غضب "سبير" الفصل 42

اقرأ غضب "سبير" الفصل 42 باللغة العربية على مانجا تايم.

صعد فريتز الدرجات الحجريّة بلون غيوم العاصفة متسلّلاً. توقّف وأصخ السمع ليطمئنّ إلى عدم تعرّضه لكمين فور خروجه من السلّم مجدّداً. لم يسمع شيئاً سوى أنفاسه وأنفاس رفقائه المتحمسة ووقع خطوات خفيفاً على الحجر. تقدّم في الخفاء بأقصى ما يستطيع. لكنّه حين ركّز انتباهه على صوت حذائه أدرك أنّه ليس هادئاً بالقدر الذي يرجوه.

حدّث نفسه ناظراً إلى سطح حذائه المتقشّر والمشقّق: "سأضطرّ إلى صنع زوج جديد بلين يفوق هذا الجلد القاسي".

برز في ممرّ مستقيم وضيّق مبنيّ من الحجر السلس ذاته الذي كسا الدرجات. كان مظلماً بل شديد الظلمة. وضع نصله السمكيّ جانباً وأخرج حجر توهّجه الكهرمانيّ من جيب في جانب حقيبته. اطمأن إلى وجود الضوء ليرى ما يصنعه، فأدخل نصله السمكيّ في العروة العلويّة للحقيبة وأحكم تثبيته بشدّ الأشرطة والأبازيم العمليّة.

أمسك بحجر التوهّج أمامَه بيده السليمة. سمح لضياءه المتموّج بملء الممرّ المستطيل فبدت الجدران كطين سميك تعجّ ثعابينه الملتوية تحت السطح مباشرة. انتاب فريتز دوار مفاجئ. استند إلى الجدار وثبت وتنفّس ببطء حتّى خفّ عنه الدوران.

"لست بصحّة جيدة كما ظننت. أهذه الصدمة التي تلقّيتها في رأسي أم مسّ النار السماوية هو ما تركني بهذا الوهن؟ أتمنى ألا أضطرّ للقتال كثيراً في هذه الحال".

قال هذا لنفسه وهو يثبت وقفته ويمضي قدماً إذ كان طريقه إلى الخلف مسدوداً.

ما إن مضى أقلّ من عشر ثوانٍ في سيره حتّى عثر على تقاطع. توقّف متربّصاً بحثاً عن أي خطر أو فخاخ. خاب ظنّه مجدّداً إذ لم يرَ شيئاً ولم يسمع شيئاً. صفّر لبيرت وسيد ليتبَعاه ففعلا. تقدّما نحو جانبيه بخطوات بطيئة وثابتة.

سألت سيد بصوت همس وهي تُطيل النظر في كلّ ممرّ متفرّع: "إلى أين؟".

أجاب فريتز بصوت خافت: "لسْت متأكّداً بعد. انتابني دوار طفيف قبل قليل لذا رأيت من الأفضل أن تكونا إلى جانبي بينما أُعمل حاسّة الأبواب".

أصدرت سيد همهمة موافقة وأومأ بيرت برأسه وهو يختلس النظر من إحدى الزوايا.

مدّد فريتز حواسه باحثاً عن الطريق الصحيح للمضيّ قدماً. بدا الحجر زلقاً ومحاطاً بالغموض. كأنّ مهاراته تقاومها سحر الجدران المبهم وتصميمها. لم يتلقَّ أي انطباعات من حسّ الأبواب سوى طنين خافت لحسّ الفخاخ ينبعث من الممرّين الأيمن والأيسر.

أبلغهم فريتز: "لا أكرة أين يقع السلّم لكنّ الممرّين الأيمن والأيسر مفخخان".

سأل بيرت: "إذن نتقدم إلى الأمام؟".

قال فريتز: "ربما. ما رأيك يا سيد؟".

أجابت سيد بفظاظة: "أنت الكشاف يا فريتز. قرر أنت".

هتف فريتز: "لا مخاطرة بلا داعٍ".

ثم قادهما إلى الأمام.

ساروا في صمت لدقائق معدودة حتّى انتهى الممرّ بجدار مسطّح من حجر غيوم العاصفة.

قال بيرت بتقزّز: "تباً. طريق مسدود لعين. أكره هذا المتاهة".

سأل فريتز: "نحن هنا منذ أقلّ من خمس دقائق وتكرهها بالفعل؟".

أجاب بيرت بلا إسهاب: "أجل".

استدار فريتز ليقودهما في طريق العودة ثم سلك بهما الممرّ الأيسر حريصاً على ترصّد الفخاخ المحتملة في الممرّ. سدد نظراته نحو الأرض إلى أن اشتدّ فجأة طنين حسّ الفخاخ لديه فرفع بصره نحو السقف.

نُقشت على الحجر الأملس علامة رمزيّ أو تعويذة رونية. رأى فريتز سحراً مشابهاً على الصناديق وصناديق الحلي وما شابهها. مقارنة بالرموز المعقدة التي صادفها في قصر اللورد وايستشيب بدت هذه التعويذة أقلّ تعقيداً. افترض أنّها ربما تكون حراسة أبسط أو ما شابه ذلك فأشار إلى الفخ لرفقائه.

سألت سيد: "ماذا تفعل؟".

أجاب فريتز دون تفكير: "ليس لدي أدنى فكرة. ربما تصعقك بصاعقة برق أو تستدعي أرواح البرق".

همهمت سيد موافقة.

استفسر بيرت: "لماذا البرق يا فريتز؟".

فكّر فريتز: لماذا حقاً؟ افترض فحسب أنّ الرموز تبدو كصواعق مستعدة للضرب.

تهرّب فريتز وهو يحدّق بتمعّن في دائرة الرونات: "ألا تشبه إلى حد ما صاعقة تنتظر القفز من غيمة عاصفة؟".

شاركه الاثنان في التحديق لكنّ بيرت اكتفى بهزّ كتفيه وابتسم ببلادة بينما نظرت سيد إلى فريتز بنظرة يملؤها القلق على عقله. أدرك عبث ذلك فهو عاقل كأي شخص بل أعقلهم حقاً.

كبح ضحكة تطمين ذاتي وتابع: "حسناً، لا يهمّ حقاً. أعتقد أن بمقدورنا المرور إذا ألصقنا ظهورنا بالجدران وانزلقنا على الحواف".

فعلا ذلك فتجاوزا الفخ الأول بسهولة. كان الفخ التالي علامة مطابقة حُفرت هذه المرة على الجدار في مستوى الرأس ممّا فرض عليهما الانحناء لتجاوزه. قد يرتفع صعوب رؤيتها في ضوء حجر التوهّج الغريب وتستحيل رؤيتها في الظلام لذا اعتمد فريتز على حِسّ الفخاخ بأقصى جرأة ممكنة. لحسن الحظ، بدت نوبات الدوار والدوخة خلفه الآن.

مرّت دقائق أخرى ومضت رموز أخرى تختلف مواقعها على الجدران والسقف والأرضيات.

تذمّر بيرت: "هذا ممل. لدي رغبة جامحة في تفعيل أحد هذه الأشياء لمجرد رؤية شيء مثير يحدث".

ردّ عليه فريتز: "لديك نصف عقل طوال الوقت يا بيرت. لكنّك محقّ هذا ممل للغاية".

أطلق بيرت تنهيدة مبالغاً فيها ومضى يجرّ خطاه متجاوزاً الفخ التالي بانحناءة رشيدة.

سخِرت سيد: "أنتما مجنونان، أفضّل المملّ على الخطر في أيّ يوم".

قال بير بتهكمة فلسفيّة: "آه، ولكن هل تفتدين المملّ بالخطر في كلّ يوم؟"

قطّبت جبينها في وجهه: "نعم".

قال بير متوجّعاً لمستقبلها: "آه، يا فريتز، لا مغامرة في هذه الفتاة. إنّها عالمة منزويلة في البيت بالفطرة".

عبس سيد لهذه النبوءة.

عاضت: "لست كذلك. ما أنويه هو تسلّق كلّ الأبراج في مدينة المطر واستخدام تلك القوة لاصطياد وتصفية كلّ الحثالة في الأزقة".

قال بير، محولاً نظره عن حدقة عينها الحارقة: "آه، غاية نبيلة".

بصقت سيد.

قال فريتز بحذر: "أتعنين بالحثالة أمثالنا؟ اللصوص والبلطجيّة؟"

أجابت بصوت بارد كأنّها استعارته من العاصفة الثلجيّة: "أنت تعلم من أعني. حثالة كمراثي استيف الذين بقوا خلفهم لإيذاء في ولين ونومي".

توجّه بير بملامح وجهه الممتعضة، وانضمّ إليه فريتز قائلاً: "حسنًا، إن احتجتِ يوماً لمساعدة في ذلك، فسأمدّ لك يد العون. يدي السليمة بالطبع".

أومأ بير وأضاف بنبرة مظلمة: "قبضتاي قادرتان على قتل الوحوش بمختلف أنواعها، سأعيرهما لك أيضاً".

بدت سيد وكأنّها تُقلّب الأمر في رأسها، إذ ذاب معظم صقيعها وأهجست بشيء سيّد لم يكن سوى قبول أو مجرد إقرار بعرضهما. لم يكن عرضاً صعب التقديم في نظر فريتز، ليس بعد الآن، لا سيّما بعدما امتلك بعض القوة لحماية الآخرين. لن يضطر لتحويل نظره بعيداً بعد اليوم، وبإمكانه الآن وضع حدّ لأي إهانات تقع أمامه. ولّت أيّام التقوقع في الظلال.

مجرد تخيله لنفسه كنوع من الأبطال بالنسبة لأحدهم رفع معنوياته إلى حدّ ما، حتى لو أدرك أنّه ليس أكثر من أحلام يقظة خيالية. ماذا لو واجه شخصاً مثل جاغد نيك أو قرش الليل؟ لم يكن يعلم حقّاً مدى قوتهما بعد، وحتّى مجرد التفكير في اكتشاف ذلك جعل أمعاءه تضطرب وساقاه ترتجفان. الدوار لا غير، هكذا كذب على نفسه.

كان فريتز لا يزال غارقاً في تخيلاته المظلمة لكنّه استطاع التقاط فخّ آخر إلى يساره بجهد يسير. غير أنّه لم تكن هناك أيّ نقشة محفورة على الجدار البتّة، ولم يكن الوخز طنيناً لحسّ الأفخاخ بل كان طنيناً لحسّ الأبواب، فرق طفيف لكنّه لا يُخطأ في الإقاع وقد كاد يفوته بسبب تشتّت انتباهه. قفز قلبه فرحاً.

تساءل فريتز: "يا ترى ما الذي يختبئ خلف هذا الباب الخفيّ؟ مخرج؟ كنز؟ جنيات مرة أخرى؟"

أشار لرفاقه بالتوقف وتمعّن في الجدار الأملس تماماً باحثاً عن أيّ مقابض أو آليات أو فواصل مثبّتة في الحجر. لم تكن هناك دلائل واضحة ولا سبل لفتح الباب الذي تيقّن من وجوده بفضل حسّ الأبواب الملحّ. وضع فريتز حجر الضياء جانباً ثمّ سلّ خنجره من حزامه ونقر به على الجدار مختبراً صلابته. ولدهشته، انزلق نصل العظم في الحجر كأنّه غير موجود.

إذ لم يلمس أي مقاومة دفع بخنجره إلى عمق أكبر، سامحاً ليديه بالكامل حتى معصميه بالتوارى خلف الجدار الوهميّ إلى أن اصطدم بخفة نوع من المعدن.

قال متمتماً مع نفسه غالباً: "جدار وهميّ؟"

قال بير وهو يسدد لكمة اخترقت الجدار: "يبدو كذلك. يا له من أمر".

علق فريتز عرضاً: "إن ظننت هذا مثيراً فكان عليك أن ترى باب الجنيات. كان غريباً كسماء خالية من الغيوم. مع أنّنا رأينا زوجاً منها على ما أظن الآن".

قال بير متنهداً: "تمنّيت لو أمكنني لقاء الجنيات. خصوصاً تلك المفتولة العضلات، بدت وكأنّها من طينتي".

قالت سيد: "هذا جنون. إن وُجدت الجنيات ولم تكن مجرد خدعة من البرج. فهنّ وحوش ومجنونات. هكذا تقول كلّ الحكايات. ما هي تلك القافية عن عدم التورّط في لعنة جنيّة؟"

سألت وهي تلتفت نحو فريتز.

"حين تلتقيان، عليك التحية، ولا تنبس ببنت شفة، ولا تعامل البتّة".

أنشد بتبرّم، شعوراً بقليل من الخزي لأنّه خالف تماماً الحكمة المتعارف عليها والتي قد تُلقّن حتى للطفل. حدس أنّ في ذلك دلالة على المأساة والرهبة اللتين بمقدورهما فرضه دون هوادة؛ حتّى إنّ القوافي والحكايات ظلت متوارثة لقرون بلا تواصل. لكنّه وجد نفسه عالقاً بين المحيط والعاصفة، مع نزف بير وتعرّضه للّعنة وما إلى ذلك.

أومأت سيد موافقة: "نعم تلك هي. كان خياراً أحمق".

قال فريتز بجدية، سامحاً للغضب بأن يُدفئ كلماته دون قصد: "كان ذلك إما موت بير أو سواه. لقد اخترت ما اخترت، وسأختار ذات الشيء مجدداً".

رمشت سيد أمام فوران غضبه، ثمّ بدا وكأنّها تراجع ما تفوهت به. شعر فريتز ببعض الذنب لأنّه عنّفها لكنّه لن يقبل بأن يقال عنه أحمق لمجرد أنّه أنقذ حياة أعزّ أصدقائه. لذا رمقها بنظرة محتقنة بالعبوس. ردّت له النظرة بحدة، رافضة سحب كلامها.

تشابكت نظراتهما لما بدا دقيقة كاملة.

قال بير: "حسبكما. يا فريتز، أنا مسرور للغاية لأنّك فعلت ما فعلت. لكن عليك الاعتراف بذلك، لقد كان حمقاً".

تنهّد فريتز، ملقياً بغضبه خلف ظهره وقال بنبرة هادئة: "ربّما يتوجّب عليّ الاعتياد على الحمق إذن".

قال بير مبتسماً: "ألم تكن معتاداً عليه من قبل؟ لكنّك حظيت بالكثير من الممارسة. والآن أيمكننا التوقف عن الجدال واجتياز الجدار غير الحقيقيّ؟ أشعر برغبة في اللكم".

ابتسم فريتز وترك بقية غضبه الطائش يتلاشى تماماً. كان بير، ومن ورائه سيد، على حقّ، لقد كان قراراً يائساً والدفاع عنه لم يكن سوى كبرياء عنيد يضلله. الأفضل قبول الأمر والمضي قدماً، تماماً كالكثير من أخطائه.

أعاد خنجره ودسّ يده في السراب فلامست غطاء معدنياً بارداً. دفع فلم يتحرّك. تلمّس في الظلام ههنا وههنا، ثم استعان بإدراكه وحسّ الأبواب لتدلّه على مقبض أملس بارد. جذبه لأسفل فانطبع صوت صرير خفيف أتاح له دفع الغطاء بفتحته صامتة كأنّ مفصلاتها دُهنت للتوّ.

أشار فريتز إلى رفيقيه بالبقاء ريثما يستكشف هو الممرّ أمامه فأومآ موافقين. ظلّ سيد عاقداً حاجبيه نحوه بينما تمم بيرت بكلام عن حاجة لشجار قبضات قوي. تركهم خلفه منزلقاً عبر الجدار الوهمي ومن الفتحة المشرعة إلى الممرّ الخفي.

تنهّد مسروراً لابتعاده عن نظرات سيد الآن، فمنذ العاصفة وهناك جفاء خفيف لا يبدو أنّ حضور بيرت نفسه يفلح في تبديده. لا تلتفت للمشتتات! كفّ عن التوجّع! أنت في صرح يا هذا، فتصرف كأنك فيه! وبّخ نفسه.

رفع حجر الضياء متفرّساً في أعماق الممرّ المظلم فلا يرى سوى المزيد من الرواق الخالٍ من النور. مرّت ثوانٍ وشعر بحسّ الأبواب يتغيّر نغمته ويتلاشى من خلفه. استدار فريتز ليرى الجدار الوهمي ما زال قائماً، ومحاراً حاول مدّ يده عبره فإذا بالحجر الذي كان طيفاً محضاً صار صخراً صلباً.

لعن قائلاً: "تبّاً للصرح!"

ونقر حجر الضياء به بلا جدوى.

بدأ الضباب يتسلّل إلى الممرّ، طافياً من ثقوب دقيقة في الزوايا بين السقف والجدران. فخّ غازيّ؟ لمَ لم ينذرني حسّ الفخاخ؟ غطّى فريتز فمه بذراعه وطفِق يبحث بيأس عن مخرج. استطاع المضيّ في الممرّ الممتلئ ببطء بالضباب لكنّه أحسّ بأنّ الأمر لا طائل منه، فحسّ الفخاخ لديه ينذره بأنّ الرواق برمّته خطر داهم.

يبدو أنني عالق في هذا السجن الحجريّ... أم لست كذلك. تنهّد بغضب. لمَ أنسى قدراتي على الدوام؟ حفرة الصخر ينبغي أن تكون أول ما يخطر ببالي متى وُجد الحجر والتراب.

أمسك فريتز بالقوة في جوفه، مستምداً ضوء حفرة الصخر ومستعيناً بها لصنع فجوة، واحتجّ لأن تكون واسعة بعرض كتفَيه على الأقلّ فأضاف تلك الصورة إلى تشكيله للتعويذة. بدا الأمر أيسر من ذي قبل حين سوّى ثلاث نقاط إضافية للتحكّم، غير أنّ توسيع الصخر ولو قليلاً مع جعله أنحف بعض الشيء ظلّ أمراً عسيراً.

تزحزح الصخر حين قبضت قوّته على هيكله مخلفة حفرة بعمق قدم. لم يكن الجدار ليعدو خمسة أقدام عمقاً فضربه بالتعويذة مجدداً، ثم مرة أخرى. كان يلهث لكنّه استطاع الآن رؤية حدود الغطاء مما يعني أنّه بلغ المنتصف على الأقلّ.

بدا أنّ التحكم لا يضاعف المساحة المغطاة حقّاً بل يتيح له تشكيل أبعادها، أطول، أقصر، أوسع، أنحف، كل ذلك مع الاحتفاظ بالمقدار ذاته من الفضاء. تيقّن من وجود مصطلح رياضيّ لذلك، شيء يحشوه معلّم التسلق في رأسك، لكنّ حظّه العاثر جرّده من ذلك كما جُرّد من أشياء كثيرة سواها.

ألقى تعويذة حفرة الصخر مجدداً وجلس مثقلاً حين عجزت ساقاه عن حمله. تهيأ لإلقاء حفرة صخرية أخرى لفتح الطريق أمام رفيقيه لكنّه استنشق بعض الضباب عرضاً وأحسّ برأسه يدور. أخذت جفونه تتدلى وداهمه النعاس. قيلولة قصيرة لن تضرّ، حدّث نفسه بينما استرخى كتفاه. شرع يستلقي ليحظى بلحظات من الراحة، ببضع دقائق مستحقة فحسب، أو ساعات، أو أيام، أو سنوات، أو قرون من النوم العذب.

لكنّ شيئاً ما أبقاه مستيقظاً. صوت ارتطام وأزيز. سمع صوتاً بعيداً مألوفاً له. بيرت! أه، بيرت يوقظني دوماً بصراخه وتقلّبه وضرباته المتواصلة على الجدران. سُمع دويّ وانقسام. ثم دويّ وانقسام آخر، فخترقت قبضة، قبضة بيرت، الصخر وتحطّمت ليتدفّق نور دوّار من الثغرة المحطمة حديثاً.

أطلق فريتز تثاؤبة هتاف، "أهلاً يا بيرت، مدّ لنا يد العون... أنا متعب للغاية وهذا الضباب سمّ على الأرجح."

نادَى بيرت عبر الثغرة مادّاً يده ليقبض عليها فريتز: "يا فريتز، كفّ عن الاستلقاء هناك وازحف أقرب. هيا، امسك بي، سأخرجك."

كابد فريتز عبر الضباب في الممرّ وفي ذهنه أيضاً. زحف للأمام ببطء مركزاً على يد بيرت الممتدة، وبلغها في النهاية فأمسك بها. كانت القبضة محكمة وجُذب عبر الثغرة بكليته. سرت قوة غريبة خلف ذراع بيرت نقلته من دون أن تنتزع ذراعه من مفصلها. بدا الأمر طافياً بعض الشيء وكأنّ وزن العالم رُفع للحظة. أغرق عينيه في طغيان الخفة.

ذكّره ذلك بحين ضربته الشفرة المسننة، باستثناء الألم المتبقي في أضلاعه من اللكمة الأسرع من أن تُرَى. ثم عاد الوزن وهزّ شيء ما عقل فريتز المترب. أدرك أنّ أحداً يصفعه بلطف. انبعث صوت همهمة منخفض تشكّل ببطء ليصير كلمات.

"فريتز، استيقظ."

المزيد من الصفعات.

رفرف فريتز بعينيه ليحدّق في بيرت العبوس وسيد القلقة الواقفة خلف رفيقه أصفر الشعر.

تمتم فريتز بوهن: "هل متّ؟"

تنهّدت سيد بارتياح لا بسخطها المعهود وابتسم بيرت باتساع قائلاً: "سيكون بخير."

علّقت سيد الآن وقد زال أيّ شكّ في تعافي فريتز: "لا أصدق أن فخّاً أوقعه، ظننت أن حسّ الفخاخ لديه يمنع تلك الأمور."

غنّى فريتز بحالميّة: "أه، يا سيد. سريعة، ماكرة، عين الياقوت، كالصافصاف، تبلغ الملكوت. رصينة وقوية، مباركة وأشقر الشعر. أحتاج المزيد من الدفء، الذي تشاركناه لفترة."

التفت بيرت ليترقب ردّ فعل سيد مبتسماً بجنون من فرط المرح.

بدا سيد عاجزاً عن الكلام، واقعاً بين السخرية والحرج. ألنفسه أم لفريتز لم يددر. عبست في وجه ابتسامة بير المتهكمة ورفعت وشاحها، متمتمة بكلام عجز فريتز عن التقاطه وسط ذهوله. أخيراً اخترق سؤالها السابق تشوّشه. لماذا أخفق استشعار الأفخاخ؟ سأل نفسه السؤال ذاته. ظنّ أنه عمل السبر، فاستخدام غاز غير مميت وإخفاء الفخ خلف استشعار الأبواب ربما قلل قدرة مهارته على رصد الفخ في الوقت المناسب.

كانت الطابق الثامن أيضاً، وتزداد الأمور صعوبة وخطورة كلما صعدت أكثر. قد تُحجب الأفخاخ والوحوش ومخاطر أخرى عن الاستشعارات، وهو يعرف ذلك من حكايات أبيه عن السبر. لكنه لم يتوقع ذلك بهذه السرعة. ومع معرفته بالسبر، رجّح أنه مزيج من تلك التمويهات كلها وأكثر، صُمم خصيصاً لإزعاجه أو إزعاج أيّ استكشافي كفء.

بعد لحظات من التأمل، حادّ بصره وتوقفت أصوات الطنين. عاد العالم نقياً وواضحاً وانطلقت أفكاره بحرية من جديد.

قال فريتز حين اتضح كل شيء: "أوه. آسف، رفاقي. بدا أنني وقعت في هذيان صغير هناك. لم أقل شيئاً غبياً أليس كذلك؟"

قال بير بابتسامة خبيثة: "ليس أكثر من المعتاد. مجرد قطرات من روح الشاعر تلك تتسرب."

كشر فريتز وتأوّه متذكراً ما قد يكون قاله، فمنرجح أنه كان شعراً شديد الإحراج، أو أسوأ؛ ربما كان رديئاً. عرف أنه يخص سيد فانقبضت أحشاؤه ببرودة.

خاطف نظرة إلى وجهها المغطى بالصوف، متوقعاً نظرة غاضبة، فوجدها لا تنظر إليه البطل قط. بل كانت مركزة باهتمام على الكوة التي لم تعد مخفية بوجة عابس ومحمرّ قتيلاً. أهكذا إذن، مجرد إحراج لا غضب، هذا جيد على الأقل.

قالت بصوت خشن وعميق، مكتوم قليلاً بوشاحها: "أظن أنني أستطيع إزالة الضباب بضربة الريح والسهام."

قال بير وما زال يبتسم: "فكرة جيدة."

نهض فريتز مترنحاً، واهتز العالم لبرهة ثم استقر في وضعه الطبيعي، حسناً بالقدر الطبيعي الذي تسمح به حواسه الحادة.

قال فريتز: "آسف لوقوعي في تلك الخديعة. لقد أوقعني السبر فعلاً، سأضطر لتكون أكثر حرصاً. يبدو أنني لا أستطيع الاعتماد على استشعار الأفخاخ أو استشعار الأبواب طوال الوقت. حسناً، ليس حتى أطورها بضع مرات."

قال بير: "لا ضرر ولا ضرار."

أومأ سيد، مقبلةً تفسيره لكنها تفادت التقاط عينيه. وضعت سهماً مصطنعاً، وثنت قوسها والهواء من حولها ثم أطلقته عبر الكوة. تفقد فريتز الفتحة ورأى الضباب وكأنه يغوص نحو الأرض مغطيا إياها كبساط من السحاب. عبر السهم ضباب السحاب مشتتاً القسم الأكبر من الضباب. لسوء الحظ، فإن الضباب الذي شتته سيد بضربة الريح سقط مجدداً على الأرض ليلتحم بالضباب الكثيف.

قال فريتز: "همم. أظن أن علينا عبوره فحسب، الغاز أثقل من الهواء لذا طالما لم نثير الكثير منه سنكون بخير."

أضاف بير: "وإن أثرناه كثيراً فستكون قيلولة مستحقة."

تمتمت سيد: "إذا استيقظت أصلاً."

كرر بير: "قيلولة مستحقة."

ضحك فريتز وتلعثمت شفتا سيد لتكاد تبتسم.

سأل سيد: "لمَ النزول من تلك الطريق؟"

رد فريتز بحكمة: "كان مفخخاً. لابد أنه مفخخ لسبب ما أليس كذلك؟ كنز أو سلم. في كلتا الحالتين، يستحق الأمر المخاطرة على الأرجح. لنذهب فرداً فرداً لكيلا نثير ضباب النوم كثيراً."

أومأ سيد موافقاً وقال بير: "سأتبع شاعرنا الجاسوس إلى أي مكان يقودنا إليه."

انتعشت الروح ووخز الغرور بثقة بير، فانطلق فريتز متسلقاً الكوة ومتحركاً بأكبر قدر ممكن من الرشاقة لكيلا يزعج الضباب المرتفع حتى الركبتين أكثر من اللزوم.

كان على بعد نحو دقيقة في الدهليز حين شعر بوخز مألوف، استشعار الأبواب يشير مباشرة إلى الأمام.

"أشعر باب في الأمام، نحن على المسار الصحيح."

بعد نحو ست دقائق من التقدم في الدهليز، لمح شيئاً في ضوء حجر توهجه، قوساً محفوراً في حجر سحاب العاصفة ومجموعة من درجات الرخام الأخضر تصعد إلى الأعلى.

صرخ فريتز لطاقمه: "سلم!"، فتلقى هتافاً خشناً من سيد وصيحة فرح من بير.

كبح رغبته الملحة في التحرك بسرعة واستمر في التسلل قدماً، متعمداً ومتيقظاً لأي حيل أخيرة. وكان من حسن حظه أنه فعل ذلك فما إن صار على بعد عشرة أقدام من السلم الصاعد حتى شعر بطنين استشعار الأفخاخ تماماً حيث كان على وشك وضع قدمه. ليس جيداً بما يكفي ايها السبر، لن أقع في تلك، فكر متهكماً لنفسه.

لم يستطع رؤيته لكنه افترض وجود نقش آخر مخفف تحت الضباب الدوار لذا انزلق حوله، ثم انتظر اقتراب طاقمه ليشير إلى الخطر. صار الأمر سهلاً من هناك، عشرة أقدام إضافية وبضعة نقوش أخرى وقفت بينهم وبين السلم. انزلقوا حول الأفخاخ وتحتها وفوقها بصعوبة طفيفة وبلغوا السلم بأمان.

ابتسم بعضهم لبعض في لحظة انتصارهم وصعدوا الدرج ليطالبوا بخصائصهم ويروا ما يخبئه لهم الطابق التالي.