غضب "سبير" الفصل 98 — المرحلة 2 - الفصل 40

اقرأ غضب "سبير" الفصل 98 — المرحلة 2 - الفصل 40 باللغة العربية على مانجا تايم.

نادى داين بصوت عالٍ: "مهلاً هناك!"

واقترب بخطى سريعة من فريق فريتز قبل أن يعبروا الحجر الرمادي لباب الحوريات.

قال فريتز بابتسامة ودودة: "داين، ماذا نستطيع أن نفعله لك؟ كنا على وشك المغادرة."

بعثر الرجل شعره البني والتفت ليطالع الفريق المنتظر.

قال بجدية: "ددت تحذيركم قبل العبور. ربما ترغبون في إعادة التفكير واختيار الباب الأقصى يساراً، فهو أكثر ملاءمة للمتسلقين الجدد. الباب الذي تووشكون على دخوله مميت، وفيه ضاعت فرق كثيرة خبرتها عالية وغرها غرورها."

قال فريتز بنبرة مستفسرة وهو يحاول استخراج المزيد من المعلومات: "حقاً؟ سمعت أنه مليء بالمواد شديدة القيمة."

أجاب داين: "الأمر كذلك، لكن الريش والحرير لا يستحقان. الحوريات في الداخل مخلوقات جبارة، ومن أخطار الأعداء في برج البحار. بحق الهوة، لقد تفوقن حتى على بعض وحوش برج المطر ناهيك عن مشقة اجتياز الطابق."

سألت لورين: "هل دخلته من قبل؟ تبدو مطلعاً عليه."

روى بعبوس: "مرة واحدة، وكفتني لأتجنبه. كان ذلك في طابق أدنى ومع ذلك فقدنا أربعة أشخاص قبل أن ننجو. ثم كان علينا التعامل مع الضغينة حتى فقدنا اثنين آخرين. كان أحد أسوأ عمليات التسلق التي خضتها."

ردّ فريتز: "نحن نقدر التحذير. مع ذلك، ما زلت مصراً على أن هذا هو الخيار الصحيح لنا. لدينا خرق لسد آذاننا، وعلاجات للتنفس تحت الماء للسباحة. وغير ذلك من المعدات."

تفحصهم داين مجدداً وبدا أنه يلمح في أعينهم ما شعره فريتز من فريقه، عزماً راسخاً على تحدي طابق الحوريات هناك.

تنهد داين باستسلام وقال: "حسناً جداً. أردت فقط تحذيركم، فكثير من المتسلقين الشباب يسقطون بلا طائل في طابق خادع الموت. لتكن بركات أليستريا معكم."

أجابت لورين بأصول اللياقة: "ليُسجّل توجيهك في أرشيف تونفار."

قال فريتز حين ابتعد المتسلق المحلي: "ما كنت نحسبك من المتعبدين."

هزت لورين كتفيها وقالت: "يجب أن تتحدث باللغة المناسبة عندما تكون تاجراً. لا يمكنك اغاضة رجال الدين أو المجتمع. فضلاً عن أنه ليس وكأن هناك إجابات عميقة أخرى هناك. بالتأكيد، ثمة نصوص قديمة أخرى، مثل وصايا كراكوسي أو طريقت جاستيلي. لكن تلك المعتقدات ليست واسعة الانتشار أو موثوقة تماماً خارج ثقافاتها الخاصة. لقد وجد الملوك، وتلك حقيقة. وهناك سجلات لهم ولفرقهم، منذ أن كانوا متسلقين بشريين، قبل أن يصعدوا البرج الأخير."

جادل فريتز: "نعم، ولكن هل هناك أي دليل على أنهم ما زالوا يهتمون بنا نحن البشر؟ وأنهم يراقبوننا من الأعلى؟"

قالت لورين ببرود: "أرى أن الأدلة عليهم أكثر من تلك الخاصة بالجن."

قاطعهم بيرت: "هل سنقف هنا لنناقش اللاهوت والأسطورة؟ أم سنذهب لرؤية بعض الحوريات، أقصد لقتالهن؟"

سأل فريتز بعبوس: "بيرت... من بحق الهوة علّمك مصطلح اللاهوت؟"

قال بيرت بعينين زائغتين كأنه يحدق في الماضي: "أنت فعلت."

سألت روزي: "ما هو اللاهوت؟"

حرف فريتز دفة الحديث بلطف: "يمكنك جعل بيرت يشرحه لك لاحقاً. فلدينا الآن باب لنعبره."

سأل كال وهو يتنقل بين قدميه: "هل أنت متأكد؟ أدركت أنه خطير من قبل ولكن بعد سماع تحذير ذلك الرجل..."

وتلاشى صوته.

قال فريتز بأعذب نبراته: "هيا، فكر في الذهب والقدرات المحتملة المعروضة، ربما يحصل أحدكم على أغنية حورية خاصة به، أو ريش إن رغبتم في ذلك. تماماً مثل طابق السحالي الذي حسّن على الأرجح مجموعة سماتكم ومساراتكم."

قالت لورين: "إنه على حق. ما كنت لأحصل أبداً على قدراتي النادرة لولا خوض بعض المخاطر."

أومأ كال أخيراً: "عذراً، أظنني ترددت قليلاً فحسب."

قال بيرت ضاحكاً: "ترددت! يجب أن تترك ذلك للورين وحذائها!"

عبست في وجهه فضحك جورج.

أعلن فريتز: "حسناً، ما لم تكن هناك أي مخاوف أخرى فيجب أن نتحرك."

توقف الاعتراض واستعد الفريق لمواجهة الأخطار الكامنة هناك.

تقدم فريتز على صخور المنحدر الرطبة وغير المستوية وصولاً إلى الرياح الدافئة. صعد حتى اخترق حدود الطابق ووجد نفسه واقفاً على نتواء صخري وسط المحيط. ومن ارتفاع عشرة أمتار فوق البحر الهائج، تأمل المنظر البديع، والسماء الصافية الزرقاء والشمس الساطعة. سمح له الهواء النقي والموقع المرتفع بالرؤية لمسافات طويلة رغم خشونة الأمواج. كان تغييراً مرحباً به عن الطوابق السابقة.

كانت هناك مئات الجزر الصخرية القصيرة والطويلة في كل مكان. ومن بينها وقفت الأعمدة الحضرية والمنحدرات والجروف في وجه الأمواج المتكسرة. ولم يكن ملجأه الكئيب ليعدو عرض مئة قدم حسب تقديره، وبدت الجزر الأخرى في البعيد بحجم مقارباً. تنفس الهواء النقي بعمق وتطاير رذاذ البحر ليسقط عليه رذاذاً مالِحاً دقيقاً.

انضم إليه فريتز قريباً وشرعا يطالعان الأفق بتقدير، متمتمين بكلمات الإعجاب الخاصة بهما.

بث فريتز إدراكه ممزوجاً بحس الأبواب، واستطاع استشعار الاتجاه العام للدرج. ولم يكن مفاجئاً أن جذبت نظره نحو أعلى قمة في إحدى الجزيرة الكبرى. سيتعين عليهم القفز من جزيرة إلى جزيرة عشرات المرات للوصول إليها، واستطاع بصرة على منحدراتها الشاهقة تبين بقع شاحبة من العظام المبيضة وبني أعشاش جذوع الشجر.

وكانت هناك أيضاً طيور، أو بالأحرى ليست طيوراً بل صفارات، تحلق حول قمتها وتجلس على الحافات الرمادية. كانت تغوص من أماكن استقرارها وتكاد تلامس المحيط قبل أن ترتفع وتنقض على رفوف الحجر المسننة حيث تبني أعشاشها. للأسف، كانت الصفارات بعيدة جداً بحيث يصعب تمييزها بوضوح، حتى بحواسه القوية، واضطر إلى الاكتفاء بالتخمين.

سأل جورج: "ماذا ترى يا فريتز؟ ألم تجد السلم بعد؟"

صاح فريتز وكأنه لم يسمعه وسط صوت الأمواج: "ماذا؟"

صاح جورج رداً عليه: "هل وجدت السلم؟"

أشار فريتز إلى أكبر جزيرة وقال: "ربما! تلك هي النقطة الأعلى".

سأل جورج خلال فترة هدوء في الضوضاء: "كيف سنصل إلى هناك؟"

قال بيرت متراجعاً ثم قافزاً بخطوة جريئة فوق حافة الجرف: "السباحة. كيف عدا ذلك".

قبل أن يذكره فريتز بعظامه الثقيلة، كان قد اختفى غائصاً في الاعماق وسط جشيم كبير. ابتلعه البحر وبدا فريتز قلقاً وهو يراقب. كان يعلم أن السقوط لن يؤذي بيرت، وبدا وكأنه قد طبق بالفعل بعضاً من شحم خياشيم الغزاة لذا لم يكن الغرق مشكلة، حتى الآن. ولكن مع ذلك، ماذا لو غرق أعمق من اللازم في المحيط ولم يستطع السباحة صعوداً؟

تلاشات مخاوفه حين ظهرت حقيبة بيرت كفتاحة زجاجات تتبعها رأسه المبتسم. بدا تعبيره مضطرباً قليلاً فقط وهو يسبح نحو الشاطئ الصخري ويتشبث به.

صاح قائلاً: "الأمواج هائجة قليلاً! يوجد كهف هنا!"

قال فريتز للفريق: "لا أنصح بفعل ما فعله ذلك الأحمق. علينا النزول تسلقاً فقط".

قال جورج وهو يبدو ممتعناً بدرعه بوضوح: "هل سنضطر للسباحة؟ قد يكون ذلك... صعباً".

أمر فريتز: "أه، صحيح. اخلعه، يمكن لكال حمله في حقيبته الجديدة. ربما قلص سيفك أيضاً".

لم يكن جورج مسروراً، وهي المرة الأولى التي يراه فيها فريتز في مثل هذه الحالة المزاجية، لكنه أطاع دون تذمر. ما لم يكن فريتز ليفعله مقابل فريق مليء بهذا الرجل.

وضب كال الدرع بجد في حقيبة المسافر السوداء وثبتها على ظهره. وبمجرد انتهاء ذلك، تسلقوا جانب الجرف الصخري، لم يكن الأمر سهلاً رغم أنه لم يكن بالغ الصعوبة أيضاً. كان الحجر، رغم بلله، مسامياً وخشناً، مع العديد من مواطئ الأيدي والأقدام. كان الخطر الأكبر يتمثل في أن تجرفهم موجة بعيداً. رغم أن ذلك لم يكن مرجحاً أيضاً، مع توافق الجميع، باستثناء لورين، على تخصيص الكثير من النقاط للقوة.

شقوا طريقهم نزولاً دون مشاكل وتجمعوا في الكهف الصغير حيث كانت أصوات المحيط مكتومة واستطاعوا التحدث دون صياح.

وبخ فريتز: "يا بيرت، أيها الأحمق، عظامك، يا أبلة".

قال بيرت: "عذراً. لم أشعر بسوء شديد مع ذلك، فأنا أثقل قليلاً فحسب. بدا وكأن الأمواج أقل قوة مما ينبغي".

صرحت لورين: "الزخم".

صاح بيرت وهو يلطم جبينه ويبتسم: "أه! بالطبع. أنت عبقرية يا لورين. أنا سعيد جداً لأن فريتز اصطحبك معك، فلولاكي لما حلت هذه الألغاز قط".

قالت لورين وهي تعبس: "لا تتلطف معي".

قال فريتز: "أعتقد أنه يحاول أن يكون جاداً".

صاح بيرت ثم أزال ابتسامته: "أنا جاد حقاً! لكن بجدية تامة، كل واحد منكم يعد إضافة قيمة للفريق، وحتى فريتز".

حدقت المجموعة في حيرة طفيفة لعدم معرفتها كيفية التعامل مع تغير بيرت غير العتيق في السلوك.

تنحنح فريتز.

قال ثم وجه انتباهه إلى الفريق: "شكراً لك يا بيرت، أنا أقدر مساهماتك، مهما كانت مجنونة، أيضاً. والآن وقد بات لدينا بعض الوقت للتحدث، وأنتم عالقون معنا لأربعة طوابق أخرى، يمكننا الإجابة عن بعض أسئلتكم".

كان فريتز وبيرت قد خططا لهذا الأمر معاً الليلة السابقة، واتفقا على الإجابة عن بعض الشكوك المعلقة لدى الفريق.

سألت روزي: "هل أنت نبيل حقاً؟"

أجاب فريتز: "نعم ولا. لقد زالت عائلتي، ولا أتوقع أن أورث. رغم أنني أفترض أنني أحمل الدماء، أياً كان مافعه ذلك من نفع".

قال بيرت: "لاشيء".

سأل كال: "هل بيرت نبيل أيضاً أم أنه خادمك؟"

قال فريتز وبيرت معاً: "معاذ الملوك".

قال بيرت بفخر: "أنا عامي أباً عن جد، نشأت في الحواري طفلاً لقيطاً يتيماً. لا أستطيع حتى تذكر وجوه والدي، إن كانا قد امتلكا وجوهاً".

أضاف فريتز: "إنه عامي بشكل غير عاد، وسيكون خادماً فظيعاً".

سأل جورج المهتم جداً بالقصة: "كيف ينتهي المطاف بوليد نبيل في الحوار وتجمعه صداقة بطفل شوارع؟"

"سمعتم معظم ذلك من ذلك النبيل تشارلز، ولن أكرره. يكفي القول إن مأساة فظيعة حلت بعائلتي، ثم ارتكبت بعض الإساءات 'الجسيمة' في ملجأ المرشد. كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري آنذاك، وهارباً أبحث عن الأمان. كان المطر غزيراً بشكل خاص، وجرفتني سيول مفاجئة. أمسك بيرت بذراعي بينما كنت أتخبط وأصارع الغرق، ثم سحبني من المياه الجارفة".

قال بيرت: "صطدته مباشرة".

"ظندت في البداية أنه أنقذني لطف منه".

كذب بيرت: "فعلت. فالإحسان الحقيقي يسري في هذه العروق".

أوضح فريتز: "ثم أدرت أنه أراد سرقتي، إذ كنت ما زلت أرتدي زي الملجأ المتين والراقي وبدوت أغنى بكثير مما كنت عليه حقاً".

قال بيرت بامتعاض: "كان يمتلك قطعة فضية كاملة في كيس نقوده! كنت محقاً. لكن النقيض رفض إعطائي إياها، حتى بعد أن أنقذته! ناكر جميل! ومثل أي نبيل، تشبث بقطعته النقدية وكأنها حياته الخاصة".

قال فريتز بحنين ودي: "تخاربنا. كنا نحيلين كجرذان جائعة في ذلك الحين".

قاطع بيرت: "ما زلت كذلك".

"إذن كانت المعركة صراعاً طاحناً، دفعته بعيداً بعصا. لكن بيرت يقاتل بقذارة وسرعان ما كنا نتمرغ على الأرض، نصرخ ونلكم ونعض".

احتج بيرت بابتسامة: "أقاتل بقذارة؟! جئت نحوي بساق مقعد مكسورة! فعلت فقط ما كان عليّ فعله!".

تابع فريتز: "في النهاية، وبعد جهد كبير، كنا أضعف من أن نتحرك، ومنهكين عن متابعة الشجار. استلقينا هناك، وكنت جائعاً فسألته أين يمكنني إيجاد وجبة مقبولة في مثل ذلك الوقت من الليل".

تذكر بيرت: "وقلت: 'تحتاج إلى مكان محترم لوجبة محترمة، لكنني أعرف مكاناً لن يصيبك بالغثيان'".

أنهى فريتز بابتسامة خفيفة: "وقلت: 'تقدّم'".

مرّت لحظات صمتا خلالها، مستغرقين في ذكريات الماضي.

سألت لورين: "وماذا بعد؟".

قال فريتز وهو يرجع شعره إلى الوراء: "وماذا بعد؟ ماذا تقصدين؟ تلك هي النهاية. أو بالأحرى بداية حياتي لصاً في المصارف".

قالت لورين بذهول: "ماذا؟! هذا كل شيء؟!‍".

سأل بيرت: "هاه؟".

سألت: "لا عهود بالدم؟ أو أقسمتما على الانتقام لخصوم فريتز معاً؟".

قال بيرت: "لا، لكنه اشترى لي العشاء. نورس مشوي، إن كنت أتذكر جيداً".

وافق فريتز: "أنت تتذكر".

تمتمت: "هذا... هذا... هذا مخيب للآمال".

ردّ فريتز: "هكذا تسير الأمور دائماً. هذه ليست حكاية كبرى. إنها النجاة فقط، وبائسان يافعان يتصارعان في مصرف على قطضة فضة".

سألت لورين: "من أين حصلت على الخنجر؟ إرث عائلي؟"

وأضافت برجاء، متمسكة واضحة بالأمنية الخاوية بأن تطابق القصة كتاب مغامرات قرأته.

قال فريتز: "بال بالكاد. رغم أن هذا، للأسف، سر لا يمكنني البوح به. قرش الليل يحظر ذلك".

سخرت لورين من ذلك: "إشاعة وسخيفة".

قال فريتز بشدة: "لا. صحيحة تماماً".

بدت لورين متأثرة بنبرته وأخذت تفكر في التداعيات.

سأل كال: "هل تقاطعته، قرش الليل؟".

"لا، رغم أن بيرت وأنا مرشحان للقائه بعد هذا الصعد. للأسف، بسبب انتماءاتنا ونشاطاتنا بينما كنا نقتات —"

قاطع بيرت: "ونسرق".

وافق فريتز: "ونسرق، لننجو. لقد وقعنا تحت حكمهم ونظرتهم الحاضرة دائماً. إن كان لزاماً تصديق الرؤوس الكبيرة".

قالت روزي: "سوء طالع هذا".

أجاب فريتز: "نعم. مؤسف. أي شيء آخر؟".

ساد صمت لفترة بينما كانا يبحثان عن أسئلة.

لاحظ جورج بابتسامة ساخرة: "الآن وقد صار بإمكاننا السؤال، لا يبدو أن شيئاً يحضرنا".

وافق كال: "أعرف، أليس كذلك؟".

قالت لورين بتردد: "لدي واحدة أخرى، رغم أنها تبدو مجنونة".

أشار فريتز لها لتسأل ففعلت.

قالت: "الجنيات".

ردّد فريتز: "الجنيات؟".

بدأت: "لقد قلت أموراً غريبة. أموراً سببت لي بعض القلق، انتبه، بشأن لقاء الجنيات".

قال فريتز: "آه. حسنًا، أخشى أن الإجابة مجنونة كالسؤال".

حين واصلت المجموعة الحدّيق إليه، تابع: "أترين، كان بيرت في حالة مزرية، مجروحاً بالنصل ذاته الذي أحمله الآن. كان يموت في الظلام، وفي ذلك السواد اكتشفت باباً مخفياً. باباً يقود إلى عالم جنيات ذي غروب دائم، أو شروق، كان يصعب التمييز. طلبت العون من الجنيات القاطنة هناك وتلقيته. كسرن اللعنة الملقاة على جرح بيرت. ثم غادرنا. مباشرة إلى غرفة بئر. هذا جل ما أتذكره، وحتى الآن تظل الذكرى ضبابية".

من الواضح أن هذا كان خلاصة بدائية للأحداث التي جرت في ذلك العالم الشفق الغريب. لكن لم تكن لديه ذرة رغبة واحدة لإخبارهم بالحقيقة الكاملة لصفقته والدين الذي ما زال يدين به لعثة الغسق. لا، سيحتفظ بذلك لنفسه تماماً، وحتى الآن كانت فكرة المطالبة بذلك المعروف تزعجه. رغم أنه لم يكن يتوقع أن يُطالب بسداده في أي وقت قريب. سيأتي النداء في المستقبل، مستقبل مظلم وعنيف بطريقة ما، كان يعلم ذلك يقيناً.

قال جورج بتشكيك، معيداً فريتز إلى المحادثة الحالية: "حقاً؟".

قال بيرت: "حقاً. لما صدقت ذلك بنفسي لو لم تكن لدي ميزة كامنة تقول إنني مسست من الجنيات".

قالت لورين غير مقتنعة: "إذن لم يرهن بيرت مطلقاً وكل ما نملكه هو كلماتك. ألم يعطوك رمزاً أو أي شيء آخر؟".

صرح فريتز، عارفاً أنه لم يكن دقيقاً تماماً: "قلت إنه سيبدو مجنوناً، ولا لم يعطوني شيئاً".

يمكن اعتبار رداء الغسق خاصته هبة من نوع ما، حتى لو توجب عليه تقويته بسحر البرج.

هتف بيرت: "لاشيء سوى حياة أعز أصدقائك وأخيك في الدم تعني! هدية تفوق أي كنز!".

ضحك فريتز: "أصدق من المطر! هدية لا تقدر بثمن!".

صرحت لورين، غير مشغولة بضحكهما: "لقد أغفلت الجزء المتعلق بالسير جيرالدو. ألمحت إلى أنك قابلته".

تأمل فريتز: "أه، نعم، أُمر بجر العربة وقيادتنا إلى باب الخروج. كان فظاً للغاية وظل يدعوني بالفاني الموحل. لقد ناقضت طريقته شجاعته حقاً. أستغرب كيف أنه حتى فارس. رغم لعلّه برز في المعركة فقط، لقد بدت تلك القرون مميتة حقاً، وثلاثية الخطورة إن كان في هجوم".

قالت لورين، وبدت تلك الحكايات الخاصة تمنحها مهلة تفكير: "أرى ذلك".

خيّم الصمت مجدداً على المجموعة ولم يكسره سوى خفقان الأمواج.

قالت أخيراً: "لا أعرف بما أفكّر. يقال إن الجنيّات كنّ موجودات ويتعاملن مع البشر رغم أن قروناً مرت على ذلك. لماذا يكسرن الصمت الآن؟ ولماذا أنت بالذات؟"

هزّ فريتز كتفيه وقال: "لا أعرف."

قال بيرت: "دعونا من هذا، ما المهارات التي استقرّ عليها صالحكم في النهاية؟ اخترت مهارة تُدعى الاندفاع الثورِي لكنكم رأيتموها في المعركة بالفعل. تجعلني أندفع للأمام بقوة وسرعة أكبر من المعتاد. وأنا قويّ بما الكفاية من الأساس."

وبهذا نسيت الجماعة أسئلتها عن الماضي وأخذت تتفاخر بقواها الجديدة.

أكدت روزي اختيارها لمقاومة الخراب مشيرة إلى أنها تمنحها حماية بسيطة ضد التعفن والمواد المسببة للتآكل أو السموم. وجد فريتز المهارة غريبة لكنه لم يستطع الاستهانة بطبيعتها المتعددة الاستخدامات، وحدث نفسه بأن أي شيء يساعد على النجاة يُعد نعمة كبرى خصوصاً لمن يشغل دور المدافع.

قال جورج: "أخذت القبضة المحكمة وهي مهارة كامنة تساعدني على الإمساك بالأشياء مثل سيفي. وساعدتني أيضاً أثناء النزول أسفل. أُقرّ بأنني شعرت بالخيبة تجاه الخيارات الهزيلة المتاحة وأخترت هذه تحديداً لكونها غير مرتبطة بالعنصر المائي. لكنها أثبتت بالفعل فائدة تفوق توقعاتي."

قال فريتز: "تلك هي الحال أحياناً. لقد رأيتم جميعاً مهارتي أيضاً وهي مهارة كامنة تتيح لي التلاشي في الظل قبل أن يصيبني الأذى. رغم أن فترة تبريدها طويلة ولها تكلفة مرتبطة بالعنصر حصراً."

تذمر كال: "محظوظ."

عقّبت لورين: "أمر غير معتاد البداية في برج مرتبط بالماء ووحوش البحر. حتى مع تلك السلبيات المحددة. رغم أنني متأكدة من إمكانية معالجتها تدريجياً عبر التطورات."

قال فريتز: "حقاً"، وقد غمره السرور لتلك الفكرة لكنه أخفى ذلك.

تابعت حديثها: "أما أنا فقد اخترت استشعار الحرارة."

سأل فريتز بلهفة: "أوه، مهارة استشعار؟"

أوضحت لورين: "نعم، الأمر غريب. لا يشبه الرؤية أو السمع، لكنني أستطيع الإحساس بمدى دفء أو برودة الأشياء في نطاق صغير حولي. لا أعتقد أنها دقيقة للغاية إذ يبدو لي أنكم جميعاً بنفس درجة الحرارة تقريباً. على الأقل يمكنني تمييزكم عن الحجر البارد والماء. أظن أن طبيعتها المحدودة ترجع لكون إدراكي ليس مرتفعاً جداً أو لعدم توفر الوعي لدي."

قال فريتز بابتسامته الساخرة المعتادة: "غالباً هكذا، لكن على الأقل سيكون صعباً على الوحوش أو الخنازير الاقتراب منك خلسة."

تنهدت وقالت: "سيكون الأمر كذلك حقاً، ورغم أنه يشبه اختيار جورج، فلم يكن سوى الأفضل بين خيارات سيئة."

تذمر كال: "حدثني عن ذلك، فقد عُرِض عليّ استدعاء الماء أو اللمسة الموقدة أو الرمي الموجه."

قالت لورين: "لكنتُ اخترت اللمسة الموقدة في لمح البصر"، وأومأ جورج موافقاً إياها.

سأل كال: "ماذا؟ لكنها ذكرت أنها ستشعل الأشياء القابلة للاشتعال فقط؟ مثل الخشب وما شابه."

قالت لورين بنبرة متعالية: "وما شابه تضم الزيت والحبل والملابس."

أجاب محتدماً وقد غطا وجهه الخجل: "أنا لست ساحر نار لذا فلن تكون ذات جدوى بالنسبة لي."

قالت ببرود: "نعم، بالطبع. لابد إذن أنك اخترت مهارة رمي الأشياء الأفضل."

دافع كال عن اختياره بينما كان وجهه يزداد احمراراً تدريجياً: "الرمي الموجه، ونعم، ستجعل رمياتي أكثر دقة وقادرة على توقع كيفية إصابة خصم متحرك."

قال بيرت وهو يربت على ظهر كال: "اختيار مذهل. خصوصاً بمعرفتنا أن خصومنا في هذا الطابق يمكنهم الطيران."

قالت لورين بنبرة توسطت الاعتذار والتفكر: "هذه نقطة وجيهة. ربما كنت على حق يا كال."

بدأ كال يقول: "حسناً -"

قاطعها فريتز قبل أن يرتكب كال حماقة ويفلت منه بأنه اتخذ اختياره قبل أن يعرف أي باب سيسلكون: "بالحديث عن الخصوم، يجب أن نشرع في البحث عنهم وسلب حريرهم."

قادهم فريتز عائداً إلى مدخل الكهف وأشار إلى أقرب عمود حجري قائلاً: "سنسبح من جزيرة إلى أخرى حتى نجد واحدة تحمل علامات الحوريات. حينها سأتسلق لأرى ما يمكنني استطلاعه دون تنبيههن."

قال فريتز: "أوه، لكن أولاً، جرعات التنفس المائي أم شحم الخياشيم. اختر ما شئت، فهناك الكثير للجميع."

اختار هو الجرعة بنفسه لكونه أكثر دراية بها. أما البقية فجربوا شحم الخياشيم. بدا أن الأمر مؤلم فقد انكمشوا عندما انفتحت شقوق أفقية على أعناقهم حيث وضعوا المادة.

داعب كال روزي بالقول: "تتحولين إلى مخلوقة بحرية يوماً بعد يوم."

قالت روزي: "هذا جيد، يمكنهن العمل في القصر والحصول على أجر أفضل بكثير."

سأل فريتز: "حسناً، هل نحن جاهزون؟"

هتف الفريق: "جاهزون."

وقف فريتز قرب البحر بينما تجمعت ومضات من القلق في صدره. كانت معظم المرات التي اضطر فيها للغمر بالماء من أشد اختبارات حياته فتكاً. والآن بات عليه القلق حيال عظامه المطلية بفضة القمر مع شعور واضح وخوف من أن يُسحب إلى الأعماق. رغم أنه لاحظ أن حقيبة السفر الخاصة ببيرت طافية بشكل مدهش وأمل أن تُفلح حقيبته أيضاً في موازنة جسده الأثقل.

جرع جرعته البغيضة وأخذ نفساً عميقاً. أحس بالحرارة في رئتيه على الفور تقريباً. بدا أن الخيميائي الذي صنع هذه الجرعة المحددة كان أكثر مهارة من ذاك الذي خلط الخلطات الكريهة الأخرى التي تجرعها. حتى الطعم لم يكن سيئاً بالقدر نفسه، بل كان أشبه بالملفوف المسلوق منه بالأحذية المحترقة.

دفع نفسه لخطوة تالية واقفز في الأمواج من أسفل. بابتلاع الماء، احتضنته برودة المحيط. غاص للحظات، واضطر فريتز للاعتراف بأن الماء لم يكن سيئاً للغاية، فلا برودة تشنّج العضلات ولا تيارات قوية هاجمته. علق هناك، معلقاً في هبوطه بفضل الحقيبة الطافية على ظهره.

فارق الخوف فريتز حين غدا غرقه أمراً غير متحقق. بدأ يحرك ذراعيه ورجليه، سابحاً إلى الأمام بصعوبة ضئيلة. بدا الأمر مشابهة لبحيرة السباير المغمورة، وهدد ذلك الرعب المتذكر باجتياحه، لكنه دفعت تلك الذكريات بعيداً وسبح قدماً.

كانت الجزيرة التالية على بعد مئتي قدم فقط واستغرق الأمر ثلاثة، وربما أربعة، دقائق ليتشبث بشاطئها الصخري. لم يكن الأول في بلوغها، ولا الأخير. ذلك الشرف المشبوه كان من نصيب لورين التي امتلكت بوضوح أقل خبرة في السباحة وأقل قوة متوافقة. ورغم ذلك لم يستغرقها الأمر سوى خمس دقائق للوصول إلى الصخر والارتفاع بسحب ذراع بيرت القوية الممتدة.

كانت الجزيرة التي هبطوا عليها مقفرة تماماً ورمادية، لذا التفوا حول حافتها وسبحوا إلى التالية، والتي تليها، حتى صادفوا نتوءاً صخرياً يحمل علامات السكن.

هيكل عظمي مبيض علق من شجرة نتوءت من وجه الجرف القائم، وجذوره تنمو عميقاً في الحجر الوعر. حفرت العظام برموز غريبة تشبه اللغات القديمة للأقدمين. قبل السباير، حين كانت تلك الأمور تُذكر، لكنها صارت الآن بلا حاجة.

من الهضبة الصخرية في الأعلى، عند قمة الجزيرة تماماً، صدرت أصوات أغنية تُنشَد. إيقاعية وعذبة، صوت قادر على تنويم رجل ليمشي أميالاً دون ملاحظة ولا إبطاء في خطوه.

شعر فريتز بأغنية الغسق تتفاعل، ارتعشت وتأئمت، فنونها المنخفضة مرثية مختلفة امتزجت رغم ذلك، لا، بل رفعت الأغنية. وقبل أن يدري كان يتسلق الجرف، نداءات أصوات صديقه المزعجة، نبراتها القاسية تشتته وتفسد الأصوات المبهجة الحسية المنجرفة من الأعلى.

أمعن في التسلق، مركزاً على الغناء، الموسيقى الآسرة، أغنية الساحرة التي نادته.

أغنية ساحرة؟

لماذا كان ذلك سيئاً مجدداً؟