كانت المظلة الحمراء والذهبية مبتلة بالندى، وتتطاير قطرات صغيرة حين تلوّح الأغصان في الريح الخفيفة.
قال بيرت مبتسماً وهو يخوض في الأدغال الرطبة: "الجو حار حقاً!"
تذمر الفريق، فهذه هي المرة الثالثة التي ينطق فيها بهذه الحقيقة تحديداً.
قال فريتز محنقاً من التذكير بالحر المزعج: "ألابد من هذا؟"
فأجاب بيرت: "لابد منه".
أطرق فريتز متجهمةً ملامحه، وسينتقل بالرد عاجلاً لهذا الأحمق المزعج.
باستثناء حماقات بيرت المزعجة، مرت ساعات المسير هادئة تماماً. لم يصادفوا إلا القليل من المخاطر، والشيء الوحيد المثير للاهتمام الذي عثروا عليه في هذا البحر الأحمر من النباتات كان ثماراً خضراء فاقعة بحجم القبضة تنمو على بعض الأشجار. كانت الثمار ذات قشور ناعمة بملمس المخمل، وبعد أن تركوا بيرت يختبر سمومها، وجدوا أنها شهية للغاية.
حين قضم فريتز إحداها، تدفق عصير لزج حلو على النصف الأسفل من وجهه. كانت القشرة مرّة، لكن اللب تحتها كان رائعاً، ومفرط العصارة كما اكتشف للتو. لم يدر كيف يصغو وصف الطعم، رغم أنه أكل شيئاً مشابهاً من قبل. مع ذلك، لم يكن عليه تحديد هويته، فقد أثبتت لورين معرفة واسعة في هذا الجانب كما في جوانب كثيرة غيره.
أوضحت وهي ترمش ناظرة إلى الأعلى نحو الأغصان العالية التي تحمل تلك "المانجو": "إنها شبيهة بالمانجو إلى حد ما".
قال كال بين لقمة وأخرى: "إنها طيبة للغاية".
تذمر فريتز وهو يغسل يديه اللزجتين بماء مطرته: "حلوة أكثر من اللازم... وفوضوية".
قال بيرت: "اسمع نفسك. يا له من انطباع جيد عن توبي".
كشر فريتز، حتى لو اتفق معه في أنه بدا ممتعضاً بعض الشيء. سقط وجه بيرت نفسه حين أدرك من أتى على ذكره.
سألت روزي وهي تسند نفسها إلى جذع: "من؟"
صمتوا لبرهة ثم أوضح فريتز: "طاقم سابق. خائن. لا تقلقي، سينال جزاءه. إن التقينا به يوماً".
جادل بيرت وهو يأخذ قضمتاً من مانجو أخرى: "لا أعتقد أن الأمور ستصل إلى هذا الحد".
كاد فريتز يزمجر بينما يتسرب غضب غائم من جوفه ويعلو جلده: "يجب أن يدفعوا الثمن".
هزّ بيرت كتفيه، ثم التفت حوله كمن يقول إن لديهم جمهوراً. وإذ أدرك فوراً أن الجميع يستمعون، دفع فريتز شعوره المفاجئ بالظلم جانباً. أجبر نفسه على الاسترخاء والتخلّي عن ذلك الحنق الدفين.
سأل كال ليلفت انتباههم إلى الرجل الذي كان يشير نحو المظلة العالية حيث يعلّق معظم الثمار: "أنريد التقاط المزيد من هذه المانجو؟"
قال فريتز وهو يشير إلى سرب الطيور المغرّدة الملونة التي ترفرف فوقهم: "إن كنت تريد المجامرة بمهاجمة تلك الطيور لك".
سأل جورج: "أمتأكد تماماً أنها ستهاجم؟ بمقدوري تحمّل خطر بسيط، أنا أحب هذه حقاً. إنها أفضل حتى من السرطان".
قال فريتز: "أنظر إلى تلك الأعين الحبيبة، المفعمة بالكره والحقد. صدقني، أنا أعرف متى أرى الشّر. وتلك المناكار والمخالب؟ ستمزقك إرباً. رغم أنه مع درعك قد لا يكون الأمر سيئاً للغاية".
أمعن جورج النظر في كلماته بينما تقدّم بيرت نحو أكبر شجرة مثمرة، مادّاً ذراعه ومحركاً كتفه في حركة دائرية.
قبل أن يصرخ فريتز محذراً، كان بيرت قد ضرب الجذع بالفعل بضربة صادمة، مسبباً بقبضته المتموجة اهتزاز الشجرة بأكملها كأنما هزتها عاصفة مفاجئة.
تساقطت المانجو كالمطر. رفع الفريق أذرعهم جميعاً فوق رؤوسهم أو حاولوا المراوغة، لكن أحداً لم ينجح. حتى فريتز، الذي قرر الاعتماد على طوره المظلم، فوجئ حين اصطدمت به ثمرة وانفجرت على كتفه، ناتحة عليه بالعصير. ظاهرياً، لم يعدّ السقوط المفاجئ للثمار أذى. كان حريّاً به معرفة ذلك حين لم يحذره استشعار الخطر.
أطلقت الطيور الصغيرة صرخات غاضبة، وتحولت تغريداتها إلى استياء ساخط بدلاً من الازدراء البسيط. انقضّت عبر الهواء لكنّ أياً منها لم تكن مستعدة للتحليق أدنى من تسعة أقدام من الأرض. راحت ريشات صغيرة زاهية تطفو هابطة وسط عاصفة التغريدات والمخالب الممزقة. حطّ ذلك الريش الزاهي، ثم التصق، بالفريق المغطى بالعصير.
تفرس بعضهم في وجوه بعض، وقد تزينت شعورهم وكتوفهم ببقع من الريش الأزرق والأخضر. ثم تحولت كل الأعين نحو بيرت، الذي رمى مقلاتهم الملوّمة بابتسامة ضعيفة ومحرجة.
"عفواً".
انكسر سد مفاجئ فانفجروا جميعا ضحكاً. هوت روزي على ركبتيها صارخة بينما أسند كال نفسه إلى شجرة ممسكاً بصدره. جلس جورج مطلقاً قهقهة هادرة، بينما كابحت لورين ضحكتها بصعوبة.
ضحك فريتز: "أيها الأحمق، يا بيرت! يا لك من أبله مطلق".
صرخت روزي: "أبله!"
وافقت لورين وسط قهقهاتها: "أحمق!"
استمر مرح الفريق الصاخب قرابة دقيقة كاملة.
تذمرت لورين حين خفّت الضحكات أخيراً: "نبدو سخيفين. وأنا لزجة".
قال فريتز وهو يلتقط الريش عن كتفه: "أوافقك. سيتحتم علينا إيجاد جدول أو غدير لنغتسل فيه".
صرح بيرت: "أو قد تمطر. سيُزيل ذلك كل هذا العاهن عنّا".
قال فريتز وهو يربت على كتف صديقه: "يا للهول، لا تغوِ السبير بمثل هذا الحديث. لن يتحرك، التقطوا ما شئتم من المانجو لكن افعلوا ذلك خلال ثلاث دقائق. لا يمكننا الوقوف هنا إلى الأبد، فلدينا درج لنبحث عنه".
أطاع الفريق، وشرعوا سريعاً في جمع أقل الثمار الساقطة تعرضاً للكدمات.
قبل انقضاء الدقائق الثلاث عاودوا التحرّق، شاقّين طريقهم عبر الأدغال بينما كان فريتز يبثّ إدراكه بين الحين والآخر. وبينما هم يسيرون، تداعت لمحات السماء المتفرّقة فوق رؤوسهم، فتحوّل الأزرق الصافي إلى رمادي ملبّد بالغيوم. لعن فريتز بيرت بصوت خافت حين بدأ صوت المطر المألوف للغاية يقطر، ثم يتساقط، ثم ينهمر بغزارة. غرقوا تماماً في غضون دقائق، وفي غضون ساعة واحدة فقط بلغت شدّة المطر حدّ إغراق الشوارع.
كان أعضاء الفريق جميعهم من أبناء مدينة المطر، وكانت معدّاتهم ومعنوياتهم منيعة ضد القليل من المطر، أو الكثير منه. في الواقع، عزّز ذلك مزاج فريتز نفسه، وهو أمر طبيعي يساعده على تثبيت مشاعره وتمكينه من التفكير. لقد كان قلقاً، ويكاد يرهب النقاشات، أو بالأحرى التوبيخات والجدالات التي سيخوضها الفريق عند البئر التالية. ولا سيما تلك المتعلقة بنوبة غضبه. وحين استعاد الأمر الآن شعر بأن لديه سبباً وجيهاً ليكون غاضباً، بل ومستشيطاً غضباً، لكنه تمادى أكثر مما ينبغي.
فالتهديد المميت ليس شيئاً يمكن للمرء أن ينساه أبداً، أو ينبغي له ذلك.
كان الاعتذار من الطرفين ضروريّاً، لكن كيف يفعل ذلك مع الحفاظ على مكانته وكبريائه كقائد حكيم ورائع؟ افترض أنه سيتعين عليه تسوية الأمر. لقد كان يملك الوقت.
تزلّقت روزي بضع مرات وبدأت تتخلف عن الركب، مما أبطأ مسيرهم. ووفاءً ببوصلة وعده، طلب فريتز من بيرت أن يحملها على ظهره. تذمّر قليلاً فحسب، لكن لم تلبث المرأة المتعبة أن تشبثت به بينما كان يخطو إلى الأمام. بدا أنها تستمتع المسير بكثير من البهجة من ذلك الحين فصاعداً.
مرّت ساعات وكانت الشمس تغيب، وقدّر فريتز أنهما قطعا ثلثي المسافة نحو السلّم. وإذ أدرك أن التنقل في الظلام والمطر سيكون كابوساً، أمرهم بإقامة معسكر تحت رفّ صخري. أعدّ كال العشاء كالعادة، وتناولوا يخنة المانجو والسرطان الساخنة. كانت حلوة وحامضة قليلاً، ودفأت مرقتها الساخنة عظامهم حتى النخاع.
وحين ناول كال فريتز وجبة ثانية أوقفه في مكانه.
قال فريتز: "علينا أن نتحدث".
حدّق كال في وجه فريتز، وبما أنه بدا صارماً فقد وصلته الإشارة بأن الأمر جاد فأومأ برأسه.
كان الآخرون في الفريق يدردشون ويتذمرون بمرح، لذا خفض كال صوته.
قال: "بخصوص ماذا؟"
أوضح فريتز: "بخصوص ما حدث في الكهف".
بدا كال غارقاً في ذكرى مخيفة لثانية واحدة، وأفلت بسرعة: "أنا آسف. أنا آسف لأنني شككت فيك. كنت قلقاً فحسب".
قال فريتز بتأمل قاتم: "أعلم. رغم أن كلا منا لديه ما يعتذر عنه. ما كان لي أن أهددك على النحو الذي فعلته. لقد كان أمراً قاسياً وعاطلاً عن الشعور، خصوصاً أنك كنت تظن أنك تحمي أختك. على الأرجح كنت لأفعل الشيء نفسه في مكانك".
أومأ كال برأسه.
وقال: "لديك أخت أيضاً؟"
قال فريتز وهو يرتسم ابتسامة دافئة: "لدي".
لم يكن تعبيراً زائفاً تماماً، لكنه بالغ فيه بعض الشيء.
"رغم أن هذا ليس موضوعنا ولا مكاننا. أريد أن نكون على نفس الموجة. ألا نكون على خلاف بعد الآن".
سأل كال: "ألا تريد مني الرحيل؟ ألن تطردني من الفريق؟"
قال فريتز بفخر: "لا، لا أظنني فاعلًا. لقد أثبتّ شجاعتك في خضم المعركة. أي فريق. هذا الفريق. سيسره الترحيب بمثل هذا الرجل".
بدأ كال يخجل. مع أن فريتز كان يعلم أن أي فريق سيرغب بشدة في وجود داعم ناقل، بغض النظر عن شجاعته من عدمها. لكنه لم يستطيع السماح للرجل بالرحيل، فقد يجبرهم ذلك على مواجهة الحقد أو قبول عضو أسوأ في الفريق.
أسهب فريتز قائلاً: "عليك أن تفكر فيما تريد فعله في هذا الطابق التالي. الطابق السادس هو المخرج الأخير، باستثناء الهاوية، في هذا البرج. سيتعين عليك أيضاً التفكير فيما إذا كان بإمكانك الوثوق بي وبفريق من كل قلبك، على عكس ما كنت عليه. لا يمكننا تحمل وجود حلقة ضعيفة".
أومأ كال برأسه وهو يتدبر كلماته.
قال كال: "سأفكر في الأمر".
قال فريتز: "افعل ذلك. تحدث إلى روزي بشأنه".
انصرف كال، وجلس بجانب أخته وهو يتأمل.
عرف فريتز أنه سيتعين عليه التحدث إلى روزي بعد ذلك، فمن غير المرجح أن يتركها كال خلفه إذا قررت الاستمرار مع الفريق. كانا في الأساس ثنائياً مثلما كان هو وسبير ثنائياً. مع أنه كان يشتبه في أن إقناع روزي بالبقاء سيكون أسهل. فقد كانت مفيدة، وقد تلقت بالفعل خنجراً كان موجهة إليه بعد ذلك كله. وحتى لو لم يكونا صديقين حميمين بالضرورة، كان لديه تعلق ومحبة معينان تجاه الشقيقين.
أما بالنسبة للآخرين في الفريق، فلم يكن لديه شك يذكر في أنهما يريدان مواصلة التسلق. كان كلاهما يمتلك أهدافاً؛ فواحد يحتاج إلى الهرب والتحرر، وهو سبب كان فريتز يفهومه جيداً. والآخر يحتاج إلى صنع اسم لنفسه وتحقيق بعض الطموحات. وما كان ذلك الطموح، فلم يكن فريتز يعلم، لكنه كان واثقاً من أن جورج سيخبره في الوقت المناسب. أو على الأقل سيطلب منه المساعدة عندما يحتاجها.
بعد أن أكلوا ناموا، حتى مع هطول المطر بلا نهاية. كان الأمر أشبه بالوطن، رغم أنه اضطر للاعتراف بأن الطعام كان أفضل، ولم يكن يفتقر إلى تلك المخلوقات أيضاً.
مرّ اليوم التالي بلا أحداث تذكر، رغم أن المطر خفّ بعض الشيء، مما جعل سفرهم أسرع. وفي غضون ثلاث ساعات من استيقاظهم عثروا صدفة على السلّم. عصبة من الأشجار الطويلة، تشابكت جميع أغصانها وجذورها معاً في خلط فوضوي. وهناك، في ثقب كبير بشكل خاص داخل التشابك، كانت هناك بعض درجات الحجر الصاعدة. المؤدية، كما اعتادت دائماً، إلى البئر التالية.
قال فريتز لفريقه المنتظر والقلق: "قبل أن نصعد، علينا أن نتحدث".
سأل كال: "ألا يمكننا فعل ذلك بعد أن تُشفى روزي بواسطة البئر؟"
قالت روزي: "يا كال، سأكون بخير، ولن يضرني بضع دقائق أخرى".
تذمّر كال: "حسناً، لكني أريد الخروج من هذا المطر".
سألت لورين: "هل من سبب يدعوك إلى عدم الدخول الآن؟"
أوضح فريتز: "أحد الأمور البسيطة التي أذكرها من قصص أبي هو أن المتسلقين يُوجّهون دفعة واحدة إلى غرفة بئر الطابق السادس. ونظراً لأمانها ومخرجها، تُعد بمثابة معسكر يمكن للمتسلقين الاستراحة فيه، أو تبادل المعلومات، أو البضائع، أو الكنوز فيما بينهم".
قالت لورين وهي تبعد خصلة شعر مبللة عن وجهها: "وماذا في ذلك؟"
أوضح فريتز: "وما في ذلك أنه سيكون مزدحماً على الأرجح. لا أُريد أن يسمعني أحد".
ردّد جورج: "أن يسمعك أحد؟"
قال فريتز: "لا أريد أن يشيع الخبر بأننا قتلنا— لا، بل دافعنا عن أنفسنا ضدّ —مغارٍ كراكوسيّ".
قال كال وهو ينقل وزنه بين قدميه: "لماذا؟"
أوضح فريتز بصبر: "أولاً، لا نريد أن تنتشر شایعات موتنا على يديه إلى الفريق الذي تركه خارج البرج. وثانياً، لا أريد أن يُصادر هذا الشعار أو يُبلغ عن وجوده بحوزتنا".
تذمّر كال: "لكن لماذا؟"
قال فريتز بنبرة نفاد صبر: "لأنني لا أريد أن أتعرض للتعقب مرة أخرى. وإذا أتوا من أجلي، فقد يأتفون من أجل الفريق كله".
وافقت لورين بسرعة: "حسناً، سنصمت بشأن المغار. أي شيء آخر؟"
قال فريتز: "احتفظوا بأوراقكم مستورة. لا أحد بحاجة لمعرفة سرعة تسلقنا أو أي من قدراتنا. حرّون أنتم في الكشف عن قدراتكم أنتم، أما قدرات بقية الفريق فهي لهم وحدهم ليكشفوها".
قالت لورين بلهجة استخفاف: "أنا أعرف قواعد المتسلقين".
قال فريتز: "كان الأمر موجهاً لكال وروزي أكثر".
أضاف بيرت: "ولي أيضاً".
وافق فريتز: "ولبيرت"، مع أنه لم يكن يخشى ذلك أبداً.
كان بيرت يمتلك طريقة للكذب على وجهك مباشرة. يبدو بريئاً، لكنه تحت تلك الشخصية الباحثة عن الإثارة كان ماكراً وحاد الذكاء إلى أقصى حد. وكل من اعتبره الأبمق الذي يظهره كان يقع في فخه لا محالة. مع أن فريتز اضطر للاعتراف بأن بعض طيشه لم يكن تمثيلاً.
سألت روزي: "هناك قواعد؟"
تساءل كال: "مثل القوانين؟"
قال فريتز: "هي أشبه بإرشادات. أو حسّ سليم، لو وُجد شيء كهذا".
ساعدت لورين في الشرح: "احفظوا أسرار فريقكم. لا رومانسية. لا سرقة ولا تكديس للكنوز. أَدّوا أدواركم بشكل صحيح. أمور كهذه، وليس هناك قائمة شاملة. كلها أشياء قد تسبب احتكاكاً، أو استياءً، أو ضغينة داخل الفريق".
قالت روزي: "أوه. يبدو ذكياً. ما عدا الرومانسية، فيمكنني تدبر أمري مع بعض منها".
أنّ كال: "يا للّهول، أرجوك لا يا روزي، لا تقولي ذلك".
قالت روزي وهي ترمق بيرت بنظرة، ثم جورج، ثم فريتز: "ماذا؟ ليس هناك خطب في رغبة القليل من المرح".
قالت لورين وهي تضحك وتصفع المرأة بخفة: "أي وقاحة هذه! تبدين مثل عاهرة رخيصة".
قالت روزي وهي تبتسم اتساعاً وتتخلص من صفعة أخرى خفيفة بكتفيها: "ليست رخيصة. مجانية".
أنّ كال أكثر وغطى أذنيه بينما تحول وجهه إلى قناع من الرعب والاشمئزاز: "توقّفي".
قال فريتز، منزعجاً قليلاً فحسب من الحديث غير اللائق: "ركّزوا أيها الناس".
هدأ الفريق وتابع حديثه.
"أتفهمون جميعاً إذن؟ لا تقولوا شيئاً عن المغار أو عن سرعة تسلقنا. أضيفوا يوماً أو يومين عند السؤال، وقولوا إننا نقوم بذلك منذ ثمانية أو تسعة أيام".
أومأ الفريق موافقين، وهم يختلسون النظر إلى الدرج ويرغبون في مغادرة المطر.
قالت لورين: "من المؤسف أننا لن نستطيع سؤال أي شخص عن كيفية تمكن الكراكوسي من تعقبنا عبر هذا العدد من الطوابق، فقد ظننت أنها تقفل أو تعيد ضبط نفسها خلفنا".
افترض فريتز: "بعض الطوابق قد تفعل، لكن تذكّروا أننا ستة فقط لا تسعة. والحد الأدنى المسموح به للمتسلقين هو تسعة بينما قد يكون الحد الأقصى أكبر. المرجح أن الطوابق التي عبرناها لم تُقفل خلفنا".
أقرت لورين: "أمر معقول. لكنه يظل صعباً".
وافق فريتز: "يظل صعباً".
قال جورج: "كان كراكوسياً، ربما هناك برج للصيادين أو ما شابه هناك في الجزر التي لا تُحصى".
بدا ذلك مرجحاً.
عارض بيرت: "الأرجح أنه برج أحمق وغبي"، مما أثار ضحكة.
قال فريتز حين راودته الفكرة: "حسناً، فلنبدأ إذن، وأنا متأكد من أنكم تتطلعون إلى قدراتكم التالية. أوه، وإن أمكنك يا روزي، ويا بيرت، فحاولا توجيه سحر شفاء البئر نحو المناطق المتضررة بخنجر الفولاذ اللاذع".
سألت روزي قبل أن يتمكن بيرت من الكلام: "كيف تفعل ذلك؟"
أوضح فريتز، بسوء شرح: "لست متأكداً تماماً. لكن عندما تشعر بالطاقة حاولا دفعها بالطريقة الصحيحة، مع تركيزها على جروح الخنجر بدلاً من تركها تغمر جسدك كله".
كان يعرف كيف كان شعور ذلك، لكنه لم يكن يفهم تماماً كيف فعلها من قبل، وسيتعين عليهما التخبط في الأمر مثله تماماً.
مع ذلك، بدت روزي مفعمة بالأمل، لكن بيرت اكتفى بهز كتفيه، فقد بدا سليماً تقريباً بالفعل.
قالت لورين بحدة: "توجيه المانا؟"
أومأ فريتز بحذر، غير متأكد من سبب تحول نظراتها الصارمة نحوه فجأة.
قالت لورين: "لا أُنصحكما بتعليق الآمال. يمتلك فريتز التحكم، وهي صفة متقدمة تساعده على تشكيل السحر، إلى جانب أمور أخرى. يا له من محظوظ".
سأل فريتز بشيء من الاستياء: "محظوظ؟"
من بين كل صفاته المتقدمة، بدا التحكم الأسوأ، باستثناء الوقت الذي أنقذه فيه من خطأه الأحمق بالنيران الغريبة في ملاذه.
كررت: "محظوظ. إنها إحدى صفات إلقاء التعاويذ الأساسية إلى جانب الشدة والمثابرة. وهي مرغوبة بشدة في السمات والمسارات".
فرد بابتسامة: "آه. بيد أنني لست ساحراً".
قالت لورين: "نستخدم جميعا المهارات بدرجة ما. مع أنك محق. فهي أفضل للبعض دون آخرين".
وأضافت بحسد: "تبدو مهدرة عليك بعض الشيء، بصراحة".
قال فريتز وهو يقبض على صدره كمن أصابه سهم: "يا للوجع!".
تذمر كال: "كم عدد سماتك المتقدمة بحق الجحيم، يبدو كأنك تغش".
أكد فريتز وهو يستقيم في جلسته ويرفع ذقنه باعتزاز شديد بنفسه: "هيا هيا. لا يمكنك غش الابراج، أنت تعرف ذلك. كل ما نلته اكتسبته بعرق الجبين والدموع".
قال كال متذمرا: "أعلم أنك على حق بشأن الابراج. لكن بطريقة ما، حتى عندما تقول شيئا صحيحا، يبدو وكأنه كذب. ما زلت بالكاد أصدق أنك هزمت الغازي، وقد رأيت ذلك بعيني هاتين".
تخلى فريتز عن بعض مظاهره الارستقراطية، وتحدث بما أمل أن يبدو صادقا: "الحق قد يكون مضللا. مع أنني وجهت الضربة القاضية وأسقطت الوحش. ما كنت لأفعل ذلك لولا دعم فريقي، دعمكم أنتم. ومتأخرا بعض الشيء، أشكركم جميعا على ذلك. حتى لو افترقت طرقنا في هذا الطابق، فاعلموا أنني لا أحمل ضغينة لأحد وأتمنى لكم التوفيق في مساعيكم. أيا كانت وحيثما كانت".
سادت لحظة من التقدير والتدبر في نهاية حديثه المفاجئ. لكن الصمت لم يلبث أن كسره بيرت.
قال وهو يخطو نحو الدرج: "هيا، يمكننا الحديث عن ذلك حين نخرج من المطر".
ابتسم فريتز بتهكم وهز كتفيه، ثم تبعه، تاركا البقية واقفين بدهشة أمام التغير السريع في مجرى الأمور.
علي إبقاؤهم في حالة تأهب، أليس كذلك يا بيرت؟
لحق فريتز ببيرت سريعا، ومشى بجانبه برهة قبل أن يلتفت صديقه ويبتسم له ثم يزيد سرعته. جاراه فريتز، فعاود الإسرار. في لحظات كانا يتسلقان الدرج الحجري حتى خرجا إلى غرفة البئر. انزلقا حتى توقفا على الحجر المدرج وتأملا البئر السادسة.
كانت الغرفة واسعة، أوسع حتى من طابق الوصول، ومصنوعة من الحجر المدرج ذاته. وفي المنتصف تربع البئر، وهو هنا بئر حقيقي، مجرد اسطوانة من الحجر المدرج تحتوي على ماء متوهج. وازدحمت الغرفة بسلسلة من الخيام المتنوعة في تصاميمها وألوانها وموادها والمبعثرة في كل مكان.
مع أن أكثر هذه الملاجئ المؤقتة لفت للأنظار، والذي شغله حيزا معتبرا من الجانب الأيسر للغرفة الدائرية، كان صيوانا من الحرير الأحمر والذهبي يحمل شعار الامبراطورية. برج أبيض طويل على خلفية حمراء محاط بحلقة من الذهب.
وهما يلهثان ويدركان فجأة كل النظرات الموجهة إليهما من المتسلقين حولهما، تفحص فريتز وبيرت رفاقهما وبقية المحيط. كانت هناك ثلاثة فرق أخرى واضحة للعيان إلى جانب آخرين بدا أنهم ينتمون نقابة المرشدين وفقا لشعاراتهم المعروضة.
بدت المجموعة الأولى متسلقين أجانب ذوي خبرة، يرجح أنهم أعضاء في سيف. كانت معداتهم جيدة الصيانة وإن بدت غريبة أو فريدة في مظهرها أو موادها. فقد حملوا سيوفا طويلة منحنية، ومطارق ضخمة أو فؤوسا، وارتدوا دروعا غريبة من الحرير أو الخشب أو المعادن الساطعة. وحتى درعا بدا كصفائح حجرية مربوطة بحبال.
كانت المجموعة التالية من السكان المحليين. أحد الفرق التي تتسلق البرج ذاته مرارا وتكرارا. تجمع الكنوز وغيرها من النفائس طلبا للثري لا سعيا لتحصيل المزيد من القوى عبر إيجاد ابراج جديدة وتسلقها. ارتدوا وتسلحوا بالطريقة التقليدية لمدينة المطر. حيث ارتدوا المعدن، وسواء أكان سلاحا أو درعا فقد اكتسى باللون الرمادي الباهت المائل للزرقة لفولاذ المطر، وحيث وجد الجلد كان بذات رمادي حراس العاصفة.
مع ذلك، ظلوا متسلقين وعلى هذا جهزوا جميعا وفقا لأدوارهم.
كان الفريق الأخير تجمعا صغيرا من ثلاثة رجال وقفوا قرب مدخل صيوان الامبراطورية والخيام الأكثر فخامة القريبة منه. بدا أنهم من النبلاء حكما على ملابسهم وهيئاتهم ومظهرهم المعتنى به وحليهم الوفيرة. وكانت دروعهم وأسلحتهم الباهظة مزينة بعناية، وبدا جليا أن بعض معداتهم ربما كانت كنوزا. رغم صعوبة تحديد أيها وسط بحر من تلك الزينات الباهرة.
كاد فريتز يفزع حين تحدث أحد المتسلقين المحليين القريبين، بصوت عال وأجش كسر السكينة التي خيمت على الغرفة فور دخولهما.
سأل الرجل: "هل أنتم بخير؟ أتعلمون أن الوحوش لا تستطيع اللحق بكم أليس كذلك؟".
التفت فريتز نحو المتحدث. كان الرجل مخضرما، وتوسط خده وذقنه ندبة شكلت خطاطا أبيض في لحيته البنية القصيرة. ارتدى جلودا رمادية، ودرعا صدرية من فولاذ المطر ومعطفآ طويلا من الحشرات السوداء فوق ذلك. وإلى جانبه في غمد أسود سيف طويل بدا وكأنه مصنوع من الزجاج.
أوضح فريتز وهو يرفع ذراعيه المتألمتين: "بالتأكيد، نحن مصابون بعض الشيء كما ترى. أردنا تلقي العلاج بأسرع ما يمكن".
اختلج فم الرجل تعاطفا، ثم أومأ وأشار ببرهه إلى خلفه: "البئر هناك مباشرة، يبدو مثل... حسنآ... بئر. لا يمكن تخطيه"، ختم كلامه بفتور.
أومأ فريتز امتنانا وتابع التقدم مع بيرت. لم يعترض أحد طريقهما ولوح البعض أو أومئوا تحية حين مروا. في الواقع، تنحى معظم المتسلقين جانبا، حذرين من إفساح الطريق للفريق الواصل حديثا. لا بد من سبب لهذا الحذر لكن فريتز أبعده عن ذهنه الآن.
ظهر باقي فريقه من الدرج الذي لا يزال مفتوحا خلفه حين بلغ فريتز البئر، ثم اختفى الدرج، متلاشيا كطيف. سارع كال بسحب روزي لتتلقى العلاج، دون إضاعة وقت في التحديق بالناس والخيام والأثاث الآخر كما فعل البقية.
شعر بالامتنان لأن فريقه صار بأمان ووصل أخيرًا. وضع كفّه على حجر البئر واستمدّ القوة الباردة من جوفه. تدفقت داخله. وجّه الطاقات نحو ذراعيه. حرص على غمر الجروح بسحر الشفاء بأكبر قدر ممكن. نجح الأمر نوعًا ما. تحسن لون جلده وتراجع الاحتراق كأنما هدّأه ماء بارد. لم تلتئم الشقوق الطويلة الضحلة في ذراعيه تمامًا. صارت القشور الآن مائلة إلى الاحمرار بدلًا من الاخشوشاب المخضرّ.
لا بد أن هذا تحسن. هكذا أمل.
استفاد بير من البئر بصورة أكبر بكثير، ويرجع الفضل في الغالب إلى مهاراته المتعددة في التعافي، وتنهد وهو يمدد عنقه وكتفيه.
قال وهو يثني عضلاته: "شعور الشفاء جميل".
كانت روزي هناك بعدها، عقدت حاجبيها بتركيز وهي تحاول فعل ما قال وتوجيه الطاقات. ترهلت وطحنت أسنانها بغضب. بدا أن الأمر لم ينجح.
سأل كال: "أفضل؟"
قالت: "أفضل. لكن ما زلت أشعر بالألم والضعف".
بدا الحزن على كال بسبب الكلمات، لكنه كان التالي في امتصاص القوة التي داخل البئر.
قال فريتز مقترحاً: "عليك الغوص في قدسك، وانظري ما يُعرض عليك. ربما يساعدك ذلك".
أومأت برأسها وجلست، مغوصة في أعماق مركزها. فعل كال المثل بعد لحظات.
انضم جورج ولورين إلى الفريق بعد لحظات، وبدآ هما أيضاً بالجلوس والغوص في قدسيهما.
استرخى فريتز أخيراً، محاطاً بآخر أعضاء فريقه، ودون وحوش أو غزاة في الأفق، وسط أمان غرفة البئر.
تأمل توفيق صفاته المكتسبة حديثاً لكنه عدل عن ذلك الآن. جلس عوضاً عن ذلك على حافة البئر والتفت مستطلعاً الغرفة والمتسلقين، فقد عاد كثير منهم مباشرة إلى ما كانوا يفعله. كانوا يأكلون، أو يتحدثون، أو يقرؤون، أو يلعبون الورق، أو يتصارعون، أو يستريحون فقط مثله.
تنهد فريتز.
آمن، في الوقت الحالي.