انعزل الفريق عن بعضه بوجود الأعمدة والبئر حاجزين الرؤية بين الجانبين، وشرعوا في الاغتسال. قسّم فريتز قالب صابونه المجوف والفارغ الآن مع الرجال حوله، متمنياً لو احتفظ ببعض ما في جوفه حتى لو بدا الأمر مريباً لو تعرض للتفتيش. لم يبقَ سوى شظايا شحيحة من الصابون الأبيض الرائع، لكنهم ظلوا يستفيدون منها. أبقى قالب ببرت المحشو بالبذور بعيداً عن الأنظار الآن ريثما يطلب صديقه ذلك خصيصاً.
خلا الصابون من أي عطر ورغى بهم بشكل أفضل بكثير مما تستحقه تلك الكمية الضئيلة. أكلت الفقاعات البيضاء الناعمة والصغيرة وسخ الطابق الماضي وقذارته، وخرج فريتز شعوراً بالنظافة يتجاوز ما يذكره. ومع أن الساعات القليلة الماضية كانت مروعة ومجهدة، فقد بدا أنها تتساقط مع الأوساخ الداكنة. ارتفعت معنوياته مثل باقي الرجال بينما أدركوا أنهم صاروا عابرين، وتأملوا التداعيات التي يتركها ذلك على مستقبلهم.
تحدثوا وتضحكوا، وأخذوا يزدادون صخباً باطراد وهم يروون مآثرهم البطولية لبعضهم. وهي لعبة بدأها برت حين تبجح بأن قبضاته دفعت العشرات من السحالي، وأطلق فريتز رواية مزخرفة بمهارة وبراعة مكافئتين حين تعامل بتحدٍ مع الوحوش القاتلة.
أعلن جورج: "شفرتي المسنونة فصلت الحراشف واللحم بسهولة. والدرع الذي صنعته بنفسي ثبت صامداً في وجه مخالبهم الخبيثة!"
هتف برت: "لا يُقهر!"
وافق فريتز: "عظيم!"
التفتوا إلى كال بانتظار بينما كان يغسل صدره الجريح، متأوهاً من الوخز الواضح.
حين لاحظ حدقاتهم المنتظرة، قال: "بضربة رفعي أنا... مم... رفعتُ... مم... بقوة."
تفاخر برت نيابة عن الرجل: "لقد فعلت حقاً! منقذاً أقاربك من أنياب السحالي المرعبة."
قال فريتز: "برافو!"
ردد جورج: "برافو."
ابتسم كال على وسعه خاضعاً للمديح، وتأوه مجدداً حين شدّ جرحه الذي ما زال غضاً.
اقترح فريتز: "عليك طلاء تلك الإصابات بدهن شافٍ يا كال. أعلم أنها التئمت بغالبيتها لكنه سيخدر الألم ويمنع تفاقمها."
أومأ كال وفعل ما قلا، فأخرج علبته الصغيرة من جيب بنطاله الملقى على إحدى مصاطب الأعمدة المرتفعة، ودهن بها جروحه النظيفة بوفرة.
ضَحِكوا وتحدثوا طوال ما تبقى من الاغتسال، وارتدوا دروعهم وملابسهم المبللة، ثم عادوا إلى اللؤلؤة العملاقة فور انتهائهم. حرصوا على انتظار السيدات بعيداً عن الأنظار دون أن يحاول أحدهم حتى إلقاء نظرة خاطفة على النساء. بدا جورج بلا اهتمام بالاحمر، بينما بدا كال غثياً بمجرد التفكير في رؤية شقيقته عن طريق الخطأ.
اكتفى فريتز بإعلان أنه رجل نبيل ولن يلجأ أبداً لمثل هذه الأمور، بينما قال برت إن ذلك ليس طريقه أيضاً.
مضت تسع دقائق أخرى بينما جلسوا على مذبح اللؤلؤة، مدلين أقدامهما في الماء. ظهرت المرأتان تبدوان منتعشتين للغاية أو أقل شعثاً بكثير مما كانتا عليه. مُشط شعرهما وعُصر، واكتسب جلدهما بريقاً نظيفاً ولامعاً. علقت بهما النغمات الزهرية لصابون لورين المعطر بحلاوة وهما تخطوان للقاء الرجال المتجمعين.
بدا برت وكأنه على وشك إطلاق صفير، فلكزه فريتز بمرفقه.
حين اقتربت الاثنتان، رأى فريتز أن روزي كانت مكتئبة نوعاً ما فسأل: "ما الأمر؟ تبدين مثل كلب مطرود."
قالت روزي: "لدي حراشف."
ردّ فريتز: "نعم، لديك. ما الخطأ في ذلك؟"
قالت روزي: "بقع منها. في كل مكان."
أدرك الرجال قصدها.
قال كال بابتسامة خبيثة: "لا تقلقي يمكنك دائماً الزواج من صياد. أنا متأكد من أنهم لن يمانعوا. بل قد يعجبهم ذلك."
عبست روزي.
فردّت: "ويمكنك الزواج من نبيلة سمينة. سيكون رفعتك مفيداً."
قال كال وقد استبدلت ابتسامته الخبيثة بقطبة جبين: "ربما أفعل. سأكون غنياً ولن أضطر للتسلق بعد الآن."
رأى فريتز شجاراً يلوح في الأفق فقطعه بسؤال وجيه: "بالحديث عن التسلق، من سيصعد أعلى مع برت ومعي؟ درج المغادرة خلفكم مباشرة والهرب التالي في الطابق السادس. لذا فكروا في خياركم بعناية."
حدث هدوء قصير انقضت عليه لورين سريعة.
صرحت ببساطة: "أريد الصعود أعلى."
أومأ فريتز فأشرقت وجهها.
قال جورج: "أنا مستعد للمضي أبعد."
أومأ برت موافقاً.
تشاركت روزي وكال نظرة.
صرحت روزي: "كان الطابق الأخير مخيفاً لكني أريد الاستمرار."
قال كال بابتسامة واهية: "لقد قذفت سحلية. يمكنني الصعود أعلى."
ابتسمت روزي على وسعها وتعانق اثنان.
تذمر كال: "آه، حراشفك صلبة حقاً."
قالت روزي وقد عبرت وجهها تعابير متفحصة: "آه. لا بد أن السبب هو المتانة؟"
قالت لورين: "نعم. ستحظى قدرات وسمات معينة بتآزر وتعزز بعضها البعض. أو تفعل العكس، رغم أن صدامات كهذه عادة ما تكون نادرة. فالأبراج تريد منك أن تصبح قوياً بالطبع."
سأل كال: "أتريد ذلك؟"
عظت لورين: "حسناً، إنها إحدى النظريات. وهي أن أرافانكيس منحنا الأبراج كي نتمكن من النمو بقوة والانضمام إليهم في العالم الأعلى. مثلما فعل الملوك."
أضافت: "هذا ما تعلمه الكنيسة على الأقل."
تأوه فريتز: "بلا خطب دينية من فضلك."
تذمرت لورين: "حسناً."
قال بير بتمعن: "إذن تتماشى المتانة جيداً مع الجلد الحرشفي. ألم تقل سابقاً إن للسمات المتقدمة آثاراً جانبية؟"
أجابت: "نجل، يعتمد الأمر على السمة نفسها، فبعضها أشد... ملاحظة من غيرها. وخاصة السحرية منها."
سأل فريتس: "مثل جعل جوهر النار يجعلك... مفرطة الحماس؟"
صححت مستدركة وبصيص من الاحمرار يزحف إلى وجهها: "متهورة. هذه هي الكلمة التي تستخدمها الكتب."
سأل بير: "أفعل شيئاً آخر؟"
قالت: "بعض الأمور البسيطة. ترفع حرارة جسدي وتجعل النار أقل خطورة عليَّ بقليل. وهناك بعض الفوائد الجسدية الخفيفة أيضاً، كقوة ورشاقة أكبر."
سأل فريتس، إذ لم يسمع بهذا من قبل: "أضيف نقاطاً إلى تلك السمات؟"
أوضحت لورين: "لا. تشبه مكافأة خفية لأساسك لأن السمات المتقدمة تكاد تكون قدرات بحد ذاتها."
لاحظ فريتس أنها لم تبدُ منجذبة للمحاضرة بالملل الذي عهدته في الطوابق السابقة، لكنها تململت وتحركت وبدت وكأنها ترغب في التحرك.
علق بير بنبرة عميقة وهو ينظر إلى جلده والأوعية الدموية تحته: "مثير للاهتمام."
راحت يده تنقر إيقاع قلبه بلا وعي وهو يفكر.
تساءل فريتس عن المكافأة الصغيرة التي يمنحها له نغم الغسق وعما إذا كان قد فاته أمرها أو لم يلاحظها فحسب.
سأل فريتس: "أي فكرة عن نوع الآثار الجانبية التي تحملها الرشاقة؟"
قالت لورين بابتسامة عارفة: "آه. سمعت أنها قد تجعلك سريع الغضب عند ارتكاب الأخطاء أو تشعرك بأنك أخرق أكثر مما أنت عليه حقاً. تدفعك نحو إتقان حركاتك."
قال فريتس: "هاه."
كان يشعر بشيء من هذا القبيل وخاصة عند التلويح بـ "سريع ومتبدل"، لكنه ظن أنه تدقيقه المعتاد.
ربما لا يزال كذلك، وكانت رشاقتُه تزيد من حدة الانزعاج الذي يشعر به عندما يفشل في استخدام النصل بالشكل الصحيح.
قالت لورين حين رأَت وجهه المستغرق في التفكير بوضوح: "لا تقلق. يبدو أنك ستعتاد عليها. أو تتعلم كيف تتعامل معها. أو تقبلها. إنها لا تغير حقيقتك أو أي شيء، بل تحثك فقط على فعل ما تتوافق معه."
وافق بتحفظ: "همم."
سألت روزي: "إذن تريد إحراق أشياء الآن؟"
قالت لورين مع التواء في شفتيها تحول إلى ابتسامة خطيرة ومائلة: "لا؟ ربما."
قالت روزي متراجعة خطوة إلى الوراء عن المرأة: "حسناً."
أعلن فريتس: "إذن، بما أننا اتفقنا جميعاً على التسلق لأعلى، فيجب أن نناقش أدوارنا وقدراتنا. الغموض أمر مقبول. رغم أننا كلما كنا أكثر انفتاحاً بشأن قوىنا، كان تعاوننا أفضل."
أمر حين لم يتحدث أحد: "بير، ابدأ."
قال بير: "أملك الحيوية والزخم ومجموعة من القدرات التي تجعل قتلي صعباً، مثل الجلد القاسي والعظام المشبعة. وضربة ارتجاجية."
تدخل فريتس: "أما أنا، فقد رأيتم، أو بالأحرى، لم تروا، الكثير من قدرات التخفي والظلال الخاصة بي. وأملك أيضاً الوعي والرشاقة وقدرة كامنة تُدعى حاسة الخطر تساعدني في إيجاد الفخاخ والتهديدات الكامنة."
استوعب الفريق هذه المعلومات؛
فلم يخبروهم بالحجم الكامل لقدراتهم وكان الآخرون يعلمون ذلك، لكنها كانت لمحة عن "عدتهم"
وكيفية عملها. عرض صغير للثقة.
لاحظت لورين باسترخاء: "تتمتعان بقدرات وسمات نادرة. بالنسبة لمدينة المطر على الأقل."
رد فريتس بسلاسة: "نحن نفعل. ولهذا السبب لا نطلق صيحات بشأنها. أتمنى أن تكونوا بحذرنا وتكتمنا نفسيهما."
وأردف بابتسامة فاترة: "إذ إن قواكم نادرة في مدينة المطر أيضاً."
قطعت لورين حاجبيهما للملاحظة وما تحمله من تهديد مبطن بفضح متبادل.
وافقت: "بالطبع."
قالت روزي بفظاظة ودون أن تدرك تماماً دقة الكلمات السابقة: "أنا حارسة. أملك الوعي والمتانة وحصلت على قدرة مسار تُسمى التداخل تسمح لي بالاندفاع إلى جانب حليف."
قال جورج بفخر وسرور بالغ: "عرض عليَّ سياف فاخترته. تلقيت القوة والسرعة وقدرة تسمى القطع. سأترك لكم تخمين ما تفعله."
التفت نحو كال الواقف بجانبه.
أوضح كال وهو يمد يده في الهواء الفارغ ويسحب كيساً خشن القماش من العدم: "حمّال كما تعلمون، سمتاي المتقدمتان هما السرعة والزخم. وأملك حقيبة شخصية. يمكنها تخزين العناصر غير الحية لكأنني لا أزال أحمل نحو نصف الوزن."
تدلت كتفاه، على الأرجح بسبب استنزاف التحمل.
سأل فريتس: "كم يمكنك أن تحمل؟"
راوغ: "بقدر ما يحمل حقيبة ظهر تقريباً. أعتقد أنه مقيد بالمساحة المشغولة لا بالوزن."
قال بير وهو يربت على كتف كال: "إذن سنعطيك كل الأشياء الصغيرة والثقيلة. مفهوم."
قال فريتس وهو يفكر في كل الاستخدامات التي سيوظف فيها مخبأً خفياً على جسده مباشرة: "والأشياء السرية أيضاً. إنها قدرة عظيمة لمهرب."
صححت لورين وهي تنظر بريبة إلى فريتس: "أو تاجر."
وافق بسرعة: "أو تاجر."
قال كال باهتمام ما: "أتظن ذلك؟"
قالت لورين: "نعم، بالطبع. يمكنك حمل مخزونك الثمين، أو الذهب، دون الاضطرار للقلق بشأن السرقة."
قال كال: "لم أكن فكرت في الأمر بهذه الطريقة."
قال بير: "ولا أنا. لكن هذه ابنة تاجر لأجلك! تجد دائماً سبل جني الذهب."
عرف فريتس أنه لم يقصد تعليقه إهانة، بل كان في الواقع أعلى مدائح الأحمق الجشع، لكن لورين لم تتلقَّ الأمر هكذا. عبست وبدت وكأنها ترغب في إشعال النار فيه.
سأل فريتس: "وماذا حصلت عليه عرّابة النار العظيمة؟ أخمّنتُ حقاً قبل قليل؟"
أومأت برأسها والتفتت عن بيرت.
قالت: "نعم. جوهر النار والحدة. سماتي هي نفس النار وقدرة مساري مهارة كامنة تُدعى اللهب المتشبث".
سأل فريتز: "أليس غريباً ألا تحصلي على صاعقة النار أو شيئاً أكثر أساسية؟"
أوضحت بسعادة: "هذا صحيح. رغم أننا عبرنا باباً خفياً. لذا فقدراتنا مرجحة للارتباك. بطريقة جيدة. ورغم أن نفس النار يكلف ثلاث نقاط، إلا أن لدي ما يكفي من المانا لإطلاقه. التكلفة الأعلى هي أحد الأسباب التي جعلتني أوزع الكثير من النقاط في جوهر النار. كان عليّ ربما أن أفترض أن الحدة ستؤدي، حسن، إلى تضخيم مشاعري إضافة إلى قدراتي".
سأل فريتز: "هل ما زلت تسيطرين على الأمر جيداً؟"
قالت لورين بثقة وعيناها تتوهضان للحظة خاطفة: "نعم. كان كل شيء جديداً جداً، لكني أمسكت بزمامه الآن. رغم أنني مرجحة لتوزيع المزيد من التركيز عند البئر القادمة. للأمان".
سأل فريتز: "ماذا عن قدرتك المفعلة الأولى؟ هل انتهى بك الأمر لاختيارها؟"
قالت: "نعم، اخترت تهدئة الحرق. إنها قدرة شفاء. الآن وقد امتلكت قدرات النار فستكون أكثر فائدة من ذي قبل حين ظننت أنني لا أحتتاجها".
سأل كال: "هل تسري على الإصابات الأخرى؟"
قالت: "بلى، لكنها الأكثر فاعلية على الحروق".
قال بيرت: "رائع"، ووافق فريتز برأس وقور.
سرد فريتز: "يبدو إذن أن لدينا: كشافاً وهو أنا. ومدافعين، بيرت وروزي. ومهاجمين، جورج ولورين، ودعماً واحداً وهو كال".
سأل كال: "ما هو الدعم؟ ليسوا على قائمة الأدوار".
أوضح فريتز: "هم يشبهون الحكماء والحرفيين والحصادين، الذين يمتلكون قدرات وتقنيات تفيد أكثر خارج القتال. لا يعني هذا أنهم لا يشاركون في جزء من العبء أثناء القتال، بل إن ذلك ليس غايتهم الأساسية فحسب".
قال كال: "آه، هذا منطقي".
أضافت لورين: "هم أكثر انتشاراً عند تسلق الأبراج الأكبر ذات الطوابق الأوسع. حين تبدأ الفرق بالتحول إلى حملات استكشافية".
قال فريتز: "إذن لا شيء يدعو للقلق في الوقت الحالي".
قال فريتز وهو يخطو مبتعداً نحو الخيارات الثلاثة الماثلة أمامه: "حسناً، بما أننا اجتمعنا مجدداً بصفتنا أصحاب مسارات أقوياء وعقدنا العزم على التسلق، فمن الأفضل لي تفقد هذه الأبواب".
قال بيرت: "اعثر على باب يعج بالوحوش لنقتلها. أود أن أرى ما يمكن لمساراتنا الجديدة فعله".
توقع فريتز أن ينفر الفريق من اقتراحه المجنون لكنهم انتعشوا عوضاً عن ذلك وأخذوا يثرثرون بحماس حول اختبار قدراتهم الجديدة. وخاصة لورين وججورج اللذين ستتألق مساراتهما الهجومية في مواجهة المسوخ.
وجد نفسه مبتسماً وهو يقف أمام الأبواب وأخرج الفصل من حيبته، متأكداً من عدم تسرب أي ماء إلى قمته المفتوحة. أُعجب مجدداً بحيبة الرحالة وداخلها الجاف. صحيح أن كل الحائب والأكياس التي بحوزتهم كانت مقاومة للماء بدرجة ما، كما تقتضي الحاجة في مدينة المطر، لكن الحيبة التي حملها على كتفه لم تسرب قطرة واحدة. حتى حين غُمست بالكامل. حسن، طالما حرص على إغلاقها، وهو ما فعله.
جلس على مصطبة عمود وغرق سراً في ملاذه. كان المطر ينهمر، وكانت شجرة الصفصاف الخاصة به تلوح بكسل في النسيم العليل. وتدفقت الطاقة المنبعثة من البئر في السماء.
* * *
السمات المكتسبة +3 غير مصطفة
* * *
نظر بتوجس في أفضل استخدام لسماته الجديدة، أكان عليه صف المزيد في تركيزه وذاكرته ليتمكن من التعامل مع فائض وعيه وإدراكه؟ أم لعله كان عليه زيادة أُغنية الغسق؟ كل نقطة تعني إطلاقاً آخر لضربة القتامة أو الخمول، بينما تعني كل ثلاث نقاط ظلاً وهمياً آخر. وكان يعلم أن ذلك سيزيد أيضاً من استعادة خزان المانا الخاص بأغنية الغسق، ولم يكن متأكداً من مقدار الزيادة، لكن كل قطرة تحسب.
قد تثبت المزيد من الرشاقة والتحكم فائدة كبرى أيضاً، لكنه لم يشعر بحاجة لزيادتهما الآن. كان لا يزال يعتاد السلاسة التي تمنحها الرشاقة ولم يكن يعلم بدقة ما ينفع فيه التحكم سوى تشكيل قدراته. إذ بدا أن حفرة الحجر والظل الوهمي وحدهما من يستفيدان من السمة.
بإمكانه تقسيم توجيهاته، وبعد تفكير قرر فعل ذلك. نقطتان لأغنية الغسق رافعتان إياها إلى ثمن نقاط لإطلاق لعنته مرة أخرى. ثم نقطة واحدة للتركيز رافعة إياه إلى عشر نقاط ليرى كيف يؤثر عليه. كانت تلك أفضل خطة استطاع ارتيادها في اللحظة الراهنة ولم يرغب في الاحتفاظ بالنقاط كما فعل سابقاً. إذ شعر بأنه جلب على نفسه آلاماً أكثر بكثير مما كان عليه احتمالها بالضرورة عبر التردد وتأجيل خياراته.
راح العالم من حوله يضطرب بالظلال والضوء فغدت شجرة الصفصاف أطول وأكثر ضبابية لكنها مع ذلك أكثر حضوراً بطريقة ما. وخفت الطنين المتواصل في أذنيه وصفت أفكاره الضبابية المتسارعة بلا توقف بشكل ضئيل. غادر ملاذه، آملاً أن يفعل ذلك قبل إثارة أي شك.
وحين جلس، عائداً إلى غرفة البئر، ركّز على شعور الصفاء الذي جلبته له نقطة التركيز. وصار طوفان الأحاسيس القادم من عينيه وأذنيه وجلده وأنفه أقل إلحاحاً بقليل. لا يزال هناك ضجيج مع ذلك، وكان الأمر أشبه بالانتقال من حشد هادر إلى سوق صاخبة. عالٍ، وإن كان أقل عرضة لجرفه بعيداً بقليل.
تنهد فريتز، فقد علم أنه سيضطر لاستثمار الكثير في التركيز ليجني أقصى فائدة من وعيه وإدراكه. كاد يندم على وضع نقطتين من نقاطه في أُغنية الغسق عوضاً عن وضعها الثلاث بأكملها في التركيز. رغم أنه ذكر نفسه بأن إطلاقاً إضافياً لن يكون سيئاً أبداً، عدا أن هناك تلك الحوافز الصغيرة الأخرى التي ذكرتها لورين ولابد من وجودها. تساءل بكسل عما قد تكون عليه.
أعاد تركيزه إلى الأبواب، يفتش فيها عن الأخطار والأسرار الكامنة وراءها. كان الباب الأول غريباً، ومصنوعاً من مادة لينة ورخوة ورمادية ولزجة لم يسبق له أن رأى مثيلها. وانبعثت رائحة مميزة من التعفن والسمك بدفء من الفتحة الدائرية بينما كانت تنبض بخفة.
تجهم فريتز وهو يمدّ حاسة الأبواب، ليجد شكوكه في محلها تماماً عندما غمر عقله انطباع بوجود وحش بحري عظيم، وربما ليفياثان حقيقي.
ومع قشعريرة سرت في جسده، التفت إلى الباب التالي، وهو منحدر من رمال بيضاء تحيط به وتؤطره حجارة صفراء مائلة للبياض. كان الظلام يلف ما وراء الباب كليلة مرصعة بالنجوم، وكانت الرياح القوية باردة، تكاد تصل إلى حد التجمد. استمتع بهذا الإحساس لحظة، مبتهجاً بالتغير عن الحرارة الخانقة للطابق السابق.
شعر وكأنه يقف في كثبان رملية ممتدة تكاد تكون منبسطة من رمال مبيضة. لم تكن مساحة فارغة، بل كانت هناك واحات صغيرة تحيط بها أعشاب طويلة وأشجار. وتناثرت البقع الخضراء هنا وهناك وسط مساحات مبعثرة من الحجارة الكبيرة والملساء السوداء التي برزت من الرمال. كان هناك شعور بخطر خفي في الطابق، لكنه كان أغام من أن يُفهم له رأس من ذنب. تراجع فريتز نادماً عن هدوء الانطباع المسالم، وحول نظره إلى الباب الأخير تماماً.
كان بوابة إلى أعماق مائية، لا هي حارة ولا باردة، وغارقة بلطف في الملوحة. ولم يتمكن من استخلاص الكثير من قرص الماء المتموج برفق، فطبق فريتز حاسة الأبواب على الفور. قاع بحر هادئ، مع مرجان براق، وحجارة خشنة، وغابة من الأعشاب البحرية. أسماك صفراء تسبح بخفة وأسماك قرش زرقاء ساطعة تنزلق بثقل. كان منظراً مأخوذاً مباشرة من لوحة لشعاب بورتوس هاي العجيبة أو غيرها من المقاطعات الاستوائية.
كان الخطر لا يزال قائماً في هذا الطابق بالطبع، لكنه كان خطر الغرق فقط أو الوحوش الأكثر طبيعية بدلاً من أخطار المسوخ أو المواقع الغريبة والعدائية.
نفض فريتز رأسه مستفيقاً من الانطباع وعاد إلى فريقه من الساعين المنتظرين بشغف. شرح استنتاجاته باختضاب، مخفياً حاسة الأبواب بوصف التحذيرات على أنها حاسة الخطر لديه.
سألت لورين: "إذن يمكنك معرفة مدى خطورة الطابق لمجرد النظر إليه؟ أكان بإمكانك فعل هذا طوال الوقت؟"
طمأنها فريتز: "حاسة الخطر لدي لا يمكنها إخباري بطبيعة الخطر بل بوجوده وحده ومدى حدته، لذا فهي ليست دقيقة تماماً. ونعم، لقد كنت أستطرقها طوال الوقت، ولهذا السبب لم نواجه قط شيئاً لم نكن قادرين على التعامل معه. وعيبي يمنحني أيضاً مشاعر غريزية بين الحين والآخر، وهو ما ستتمكن روزي قريباً من الشهادة عليه".
سأل كال بعبوس: "لماذا كل هذه الأكاذيب؟"
قال فريتز ببرود: "لقد للتو التقيت بكم جميعاً. لا يمكنني أن أشرع في بث كل أسراري".
وافقت روزي: "هذا عدل".
لا تزال لورين وكال تمليانه بنظرات مريبة بينما ابتسم جورج بخبث وكأن فريتز كان يكذب طوال الوقت، لكنه لم يمانع الخداع.
قد يكون ذلك شيئاً يستدعي الحذر.
قال فريتز قبل أن تُلقى عليه المزيد من الأسئلة: "الآن لنقرر أي باب نريد عبوره".
شرعوا في التفكير فقالت روزي: "لا أريد الدخول في الباب اللزج. إنه يبدو كالجزء الداخلي من سمكة. وأنا لا أحب السمك. أمقت أولئك اللعناء".
أومأ الفريق تقديراً لتصريحها، وافق فريتز تماماً كراهية المرأة لذلك الطابق بالذات، إن كان يمكن تسميته طابقاً.
لاحظ فريتز: "إذن فالأمر محصور بين سباحة مريحة وسهوب رملية محتملة الخطر. ألا زلتم متشوقين لتجربة قواكم الجديدة أم علينا اكتفاء الطابق الأسهل ونمل أمل الوحوش في المجموعة التالية من الأبواب؟"
مدّ يده إلى حقيبته وسحب شريطة من سمك القرش المدخن. مضغها بتفكر وهو ينتظر بقية الفريق للوصول إلى استنتاجاتهم. وعندما رأوه يأكل، بدا أن الفريق تذكر جوعه الخاص، الذي نسوه في خضم حماس تلقي مساراتهم، فشرعوا في قضم حصصهم التموينية هم أيضاً.
قال كال وسط لقمة ممتلئة من السمك: "الباب الرملي. لا أعشق البلل كثيراً".
وافقت لورين وهي تربت بمنديل شاحب لإزالة الفتات من فمها: "الباب الرملي. لا أستطيع استخدام النار تحت الماء".
قال جورج بين لقمة وأخرى: "الباب الرملي. ماء البحر سيجعل درعي يصدأ".
صرحت روزي: "الباب الرملي".
وعندما التفت إليها الآخرون طلباً للتفسير اكتفت بالقول: "لقد أخبرتكم للتو. أنا لا أحب السمك".
قال فريتز: "يبدو أن الإجماع تام، فأنا أصوت للباب الرملي أيضاً".
قال بيرت: "ليس بهذه السرعة! أنا أريد الباب اللزج! لعل الخطر العظيم يقود إلى كنز عظيم!"
انفجر الفريق رافضاً ومبدياً ارتيابه، وموبخاً بيرت على اقتراحه الذي تلقاه بكل سهولة مع ابتسامة عريضة.
قال فريتز وهو يتجهم عند فكرة دخول وحش السمك الضخم: "لا".
فسكت الفريق.
قال بيرت: "حسناً. ليكن الباب الرملي. لا يسعني إلا الأمل في وجود وحوش. وحوش شهية".
قال كال وهو يحدق باءستياء في آخر حصة تموينية لديه: "سيكون ذلك جيداً".
"استعدوا أيها الفريق. سنغادر خلال تسع دقائق".
أخذوا بعض الوقت ليعصروا ملابسهم من أكبر قدر ممكن من الماء ويعدوا عقولهم للمعركة أو الطقس السيء.
طمأنهم فريتز بأنه سيلاحظ أي خطر قبل ظهوره بوقت طويل لكنهم ما زالوا يبدون متوترين. لقد كان الأمر شبيهأ بما بدوا عليه في طابق الهبوط لكنه استطاع أن يبيّن أن الحماس هذه المرة كان أطغى من الخوف. من المرجح أنهم أرادوا إطلاق العنان لقواهم الجديدة.
قادهم صعوداً فوق الرمال، ووجد الحبيبات ناعمة وملساء. احتضنه الهواء البارد فجعل يرتجف حين اجتاز المنحدر وخطا في جوف الليل. رأى في الأعلى نجومًا لا تحصى بلون الألماس الأبيض، ترسل ضوءاً ساطعاً كضوء البدر لكنه أقل حدة بكثير.
شعر كأنه يتوهج، وأن هذا الإشراق الناعم ينبعث من جلده لا من السماء المتلألئة. انضم إليه فريق فريتز، فوقفوا يتملكونهم الذهول وهم يطيلون النظر في هذا العالم الغريب وإلى بعضهم البعض.
همست لورين: "إنه رائع".
كأنما تخشى أن تكسر الهدوء.
قال بيرت بلا خوف وممزقاً السكينة: "يا له من سحر. تبدون جميعاً أغراباً حقاً".
كان هذا صحيحاً، فالضوء جعلهم يبرزون، وقد تبددت الظلال المعتادة عن ملامحهم لتمنحهم هالة مضيئة خافتة تعلو ملابسهم وجلودهم بقليل.
قال فريتز: "إنه لشيء بديع، أليس كذلك".
قالت لورين وهي تطيل النظر إليه بعينين واسعتين تعكسان النجوم: "تبدو كجنية".
رد فريتز بسرعة: "حسنًا، لست كذلك".
بسرعة فائقة أكثر مما ينبغي.
"لم أتقابل مع واحدة قط".
رمقته بنظرة شك لكنها ابتسمت سريعاً كأن دفاعه كان مزحة.
هتفت روزي: "انظروا إلي، كأنني جوهرة".
استداروا ليجدوا ما قيل صحيحاً تماماً. كانت حراشفها تتلألأ كأحجار كريمة باهتة، وابتسمت باتساع وهي تلوح بذراعيها.
على مسافة ما، نحو مئة قدم ربما، ارتعش أحد الأحجار الكبيرة الملساء ونهض.
ارتفع من على الرمال على ست سيقان رفيعة قصيرة وأبرز مخليبه الاثنين المنحنيين والقويين. ما ظنه حجراً كان في الواقع قوقعة مقببة بسواد منتصف الليل تمتص إشراق السماء وتصده. وقف الكائن الضخم أطول من فريتز بقدم كاملة وبدا أشبه بنوع من السرطانات. ومن تحته انشرت تسعة سرطانات مقببة أصغر حجماً، فطقطقت بمخاليبها وبدأت هجومها المتسارع. أطلقت صيحات حادة كأنها متعطشة لتوليمة طعام تضم فريتز وفريقه، بينما تبعها الكائن الأكبر في أعقابها المجلجلة.
سعل فريتز مرة واحدة لتنقية حلقه وليسمعه فريقه الذي ما زال غارقاً في الذهول.
أمر فريتز بنبرة مسترخية: "الحجارة سرطانات، سرطانات جائعة. استعدوا للقتال".
قالت لورين وهي تخطو إلى جانب فريتز: "أنا مستعدة".
قال جورج وهو يتخذ مكانه معهم: "وأنا كذلك".
قال بيرت: "قبضتاي تحترقان شوقاً للقتال".
قال كال باهتزاز: "لا تبدو قوية إلى هذا الحد".
قالت روزي: "أنا لا أطيق السرطانات".
"أكره هؤلاء الأوغاد".