في استفسار صامت. من هذا الطفل الوقح الضائع؟ فهم وي النظرة فوراً.
"أحم."
ابتسم باحراج.
"الأخ نينغ، اسمم لي أن أقدم لك الأخ سو فان."
مال إلى الأمام قليلاً وخفض صوته.
"إنه من قاعة الكيمياء."
ارتفع حاجبا نينغ بالكاد ملحوظين. فسر ذلك الكثير حقاً. قاعة الكيمياء. كان هذا الرجل غنياً بحرف الغين الكبير. كان وي وتشانغ ودانغ ينحدرون جميعاً من عائلات استزراع محترمة، لكن صلاتهم لم تؤمن لهم سوى العمل في قاعتي صقل الأسلحة والتمائم. وما ذلك بالأمر الهين، إذ تصنف هاتان القاعتان بين الأفضل في مئة فن خالد. مع ذلك، حيث يوجد بشر يوجد تقسيم طبقي. ظلت الكيمياء وتشكيلات الطاقة في مرتبة أعلى قليلاً على السلم، حتى بين الفنون الأربعة الكبرى.
كان الاثنان يمسّان الاستزراع مباشرة: فالأبوب الروحية والمصفوفات هي ما يصنع مسار المزارع أو يحطمه. أما الأسلحة والتمائم فكانت مرموقة بلا شك، لكنها تظل أدوات في النهاية. كان لدى تلميذ من قاعة الكيمياء سبب طبيعي للفخر.
"إذن فهو الأخ سو."
شبك نينغ يديه بأدب.
"سررت بمعرفتك."
"همم."
اكتفى سو فان بإمالة رأسه قليلاً. أجل. سيد شاب بالتأكيد. تضحك وي جوسانغ باحراج.
"خلفية الأخ سو... مثيرة للإعجاب إلى حد ما."
اكتفى نينغ بالابتسام.
"هذا طبيعي تماماً. لقد بلغ الأخ سو المرحلة الثانية من تكثيف الطاقة بينما ما زلنا جميعاً في الأولى. الموهبة والعمل الجاد يستحقان الاحترام."
رمش وي قبل أن يمنحه إشارة إبهام حماسية.
"الأخ نينغ، أنا معجب بنظرتك حقاً."
أطلق سو فان شخيره، وإن قل الازدراء في تعبيره بشكل ملحوظ.
"همم. أنت تعرف كيف تتكلم على الأقل."
قاوم نينغ رغبته في قلب عينيه. لقد سمع الرجل كل كلمة بطبيعة الحال. يمتلك المزارعون حواس أحدث بكثير من البشر العاديين. الهمس لا ينجح إلا مع العاديين. أما حول زُملاء الاستزراع، فإن خفض الصوت لا يخلق سوى وهم الخصوصية. لذا لم يكن على وشك ارتكاب خطأ غبي هنا بالذات. في تلك اللحظة، هبط ومض ضوء أبيض قمري من السماء. هبط سيف طائر بخفة في وسط الساحة، وترجل رجل في منتصف العمر يرتدي رداءً أبيض قمرياً برشاقة ودون عناء.
وما إن لامست رجلاه الأرض حتى دار السيف حوله مرة واحدة قبل أن ينزلق بدقة ليعود إلى غمده من تلقاء نفسه. لم يستطع نينغ منع عينيه من التعلق بالمشهد. هذا هو شكل المزارع حقاً. رفعت أكمام الرجل برفق رغم غياب الريح، وبدا وقاره هادئاً ومنفصلاً، حاملاً تلك الكرامة العفوية لمن تجاوز العالم الدنيوي منذ زمن بعيد. سارع التلاميذ إلى تشبيك أيدي والإنحناء.
"نحيي الشيخ!"
ابتسم الشيخ ليو باهتة ولوح بيده.
"يكفيكم رسميات. يمكنكم مناداتي بالشيخ ليو فحسب."
اكتسحت نظراته التلاميذ المجتمعين قبل أن يومئ برضى.
"ستتناول محاضرة اليوم أساسيات الاستزراع. استمعوا بعناية. أساس متين يساوي أكثر من سنوات من الجهد الأعمى."
سكتت الساحة بسرعة.
"الغرض من الاستزراع،"
بدأ الشيخ ليو، "هو صقل طاقة السماء والأرض الروحية وتحويلها إلى قوة خاصة بالفرد. كل اختراق يلطف الجسد، ويوسع الدانتان، ويقرب المزارع خطوة أخرى نحو تجاوز الفناء ذاته."
لم يكن صوته عالياً بشكل خاص، ومع ذلك سمعه كل تلميذ بوضوح.
"إلا أن الطريق الأمامي ليس سلساً ولا آمناً. فالوحوش الشيطانية، والمزارعون المعادون، والآثار القديمة، والمحن السماوية، كلها تنتظر أولئك الساعين نحو الخلود. وللبقاء على قسط من الحياة وسط هذه المخاطر، يعتمد المزارعون أساساً على أمرين."
رفع أصبعين.
"التعاويذ."
"الفنون القتالية."
"تحول التعاويذ الطاقة إلى مظاهر خارجية."
نقر الشيخ ليو بإبصبعه، فظهر لهب صغير فوق راحته ليتحول إلى مجرى ماء، ثم هبة ريح، وأخيراً صاعقة صغيرة متقطعة.
"النار، والماء، والأرض، والمعدن، والخشب، والريح، والرعد، ولا تعد ولا تحصى من المظاهر الأخرى، كلها تقع تحت هذا المسار. يبدأ معظم المزارعين بتقنيات بسيطة قبل تعلم تعاويذ أعمق تدريجياً."
ومع نفض أخرى من كمه، اختفى العرض المصغر.
"أما الفنون القتالية، فتعزز المزارع مباشرة. فبدلاً من الاعتماد على المظاهر الخارجية، فإنها تصقل الجسد، وتمكّن الأسلحة، وتسمح بتوجيه الطاقة عبر القتال القريب. ما من مسار يتفوق على الآخر. المزارع القادر يفهم كيف يجعل كلاً منهما يكمل الآخر."
أصغى نينغ باهتمام، محفوراً كل كلمة في ذاكرته.
تابع الشيخ ليو: "أما عوالم الاستزراع، فهي تتدرج من تكثيف الطاقة إلى تأسيس الأساس، القصر الأرجواني، النواة الذهبية، والنواة الناشئة."
توقف مؤقتاً، تاركاً الأسماء تستقر في عقول التلاميذ قبل أن يبتسم بابتسامة خافتة.
"أما ما يقع وراء النواة الناشئة، فلا داعي لأن تشغلوا أنفسكم به الآن. حتى فهم العوالم الخمسة الأولى أكثر من كاف لمرحلتكم الحالية. المزارع الذي يحلم بالطيران قبل أن يتعلم المشي لن يتعثر إلا."
أصبح تعبيره أكثر جدية.
"لا تصبحوا مهووسين جداً بالتقدم في عالمكم لدرجة إهمال أساسكم. قد يسمح لكم أساس ضعيف بالتسلق بسرعة، لكنه سيصبح عاجلاً أم آجلاً السلسلة التي تمنعكم من التسلق لأعلى."
أومأ العديد من التلاميذ بجدية. في تلك اللحظة، ترددت أصداء خطوات متسرعة عبر الساحة. دخل تلميذ واحد جائياً يركض عبر المدخل، يتنفس بصعوبة بينما تحولت كل عيون ببطء نحو المتأخر سيء الحط. تعثر الشاب في الساحة، وتمزق رداؤه في عدة أماكن، ولطخت التراب وجهه، كما لو أنه خاض طريقه عبر نصف الجبل للوصول إلى هنا فقط. رفع نينغ حاجبه. شياو فان. وقبل أن يتحدث أي شخص آخر، دوى صوت ساخر في جميع أنحاء الساحة.
"إذن قرر الحثالة إظهار نفسه أخيرً."
التفت نينغ نحو المتحدث. كان الشاب يرتدي ملابساً مطرزة أجمل بكثير من تلك الخاصة بالتلاميذ الخارجيين العاديين. وظل ذقنه مرفوعاً قليلاً، وجعل المنحنى الماكر لشفتيه واضحاً تماماً أنه يستمتع بوجود جمهور.
"إنه شياو هونغ،"
تمتم تشانغ فنغ بجانبه. درس نينغ الوافد الجديد للحظة. سيد شاب مغرور آخر؟ هل يزرعون هؤلاء البشر في الفناء الخلفي للطائفة؟
"شياو هونغ؟"
سأل نينغ بهدوء.
"صاحب الجذر الروحي عالي الجودة؟"
أومأ وي جوسانغ برأسه.
"هو بالذات."
انتشرت ابتسامة عريضة ببطء على وجه تشانغ فنغ.
"سيكون هذا ممتعاً."
ألقى نينغ نظرة عليه.
"لماذا؟"
بالنسبة له، في الوقت الحالي، تشكل هذه الثرثرة ترفيهاً بالفعل. العيش في كهف يفعل بك ذلك. ضحك تشانغ فنغ خفيفاً.
"قصة طويلة."
طوى ذراعيه وأومأ نحو شياو فان.
"كان هذا الرجل في يوم ما السيد الشاب لعشيرة شياو. كان والده أعظم عبقرية في العشيرة والوريث بلا منازع، لكن بدلاً من الزواج من عشيرة استزراع أخرى، اختار امرأة بلا خلفية تذكر. كادت الشيوخ تسعل حتى الموت من الصدمة."
أومأ وي جوسانغ.
"بعد ذلك بوقت قصير، اختفى والدا شياو فان تماماً دون أثر."
تنهد تشانغ فنغ.
"ثم جاء الجزء الأسوأ. شُخِّص شياو فان بجذور روحية تالفة. بالكاد تقدم استزراعه، لذا جردته العشيرة من منصبه كوريث."
أضاف وي بهدوء: "ورث فرع شياو هونغ كل شيء بعد ذلك."
استنشق نينغ الهواء بهدوء. الآوالدين يختفيان بغموض. الموهبة مدمرة. الميراث مسروق. هذه ثلاث كليشيهات للأبطال بالفعل. رمش نينغ. خدش تشانغ فنغ خده.
"لكن هذا ليس الجزء الغريب حتى."
نظر إليه نينغ.
"هناك المزيد؟"
"يقال إن خبيراً عابراً أصلح جذوره الروحية لاحقاً. لا أحد يدري لماذا."
هز تشانغ فنغ كتفيه. مد وي جوسانغ يديه.
"ثم اختفى الكبير بغموض كما جاء."
حدق نينغ أمامه ببلادة. خبير غامض أيضاً؟ إنه يجمع استعارات الأبطال أسرع من جمع لعبة غاشا لشخصيات محدودة. اللعنة، قد أكون عائشاً داخل رواية شيانكسيا من الدرجة الثالثة في الواقع. في مقدمة الساحة، استقام شياو فان بظهره.
"وصلت متأخراً لأن ثلاثة أشخاص قطعوا طريقي."
انطلقت نظرته نحو شياو هونغ.
"بأوامر من شخص ما."
اكتفى شياو هونغ بالسخرية.
"أهكذا؟ ربما كان عليك الوصول مبكراً إذن."
طوى ذراعيه على صدره.
"أم أن الأعذار هي الشيء الوحيد الذي نجحت في استزراعه؟"
حتى الحوار يبدو وكأنه سيناريو من الدرجة الثالثة، فكر نينغ، مندمجاً بهدوء وسط الحشد.
"أنت-"
"اصمت."
دوى صوت الشيخ ليو في الساحة كضربة رعد. ومع نفض عابر لكمه، هبط ضغط خفي على التلاميذ. تعثر تنفس نينغ بينما تيبس جسده غريزياً تحت الثقل. لم يكن موجهاً إليه، ومع ذلك جعل مجرد الوقوف ضمن مداه يشعر وكأن جبلا خفياً قد استقر على كتفيه. إلا أن عينيه أشرقتا بالإثارة. إذن هذا هو مزارع تأسيس أساس. كل هذا بمجرد تلويحة من يده. الفجوة بين العوالم أبشع مما تخيلت. اكتسحت نظرات الشيخ ليو الهادئة التلاميذ.
"هذه ليست منصة لضغائنكم الشخصية."
استقرت عيناه لفترة وجيزة على شياو هونغ.
"قاطع مرة أخرى، وستُعاقب."
زاد الضغط حول شياو هونغ فجأة. تحول وجهه إلى شاحب قبل أن يسعل لُعاباً من الدم، مترنحاً إلى الوراء عدة خطوات. عندها فقط حول الشيخ ليو نظره إلى شياو فان.
"أما أنت، بغض النظر عن السبب، فلا تتأخر مرة أخرى."
"حاضر، أيها الشيخ!"
انحنى شياو فان بعمق قبل أن يسرق نظرة منتصرة نحو شياو هونغ الذي اسود وجهه إحراجاً. راقب نينغ التبادل بهدوء. أجل. هذا الرجل سيوظف قتلة بالتأكيد لاحقاً. بحلول الآن، كان شياو فان قد حقق كل شروط دليل البطل الكلاسيكي تقريبًا. كان نينغ مقتنعاً تماماً بأنه وجد المختار، رغم أن جزءاً صغيراً منه لا يزال يريد المزيد من الأدلة.
"لو لم أكن قد نجوت من سنوات مراهقتي، لكان هذا المستوى من الأزمة الوجودية قد سحقني،"
تأمل نينغ في نفسه. ففي النهاية، ليس كل يوم تدرك فيه أنك قد تكون عالقاً داخل رواية شيانكسيا. جالت أفكاره للحظة نحو عوالم موازية، وأزمنة لا نهائية، واحتمالية أن كل رواية استزراع سخيفة قرأها على الإطلاق موجودة في مكان ما كعلماً حقيقياً. لحسن الحظ، وقبل أن يختفي تماماً في جحر الأرنب ذلك، استأنف الشيخ ليو محاضرته. كانت شروحات الشيخ مشوقة بشكل مدهش، حيث بسط مبادئ الاستزراع العميقة ظاهرياً إلى مفاهيم يمكن حتى للتلاميذ الجدد فهمها.
وجد نينغ نفسه يستمع باهتمام لدرجة أنه عندما توقفت المحاضرة أخيراً، تمنى لو أنها استمرت. نظر الشيخ ليو عبر التلاميذ المجتمعين قبل أن يتكلم مرة أخرى.
"وافقت الطائفة مؤخراً على حافز إضافي لجيلكم. أي تلميذ يبلغ المرحلة الثالثة من تكثيف الطاقة في غضون عام واحد يمكنه اختيار تقنية استزراع بحرية من جناح السوترا."
انتشر همس فوري في الساحة.
"وأولئك الذين يصلون إلى المرحلة الرابعة خلال نفس الفترة سيتلقون فرصة إضافية من الطائفة."
أشرقت عيون التلاميذ.
"في الاستزراع، أولئك الذين يتوقفون عن التقدم يتخلفون حتماً عن اللحاق بالركب. يمتلك معظمكم جذوراً روحية منخفضة أو متوسطة فقط. الاختناقات أثناء تكثيف الطاقة لا توجد مفر منها، وحتى الانقطاع الوجيز في الاجتهاد قد يمنعكم من الوصول إلى المراحل اللاحقة بينما لا تزال أجسادكم في أوج قوتها. يصعب إصلاح الأساس الضعيف في بداية طريقكم لاحقاً."
اكتسحت نظراته الحشد للمرة الأخيرة.
"دخل جيلكم الطائفة في فترة نادرة. ثمنوا هذه الفرصة، استزرعوا باجتهاد، ولا تخيبوا أمل الطائفة."
بهذه الكلمات الأخيرة، خطى الشيخ ليو على سيفه الطائر. صعد النصل بسلاسة في الهواء، حاملاً إياه فوق الغيوم دون نظرة أخرى.
"فترة نادرة؟"
ضاقتا عينا نينغ في تفكير، وهو يحدق في البطل بيننا. ... شكراً للقراءة~