غضب "سبير" الفصل 49

اقرأ غضب "سبير" الفصل 49 باللغة العربية على مانجا تايم.

ارتفع زعيم الغوبلن فوق جسد فريتز الجاثي، رافعا نصله المتوهج كالنار. ارتجف المخلوق من فرط النشوة، وأطلق قهقهة قاتمة فيما هوت سيفه المشع في قوس مروع بلا أدنى عناء.

قاوم فريتز القسر المطبق عليه. ارتجفت القوة التي تلزمه بالسكون وتبقي جسده متصلبا، لكنها صمدت. شعر بالروابط الذهنية المشدودة التي تقيده، وقد ازدادت إحكاما حيث دفعها، لكنها تراخت في سائر أنحاء جسده. خطرت له خطة في الحال، لكنه لم يملك وقتا لتنفيذها. لا، لم يكن لديه وقت على الإطلاق. كان يشعر بحرارة النصل على خده، فيما أعماه بريقه من ذلك الجانب. عرف أنه لن يستطيع التحرك في الوقت المناسب، لكن هل يمكنه استخدام سحره؟

استدعى قدرته الأولى في ذعر، ودفع إرادته في أرضية البلور تحت قدم الزعيم العارية، الطويلة على نحو غريب. قاومت البلورة، لكنها تحركت مع ذلك، فترنح الزعيم حين انزلقت وقفته الخشنة. لم يكن ذلك كافيا. صحيح أنه حاد بالنصل بضع بوصات، لكنه ظل يهوي نحو كتفه. أفضل من عنقي، فكر فريتز، لكنه جرح قاتل على أي حال.

لكن بعدما عرف أن سحره يعمل، فعّل خاتمه. لم يبق سيف الزعيم سوى بوصات قليلة ليغرس نفسه فيه، لكنه انحرف فجأة إلى الجانب حين ظهرت الحاجز بغتة ثم انفجرت. ضرب النصل الأرض أمام فريتز، مطلقا الشرر وهو يخدشها، ثم انغرس في البلور تحتها. نبح الزعيم، نافثا مقاطع غاضبة، وهو يحاول انتزاع سيفه.

استغل فريتز الوقت الذي كسبه بحيلته الصغيرة، وقاوم روابطه الذهنية مرة ثانية، مركزا على القوة المحيطة بساقيه وركبتيه وقدميه. هزت جهوده طاقة القسر بعنف أشد من محاولته السابقة، لكن القوة الخانقة كانت أقوى من أن تنكسر تماما. ارتعشت ساقاه، فلاحظ الزعيم ذلك، وأعاد التحديق بغضب وهو يشد سيفه المتلألئ العالق. فشل مرة أخرى في اقتلاعه. وبإحباط، اندفعت يده الحرة إلى الأمام، وأطبقت أصابع الزعيم الطويلة الشاحبة، الدافئة على نحو مفاجئ، حول عنق فريتز.

ثم عصرته.

زأر فريتز: "أمسكت بك".

اشتدت قبضة الغوبلن، فاختنق فريتز بابتسامته المتشفية وكلمات التباهي التي كانت تتشكل على لسانه.

وبدفعة جهد أخرى، لوى فريتز إرادته وأقحمها في أطراف أصابعه، ثم دفع بها إلى كفه وصعد بها ذراعه. انسل تحكمه عبر القيود الخفية كأنها حية تنساب في شبكة أوسع من اللازم. تحرك، وشق خنجره صاعدا نحو معصم الغوبلن. وفي أثناء الضربة، فعّل لعنة خنجره وضربة الغسق الخاصة به معا. تصارعت الشرور القاتمة المرة وهي تغطي نصل العظم، واصطدمت طاقاتها المتنافرة في عويل لا يسمع، عند حافة حواسه.

للحظة، خشي فريتز أن يلاحظ الزعيم الظلال المتقطعة، وأن تفضح الضربة تلك اللعنة الباردة التي كانت تغلي وتتموج فوق خنجره. لكن ذراعه اندفعت إلى الأعلى من دون أن يراها أحد، واخترق نصل العظم معصم الزعيم وقُطع بسهولة مفاجئة. تراخت القبضة حول عنق فريتز قليلا، لكنها ظلت محكمة، وظلت منقبضة بطريقة ما رغم انفصالها عما كان يصلها به. حدق الزعيم في عيني فريتز بحدقتين كأنهما لهبا شمعتين، ثم أطلق قهقهة قاتمة، مستمتعا بوضوح بعذابه المختنق.

قطب المخلوق حين لاحظ أن يده ذات الخاتم لا تطيع إرادته. تراجع عن فريتز، تاركا يده المبتورة وراءه. وتمدد على ملامحه القبيحة أصلا قناع متخشب من رعب يتكشف وغضب أسود، فحولها إلى صورة جامدة لجنون هائج يطحن أسنانه. غرست أسنانه الإبرية المتنافرة في شفتيه الرقيقتين، وأطلق زئيرا داميا.

بدأ التعب وقليل من الخوف يتسربان إليه، لكن نجاح حيلته ملأ فريتز بنشوة حالت بينه وبين الاكتراث بهذين الشعورين. والآن، بعدما تحررت ذراعه من القيود الذهنية، أخذ يشد القوة التي راحت تضعف باطراد. وبدا أن الغوبلن ورفاقه يتحررون هم أيضا من أمر الزعيم. كانت سيد الأسرع بينهم، فرفعت نصلها بحركة متشنجة إلى حنجرة أحد الحراس المكشوفة، وسحبته ببطء عليها، بينما راح الغوبلن يراقب المشهد ويرتجف بعنف.

ثم، بغتة، صار الجميع قادرين على الحركة من جديد. واستؤنف القتال بوابل من الحركات، وصيحات وزغاريد وضحكات متجددة.

قاوم فريتز آخر ما تبقى من القسر الذي يقيده، وانسل منه، ثم وثب واقفا وألقى ظله الوهمي فوق عرش الزعيم. تنبه رفاقه إلى ذلك، فاندفعوا نحو الدرج الواقع خلف العرش، وأخذوا يشقون الجدار الخلفي. انزلقت سيد وتملصت. وانحنى برت وتفادى الضربات. مر الاثنان بين حراس الغوبلن وأسلحتهم المتلألئة. اندفع زعيم الغوبلن نحو فريتز، بعدما تمكن أخيرا من انتزاع سيفه في نوبة غضبه المجنونة، وأخذ يلوح به في ضربات كاسحة وحشية، غير عابئ بالغوبلن القريبين منه.

وسقط أحد حراسه النخبة تحت نصله المتلظي، بينما غاص فريتز تحت ضربة خاطفة استهدفت رأسه.

لامست قدماه الأرض في تدحرج أوصله إلى الوقوف، ثم فر بشجاعة، تاركا الزعيم يصب غضبه على أبناء جلدته. اندفع فريتز بين الغوبلن، يقفز فوق هجماتهم وينزلق تحت ضرباتهم. وحين مر بالعرش، لمح كتلة سوداء أسفل المقعد مباشرة، مختومة تحت البلور اللامع.

قفز ذهن فريتز في الحال إلى الصندوق الثمين في غرفة الثور الزجاجي، وكاد يغلبه إغراء التوقف ليرى إن كان يستطيع بلوغ الصندوق المحتمل. كان يعرف أن الزعيم يلاحقه، إذ كان يسمع صراخه من خلفه. وكان الغوبلن على وشك تطويقه في أي لحظة. لكنه لم يستطع أن يدع هذه الفرصة تفلت منه.

تمتم: "سمكة... كبيرة".

انحنى خلف العرش متخذًا مكانه، وركع مجدداً ليفصل بينه وبين ملاحقيه بلّورٌ سميك. كان متعباً، بل منهكاً، وتضاعف إرهاقه من كثرة استخدام مهاراته، لكنه شعر بأن لديه ما يكفي لإلقاء تعويذة واحدة أخيرَة، حتى وإن تركته مهتماً.

حرّك سيطرته، وشكّل التعويذة على النحو الذي أراده؛ ففعّل حفرة الحجر، مستخدماً ضوءها البارد لشق ثقوب بسعة كافية ليمر منها الشكل الداكن. دار رأس فريتز لكنه استطاع الإمساك بالصندوق الخشبي المطوق بالبرونز. جذبه إلى صدره وترنح صاعداً باتجاه الدرج حيث وقف بير منتظراً، وقد رُسِم القلق بوضوح على ملامحه الخشنة.

خطا فريتز خطوة أخرى وسقط إلى الأمام حين داهمه الدوار، وطار وميض ساطع محرق فوق رأسه فعرف أنه سيف الزعيم اللاسع. انغرس في الجانب الأيمن لقوس الدرج، أمامه مباشرة. حثه طمعه على أخذ السيف أيضاً، لكن جسده بالكاد استجاب، فتشبث بخشب الصندوق بإحكام حين شعر بأيادي تقبضه وتجره بعيداً. مع كل هذا الدوران لم يستطع تمييز الاتجاه الذي يُسحب إليه، لكنه عرف في قرارة نفسه أنه تمادى مرة أخرى.

دائماً يتمادى. وسأعاني جراء ذلك. أظلمت رؤيته، وتدحرجت كلمات مبهمة في أذنيه.

قال صوت سيد باختراق مؤلم في أذنيه: "اليد، أمسك... بالقبضة".

صدرت همهمة، وبدأ العالم يتراجع. ليستبدل به السواد، لا، بل كان سواداً دائماً، فاللون مجرد شذوذ، والضوء حتمية فوضوية.

كان أحدهم يصفعه على وجهه، فاستيقظ. لم تكن أسوأ طريقة للاستيقاظ إذ كان سيد هو من يصفعه، لا بير. عاد العالم إلى وضوحه بسرعة، لا بد أنه غيب عن الوعي لحظة لأنهما لا يزالان في الدرج، وقد جُرّ بعيداً عن متناول العفاريت التي حدقت فيهما وأطلقت صرخاتها. خصوصاً الزعيم الذي ضرب يده السليم، والوحيدة الآن، على حاجز غير مرئي منعه من دخول الدرج.

صاح سيد: "إنه يستيقظ! هيا يا فريتز، اتهض!"

صاح بير ببعض كلمات التشجيع أيضاً لكن فريتز لم يستطع سماعها وسط عواء الزعيم الغاضب.

نهض فريتز بوهن. كان غير متزن على قدميه لكنه سمح لنفسه بنشوة الابتسام والانحناء للزعيم في وداع ساخر. كاد الصندوق الصغير الذي يحمله يسقط من ذراعه، لكنه ظن أنه تجاوز الموقف ببراعة. أدار ظهره للحشد الثرثار وخطا، بل تعرج، صاعداً الدرج.

حين قطعا مسافة على الدرج سأل سيد: "من أين جاء هذا الصندوق؟"

أجاب فريتز مضیفاً سؤالاً من عنده: "تحت العرش، هل لا زلت تحتفظ بيد الزعيم؟"

قال بير وهو يرفع الخاتم الذهبي المزين بأحجار كريمة أرجوانية داكنة: "كلا، تخلصت منها بمجرد أن انتزعنا الخاتم".

بريق ناعم انعكس في الدرج المظلم.

سعل فريتز: "عمل جيد".

أراد أن يدلك التوتر عن رقبته لكن بما أن لديه يداً سليمة واحدة مشغولة بخنجره والصندوق المطوق بالبرونز وجب عليه الانتظار.

تأمل بير قائلاً: "نعم، كانت تلك الطبقة ممتعة. آمل أن نحظى بأخرى مثلها. إلا سحر العقول، فأنا لا أحبه كثيراً".

قال فريتز ببرود: "حسناً، في المرة القادمة سأجد حصناً للعفاريت بلا زعماء يملكون كنوزاً".

تذكر بير بحماس: "سيكون ذلك رائعاً يا فريتز. عرفت أنني وفقت حين انتشلتك من الحضيض".

هز فريتز رأسه مبتسماً للذكرى.

سأل بير: "من أين حصل الزعيم على الكنز أصلاً؟"

اقترح فريتز متعباً لدرجة تعجز ه عن تفكيك العواقب: "ربما فتح صندوقاً؟"

قال بير وهو يغز فريتز في ظهره بإصبعه حثاً له على صعود الدرج أسرع: "إذن لماذا لم يفتح الصندوق الذي تحمله أنت؟"

"لا أعلم. أيبقيه لوقت لاحق؟"

لم يعلم فريتز السبب لكنه بمجرد أن قالها ظن أنه على الطريق الصحيح.

قال بير: "لم أكن أعلم حتى أن الوحوش تستطيع فتح الصنديق".

أوضح فريتز: "ذكرت يوميات أبي شيئاً من هذا القبيل. ظن أنها حكاية مبالغ فيها عن البرج، مثل الجنيات، لكن ربما كان مخطئاً".

أضاف سيد: "هذا أغرب برج سمعت عنه. ليس فيه الكثير من الأمور العادية. بحق كل القواعد كان يجب أن نصادف طبقة لا تشكل فخاً مميتاً كاملاً".

رد بير: "وماذا عن طبقات المتاهة والفخاخ؟"

صرح سيد بجهامة: "لكانت قتلتنا يقيناً لولا مهارات فريتز. حركة خاطئة واحدة وبووم أو سحاق".

قال بير: "ماذا لو اختار فريتز خطأ فحسب؟"

قدم فريتز إجابته بوهن ودون أي جهد يُذكر في إظهار إساءته المصطنعة: "أولاً؛ كيف تدري؟ وثانياً؛ ربما".

خالفه الرأي سيد: "هذا مستبعد".

كاد فريتز يشرق من تصويت سيد بالثقة لكنه لم يستطع سوى ابتسامة باهتة ومكررة.

واصلا التقدم ببطء على الدرج، وتهدج لهاثهما تدريجياً ليتحول إلى أنفاس ثقيلة لكنها منتظمة.

بعد خمس دقائق بدت كخمس ساعات، بلغا منصة غرفة البئر. نظر فريتز حوله بشعور غريب بأنه مستهزأ به. بدت الغرفة نسخة أصغر، وأصغر بكثير، من الكهف الذي حاربا فيه وهربا منه للتو. فرشت الفطر أرضية الحوض الضحل وفي المنتصف حصن بلوري مصغر مكمله برج يوازي ارتفاع ذقنه تقريباً.

كان البرج المزيف الصغير متألقاً بالطاقة وينبض بالإشراق. وضع فريتز الصندوق البرونزي وحقيبته جانباً، ثم سار بخطى ثقيلة باتجاه البرج الصغير.

"مهارة جديدة، مهارة جديدة، مهارة جديدة"، هكذا ترنّم بيرت بنغمة غنائية، متجاوزاً فريتز لكن عجز عن سبْق سيد التي بلغت البئر أولاً بخطواتها الواسعة الرشيقة.

قفزت فوق الجدار المنخفض بسهولة ووضعت كفّها فوق السطح المتلألئ للبرج البلوري، لتستمِدّ طاقته وتضخّها في جوفها. التفتت سيد نحو فريتز وبيرت وابتسمت، وبريق يلمع في عينيها، قبل أن تجلس وتغوص في حرمها الداخليّ.

وصل بيرت إلى البئر تالياً وجلس ليغوص في حرمه الداخليّ في غضون لحظات. وقف فريتز يراقب، فهو يعلم أن الأمر آمن غالباً لكن هذه هي البئر الأخيرة قبل المرتفع العالي، وقد حاول برج سبير غمرهُم بفخّ مؤقّت من قبل. لمس البلورة المتوهّجة بنفسه فشعر بخيوط من الطاقة الباردة الحارقة تسري في ذراعه وصولاً إلى حرمه الداخليّ حيث امتزجت بنوره الخاصّ وتمّ امتصاصها، لتُضيف إلى طاقته النامية.

حيث كانت تلك الشرارة الصغيرة في مركزه، صار هناك الآن نجمة باردة متلألئة بحجم ظفر الإصبع. تعجّب فريتز من حجمها.

لقد لاحظ أنها تنمو في كل مرة "يشرب"

فيها من الآبار، لكنه لم يُعِر اهتماماً يُذكر لتزايد توهّجها. تساءل عرضاً إلى أي مدى سيبلغ حجم الحرم في مركزه، أسيصبح حجماً يوماً بحجم قبضته؟ أم بحجم رأسه؟ أم بحجم جسده كله؟ كيف سيسعه كل هذا؟ لم يكن يعلم الكثير عن ذلك، لكنه أيقن حدوثه.

مستغرقاً في هذه الأفكار، انتظر، محاولاً الاسترخاء وهو يجلس مظهراً ظهره لبرج البلوريّ المتوهّج بقلق وحماس لتلقّي خيارات مهاراته الجديدة. خرج بيرت من حرمه أولاً بوجه مكسوّ بملامح متأملة. رمق المكان الذي يجلس فيه فريتز فارتفع حاجبه دهشةً.

سأل بيرت: "فريتز؟ لماذا لست في حرمك؟"

أجاب فريتز: "لا بد من أحدهم أن يراقب. ألم تتذكر حيلة الطابق الثاني؟"

أمر بيرت: "آه نعم، نسيت أمر ذلك. اذهب وانظر ما نلتَهُ، سأراقب أنا الآن."

بشيء من التوجّس والأنفاس المتهدّجة، هيّأ فريتز نفسه لتجدّد الألم في ذراعه. ترك نفسه يُسحب إلى تيّار النور في مركزه وغاص في حرمه.

استقبل فريتز الألم والمطر، فوخزته ذراعه بينما أمطرت القطرات الباردة لحم ذراعه المحترق. بدا كفّه وساعده سيئين للغاية حتى الآن، لكن غالبية السواد المتفحّم حول لحمه المطبوخ قد اندمل إلى جلد أحمر متنفّط بغزارة. استطاع تحريكه مجدداً، وبسهولة أكبر بكثير، لكن القيام بذلك ظلّ عذاباً. ببذل جهد من الإرادة دفع الألم بعيداً وتوقّف عن تفحّص طرفه المعذّب.

ركّز فريتز على الطاقة التي تحوم حول حرمه في خطوط بيضاء ساطعة، تشبه النيازك تماماً. تجلّت الخيارات في عقله وهو يمدّ يده إليها، نابضة ومجلجلة عبر أفكاره.

* * *

مهارة اختر واحدة

* * *

حسّ الكنز أجميل هو؟ ألامع هو؟ أم من الجواهر والذهب مصنوع؟ أستطيع رؤيته، أستطيع لمسه، هو لي لآخذه وأحوزه! يزيد قدرتك على اكتشاف الأشياء ذات القيمة وصناديق الكنز بدرجة طفيفة. المحاذاة: العقل، الحسّ. التكلفة: لا توجد. المدة: كامنة. التحديث: لا توجد.

* * *

لقد اكتشفت واستحوذت على ثلاثة صناديق كنوز. متأثر بمهارة متوافقة مع الحسّ (حسّ الفخاخ). متأثر بسمة متوافقة مع الحسّ (حسّ الأبواب).

* * *

حسّ الخطر خلف الصخرة، فوق الشجرة، التهديدات المتربصة، لا يمكنها الاختباء منّي. يزيد قدرتك على اكتشاف الأذى الوشيك بدرجة طفيفة. المحاذاة: العقل، الحسّ. التكلفة: لا توجد. المدة: كامنة. التحديث: لا توجد.

* * *

لقد اكتشفت الأخطار وتجنّبت الكثير منها. لقد خضت معركة ضد عدة وحوش ولم تتلقّ ضرراً. لقد تفاديت ضربة قاتلة مراراً وتكراراً. متأثر بمهارة متوافقة مع الحسّ (حسّ الفخاخ). متأثر بسمة متوافقة مع الحسّ (حسّ الأبواب).

* * *

تشكيل التعويذة اسحبها هكذا، ادفعها هكذا، سحر مصوغ كما تأمر. يزيد قدرتك على تشكيل مهاراتك وسماتك بدرجة طفيفة. يمكنك زيادة تكلفة مهارة ما لزيادة سيطرتك على شكلها وهندستها. المحاذاة: الأركان. التكلفة: لا توجد. المدة: كامنة. التحديث: لا توجد.

* * *

لقد شكلت مهاراتك مراراً وتكراراً. لقد صُغت حرمك الداخلي. السيطرة مُفعّلة

* * *

* * *

الخصائص المكتسبة +٣ غير محاذاة

* * *

كاد فريتز يصرخ. ليس من ألم ذراعه المستمرّ. لا، بل كان سيكون صراخاً من الابتهاج المحبط. وجد بين خياراته حسّين أرادهما باستماتة ومهارة كامنة أخرى يمكنها تعزيز مهاراته بشكل خطير. قرر الابتعاد عن المشتت المروع لذراعه المحترقة وخرج طائراً من حرمه.

استيقظ على العالم الحقيقيّ ثم مسح العرق المتجمّع على جبينه ورأى سيد وبيرت ينظران إليه بقلق.

لهث فريتز: "ماذا؟"

وجد نفسه مقطوع النفس بغرابة.

قالت سيد: "كنت تئنّ. كأنك تتألّم."

صحح بيرت: "تتأوه. كأن الأمر يعجبك."

سخر فريتز من تعليق بيرت.

احتجت سيد وهي ترمق بيرت بنظرة حادة: "لم يبدُ البتة وكأنه يعجبه."

سأل بيرت بإزعاج رافعاً حاجبه بإيحاء: "وكيف لك أن تعرفي ذلك؟ أكنتما تتسللان معاً سراً؟"

قالت سيد ببرود: "لا. نحن أعقل من ذلك."

تأوّه فريتز، بسبب ومضة سرت في ذراعه، وليس البتة بسبب قسوة نبرتها. نظر إليه بيرت متعاطفاً وهزّ كتفيه.

تدخل فريتز قبل أن يُقال المزيد في هذا الاتجاه من الاستفسار: "المهارات؟ بيرت، أنت أولاً."

وأضاف عندما لم يتطوّع أحد بالسرعة الكافية.

قال بيرت بابتسامة متلهفة: "حسناً، نلت خيار التكيّف المآكل، والعظام الصلبة، والحضور الاستفزازي."

"حسنا، أظنني أعرف أي واحدة اخترت سلفا"، قال فريتز.

"الحضور المستفز، تلك التي تجعلك أكثر إزعاجا، بلا شك."

قطب بيرت حاجبيه متظاهرا بالغضب.

"لم أختر بعد!"

تظاهر فريتز بأنه مصدوم حتى النخاع، وحدق في صديقه مذهولا على نحو زائف.

"وهي لا تجعلني أكثر إزعاجا"، أوضح بيرت.

"حسنا... في الواقع... تفعل، لكن للأعداء وحدهم... على الأرجح"، استدرك بابتسامة عريضة.

"وماذا تفعل الاثنتان الأخريان؟"

سأل سيد.

"أفترض أن العظام الصلبة تشرح نفسها بنفسها"، علق فريتز، متخليا بسرعة عن تمثيله.

"آه، أجل. العظام الصلبة تجعل عظامي أصلب. لا فائدة منها لي، فعظامي تلتئم من تلقاء نفسها أصلا"، قال بيرت.

"ليست بلا فائدة"، قال سيد.

"ستنفق قدرة تحمّل أقل على ترميم عظامك."

"وفوق ذلك، ستصبح قبضتاك أشد فتكا من دون أن تتحطما. ناهيك بأن عظامك لن تنكسر طوال الوقت، وهذا يعني ألما أقل بكثير، على الأرجح"، قال فريتز، وقد بدأ نفاد صبره يظهر بوضوح.

"همم، لم أفكر في أن العظام الصلبة ستتيح لي لكم الأشياء بقوة أكبر"، قال بيرت متأملا.

"لكنني ما زلت أميل إلى التكيف مع المواد الأكالة."

"وما هذه القدرة ذات الجرس المتناغم الرائع، إن سمحت لي بالسؤال؟"

سأل فريتز.

"إنها شبيهة نوعا ما بمقاومة الحمض. لكنها ليست كذلك"، أوضح بيرت من دون أن يوضح شيئا.

"هل تود أن تستفيض؟"

اقترح فريتز.

"ليس حقا"، أجاب بيرت.

تنهد فريتز. كان انتزاع أي معلومة من بيرت أشبه بخلع الأسنان أحيانا.

وافترض أن الأمر يتعلق بنزعة "لا تتحدث عن ذلك"

التي يتحلى بها كثير من اللصوص والبلطجية وسائر الخارجين عن القانون، إذ كانت السرية وإمكانية إنكار المعرفة توفران الأمان. لكنه كان يجد التعامل معها محبطا حين لا يكون لها ما يبررها، كما يحدث هنا والآن في السبير.

"دعني أصوغها من جديد. أرجوك أن تستفيض، يا بيرت"، توسّل فريتز، محاولا ألا يظهر انزعاجه، لأن ذلك لن يفعل سوى تشجيع الأحمق على مزيد من التكتم، لمجرد إثارة غيظه.

"بما أنك طلبت بأدب، فسأفعل"، قال بيرت بزهو.

"لحظة واحدة، سأذهب لأقرأها من جديد."

غاص في حرمه، فهز فريتز رأسه وقال لسيد، التي ظلت تنظر بتفكير: "إنه متكتم دائما بشأن أغرب الأمور."

"ربما لأنني هنا"، قالت سيد، كأن الموضوع لا يعنيها.

"كلا، بيرت يثق بك. أستطيع أن أرى ذلك. وأنا أثق بك أيضا، بالمناسبة. لقد أثبت أنك جديرة بهذه الثقة في كل خطوة قطعتها معنا. أكثر بكثير من الآخرين في جماعتنا. أظن أنه يتعمد التكتم فحسب ليزعجني. وهو ينجح في ذلك، بالمناسبة"، تمتم فريتز بفتور، محاولا أن يفرغ شيئا من ضغائنه الثقيلة.

ألقت سيد نظرة إلى فريتز، وقد غطى ملامحها تعبير متأمل يستحيل قراءته.

كانت على وشك الكلام، لكن بيرت خرج من حرمه فجأة وقال: "تزيد مقاومة المواد الأكالة بدرجة طفيفة. وتزيد مقاومة المواد الأكالة التي سبق أن أصبت بها بدرجة طفيفة إضافية."

ثم انتظر رد فعل فريتز وسيد على ترديده الذي بدا كأنه نقل الكلام حرفيا.

"إذن هي مقاومة للحمض أو للمواد الأكالة، لكنها تكون أفضل ضد الحمض الذي سبق أن أذابك؟"

سأل فريتز.

"قد تكون مفيدة لرذاذك الأكّال، لكن يمكن تطوير القدرات بحيث لا تؤذي مستخدمها"، قالت سيد.

"سمعت عن عنصر نار طوّر كرة ناره حتى لا تحرقه."

"آه، نعم. لكن هناك سطرا آخر: يمكن زيادة المقاومة بالتعرض المتكرر"، أعلن بيرت بفخر.

رفعت سيد حاجبيها. وبدا أنها أعجبت بها فعلا.

"قوية جدا."

"قدرة مميزة حقا"، قال فريتز مفكرا.

"في النهاية، ستصبح محصنا ضد حمضك أنت، من دون أن تضطر إلى تطوير رذاذك الأكّال. فعالة جدا... ومؤلمة على الأرجح."

"يبدو أن هذا هو خلاصة الأمر"، قال بيرت مبتسما.

"فأي واحدة أختار؟ الحضور المستفز، لإبقاء انتباه الأعداء منصبا علي؟ عظام أصلب للكم؟ أم الأخيرة، والأفضل بلا شك، التكيف مع المواد الأكالة؟"

فكر فريتز في المعضلة لحظات، ثم وجد نفسه يتبنى طريقة بيرت في التفكير بسهولة. كان تقديره أن التكيف مع المواد الأكالة والعظام الصلبة متعادلان تقريبا، فكلاهما يملك أوجه تآزر وتطورات مثيرة للاهتمام. كان سيختار العظام، لكنه عرف أن بيرت سيختار التكيف. كان ذلك من طبعه تماما.

"اتبع ما يقوله قلبك"، قال فريتز بلهجة مسرحية.

سخرت سيد وقالت: "اختر التكيف. سيكون من الجيد ألا نقلق عليك وأنت تذيب نفسك بعد الآن."

"يسعدني أنك تقلقين علي. لكن لا داعي لذلك، فقد اخترت التكيف مع المواد الأكالة بالفعل! كان هذا اختبارا!"

أعلن بيرت.

أن فريتز، وقد فاض إحباطه وانزعاجه، وقال: "اختبارا لماذا؟ اختبارا لنعرف إن كنا بلهاء بالقدر الكارثي الذي أنت عليه؟"

"بالضبط! وقد نجحتما معا!"

ضحك بيرت.

لم يستطع فريتز منع نفسه من الابتسام أمام تصرفات صديقه، ثم التفت إلى سيد، التي كانت تجلس هناك وتهز رأسها وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة.

"وأنت؟ ما الخيارات التي حصلت عليها؟"

سأل فريتز.

نظرت إليه وكانت على وشك الكلام، لكن بيرت قاطعها قائلا: "أوه، لا. سيد تختار دائما الثانية! ينبغي أن يختار فريتز الآن، حتى يكون الأمر منصفا."

قطب فريتز حاجبيه، ثم هز كتفيه، مفترضا ألا بأس في أن يأتي دوره الآن.

"حسنا، أظنني بحاجة إلى بعض النصيحة."