غضب "سبير" الفصل 52

اقرأ غضب "سبير" الفصل 52 باللغة العربية على مانجا تايم.

اخترقت نغمة وحيدة لحاف الصمت، وارتدّ صداها الشجيّ عن السماء. تردد الصوت المقفر وتدحرج، ثم انضمت إليه صرخات أجوف، مئات العواءات المتوجعة، جوقة من النداءات المشتتها التي تجاذبت القمر بينما استجاب هو، مبتهجاً بنشيج متردد متنافر.

اهتزّ العالم، والجذور والتراب تحت قدمي فريتز، وشعر بالصوت يهزّ جسده كله من الداخل إلى الخارج ويرنّ في عظامه. وفجأة صارت السماء الفضية أثقل من أن تُحمل، فسقط على ركبة وطفق يبكي دموع وجع لم تكن تخصّه. أطلق صراخه المعترض، وآلامه الخاصة في وجه القمر الباكي، ممزوجاً صوته بجوقة الكلاب الموحشة اليائسة.

بالسرعة ذاتها التي بدأ بها العواء انقطع، ورنّ القمر للحظات أطول، جرس يائس تلاشی سريعاً إلى العدم. تحرر فريتز من الوزن الرهيب والحزن الغامر. استعاد الصمت والجمُود سيطرتهما، تاركين قلبه يشعر بالفراغ وحلقه أبحّ.

مسح فريتز الدموع التي لم تكن دموعه عن عينيه والتفت يبحث عن بيرت وسيد. كانا قد بقيا متيبسين وواقفين، يغطيان أذنيكما بيديهما وعيناهما مغلقتان بإحكام.

قال فريتز، وكانت كلماته أشبه بشيء خشن نابت بعد صرخة القمر: "انتهى الأمر".

لم يعره صديقاه التفاتاً، فوقف باهتزازة خفيفة، وسرعان ما ضبط قدميه ومشى بخطى ثابتة نحو رفيقيه. وضع يداً على كتف كل منهما وهزّهما برفق كأنه يحاول إيقاظهما من كابوس، بينما أبقى عيناً حذرة وأذناً موجوعة على ما يحيط بهما.

كانت سيد أول من فكّ وجهه ونظر من خلال عينيها المحمرتين على نحو مفاجئ. لم تبد نظرة سيد المجهدة أفضل حالاً حين استقبلها فريتز بنظراته. لا بد أن عينيه بداتا بسوء مماثل إن لم يكن أسوأ، إذ غيمت الدهشة والقلق على تعبير سيد الصارم.

همس لها فريتز قاطعاً استفساراتها سريعاً: "أنت بخير؟"

قالت بيرت بهدوء: "أنا رائعة، شكراً على السؤال"، لكن صوته بدا في صمت الحوض مدوياً ومرتدياً عن جدران الجذور.

تراجع فريتز كمن لدع، وتطايرت تماماً أي فرصة للحظة رقيقة بينه وبين سيد.

كاد يلتفت ليحدق بغضب في صديقه لكن كلمات سيد الخشنة والناعمة أوقفتاه.

"أنا بخير. وأنت؟"

قال فريتز: "أوشكت، لقد ضربني العواء بقوة. أظن أن الوعي لم يسعفني بشيء هناك".

أومأت سيد برأسها ووضعت يداً على يده بينما كانت لا تزال مستقرة على كتفها. وقفا هناك لحظة.

سأل بيرت وهو يخطو نحو الهيكل العظمي بجدار الجذور: "الخططة ذاتها كالمرة السابقة؟"

سحبت سيد يدها من يد فريتز فأفلت يده عن كتفها المكسوة بالمعدن.

اقترح فريتز: "أرى أن نتجاوز الاستطلاع المسبق. يساورني شعور سيء حيال الانفصال في هذا الطابق".

سأل بيرت وهو ينخس بقدمه بقايا كلب الآفة: "حسن جداً، أيبدو لك هذا الشيء مألوفاً؟"

حدق فريتز في العظام شديدة البياض وقد تسلل قلق غريب إلى جوفه مرة أخرى: "نعم، إنه كلب الآفة نفسه الذي ركلته في هذا الحوض، أتذكر؟"

انحنى رأس بيرت فجأة لينظر إليه: "حقا؟ لكن مرّ أسبوع أو ربما أسبوعان على الأكثر. ظل هذا الشيء هنا... إلى الأبد"، قال بعبوس.

قال فريتز: "أنا واثق بقدر ما يقف السبيْر".

ارتجف بيرت، في أبدى مظهر من مظاهر الضيق رآه من ذلك الرجل الصامد لسنوات.

قالت سيد: "لقد غادرنا هذا المكان منذ زمن طويل. كيف لا تزال الكلاب حية؟ ماذا أكلت؟"

قال فريتز مقرفاً من الفكرة: "ربما متسلقون آخرون؟ أو ربما بعضها بعضاً".

وقف بيرت وتخلص مما كان يزعجه وقال: "ربما هو السحر فحسب".

كانت نبرته مفعمة بالأمل لكن فريتز عرف تماماً أنه لا يصدق كلامه.

تذمرت سيد: "لا منطق في هذا".

فاخر فريتز: "من الأفضل عدم التفكير في أمور كهذه. هذا ما أفعله أنا وأنا على ما يرام تماماً".

قالت سيد بإعياء: "حقاً".

تفاخر فريتز بغرور: "إنسان عاقل، شجاع، عبقري، هذا أنا ببساطة. لم أُقلق بشأن أي شيء، طوال حياتي، ولا مرة".

قاطع بيرت: "باستثناء القطط".

وافق فريتز باعتزاز: "باستثناء القطط".

نظرت إليه سيد ببلادة، لكنه استطاع أن يرى ابتسامة خافتة تكاد تبزغ على شفتيها.

اكتفى بيرت بالابتسام، وأشار إلى الجذور الباهتة قائلاً: "حسناً، بعدك، يا ألصق لصوصنا عقلاً".

أطاع فريتز، فخطو نحو الجدار الباهت، قابضاً على الجذور الجافة الطباشيرية متسلقاً فوق سطح الجدار وعبره. تألم ذراعه أثناء ذلك لكنه استطاع المضي قدماً دون عناء يُذكر، سوى الألم. كانت يده التي لا تزال مخدرة خرقاء بالقدر الذي توقعته لكنها عملت أخيراً وصار فوق الحافة في لحظات.

حدق في الغابة الممتدة أمامه وذهل من الخراب الذي صنعه الزمان. الأشجار التي كانت عتيقة يوماً، وميتة الآن، والتي بدت ذات يوم متعرّوة وبنية وذات مظلّة من خضر متحللة، بدت جرداء، مبيّضة وعارية. كانت تشبه صحراء رمادية يعمرها عدد لا يحصى من الهياكل العظمية الطويلة النحيلة التي تقف ساكنة كالقبر. لم تصدر عن أغصانها صرير، وتوقفت حفيف الأوراق منذ أمد بعيد. كان الهواء مخيفاً وخالياً من الحياة أو الغاية أو الوعد.

تشابكت شبكات الأغصان الخشبية المبيضة كأنها ماتت وأغصانها الشبيهة بالأيدي الخالية من الأوراق ملتفة معاً في عزاء أخير. وتحت أطراف الأشجار المظللة شبكة من الظلال العميقة تخترقها رماح شحيحة من الضوء الفضي. لم يُساور فريتز أدنى شكّ في أن الكلاب كانت تنتظر داخل خيوط الظلام وبركه؛ مرعبة وجائعة.

ارتجفت ساقا فريتز لكن للحظة واحدة فقط إذ أحكم سيطرته موجها إياها لإخماد أي خوف قد يشعر به من منظر المعرفة بأنهما سيُطارَدان مجددا. ترك نفسه يستشعر الدرج موجها حس الباب نحو الاتجاه الذي وجده من قبل. شعر بالارتياح حين أحاط بعقله وخز مؤكد لموقعه.

حدث نفسه مسترجعا بيسر شوطا قطعاه: "لا حاجة لتسلق شجرة هذه المرة".

الآن بات يعرف مكان كل شيء تماما كالسحر. ساعدته تلك الملاحظة البسيطة على الاطمئنان فهما ما عادا شخصين بلا قوة وبلا مستوى كما سلف. أدرك أن الطابق سيبقى قاسيا ووحشيا لكنه ليس مستحيلا.

قال بصوت مرتفع: "ليس مستحيلا".

سأل بيرت هامسا وهو يحدق في الغابة بذهول: "ماذا؟"

أجاب فريتز بصوت خافت: "لا شيء".

بدا أن سيد قد سماه يحدث نفسه فمنحه ابتسامة ضيقة وإيماءة.

هتف فريتز وهو يخطو خطواته الخفية الأولى تحت الأغصان الشاحبة ونحو الظلال حيث لم يعد القمر قادرا على رمقـه: "ما أعجل اليوم بالبارحة".

كان الظلام كثيفا في الغابة وكذلك طبقة الغبار الثقيلة التي أثارها بخطواته الهادئة. أبقى حواسه مشدودة ومستحضرا قدرة الكلاب على الاندماج في الظلال أعد نفسه للتحرك في لمح البصر. تبعه رفاقه على مسافة تسعة أقدام تقريبا. استبان القلق على وجوههم لكنهم صلبوا عزيمتهم وقادهم فريتز أعمق في العتمة.

في الأمام ومض أحد أعمدة الضوء لحظة فأشار فريتز لفريقه بالتوقف والتأهب. وراء هناك شيء يقترب. لم يره ولم يسمعه ولم يشممه لكن حسا غير ملموس حذره من وجوده. انطبقت في ذهنه أيضا قناعة راسخة بأنه ليس وحشا واحدا يتربص بهم في الغسق.

انتظر فريتز مترقبا الكلاب وبيديه نصل السمكة والأخرى خنجر العظم. نهش إحساس ممزق ساقه ولم يكن ألما بل شبيها بذكرى ألم لم يختبره بعد. كان شعورا غريبا ومفاجئا لكن فريتز تعرف عليه فوراً إنه حس الخطر يحذره من وثبة عضة كلب لافح.

تفادى الضربة معدلا وضع ساقه سريعا فتلاشى شعور الأنياب عن لحمه. بعد أقل من ثانية سمع طقطقة فكيـن وهديراً بغيضاً. انقض الوحش مزق الهواء بجنون وأخطأت أنيابه ساقه ببضع بوصات. هبط فريتز بنصل السمكة فلم يصب سوى الأرض المغبرة إذ كان الكلب السريع بشكل مرعب قد قفز عائدا إلى الظلال واختفى عن نظره.

في اللحظة الخاطفة التي ظهر فيها تلقى فريتز مفاجأة صادمة. طرأت تحولات مروعة على المخلوقات إن كانت حقا هي الوحوش نفسها السابقة. طبق على مقبضي سلاحيه بقوة أكبر موازنا بين ما رأاه وما يتذكره من تلك المسوخ.

هذا المخلوق لم يشبه كلاب السود النحيلة الموبوءة من قبل بل بدا أكثر توحشا بمراحل. كان أكبر حجماً أولاً إذ بلغ ارتفاعه منتصف صدره وعظميا أصلع شاحبا سوى لبدة دهنية من شعر أسود متشابك تبرز من مؤخرة عنقه ورأسه الشبيه بالجمجمة. برزت مخالبه وأنيابه البيضاء كالعظام بحدّة أكبر وكانت أطول وأشد وأسالت ذلك السم القاري اللزج الأسود. كان هزيلا وقد تلاشت كل عضلاته تقريبا حتى إن نتوءات عموده الفقري بدت جلية واستطاع عد أضلاعه بذات السهولة.

بكل المقاييس ما كان مفترضا به أن يتحرك في حالة التردي تلك. لكنه فعل وطارده.

وبخ فريتز نفسه: "يجب أن تكون أسرع. ما إن تشعر بالخطر فا طعن الكلب".

راقب وانتظر من جديد متأهبا للضرب فور شعوره بذلك الإحساس شبه المؤلم. تصبب العرق على جبينه وقلق من أن يهاجم الكلب رفاقه عوضا عنه حين توهج الإحساس وذكرى الأنياب تلتف حول ربلة ساقـه وفيها.

دفع فريتز نصل السمكة إلى الأمام في مسار الكلب حين انكسر تمويه ظله وانقض صوب ساقـه. اخترق الزئبق المخلوق في محجر عينه الأجوف فمات سريعا متخبطا ومطلقا أنينا حاقدا.

نبض تحذير آخر من حس الخطر فوق ذراع فريتز التي لا تزال ممدودة. أفلت نصل السمكة العالق بينما هوى المخلوق المخترق به بصوت مكتوم على الأرض المغبرة. محاطا بخنجر العظم بلعنته وضربة العتمة رفعه تحت رأس الكلب التالي لحظة عضه حيث كانت ذراعه قبل لحظات فقط. أبقى الزخم الكلب مندفعا لكنه اصطدام بشجرة عظمية ناثرا على من تحتها مسحوقا أبيض يشبه الرماد.

سقطت القشور مكشفة عن قطيع يضم سبعة كلاب أخرى ترבض في الظلام قرب سيد وبيرت. أطلق فريتز صرخة تحذير فاستدار سيد بسرعة ليواجه أحد المتربصين البادين للعيان. انطلق سهم خارق عبر الجمجمة فسمّر رأسها بشجرة. أطلق بيرت رذاذه الكاوي فأصاب اثنين منهما بوجبة السائل الحامض اللاسع.

انتابه إحساس آخر بألم وشيك فوق كتفيه وظهره وعنقه ففعل فريتز خاتمه غريزيا وقفز جانب. انحنى تحت أنياب الكلب المتباغتة لكنه لم يكن سريعا بما يكفي لتفادي مخلبه حين خدش درعه. تلاشى الدرع بطنين ودفع الطرف الأمامي النحيل للمسخ إلى الأرض بقوة مذهلة ليغوص مخلب حاد عبر حراشفه إلى ظهره.

اصطدم فريتز بالأرض على بطنه. انقطع أنفاسه لكنه لم يفقد وعيه. تدحرج جانبياً ليرى الكلب السلوقي يحلق فوقه وينقض على حنجرته. بلا سلاح، فعل فريتز ما يجب فعله وقاتل بقذارة. استدعى ظلاماً متحركاً فوق يده. ركّز على تغطية سبابته والوسطى بطاقة ضربة القتامة. حاول تشكيل الظلال في مخلب من السواد المر. هبط فك الكلب نحو عنقه. ضرب فريتز كأفعى. غرس أصابعه في محجر العين العميق حين هبط.

حدث صوت خسيس وخرق حين حطم عين المخلوق. لكنه لم يتوقف هناك. دفع بكل قوته، غامساً أصابعه بعمق ومفاعلاً ضربة القتامة من جديد.

وصلت فكا المهاجم إلى عنقه. اعتمد على خاتم الحاجز خاصته مجدداً. دُفعت الأياب المغطاة بالقطران بعيداً عن جسده بواسطة الجلد شبه الشفاف حين أحاط به. ترهل الكلب فجأة على جانب واحد. بدأت أطرافه تتفضفض وتثب عشوائياً بداعي الظن. ابتسم فريتز بخبث، عارفاً أنه بلغ عقل الكلب الأبله أخيراً بضربته والمدى الإضافي من الحاجز. بكل ما بقي له من قوة، عض على عنقه لكنه نجح فقط في كسر الدرع الشفاف.

ترهل الكلب. كاد يسقط فوق فريتز، لكنه دس رجليه تحت قفص الكلب الصدري وركله بعيداً. رقد في الغبار يتفضفض وينحيب ويموت. لم يكن يملك سلاحاً بيده ليجهز على الوحش، لذا نظر حوله بحثاً عن فريقه أو أحد نصليه.

انقض كلب على ظهر سيد، لكنه اصطدم بجدار من الريح فقذف خارج مساره وإلى جانب أقرانه المسوخ. منحته نظرة خاطفة بالكاد وهي تشد قوسها وتطلق سهماً آخر مستقيماً عبر قلب كلب. حمل برت جرح عضة مرتفعاً على كتفه. بدت حواف الثقب مسودة وما زالت تنز بحرية. عبس فريتز بقلق. كان مفترضاً أن يلتئم بحلول الآن. إن كان الجرح يؤلم برت، فهو لم يظهر ذلك حين كسر عنق وحش آخر بركلة سريعة ونظيفة.

سقط كلبان آخران أمام هجمات فريقه الفتاكة. كان فريتز يتوقع أن تهرب المخلوقات إذ مات معظم القطيع. لكن عوضاً عن ذلك، جنّ الكلاب الثلاثة الأخيرة على رائحة الدم، متجاهلين فرائسهم السابقة تماماً، وبدؤوا يزمجرون ويقضمون ويمزقون قطعاّ من بعضهم. اقتاتوا على بعضهم في جوع أسود، هائجين ومبتلعين بشراسة القليل من اللحم الذي استطاعوا مضغه من أجساد بعضهم. تحطمت العظام وتطاير الدم ولم يعد على فريتز وفريقه القتال بينما استمر الكلاب في مذبحة آكلي لحوم البشر.

انقلبت معدة فريتز من المنظر البشع والأصوات الأسوأ، فاستدار بينما كان برت — وبوجه مريض على محياه — يهشّم رأس آخر كلب حي.

— ما الذي حدث للتو بحق البرج الأخير؟

— سألَت سيد، وبدا حتى وجهها الشاحب عادة أخضر قليلاً.

— كانت الكلاب تأكل بعضها — قال برت مراقباً الواضح جلِيّاً.

— إنها جائعة.

لدرجة أنها تبدو وكأنها دخلت في غضب شره، أو ربما نوبة تغذيه هي المصطلح الصحيح — قال فريتز بوحشة، مبقياً عينيه مثبتتين على الأرض وبعيداً عن الوحوش الميتة.

— إنه مقرف — صرّحت سيد.

— إنه كذلك — وافق فريتز، ذاهباً أخيراً لاستعادة أسلحته الموثوقة من جثث الكلاب الخاصة بها.

— لكنه يمنحنا خطة جديدة.

إن اصطدمنا بكامل عددهم، فلنثرهم في نوبة تغذية بينما نركض نحو السلالم.

— لماذا يبدون مختلفين؟

— سأل برت وهو يدلك كتفه المعضوض الذي بدا وكأن النزيف توقف فيه مع انحسار السواد.

— سحر — قال فريتز وسيد معاً، مطلقين تنهيدة تعب.

التقت أعينهما وابتسم كل منهما ابتسامة المعاناة المشتركة.

— أه — قال برت.

— سحر بالطبع.

— أتريدين هذا أم آخذه أنا؟

— سأل فريتز سيد.

— كن ضيفي — ردت سيد، وهي تجرع بعض الماء.

شعر فريتز بجفاف طفيف بنفسه في هذه الغابة الرمادية المغبرة، فتبع مثالها. وما إن بلل شفتيه حتى استمر في قول شرح كان أغلبه لصالح برت.

— أتعلمون إذن كيف تكون إبسا مليئة بالوحوش الخطيرة والغريبة خارج حماية البرج؟

— واللوياثانات — أضافت سيد.

— والجبابرة — علق برت.

— ونسلهم — وافق فريتز.

— حسناً، النظرية السائدة هي أن المانا الفوضوية خارج نطاق تنقية المانا الخاص بالبرج تغير الحيوانات — إن كانت لا تزال موجودة هناك — وتخلق وحوشاً أو ما هو أسوأ.

داخل البرج مشابه، حسبما سمعت، فالسحر يشوه الأشياء، جاعلاً إياها أقوى أو مانحاً إياها قدرات مشابهة لتلك التي يمنحها الأبراج.

— هاه — قال برت.

— كيف تعمل رفاق الوحوش؟

مثل أولئك الخاصين بسادة الوحوش وما شابه.

— لست متأكداً تماماً، لم أقرأ حقاً كثيراً عنهم.

لم يكن لدي اهتمام كبير برفيق وحش آخر بينما لدي واحد بالفعل — قال فريتز، مشيراً إلى صديقه.

— أه، ها ها — قال برت غير منبهر.

— مما أعرفه، أعتقد أنك تحتاج إما إلى قدرة رفيق أو غرض مشبع بالقدرة لتأخذهم معك إلى البرج.

وإلا، فلا تستطيع الوحوش الدخول، أو الخروج. أما كيف يصبح الرفاق أقوى، فلا أعرف أنا أيضاً — أوضحت سيد.

— لما الاهتمام المفاجئ؟

— سأل فريتز بشك.

هز برت كتفيه، لكن ذلك بدا شبيهاً جداً بحركة متمرنة لا بشيء حقيقي بالنسبة لفريتز.

— بلا سبب، مجرد أمر ممتع — قال برت بمكر.

— لنتحرك.

كلما خرجنا أسرع، كلما استطعنا التحدث بحرية أسرع — قالت سيد وهي تستعيد آخر سهامها السليمة بشكل مدهش من كلاب اللفح.

تحسن كبير حقاً مقارنة بكل من السهام التي حصلت عليها في الطابق الثاني وتلك المستدعاة، لاحظ فريتز.

تنهد فريت واستخدم بقايا ضمادة ذراعه لتنظيف شفراته من الدم الداكن الكثيف، ثم توجه نحو الدرج دون أي كلمة أخرى، معتمدًا على طاقمه لمتابعته. وقد فعلوا ذلك دون أي شكوى أو حديث.

بينما كانوا يتحركون تحت الأشجار الشاهقة، فريت فكر في القتال وحاول تجاهل الشعور بالبرودة المتزايدة الذي كان ينتشر من منطقة في ظهره.

من المؤكد أن "البركة"

ستعالج جرح الكف، لكنه كان يأمل ألا يؤثر هذا الجرح عليه بشكل كبير. على الأقل، أصبح الآن على دراية ببعض القيود الخاصة بحاسة الخطر الجديدة لديه. كانت هذه الحاسة مفيدة للغاية، ولكن بدون السرعة أو ردود الأفعال المناسبة، فإنها تترك مجالًا للتحسين، حيث لا يزال بإمكانه أن يتعرض للهجوم من قبل خصم أسرع أو أكثر عدداً. ومع ذلك، في مواجهة الهجمات المفاجئة أو الأعداء الخفيين، كانت هذه الحاسة لا تقدر بثمن.

بينما كان يتنقل بين الأشجار ويتجنب ضوء القمر قدر الإمكان، وجدوا نهاية خط الأشجار فجأة. لقد وصلوا إليها بشكل أسرع بكثير مما توقع. أدرك ذلك على الفور، فقد اتسع المقطع من الأرض القاحلة، وارتفع التل العاري في الأفق.

كانت هناك مجموعات عديدة من الكلاب التي كانت في السابق تعيش في هذه المنطقة، تتجول في سهل الغبار والرمل. كانت هذه الكلاب تدور حول التل، وتشم الهواء، وتصدر أصواتًا بشكل متقطع أثناء عض بعضها البعض. يبدو أن أي شيء كان يمنع الكلاب من المشي على الأرض المكشوف قد اختفى، أو ربما تم قمعه بسبب قرب القمر.

"على الأقل، لا يمكنهم الاختباء في ضوء القمر"، فكر فريت بصوت عال.

"نعم، ولكن انظروا إليهم جميعًا، حسب تقديري، هناك مئات منهم."

قال بерт وهو يفرك منطقة على ذراعه.

كان فريدز لا يولي اهتمامًا كبيرًا بينما كان يبحث في التل الرمادي عن أي علامة للكلب العظيم، وكان يفكر ويخشى رؤية التغييرات التي أحدثتها مرور الوقت وبناء "سبير"

على شكله الذي كان بالفعل مخيفًا.

هناك، بجانب قطعة الماربل الخضراء الضخمة، كانت هناك ظلام دامس. كان فريت يعرف بطريقة ما أنه ينتظر. ينتظر الغزاة، ينتظر الطعام، ينتظر سقوط القمر، ويراقب، ينتظر وصوله.

ابتلع فريت بصعوبة.

و استمع الكلب.