غضب "سبير" الفصل 95 — المرحلة 2 - الفصل 37

اقرأ غضب "سبير" الفصل 95 — المرحلة 2 - الفصل 37 باللغة العربية على مانجا تايم.

تنفس فريتز ببطء وهدوء. راح يطيل النظر في غرفة البئر بينما كان فريقه يختار مهاراته الجديدة. تفقد هذه المرة كل ما فاته من قبل واستوعبه بتمعن.

كانت الغرفة الحجرية الدائرية تعج بالخيم والكراسي الخشبية والطاولات. وهناك أيضا بناء من طبقتين من الحجر الأبيض والعوارض الخشبية ذو سقف من القرميد البرتقالي. لم يكن ينتمي إلى المكان وبدا شاذًا إلى أقصى حد. تساءل للحظة كيف فاته رؤيته في بحثه الأول للمكان. لكنه أدرك السبب قريباً. لم يرغب فريتز في رؤيته أو الاعتراف بوجوده بسبب الرايات السوداء والصفراء المألوفة المعلقة فوق بابه ومن نوافذه والتي كانت تعلن أنه جزء من نقابة المرشدين.

كان يضم على الأرجح متجراً مليئاً بالمعلومات والجرعات ومذكرات المعرفة أو غيرها من الكنوز والأدوات المفيدة للبيع. ربما كان غرابة رؤية منزل جيد البناء داخل غرفة بئر وربما كانت ضغينة فريتز المرة فحسب، لكن هذا المركز الأمامي بدا له أكثر سوءاً حتى من متجر طابق الهبوط. أراد هدمه طوباً طوباً ثم تكسير ذلك الطوب الأبيض بمطرقة. اقتلاع إطار الباب الخشبي المقيت وإحراقه. تطهير ذلك العقار الطفيلي.

أبعد عينيه عن الباب المفتوح. دفع تلك الموجة المفاجئة من الكراهية وتابع تقييمه لبقية الغرفة.

كان لهذا المكان بأكمله طابع الصالة المشتركة في حانة في وقت متأخر من الليل، مع أنه كان أكثر حذراً وأقل صخباً بعض الشيء. ومع أن المكان كان سوقاً من نوع ما، فقد خفض الجميع أصواتهم. كانت الضحكات العالية أو الانفعالات تقابل بنظرات غاضبة من المتسلقين الآخرين أو أعضاء نقابة المرشدين. بدا أن إثارة المشاكل أمر مكروه.

وإذ فكر في المشاكل تساءل لماذا ابتعد الجميع عنهم عندما شقوا طريقهم نحو البئر. شيء يسأل عنه أحدهم. لم يضطر للبحث طويلاً ليجد ذلك الأحدهم، بل لم يضطر للبحث أصلاً.

قال الرجل ذو المعطف ذي الحراشف السوداء: "أتعافى الجميع؟".

بدا في الثلاثينيات من عمره، ثلاثينيات خشنة، وله لحية بنية قصيرة وشعر مففرق تتخلله ندوب طويلة قليلاً.

قال فريتز وهو يكشف عن ساعديه المخدوشين والمجروحين: "تقريباً".

عبس الرجل.

وأردف وهو يقيس رد فعل فريتز على سبره الخفي للأغوار: "لا بد أنه كان شيئاً مقززاً. ليس هناك الكثير من الوحوش في برج البحار تتركك بهذه الجروح بعد الشفاء. إلا إذا كنت تضايق بعض الثعابين السامة".

قاطع بير: "ليس من هذا النوع بالطبع. صحيح أننا ضايقنا بعض الثعابين، لكنها كانت ثعابين صافية الدم".

قال الرجل وقد بدت عليه علامات الإعجاب والغيرة الواضحة: "صافية الدم، صيد محظوظ".

ثم انقبض وجهه عابساً وهو يوبخ نفسه بوضوح على تصرفاته حتى الآن.

مد يده.

"أين أخلاقي؟ لا بد أنني تركتها في الطابق الأخير. اسمي داين".

أخذ بير يده وصافحها، وتبعهم فريتز حيث ذكر كل منهم اسمه رداً على ذلك.

سأل داين: "جديدان في برج البحار؟".

أومئا برأسيهما.

وتابع عرضاً: "لقد أبليتم بلاء حسناً للمرة الأولى، من دون مرشد وكل شيء".

قال بير وهو يبتسم: "نحن محظوظون".

همهم الرجل وأومأ.

"جيد. يبدو أنكم تعرفون ألا تثرثروا بكل ما تجدونه لأول شخص تقابلونه".

قال بير باعثاً على ضحكة من الرجل: "ليس من دون بضع كؤوس على الأقل".

قال بعبوس: "أحذركم فقط قبل أن يخدعكم المرشدون. المعرفة ذهب، والمرشدون يحرسون الاثنين، وعلينا نحن أيضاً أن نفعل ذلك. وينبغي لنا نحن أبناء المطر أن نعمل معاً".

أومأ فريتز وبير.

سأل فريتز: "بالحديث عن المعرفة. هل كان هناك سبب لابتعاد الجميع عنا عندما دخلنا؟".

تنحنح داين.

"مم. أجل. إذا وقفتم في طريق شخص يطالب بقوة البئر التي استحقها عن جدارة، فسوف يُنظر إلى ذلك على أنه هجوم من قبل البرج. سيطردكم ويلقي عليكم اللعنة لضمان النتيجة. وإذا حدث ذلك، فالأفضل لكم تسلق برج جديد حتى القرع التالي".

سأل بير: "القرع التالي؟ لماذا في ذلك الوقت؟".

أوضح قائلاً: "حسنل، إنه أشبه بإعادة ضبط كبيرة لكل الأبراج، دفعة واحدة".

سأل فريتز: "أهو نفس الأمر في الآبار الأخرى؟"، وكان يعلم علم اليقين أن الإجابة هي لا، لكنه تظاهر بالجهل لإبعاد شكوك الرجل.

"كلا. سمعت عن تعرض العديد من فرق التسلق للكمائن أو السرقة في غرفة البئر. الأمر يختلف فقط في طوابق السداسيات والمنحدر".

سأل بير، مذهلاً فريتز بذكره للمضاعفات: "طوابق السداسيات؟ مثل مضاعفات الستة؟ الثاني عشر والثامن عشر وما شابه؟".

أخفى دهشته جيداً وأومأ داين مؤكداً سؤال بير.

قال فريتز: "والمنحدرات مختلفة أيضاً؟".

"مم. كل منها منفصل، لا داعي للقلق بشأن الآخرين أو الدخلاء. رغم أنني سمعت أن الملك—"

قطع داين كلماته عندما رأى مرشداً يرتدي معطفه الأصفر ذي الوجهين يخرج من المبنى ويحدق بهما مباشرة. كانت هناك غضبة ملتهبة في تلك النظرات الحادة الموجهة إلى داين. تحذيراً غير خفي كي يصمت. تحرك باضطراب ثم لوت كتفاه وأدار ظهره للمرشد. بدا مستاءً لكن خائفاً، أو على الأقل غير راغب في معارضة نقابة المرشدين.

قال داين ثم أردف بصوت خافت: "على أي حال، لم أكن أريد إزعاجكم لفترة طويلة. إذا كان لديكم أي شيء جيد للمقايضة، وهو ما يبدو أنكم تملكونه، تعالوا والتقوا بفريقنا. سنكون أكثر إنصافاً بكثير من الأجانب أو النبلاء. أو أولئك الأوغاد الجشعين من المرشدين".

قال فريتز بابتسامة صادقة: "شكراً على المساعدة".

قال داين: "الأمر الأخير، احرص على مقتنياتك. إن لم تكن على جسدك فلا تُعدّ ملكاً لك، ولن يُحتسب الأمر هجوماً إن حاول أحدهم سرقتها أو تحطيمها".

قال بيرت: "تحطيمها؟"

قال داين: "يحدث ذلك. إن أغضبت متسلقاً تافهاً فقد تنتهي إلى خيمة ممزقة أو أكياس تالفة. ربما يجدر بك توخي الحذر".

ادعى فريتز: "لا أظننا سنكون عرضة لذلك. نحن لا نسعى لصنع أعداء هنا".

قال داين ناظراً حوله في غرفة البئر بنظرة ذات مغزى: "أحياناً، الأعداء هم من يسعون إليك".

على وقع هذه الكلمات المشؤومة، تصافحا مجدداً قبل أن يغادر الرجل ليقدم تقريره لفريقه.

ارتجف فريتز وتردد صدى التحذير في صدره. تفقد المكان فوقعت عيناه على الدليل الذي ما زال يراقبه. وما إن التقت نظراتهما حتى اختفى الدليل. تلاشى اللون الأصفر في طرفة عين، مخلفاً وراءه مدخلاً فارغاً فحسب. هل كان فارغاً حقاً؟ حاول شيء ما أن يخبره بأنه كان فارغاً وغير فارغ في آن واحد فشعر بدوار مفاجئ. أشاح فريتز بوجهه.

قال فريتز مستأنفاً ما توقف هو وبيرت عنده، ومحاولاً التظاهر بأنه لم ينزعج: "ليس رجلاً سيئاً".

قال بيرت ملاحظاً انزعاج فريتز دون أن يعلق عليه: "أوافقك الرأي. لقد أعجبني".

خرج أعضاء فريقها تباعاً من ملاذاتهم، وحين صعدوا جميعاً إلى العالم الحقيقي أعلن فريتز: "علينا إيجاد مكان لنقيم فيه مخيمنا هنا، يمكننا قضاء يوم للاسترخاء ومعرفة المزيد عن الأبواب، أو تبادل الكنوز والمقتنيات الثمينة".

وافق الجميع، ورغبةً منهم في الابتعاد قدر الإمكان عن سرادق الإمبراطورية المصنوع من الحرير الأحمر والذهبي وبيت الدليل، اختاروا مساحة صغيرة تقع بين الاثنين حيث يمكنهم وضع أغراضهم.

تذمر كال: "لماذا ليس لدينا خيام؟"

قال فريتز عرضاً: "لأننا فقراء. ولم أكن أرغب في حملها، أو إجباركم على ذلك يا كال. كن ممتناً، لقد اضطررت لحمل أقل بكثير مما ينبغي. لقد دللتك أساساً".

قطب كال جبينه بينما ابتسم فريتز باستهزاء.

تدخل بيرت قائلاً: "وما الذي تبغيه بالخيمة أساساً؟ ألا تحب النوم في العراء؟"

تذمر كال قائلاً: "لا، أريد بعض الخصوصية والهدوء"، مع أن فريتز لاحظ أنه لم يكن محبطاً حقاً كما كان في الطابق الأخير.

زل لسان بيرت قائلاً: "خصوصية!؟ ما هذا، أتريد أن تحظى ببعض الرومانسية مثل تلك التي تحلم بها أختك!؟"

تأوه كال: "يا للفظائع! لا تذكر كلمة أخت وتحلم في الجملة ذاتها".

قال فريتز وقد انكمش وجهه وكأنه قضم ليمونة: "على الرغم من صعوبة قول هذا، إلا أنني مجبر على موافقة كال في هذه, يا بيرت".

قالت لورين وهي تلتفت حولها وبدت محرجة من نظرات البقية وابتساماتهم ممن كان في نطاق السمع: "أيمكنكم أن تتوقفوا عن الشجار أنتم الثلاثة".

أدرك فريتز سريعاً أنهم كانو يحدثون ضجة كبرى.

كان أحد الرجال في مجموعة صغيرة من النبلاء الشباب الذين يتسكعون خارج سرادق الإمبراطورية يحدق بهم بذهول. كان أشقر الشعر، أشقر باهت، وقُص شعره بأحد الأسلات القصيرة الرائجة حالياً. تمتع الرجل ببنية متوسطة، أو ربوجه رياضية، ووجه حليق وعيون رمادية فولاذية. دلت ملابسه على ثرائه ورفعة نسبه، فقد ارتدى حريراً فاخراً بلونين الأزرق والفضي. يبدو أنه استغنى عن ارتدائه للدرع أثناء وجوده في أمان غرفة البئر مفضلاً الراحة عليها.

لقد كان تجسيداً للطبقة الأرستقراطية والامتياز، وسيماً ومتبجحاً ومغروراً. الشيء الوحيد الذي كان ينقصه هو العلامات الدالة على سلالة أهل البحر. ولعل هذا هو سبب وجوده هو والنبلاء الآخرين هنا، حيث يتسلقون برج البحر للحصول على هذه المنحة عند القمة، نظراً لكونه لم يُمنح إياها بوضوح في البئر الثالث. لا بد أن هذا قد أثار استياءً بالغاً لدى هذا الرجل، أو لعل ذلك الاستياء الكامن وجه نحو شيء آخر.

ومهما يكن الأمر، فقد استطاع فريتز أن يرى مرارة عميقة تغلي تحت مظهره وشعوراً راسخاً بالاستحقاق محفوراً خلف عينيه.

كون فريتز كراهية فورية للرجل وشعوره الزائف بالتفوق.

انسابت عينا النبيذ إلى مقبض كويكسيلفر ثم إلى وجه فريتز، فالتقتا بنظراته وثبتتا عليها. انطبعت في ذهن فريتز فكرة جازمة بأنه التقى بالرجل من قبل، في زمن آخر ومكان آخر ربما، عندما كانا طفلين، في إحدى المناسبات الباهظة أو ما شابه. ويبدو أن الرجل الآخر شعر بالشكل ذاته إذ مرت ومضة من التعارف البعيد على ملامحه وظهر قطوب طفيف على جبينه.

تفوه بكلمات معدودة لرفاقه، وخطا متوجهاً نحو المكان الذي يقف فيه فريتز. حافظ الرجل على ابتسامته الواثقة، تلك التي يرتديها النبلاء جميعاً، فهم على يقين تام من تفوقهم وقوتهم السامية. عارض فريتز تلك الابتسامة بمثلها، مع أنه صاغ ابتسامته لتبدو أكثر حقة وأشد حدة، تماماً كحافة كويكسيلفر.

سأل النبيل: "أالتقينا من قبل؟ تبدو مألوفاً".

قال فريتز بينما كان ما زال يحاول تبين طريقة التعامل مع هذا اللقاء بالذات: "أمر مستبعد، يا سيد".

لا بد أن هذا ابن لشخصية مهمة إلى حد ما بالنظر إلى طريقته في المشي. ومع أن هذا لا يعني الكثير، فالجميع مهمون مقارنة بفريتز وفريقه.

"أرجوك، السيد هو أبي. يمكنك مخاطبتي بـ لويد".

شعر فريتز بنوع من الارتباك تجاه طريقة اقتراب الرجل وتودده الفوري والمألوف. مع أنه لم يكن ليجرؤ على إظهار ذلك البتة.

قال فريتز بابتسامة وانحناءة خفيفة: "بالتأكيد، يا لويد".

قطب لويد جبينه، وبدا جلياً أنه لم يبهره القدر الضئيل من التبجيل الذي أظهره فريتز تجاهه. لقد أراد المزيد بلا شك.

قال وكأن فريتز كان مفترضاً به معرفة هويته سلفاً: "لويد وايتشيب".

آه. ابن دوق.

حينئذ اصطدم به الإدراك كعوارض السقف الساقطة.

الدوق الذي سرقته. والذي ما زالت شعاراته مطرزة داخل ملابسي الداخلية.

كاد فريتز ينفجر ضاحكاً، لكنه أطاح بالضحكة بسعال وانحناءة أعمق.

قال فريتز: "أنا آسف للغاية، لم أعرفك".

وقفا صامتين لحظةً قبل أن يسأل لويد: "وأنت من تكون؟"

تمتم فريتز متظاهراً بالارتباك: "أه، صحيح. أنا-"

وقبل أن يلفظ اسماً وبيتًا مزيفين، انضم إليهما نبيل آخر وقاطعهما.

قال الرجل الجديد: "من مظهره المثير للشفقة، هو من آل هايتايد. الأكبر على الأرجح. فهناك اثنان منهم. أعتقد أن له أخاً، مع أنه لا يزال أصغر من أن يخوض التسلق إن كانت ذاكرتي تسعفني جيداً".

كان هذا النبيذ الجديد أقصر قامة وأمتن عوداً من فريتز ولويد. شعره أشقر داكن وله عينا بنيتان ثاقبتان. وبدأت ذقن ثانية تبرز له، وتحتها قلادة ذهبية سميكة تعلّق بها ياقوتة فاقعة تتوهج بنور داخلي.

قال لويد: "وها أنا كنت أظن أنني أحتفظ بمعرفة كل نبلاء مدينة المطر. يبدو أنني كنت مخطئاً، فلم أسمع قط بأي آل هايتايد بارزين".

أوضح النبيل الجديد بازدراء: "هذا لعدم وجودهم أصلاً. إنهم بيت بائد، مُزّقت معظم ممتلكاتهم منذ عقد مضى تعويضاً عن الخراب الذي أحدثوه. وما بقِيَ منه القليل فهو تحت الوصاية".

سأل لويد، متظاهراً بالاهتمام بينما كان يراقب فريتز كالصقر ترقباً لأي رد فعل: "خراب؟ حدّثني أرجوك يا تشارلز".

مطّ تشارلز النبيل الآخر كلامه: "أه، أنت تعرف تلك السقطة. لقد أحدثت ضجة كبرى، رغم أنها حدثت قبل عصرنا. مرشد هايتايد الذي اختفى ومعه سليل من العائلة المالكة ووريث بيت ويفزريتش. تاركاً الستة الآخرين من فريقه يواجهون مصيرهم وحدهم، ولم ينجُ من إبرة المطر سوى اثنان منهم فحسب".

أهذا حقاً ما جرى؟ كان فريتز صغيراً، أصغر من أن يدرك شيئاً حين ضربت تلك المأساة، ثم تلا ذلك نهب إقطاعيته، وبقاؤه وأشقاؤه يتامى بوحشية بعدها. موت فظيع إثر اختفاء مأساوي. لم يسمع فريتز سوى شائعات لم تحمل يوماً الكثير من التفاصيل عن الكارثة الأصلية.

هتف لويد قاطعاً صمت فريتز المتجهم المذهول: "يا للهول! لقد سمعت بذلك حقاً. أعتقد أن الأميرة فقدت أخاها الأكبر العزيز في ذلك الحادث".

رد تشارلز بنبرة لاذعة، وقد ارتفعت شفتاه مقززتَيْن، ناظراً إلى فريتز كما لو كان حشرة مقيتة: "أنت محق، لقد كانت كارثة مخزية بشكل لا يصدق. للملك والمرشدين على حد سواء. بصراحة، أتعجب كيف يجرؤ أحد أمثالك من آل هايتايد على إظهار وجوهكم البائسة أمامنا".

اُمتلأ جوف فريتز بالغضب الفائر، وتطلب الأمر كل سيطرته كيلا يستل كويكسيلفر ويشق بطن هذا المتغطرس. طبق على قبضتيه وفكيه، محبساً كلماته وغضبه. أكانوا يحاولون استدراجه لمهاجمتهم أم أن هذا مجرد استعراض اجتماعي تقليدي يمارسه النبلاء؟ لم يستطع الجانبين لكنه مقتهم رغم ذلك.

تدخل بيرت في الحديث متسائلاً: "جرأة؟ إن كان هناك ما يملكه فريتز فهي الجرأة. بل أكثر من جرأة! تمتلك الكثير من الجرأة حقاً. هذا ما يقولونه عنه".

تحولت عيون النبلاء الحادة نحو بيرت، فوزنوه، ثم تجاهلوه باعتباره عامياً لا قيمة له.

قال تشارلز: "خادمك فظ للغاية. وغبي وممل بشدة. عليك معالجة هذا الأمر. ربما عليك جلب خادم آخر أقل قبحاً وأرجح عقلاً. وإن كان الحق يقال، فهو أقصى ما يمكنك الحصول عليه من مساعدة. فماذا نتوقع حقاً من بيت هوى إلى هذا الدرك السحيق؟"

عقب لويد بلطف وتألق البريق في عينيه مرحاً: "هيا يا تشارلز. فنحن جميعاً متسلقون هنا. أنت تعلم. متساوون".

جعلت طريقة لويد في الابتسام وقول الكلمة الأخيرة الأمر واضحاً للغاية؛ إنه لا يعنيها قط. إنه يسخر منهم وغير قادرين على فعل شيء حيال ذلك.

رد فريتز متظاهراً بعدم الاكتراث: "متساوون، أترن؟ أظن أننا متساوون في عدم استحقاقنا لرضا الإمبراطور. ألهذا السبب تحومون خارج تلك الخيمة الممهورة، أليس كذلك؟ لستم مسموحين بالداخل؟ منبوذين؟ غير مرغوب بكم؟"

تلاشت ابتسامة تشارلز الماكرة لتتحول إلى جمود حسابي. اهتزت واجهة لويد الودودة للحظة واحدة، لكن فريتز تبين شرارة غضب تقدح في عينيه الرماديتين.

أضاف بيرت، ملقياً بالمزيد من الحطب في النار: "مثل كلاب طينية لا يسمح لها بدخول المنزل".

عكّر هذا ابتسامة لويد، بينما احمر وجه تشارلز. بدا أنهما أصيبا في مقتل. لكن قبل أن يتسنى لهما تبادل الشتائم بجدية، خرجت سيدة أنيقة ترتدي زياً فاتناً من الخيمة الحريرية. تشابكت ببابها لحظة قبل أن تحرر نفسها، فتقدمت بخطوات متعثرة قليلاً. ثبتت وقفتها، وعدلت فستانها الأخضر المتألق الذي يفصل جسدها ببراعة، ثم طافت بنظراتها في المكان.

تقدمت السيدة، وأزاحت خصلة من شعرها الأشقر عن وجهها المحمر، ونادت: "تشارلي. أعني يا سيد جريسبر! يطلب الأمير زجاجة أخرى من خمر عائلتكم الموقر".

تمتم تشارلز بصوت خافت قبل أن يلتاستدر ويحيي السيدة بابتسامة ودودة: "إنه ليس أميراً حقيقياً. وما أدرانا إن كان حفيد أخي الإمبراطور".

سأل بشغف: "السيدة أليس بلاكبريج. يسرني للغاية أن أزود الأمير بالمزيد من الخمر. أأقدمه بنفسي؟"

أجابت بابتسامة ماكرة وهي تمد يدها كما لو كان يحمل الزجاجة: "لا، لا بأس بذلك إطلاقاً. إنه... منسجم تماماً بصحبتنا. ولا يريد أن يزداد الازدحام حوله".

بدت ابتسامة تشارلز متكلفة، لكنه استجاب، فأخرج زجاجة داكنة من جيب صغير مثبت بحزام ليعلّقها ويناولها إياها مع انحناءة خفيفة.

أخذتها وراحت تخطو بدلال عائدة إلى جوف الخيمة حيث ينبعث خافت الحديث وقرقعة الكؤوس والضحكات المتبجحة قبل أن ينقطع كل ذلك مع إسدال باب الخيمة مجدداً.

وهمس أحدهم من خلف فريتز: "يا الهول، كانت فاتنة".

ومما أثار دهشته قليلاً أن الصوت كان للورين.

رفعت حاجبيها واستفرقت كتفيها مبتسمة بابتسامة خفيفة.

وقالت: "أعجبني ثوبها".

قال لويد ملاحظاً إياها للمرة الأولى: "ومن تكون هذه السيدة الجميلة".

وتألق في عينيه بريق جشع ومقلق وهو يتأمل جمالها الواضح.

قالت وهي تنحني بعمق: "أنا لورين نيرشور، يا سيّد".

تدخل تشارلز مطلاً عليها بنظرة فاحصة وشهوانية: "لا أعرف هذه العائلة. رغم أنني متأكد من أنني سمعت الاسم من قبل".

أكدت لورين: "لست من أهل النبلاء، يا سيّد، بل أنا ابنة تاجر متواضعة".

هتف بسعادة: "ابنة تاجر؟ نيرشور. هذا صحيح، لابد أنك شقيقة خطيبتي! أرى الشبه الآن. فتحت تلك الكدمة القبيحة تبدوان متشابهتين للغاية. أنتما رائعتان، بل تكادان تكونان توأمين، وعليك الحذر لئلا أخطئ وأظنك هي"، ثم أطلق ضحكة خفيضة.

تجمد وجه لورين على تلك الابتسامة المهذبة والمشرقة، لكن ومضات من الجمر تلألأت في عيناها.

ردت بدلال: "وعليك الحذر أيضاً، لئلا أخطئ وأظنك خنزيراً فأشويك".

صُعق الرجل، ثم أدركت لورين ما قالت واجتاح الرعب عينيها.

انفجر بيرت ضاحكاً وتبعه كال وروزي اللذان كانا يتابعان المشهد. لم تقبل الطبقة النبيلة الاستهزاء بها من العامة، ولا سيما من أمثال هؤلاء الثلاثة الفظين. ظن فريتز وجه تشارلز محمرّاً من قبل، لكنه كان مخطئاً، فهو الآن أحمر كقشرة جراد البحر المسلوق.

امتدت يده إلى مقبض السيف الذهبي المزخرف إلى جانبه قبل أن يقبض لويد على ذراعه من طية المرفق ويهمس بحنق: "توقف، البئر السادسة".

نفض تشارلز يد رفيقه.

ويبدو أن "السبير"

لم تعتبر أيّاً من الفعلين هجوماً، وتساءل فريتز بذهول عن المعيار المعتمد للطرد.

لا بد أنه مرتبط بالنية، شبيه بالطريقة التي تتعرف بها "السبير"

على الفرق بوصفها منفصلة عن بعضها.

زمجر تشارلز رداً: "تلك العاهرة العامية دعتني خنزيراً. وشرفي يتطلب-"

هتف لويد بصوت خفيض: "شرفك يتطلب أن تواكب الأمير كما "سُحْ لَنا" من قِبل الملك. ولا يمكنك فعل ذلك إن طُردت. أترغب في تحميل البقية منا تبعات نزوتك؟ ثم تتعرض لسخرية البلاط لفشلك في مهمة بسيطة كهذه؟".

تغلغلت الكلمات الخفيضة والمهامسة في أعماق تشارلز فانحسر غضبه، أو بالأحرى، تراجع ليحبس في قاع روحي. تحرك الحكره في نظرته وهو يرمي بها لورين.

وقال ونبرة صوته تقطر بالحقد: "لم أكن أعلم أن آل نيرشور بهذه البذاءة. ربما يجدر بي أن أطلب من أبي إعادة النظر في ترتيبات الزواج بين عائلتينا. ستتحطم أختك لا محالة. وأنا واثق من ذلك".

يبدو أن لورين اكتفت. اعتدلت من انحناءتها وزال الخلع من عينيها، ليحل محله إطار من الضوء البرتقالي حول حدقتيها الصفراوين المائلتين للخضرة. وقابلت نظرته بغضب جامع لا ملامح فيه.

قالت: "لتتحطم. لا أبالي. أهون من الارتباط بخطاب أعمى وفجّ كمتسول وقيح ينقب في النفايات".

صُعق النبيل من التغير السريع في سلوكها، وتفاجأ فريتز نفسه بعض الشيء. غير أنه لم يشعر بالإهانة كما شعر ذلك المدلل. كلا، بل غمره سرور عميق في القلب لأنها تقف في وجه هؤلاء الرجال المدللين وتواجههم بكلمات قاطعة وحادة.

وأصدرت "داسكسونغ"

رنيناً مرحاً.

قال بيرت مبتسماً: "أحسنت! ناتيه بلقب آكل القشور مصاص الحبار في المرة القادمة".

قبض تشارلز على الهواء بجانب سيفه، فاتحاً ومغلقاً قبضته وهو يرتجف من غضب بالكاد يكبح جماحه.

تحرك فريتز جانبياً ووقف بين المتشاجرين.

قال: "عليك أن تغفر لفريقي. فقد خضنا تسلقاً شاقاً".

زأر تشارلز: "لا ألزم بفعل أي شيء من هذا! ولا يمكنك أن تطلب مني ذلك يا لقيط بيت متصدع. نقيصة لا يعادلها سوى فقرك".

ارتجفت ابتسامة فريتز وتملكه رغبة جامحة في طعن النبيل بسيف كويكسيلفر، مجدداً.

قال فريتز بنبرة بذل وسعه لتكون مهذبة: "يا له من قول ثقيل لصاحب مقام رفيع مثلك، يضطر مع ذلك لمصاهرة التجار الوضيعة. ألهذه الدرجة بلغت السوء أحوال داركم؟".

أمر لويد فريتز وفريقه: "توقفا فوراً. أنتما تجلبان العار لنفسيكما".

قال تشارلز مستعيداً بعض رباطة جأشه وهو يكبح مشاعره: "عار؟ أشك في أنهما يستطيعان الشعور بالعار أصلاً، فالمرء يحتاج إلى الشرف أولاً. وهو ما ينقصهما تماماً".

قال فريتز بابتسامة ساخرة: "آه. نعم، الشرف العظيم المتمثل في كونكما كلبيّ خنازير أمير الإمبراطورية. وأنا واثق من أنه يثمن حمايتكم كثيراً. ولا يضاهي هذا التثمين سوى امتنانه لغيابكم بينما تسليه السيدات الموقرات".

تجمد النبيلان معاً، وتحول غضبهما الذي كان يغلي ويومض كالنار الخفية إلى أمر أبرد بكثير وأكثر تحكماً. وأشاحا بوجهيهما كأنهما يطردان فريتز وفريقه من تفكيرهما.

قال لويد ببرود: "مع ذلك، لا يليق الجدال مع الدهماء".

قال تشارلز وهو يستدير ويبتعد بخطوات واسعة: "أنت محق، فمجرد التواجد في حضرة هذه الثفالة أمر دون مقامي".

وبينما كان الاثنان يبتعدان، سمع فريتز صوت لويد الخفيض وهمسه الذي كاد لا يسمع:

"يمكننا تسوية الأمر خارج السبير".

استمتع فريتز بالفكرة، فقد كان قادراً على إذلالهم تماماً في مبارزة أو أي مواجهة أخرى.

تسلل "داكسونغ"

فوقه بحماسة مع هذا الاحتمال. ثم انقبضت معدته وتجمد دمه في عروقه عندما تحدث تشارلز تالياً.

قال: "نعم، نستطيع. لديهم عائلات."

لن ينجح هذا. قبض فريتز على غضبه قبل أن يسيطر عليه. دافع اللهب الصارخ إلى الأسفل، ومضى يطمئن نفسه بأنها كلمات فارغة من رجال فارغين. وبأن النبالة عندما تنتهي من صعودها وتحتفل بالكرات والحفلات المطلوبة، ستنسى تماماً الإهانات التي وجهها هو وفريقه.

شك في ذلك. لكنه تمنى ذلك على أي حال. وإن أتوا من أجله ومن أجل عائلته، فسيدفع لهم الثمن ثلاثة أضعاف، وسيكون الخراب لحياتهم المترفة.

قالت لورين وقد خاب أملها فجأة: "حسناً، كان يمكن أن تسير الأمور بشكل أفضل."

قال فريتز: "مستبعد. إنهم نبلاء."

سأل جورج مفاجئاً الفريق بحضوره الراسخ بعد أن ظل صامتاً طوال الوقت: "أترى أن الأمر سيلاحقنا؟"

قال فريتز: "ليس داخل السبير. رغم أن علينا الحذر من الخلف في الخارج."

أعلن بيرت: "يبدو وكأنه شيء يمكن القلق بشأنه لاحقاً. فلننطلق الآن ونتفقد المتجر لنرى ما يمكننا بيعه مقابل مشروب أو اثنين. أكاد أموت من رغبة في جعة إن وُجدت. أوه، ولا تتركوا أمتعتكم ملقاة هنا، فقد تُسرق."

أومأ جورج وروزي وكال موافقين، وبينما لمר يرد فريتز أي علاقة بالنقابة فقد وافق على الفكرة. لن يجد نفعاً في تجنب الأدلة كلياً، فقد كان ذلك سلوكاً مثيراً للريبة فحسب.

تنهدت لورين: "كأس من النبيذ لن يكون سيئاً."

تذمر فريتز: "يا للأسف، لقد تركت نبيذ الميرلو خاصتي في مخبئي بالخارج."

فأجابت: "يا للرثاء."