دار رأس فريتز وهو يستنشق مزيدا من الهواء المخدر، لكنه لم يجرؤ على أن يزيح عينيه عن المغير المقبل، ولا عن ابتسامته الوحشية.
على الأقل يبدو مصابا، لاحظ فريتز، وهو يتفحص مظهر الرجل الرث، وتمزقات درعه الأسود، والجروح الكثيرة التي غطت جلده.
ترنحت لورين إلى جانبها فاقدة الوعي. بدا أن بيرت بالكاد شعر بالسم، إذ كان يقبض على قالب الصابون المخبأة داخله البذرة الذهبية. أما بقية الفريق، وقد أخذ السم المخدر يسري فيهم، فاستيقظوا واحدا تلو الآخر. أخذوا يحدقون حولهم بذهول، ثم ما إن لمحوا المغير حتى تراجعوا مسرعين، مبتعدين عن نظرته القاسية الجائعة.
اقترب فاغور، لكنه مر من جانب فريتز مباشرة وغمس يده في البئر، فانغلقت كثير من جروحه الصغيرة. ابتسم المغير ابتسامة باردة، وأعاد انتباهه إلى الفريق الذي ظل يحدق فيه. ثم أطلق ضحكة خشنة عالية مروعة. رأى فريتز الفرح السادي يتقطر من الرجل كالقار الدخاني.
"لماذا؟"
سأل فريتز، وقد بدا لسانه لزجا متيبسا في فمه.
زمجر فاغور: "وما زلت تجرؤ على الكلام. لا عقل ولا قوة. ضعيف يئن حتى النهاية."
التزم فريتز الصمت، لا خوفا بقدر ما كان يبحث عن شتيمة، لكن ذلك لم يبد أنه يعني شيئا للمغير.
هتف فاغور بهياج: "لقد عرف مكانه! وتعلم الصمت كما ينبغي له! فات الأوان! فات أوانك منذ زمن بعيد!"
زمجر وهو ينحني ويثبت عينيه السوداوين المجنونتين في عيني فريتز، فيما راح الفريق يراقب في رعب: "من أستمتع به أولا؟ صرخات من ستكون أعذب؟"
كان قريبا، قريبا جدا، حتى كادت أنوفهما تتلامس. هبت أنفاسه الحارة المتحمسة على وجه فريتز. مد فاغور يده إلى قبضة خنجره، ولم يبد أن حماسه إلا ازداد.
غمر بيرت وهج ذهبي خافت ثم اختفى في لحظة. ربما مر الأمر دون أن يلاحظه أحد. وكان سيمر كذلك لولا أن فاغور قطع هذيانه فجأة واستدار نحو بيرت.
تمتم فاغور في ارتباك: "البذرة الذهبية."
ثم أضاء الفهم وجهه، وقطب جبينه بغضب عارم.
"أيها الكاذبون! تنسجون الأكاذيب كالعناكب!"
فتح بيرت عينيه أخيرا، وما إن رأى المغير يعلو فوق الفريق حتى نهض ورفع قبضتيه. طأطأ رأسه، وشدت عضلاته، وانتفخت عروقه، ولمعت عيناه الكهرمانيتان بحمرة خاطفة. بدا أن جلده يثني الهواء قليلا حوله لمسافة بوصة، ثم اندفع. تحول بيرت إلى ضباب خاطف، ودوت قدماه كحوافر، بينما حمل جسده زخما رهيبا.
ظل ذهول فاغور ظاهرا لأقل من نبضة قلب، قبل أن يحاول التملص وهو يستل خنجره في حركة واحدة. أتاحت له ردود فعله غير البشرية تفادي معظم اندفاعة بيرت الكاسحة، إذ خطا خارج مساره. لكن سرعته ومهارته الهائلتين لم تمنعاه من تلقي ضربة بمرفق ارتطم بكتفه.
اقتلع المغير من قدميه، ودور في الهواء لحظة، ثم ارتطم بالأرض قبل أن يستغل قوة الارتطام ليتدحرج بعيدا وينهض من جديد. لم يبد متألما كثيرا من الضربة، باستثناء خيط الدم الدال الذي تسرب من ساعده الملفوف بالضماد. وواصل بيرت اندفاعه حتى اصطدم بجدار وارتد عنه بارتطام مكتوم. سقط على الأرض وأن من الألم.
لم يلق فاغور عليه نظرة أخرى. بل حدق، غير مصدق، في جرحه الذي لا يزال ينزف، ثم في البئر. نزع الضماد بينما كان بيرت يترنح واقفا. وتحت اللفافة، رأى المغير الإصابة التي لم تلتئم. شمها، ثم حدق فيها بحدة، باحثا عن شيء ما.
أتاح شروده للفريق أن يتحرك من جديد، فأخذوا يكافحون بأطراف مرتجفة لرفع أسلحتهم. كان ذلك عبثا. فلم يكن بوسعهم أن يصيبوا الرجل في الظروف العادية، فكيف ظنوا أنهم سيفعلون شيئا وهم واهنون بهذا الغاز المخدر؟ كان عليهم أن يفروا عبر باب آخر، باب لا يحوي تهديدات كثيرة، حتى يتمكن فريتز وبيرت من تأخير المغير لبعض الوقت من دون الاضطرار إلى حماية فريقهما. ولو بلغوا غرفة البئر في الطابق السادس، لأمنوا هجوم المتسلقين الآخرين.
أو هكذا يتذكر فريتز على الأقل.
كان ذلك أفضل رهان لهم، ففعل فريتز ما استطاع. وقف على ساقين مرتجفتين، محاولا تجاهل الألم البارد الحارق الذي يسري في هيكله العظمي كله. أخرج كويكسيلفر، وتراجع خطوة، ثم تحسس الأبواب خلفه.
كانت الأبواب الثلاثة تبعث إحساسا بخطر خفيف، بالكاد يستحق القلق الآن بعد أن صاروا جميعا من السائرين في المسار. لكن أحدها كان تحت الماء، وكان في الثاني ثقل غريب يحاول جذبك إلى الأرض. إذن لم يبق إلا الباب الواقع في أقصى اليمين.
نادى فريتز بصوت متثاقل: "روزي، كال، جورج! خذوا لورين واخرجوا! الباب الأيمن!"
اعترض كال بذهول: "وماذا عن الضغينة؟"
صرخ من جديد، بينما حول المغير نظره إلى فريتز وأمعن النظر في خنجره العظمي: "تحملوها، وسنلحق بكم بعد لحظة. ولا تفكروا حتى في ترك أحد خلفكم! اخرجوا!"
خمن فاغور: "ملعون؟ ما الذي يفعله كنز نفيس كهذا في مكان كهذا؟"
وإذ ذكرته اللعنات، وكان مخزون فريتز من مانا أغنية الغسق قد أوشك على النفاد، ألقى على الرجل تعويذة الخمول. وبدلا من أن يمد يده فيفضح استخدامه قدرة، ركز على تفعيلها دون حركة.
انطلقت الطاقة الصارخة في صمت من عينه. كانت سريعة خفية، صاعقة بلا وميض ولا دوي. التفّت حول صدر الرجل وتشبثت به، ثم تشربها جسده. كلف ذلك فريتز ثمنا باهظا، فترنح من الاستنزاف المفاجئ. ابتسم فاغور، فيما بدا، لرؤية ألمه الواضح ومعاناته الرهيبة. ومن شدة ابتهاجه، لم يلحظ اللعنة وهي تطبق عليه.
لا بد أن قدرته على التحمل هائلة، لكنها ليست بلا نهاية. ستبطئه، طمأن فريتز نفسه.
اندفع برت من جديد، لكن المغير كان يملك متسعا كبيرا للمراوغة، فانزلق جانبا وتفادى الهجوم بسهولة. اندفع برت متجاوزا إياه وسط ضباب من الغضب وصفير الريح، وكاد يصيب فريتز في اللحظة الأخيرة من القدرة. ترنح فريتز مبتعدا عن طريقه، وكاد برت يرتطم بالجدار خلفه، لكنه أوقف نفسه في اللحظة الأخيرة.
وحين رأى فريتز رغبة المغير الواضحة في الخنجر، أخرجه وقال: "سأعطيك إياه إن تركتنا نرحل."
قطب فاغور حاجبيه وكشر عن أسنانه كأنها أنياب.
قال بشراسة: "سآخذه منك على أي حال. لكن إن سلمتني إياه بهدوء، فسأذبحك قبل أن أشرع في سلخك."
لم يرق العرض المضاد لفريتز أدنى مرق، فاستعد للقتال، وانضم إليه برت ووقف إلى جواره.
اكتفى فاغور بمراقبتهما، فيما راحت عيناه تنتقلان إلى بقية الفريق وهم يترنحون نحوه ويجرون معداتهم. كانوا يتجهون نحو الباب الأيمن، وكانت روزي، التي بدت أقلهم تأثرا بالسم، تحرس المؤخرة. كان جورج قد تولى رفع لورين وحملها، بينما أمسك كال بسوطه ذي السلسلة وأخذ يراقب بقلق، متراجعا إلى الخلف وهم يتقدمون ببطء نحو الطابق التالي.
قال فاغور، مشيرا بخنجره الرصاصي نحو كال: "لا تقلق. سألحق بكم جميعا قريبا بما يكفي. من الأفضل أن تتطلعوا إلى ذلك. أما أنا فأتطلع إليه."
انخفض طرف النصل، ثم اندفع المغير نحو فريتز. كاد يفاجئه مجددا بحركته المباغتة، إذ تجاهل حس الخطر لديه النية القاتلة الواضحة وراء هجمات المغير. حاول برت اعتراضه، لكن الرجل انساب من حوله ومن بين لكماته، مقتربا من فريتز أكثر فأكثر. طعن فريتز المغير بسيف كويكسيلفر، غير أن خصمه أبعده باستخفاف بالغ، ثم اقترب أكثر ليدفن الخنجر في صدر فريتز.
وفي لمح البصر، ظهرت روزي بينهما وهي تهوي بسلاحين تحدهما حمرة متوهجة. بدا المعول متلألئا بالوردي حين تفعلت ضربته واشتبكت مع سحر الاختراق. انزلق فاغور جانبا بدافع غريزي، فتفادى المعول. لكن هبوط الفأس شق ذراعه بجرح طويل، وانهمر الدم من الجرح الجديد. وبدأت ذراعه الأخرى، الموشومة، تتلألأ، إذ أضاءت الكتابة الخضراء الباهتة بإشعاع ساطع مقزز.
أدار فريتز وجهه في الوقت المناسب، لكن روزي تلقت الضوء كاملا في وجهها، فضمت سلاحيها إلى جسدها. لفت ذراعيها حول خصرها، ثم ترنحت وسقطت على الأرض وتقيأت.
أذهل الوشم الأخضر البشع برت، لكنه بدا وكأنه تخلص من أثر الغثيان بسرعة. هز رأسه واقترب من المغير المشغول، ثم استخدم قدرة الاندفاع الجديدة. لم يكن لدى فاغور متسع للمراوغة هذه المرة، إذ اندفع فريتز نحوه أيضا، مفعلا ضربة الظلام وموجها نصله المغلف بالظلال إلى ساق المغير. كانت طعنة نافذة تفاداها، لكنها خلقت ثغرة في دفاعه أثناء المراوغة. اندفع برت كالثور نحو فاغور، وصدمه بكل قوته وقذفه عبر الغرفة وسط تشابك أطرافهما، فيما تساقطت الأسهم من جعبته.
تأوه، لكنه سرعان ما تحرك، محدقا في خصميه بكراهية.
مستغلا الفرصة، خرج جورج عبر الباب الأيمن، ولورين متدلية بلا حراك بين ذراعيه، بينما ظل كال واقفا يرتجف، يحدق في أخته وهي تتلوى متأوهة على الأرض. ألقى نظرة إلى السوط ذي السلسلة في يديه، وشد عزيمته في مواجهة خوفه.
راقب فريتز المغير وهو ينهض وينقر جانب جعبته، ثم يسحب منها قوسا كما لو كان الجلد بركة من طين كثيف. وفي غيبوبته، لاحظ فريتز بلا اكتراث أن أحد الغرضين أو كليهما لا بد أن يكون نوعا من الكنوز، وربما يصلح هدية لطافحة القوس المعينة.
لم يكن لديه وقت للتأمل من ذلك النوع. كان السم قد بدأ يسلبه قدرته على التركيز، وعظامه الفضية القمرية عاجزة عن مجاراة السم المتدفق إلى جسده. وضع فاغور سهما على وتر القوس الذي أخرجه لتوه، في اللحظة نفسها التي اندفع فيها كال نحوه، ملوحا بالسوط نحو رأسه. بصق المغير شتيمة وانحنى تحت الكرة الصافرة.
حلقت كرة السوط فوقه وأخطأته تماما، ثم غيرت اتجاهها فجأة ودارت حول جسد فاغور، فالتفت السلسلة حوله. تدفقت الحلقات الحديدية بلا نهاية من مقبض السوط، وانسابت فوق المغير والتفت حوله، ثم أخذت تضيق كأفعى خانقة. حدق كال في المشهد بذهول تام، ثم أفلت مقبض سلاحه بينما واصل السوط تقييد خصمه. ركض إلى أخته وخزن سلاحيها في حقيبته الشخصية، ثم حملها. وبخطى غير ثابتة، فر عبر الباب الأيمن، كما أمر.
كافح فاغور ضد السلاسل التي قيدت ذراعيه وقوسه إلى صدره. رأى فريتز فرصته وحاول الاندفاع نحوه، لكنه كاد يتعثر ويسقط بسبب ثقل قدميه. شعر كأن حذاءيه تحولا إلى حجر، ولم تكن يداه أفضل حالا، فقد كانتا مخدرتين لا تستجيبان، كأنهما منحوتتان من الرخام. تمايل كويكسيلفر في قبضته وهو يكافح لإبقاء طرفه مرفوعا. وكاد يسقط نصلَه الوفي.
أطلق فريتز سلسلة من الشتائم بين فحيح أنفاسه، ثم ترنح مبتعدا نحو الباب، تاركا المغير يصارع سلاسل السوط الكنز التي قيدته، فيما فر هو على عجل بخطوات متعثرة.
لحق برت بصديقه، وهو يلهث بشدة وينظر حوله ببلاهة. كان منهكا تماما، ولعل حاله لم تكن أفضل من حال فريتز. اتكآ على بعضهما، وعَبَرا الباب وصعدا الدرج بخطى واهنة. وكلما انقشع الهواء من حولهما، خف أثر الغاز السام المبلد، ومع كل درجة كانا يستعيدان قوتهما، برت أكثر من فريتز، وسرعان ما صارا يصعدان الدرج درجتين في كل خطوة.
حين اندفع فريتز خارجا من الدرج، وأخذ أخيرا يستوعب أمر الطابق الجديد، وجد نفسه في غابة كثيفة نضرة، لكنها غريبة. كان الجو حارا رطبا. وانساب الهواء فوقه، فحرك الأوراق الحمراء الطويلة وأرجح الأغصان الذهبية. أحاطت السرخسيات والأشجار الباسقة بالمقاصة التي وقفوا فيها من كل جانب. لمح أفراد فريقه. كانت لورين مستيقظة واقفة، لكنها مذهولة وتمسك سيفها القصير. وكان جورج إلى جوارها، يصوب نحوهما نصل سيفه النحاسي الطويل.
أما كال فكان يسقي روزي الساقطة جرعة، وقد شق بطنها جرح نازف.
لم يرها تتلقى الضربة، لكنه كان واثقا من أنها أصيبت حين ألقت بنفسها في طريقها. فقد انغرس الخنجر فيها تماما، ولم تفعل حراشفها سوى إضعاف حدة نصله قليلا.
تكشر فريتز وأخذ لحظة ليستعيد اتزانه ويتنفس. كان الهواء لزجا وحارا، لكنه أفضل بكثير من السم الجاف المخدر. ولحسن الحظ، بدا أن السم الموجود في ذلك الغاز قصير المفعول، إذ شعر بوخز يسري في أطرافه، وبها تعود إلى طوعه.
سأل بيرت: "كم تظن أن لدينا من الوقت؟"
قال فريتز وهو يتفقد الباب الذي ما زال نشطا خلفه: "دقيقة أو دقيقتان، ربما. ولعلها أقل."
قال بيرت: "إذن فلنذهب."
قال كال: "انتظر. لننصب بعض الفخاخ."
أوضح فريتز: "لا يستحق الأمر هذا الوقت. أظن أن لديه شيئا يشبه حس الفخاخ، وإلا لما سبقنا إلى غرفة البئر."
رد: "قد يبطئه قليلا. وجورج يملك أشواك العوائق. لننثرها هنا ونهرب."
اقترحت لورين: "أوافق. ورغم أن إهدار الذهب يؤلمني، ينبغي أن ندهنها أيضا بقليل من سم ذلك الثعبان البحري."
خمّن فريتز: "ما زلت أظن أن لديه وسائل للتغلب على السموم. يبدو أنه سام أصلا، بالنظر إلى مناعته الظاهرة تجاه الغاز. لعله تناول ترياقا مسبقا."
قالت لورين بشيء من الضيق: "تذكر أنه ليس سما عاديا. إنه يطهر."
توقف فريتز وتأمل كلمات المرأة. ورغم اعتقاده أن الأمر على الأرجح هدر للموارد، فقد كان ذلك أفضل من الموت.
أومأ وقال: "من يملك القوارير؟"
قالت لورين، بينما تحركت روزي وأخذت تنظر حولها: "أنا."
سألت: "أين معولي؟"
تذمر كال: "هذه أول كلماتك؟ ألا يفترض أن تقولي: شكرا لإنقاذي؟"
رددتها روزي: "شكرا لإنقاذي."
ثم أضافت: "أين معولي؟"
قال وهو يخرج السلاح الفضي من العدم ويناولها إياه: "ها هو."
شعر فريتز بوخزة حسد. كانت تلك القدرة مفيدة للغاية، وقد أضاعها كال.
سأل كال: "كيف حال جرح الطعنة؟"
قالت: "تحسن، لكنه ما زال يشعرني بأن شيئا ليس على ما يرام. يؤلمني ويحرقني. وأشعر بالغثيان في معدتي."
أدرك فريتز أن جروحه هو أيضا، تلك التي أصابه بها الخنجر، تشعره بالإحساس نفسه. خف الحرق الخافت قليلا، لكن الألم ظل عالقا. لم يكن سما، ولم يشبه لعنة، لكنه كان ساما بوضوح. ولعله خاصية في معدن النصل الرصاصي نفسه.
هز رأسه وطرد ما شتت انتباهه.
وقال: "هل تستطيعين الركض؟"
أومأت روزي وهي تنهض بحذر.
قال فريتز: "جيد. علينا أن نذهب."
وفي خضم حركة سريعة، رفعوا حقائبهم. ونثروا خلفهم أشواك العوائق المطلية بسم الدم الصافي، ثم اندفعوا إلى قلب النباتات الكثيفة. ولأنه لم يرد أن يطلق وعيه ويستنزف ما تبقى لديه من طاقة، أخرج فريتز كاشف الباب الثاني، والأخير، ثم فعله. كان مستعدا هذه المرة للانطباعات الأقوى التي يمنحها، فتمكن من توجيههم إلى اليسار، حيث شعر بوجود الدرج.
وفي ضربة حظ سيئة، بدت هذه الغابة الحمراء الذهبية طابقا شاسعا، ولعله طابقا يختبر قدرتهم على قطع مسافات طويلة غير مريحة، لا على العدو عبر أراض قاسية أو قاحلة. وهذا لا يعني أنها لا تنطوي على خطر، لكنه شعر بوضوح بأنها صممت لاختبار مهارات بقائهم، لا مهاراتهم القتالية. وربما كان ذلك مناسبا، بل جيدا، في أي ظرف آخر. أما وهم مطاردون من ذلك الناهب، فقد بدا هذا الطابق نكتة قاسية.
الشيء الوحيد الذي خفف توتر فريتز هو معرفته بأن الأشجار والكروم وسائر النباتات ستوفر لهم غطاء وفيرا، وتجعل إصابتهم من بعيد شبه مستحيلة. وكان ذلك مختلفا تماما عن طابق الصحراء البيضاء بكثبانه المفتوحة المستوية. لا، كان على الناهب أن يقترب كي يطلق عليهم النار. وتمنى فريتز أنهم، حتى إن عجزوا عن الاختباء من الرجل الشبيه بالوحش، سيتمكنون في النهاية من تجاوزه بالركض أو الصمود أكثر منه.
كان يعرف أنه أمل أحمق، لكنه اضطر إلى الثقة باللعنات التي أوقعها على الرجل، وبالفخاخ التي نصبوها.
ماذا كان بوسعه أن يفعل غير ذلك؟
مع الوقت، تباطأ ركضهم حتى صار هرولة، ثم تباطأت الهرولة أكثر حتى غدت مشيا واسعا، وانتهى بهم الأمر إلى جر أقدامهم. أخذوا يشقون طريقهم بين النباتات النامية، فيما صفرت الطيور الزاهية وزقزقت فوقهم، وهم يلهثون ويتصببون عرقا ويتعثرون إلى الأمام. ولولا أنهم اجتازوا من قبل طابقا متوافقا مع النار، وتعلموا كيف يوزعون جهدهم، لكانوا قد سقطوا منذ زمن، مستسلمين للرطوبة والحرارة.
وأخرج فريتز حبوب النشاط التي اشتراها من نعومي قبل ما بدا له أنه أشهر، ووزعها عليهم.
لم تكن جرعات لزيادة القدرة على التحمل، لكنها ستبقيهم واقفين مدة أطول، أو هكذا زعم الكيميائي الهاوي. كرر فريتز هذه المعلومة، فلم يعترض أحد وهم يبتلعون الحبوب مع جرعات من الماء الرائع. واضطروا إلى استخدام قارورة الماء ذاتية الملء، فقد كانت قواريرهم قد فرغت جميعا. ولحسن الحظ، كان للحبوب أثر فعلا. تراكم مفعولها ببطء، فأنعشتهم قليلا وأعادت بعض القوة إلى خطواتهم.
طوال الساعات، ساروا بجهد، وتبادلوا زجاجات المياه، محاولين استعادة كل المياه التي فقدوها بسبب التعرق. حتى سمع فريت صوت جدول ماء، وقادهم إليه. اعتقد أنه يبعد حوالي ميل أو ميلين، لكنه كان مخطئًا، سواء في المسافة أو في أن يكون مجرد جدول صغير. تحول صوت الجدول إلى هدير عندما اقتربوا أكثر وأكثر من مصدر المياه.
عندما وصلوا إلى ضفاف النهر المتدفق، توقفوا. جلس بعضهم بثقل، بينما انطلق آخرون وحملوا حقائبهم وغاصوا في المياه المتدفقة بسرعة. ما اعتقد أنه مجرد جدول صغير، كان في الواقع نهرًا يمتد لأكثر من مائة قدم. شك في قدرتهم على السباحة فيه دون أن يتمكنوا من الغرق أو الاصطدام بأحد الجزر الصخرية التي تقع بين الأمواج المتدفقة والغاضبة.
عندما رأى الفجوة التي لا يمكن التغلب عليها، شعر فريت بالإحباط. لكنه لم يستسلم، بل استعاد قوته وعقلانيته، وركز على إيجاد حل للمشكلة. لو كان لديهم الوقت، لكانوا قادرين على بناء قارب أو جسر. لكنهم لم يكن لديهم ذلك. أي ميزة كان لديهم، سواء كانت من خلال استخدام الأوتاد أو المسافة التي اكتسبوها من تقدمهم المستمر، لن تكون مفيدة.
ثم استدار فريت وبدأ في البحث بين الأشجار للعثور على أطول شجرة قريبة، وعندما وجدها، كانت هي الأكبر، حيث يبلغ ارتفاعها حوالي ستين قدمًا، ويمكن الوصول إليها في غضون بضع دقائق فقط.
"جورج، كال، بерт. شجرة كبيرة في الأفق، قم بتقطيعها باستخدام "سيف". اصطحبها هنا، وسنستخدمها كجسر إلى ذلك المصرف الصخري في منتصف النهر.
"وماذا عن بقية الطريق؟"
سأل كال وهو يتنفس بصعوبة.
قال فريت: "سنعبر هذا الجسر بمجرد أن نعبر الجسر الأول. هيا، كلما كان الانتقال أسرع، كلما استطعنا أن نسترخي بشكل أسرع."
"وماذا ستفعل بينما نحن ننجز كل العمل الشاق؟"
سأل كال بحدة.
"علينا أن نتمسك بمكاننا، وأن نراقب أي محاولة للغزو،"
قال فريت بصوت متقطع، مع تصاعد غضبه. بمجرد أن نكون في مأمن، سيستمع كال إلى ما لدينا لتقوله، ربما كلمات، ولكن بالنظر إلى الطريقة التي يتصرف بها، فمن المرجح أن يكون الأمر أكثر حدة.
عبس كال، لكن عندما مد بерт يده، أمسك بها، ورفعوه على قدميه، ثم تبع المهاجم إلى الغابة. استقام جورج، وانضم إلى الاثنين، وهو منهك ولكنه متشوق لاختبار سيفه الجديد.
"ماذا نفعل؟"
سألت روزي وهي تحتضن جانبها، ويدها ممسكة بجرحها.
"ما عليك سوى أن تكون حذرًا، لا أشعر بأنه قريب منا. ولكن قد أكون مخطئًا. فمهما كانت قدراته الخفية، فإنها ستعاكس قدراتي الخاصة في الإدراك."، أوضح فريد.
"إذن هذا هو الوضع، أليس كذلك؟"
سألت.
"نعم. بصفتي مقاتل، فهو يتفوق عليّ، وهذا أمر متوقع نظرًا لمستواه الأعلى. ومع ذلك، هذا لا يعني أنه لا يمكن هزيمته، بل يمكن إلحاق به نفس الضرر الذي ألحقه بي. إذا لم يكن لديه قدرة دفاعية أخرى، وإذا اعتمد على التهرب مثلما أفعل أنا،"
قال فريتز.
"هناك العديد من الشروط والافتراضات"، علقت لورين بملل.
"حسنًا، علينا أن نعمل بما نعرفه. لقد تمكنت من إيقافه، و"كال'ز تريزور" تمكن من إحكام قبضته عليه، لذلك من المرجح أنه لا يملك الكثير ليقدمه لنا. الآن، أعطني لحظة للتفكير."
كان فريت يعرف أنه يجب أن يكون يقظًا، وأن يراقب أي شخص قد يهاجمه. لكنه شعر بأنه يجب عليه، ولو للحظة، أن يفحص القرابين التي كانت تحترق ببرود في منتصفه.
انغمس في معبده، ظهر في منصته، بجوار موقد اللهب الغامض. كان اللهب أضعف من المعتاد، وكأنّه فقد بعضًا من طاقته. أو ربما، نظرًا لأنه مجرد ذكر، فقد بدأ بالفعل في نسيان لمسه المرعب وغيابه الغريب. ربما كان هذا هو الأمثل، فهو لم يرغب في أن يُعرض عليه خيار آخر كاذب مثل الذي واجهه سابقًا.
ومع ذلك، أثار ذلك قلقه، ولم يرغب في أن ينطفئ تمامًا، بعد كل الألم الذي دفع ثمنه. حاول أن يجعله أقل انتشارًا، وأن يلتف حول نفسه أكثر. لكنه فعل ذلك، كما كان يتوقع، لذلك ركز بدلاً من ذلك على الموقد المصنوع من النحاس. واستجاب الموقد تحت إرادته، وتقلص قليلاً، مما أجبر النار على أن تندمج في مساحة أصغر. لم يعجب هذا اللهب الغريب. اشتعل وغضب، وبدأ في محاولة الإمساك بأي شيء يمكن أن يحترق.
كان بإمكانه أن يسمع صراخه الغاضب وهو يحترق بلون أزرق-أخضر.
تراجع فريت بسهولة، وتجنب الحريق. ثم هز رأسه، وأوضح أنه لم يأت هنا من أجل هذا الحريق، ويمكنه التعامل معه لاحقًا. حتى لو كان من الممتع إلحاق الأذى بالنار التي ألحقت به الأذى، إلا أنه مجرد تشتيت انتباه. وهو شيء لا يستطيع تحمل تكلفته.
يبدو أن الانشغال كان يضغط عليه باستمرار ويهدد بسحبه بعيدًا، خاصة عندما يكون تحت الضغط، كما هو الحال الآن. وتساءل عما إذا كان ذلك بسبب عدم قدرته على التركيز، لكن، بصراحة، كان دائمًا عرضة للانشغال. كان بنفس القدر من الاحتمالية لقراءة كتاب مثل تسلق شجرة، حتى عندما كان مكلفًا بكلتا المهمتين.
ظهرت العروض أمامه، وهي عبارة عن رموز فضية تنبعث منها طاقة بشكل خافت. كان يأمل بشدة في الحصول على شيء دفاعي أو هجومي. أي شيء، أو حتى مجرد شيء، يمكن أن يساعده في تحقيق النصر على فاوغور.
القدرة الخفية اختر واحدة
إدراك السم راقب الكأس، وتجنب الأكل. قد يكون مسمومًا، لذا كن حذرًا. يزيد من قدرتك على اكتشاف السم والسموم بشكل طفيف. التوافق: العقل، الإدراك. التكلفة: لا يوجد. المدة: نشط. التجديد: لا يوجد.
* * *
لقد تعرضت للسم. لقد قللت من آثار السم.
تأثرت بقدرة "إدراك الفخاخ"
و "إدراك الخطر".
تأثرت بميزة "إدراك الباب".
خطوات خافتة الأقدام تصفق، والحوافر تقرع، والأحذية تطحن الحصى، أما أنا فلا. يقلل مقدار الصوت الذي تحدثه خطواتك بدرجة طفيفة. التوافق: الظل، الصوت. الكلفة: لا شيء. المدة: سلبي. إعادة التفعيل: لا شيء.
* * *
لقد قتلت خصما من دون أن يراك أحد. لقد نصبت كمينا وأنت مختبئ. حاولت التسلل، ونجحت في ذلك في معظم الأحيان.
متأثر بتقنية "الملاحظات".
متأثر بقدرة متوافقة مع الظل "ضربة العتمة".
متأثر بسمة متوافقة مع الظل "عباءة الغسق".
* * *
حس الكنز أهو جميل؟ أيبرق؟ أهو مصنوع من الجواهر والذهب؟ أراه، ألمسه، وهو لي، آخذه وأحتفظ به! يزيد براعتك في اكتشاف الأشياء الثمينة وصناديق الكنوز بدرجة طفيفة. التوافق: العقل، الحس. الكلفة: لا شيء. المدة: سلبي. إعادة التفعيل: لا شيء.
* * *
لقد اكتشفت صندوق كنز واحدا واستحوذت عليه، وساعدت في استعادة صندوق آخر.
متأثر بقدرة متوافقة مع الحس "حس الفخاخ، حس الخطر".
متأثر بسمة متوافقة مع الحس "حس الأبواب".
* * *
* * *
"سخط سبير. ماذا عساي أفعل؟"