أسرع فريتز ورفاقه صعوداً في السلالم متلهّفين لخصائصهم التالية. دخلا الرخام الأخضر لغرفة البئر، وبدت هذه شبيهة بشكل ملفت بغابة الأعمدة الرخامية الخضراء والزرقاء في طابق الهبوط. مع أن أعمدة الحجر الأخضر هذه كانت نحيلة، أشبه بشباك العناكب منها بالأشجار، وكان الأزرق في جوفها يتوهج بنور خافت ينبض بإيقاع بطيء يكاد يشبه خفقان القلب.
بطبيعة الحال، تغاضيا عن طبيعة الغرفة الخيالية وبحثا عن البئر. وحين لمحا البركة الكبيرة من السائل الأزرق الأخضر المشعّ ركضا نحو حافتها وتجرعا الماء البارد ووعده المغري.
سرت القوة في فريتز، دائنة في مركزه وتتحول إلى نوره الخاص. وخز الوخز المؤلم في يده المخدرة لحظة ثم خف، عائدًا إلى نبضه الخافت. ظن أنه بات يوجع بأقل لكنه لم يكن متأكدًا، لعلّه اعتاد عليه فحسب.
استعد فريتز للهبوط في محرابه، موطناً نفسه على تفاقم الألم في ذراعه من جديد. جلس، أخذ أنفاسًا قليلة مهدئة وغطس إلى داخل النور البارد.
اشتعد الألم في يده التالفة من جديد، هائراً إلى عذاب جديد حين تحول الدبابيس والإبر إلى معادن منصهرة بينما ظلت توخز لحم ذراعه بأسره. تجمعت الدموع، لكنه استاب السيطرة على ردة فعله بعض الشيء ولم يصرخ. ضرب المطر صافرته وصرخت الريح من أجله.
مرتجفاً من رؤية ما لا يود لكنه بحاجة لمعرفته، نظر إلى أطرافه المحروقة متوقعاً رؤية الفرع الأسود المذبل بدل ذراعه. ما رآه لم يفاجئه تماماً لكنه كان منظراً مرحباً به، وإن بدا مقززاً. ظل جلد ذراعه وبعض البوصات تحته سوداء كاللحم المحترق، لكن الشقوق بينها باتت مفعمة بلحم أحمر جليّ ينز دماً داكنًا كثيفاً. بات بإمكانه رؤية العضل الخام الآن وصار قادراً على تحريك أصابعه بألم وبشكل مستقل عن بعضها.
يبدو سيئاً. لكنه أكمل بكثير مما كان عليه، دم أفضل من رماد، هكذا فكر بينما فحيح نفسه يخرج من بين أسنانه المطبقة. يبدو أن قوة السبر تعين في شفاء جراح المحراب كذلك.
حين انتهى من اختبار وفحص لحمه المحروق اقترب ثم وضع يده على لحاء الصفصاف الرمادي متأملاً ما يفعله بـ؛
* * *
الخصائص المكتسبة +3 غير مخصصة
* * *
ما الذي أريده؟ سأل نفسه. ما أريده هو الخروج من محرابي والابتعاد عن شعور لحم ذراعه المتفحم.
لا تخترع بعجلة، حدث نفسه بينما بدأ يعرق من شدة الألم.
حين تشك، فالوعي. أم لعلها الجلد مرة أخرى؟ بدأ يلهث.
أنشر النقاط؟ أبداً.
سوّى خصائصه الثلاث كلها لصالح الوعي. نما صفصافه أطول وامتدت أغصانه أبعد كأنها أيدي تمد لتلامس وتتفحص كل ما تستطيع لمسه.
غادر محرابه بأسرع ما استطاع، مسحوباً إلى سحب المطر ليجد نفسه جالساً قرب البركة المشعة في عرق بارد. كانت ذراعه لا تزال مخدرة وتؤلمه، لكنه بات قادراً على تحريكها بسهولة أكبر. أو هكذا لكان فعل لو لم تكن معلقة في حمالة.
ناقش فريتز نفسه فيما يجب فعله، أأحس أن يده أهبة لمهمة تسلق جدار منحدر؟ ربما. إشهار سلاح؟ إطلاقاً لا. تنهد باستسلام، مقرراً إبقاء الحمالة طابقاً آخر، للاحتياط فقط.
حين فرغ من قراره نظر إلى رفاقه، فوجدهم أمام المجموعة التالية من الأبواب مستعدين للتحرك ومتلهفين للصعود.
وقف وخطا نحوهم، كاد لا يقطب جبينه والتقط حديثهم ما إن انتبه.
أعلن بيرت: "كان مملاً لكنه كان سهلاً على الأقل".
أجاب سيد: "هذا أمر جيد".
"ربما بالنسبة لك أيها العالِم سيد. لكنني أتوق للمغامرة، لا للتجول في ممرات باهتة وبالكاد مفخخة".
علق فريتز بلطف: "أعلمك أنها كانت ممرات مفخخة للغاية يا بيرت. وكل رمز من تلك الرموز كان ليحرقك حتى يصير فحماً".
وأضاف وهو يحك الحراشف فوق حمالته.
رد بيرت بازدراء: "مستبعد، فأنا أملك جلداً صلباً".
رد فريتز: "بشكل أو باخر، لا أظن أن البرق يأبه للجلد الصلب بالطريقة ذاتها التي تفعلها الشفرات أو الأسيد".
صرح سيد: "فريتز محق".
قال فريتز متظاهراً بالقشعريرة طرباً: "آآه، موسيقى تطرب أذني".
عبس سيد في وجهه ثم تابع، "رغم طباعه. لقد وفر علينا فريتز الكثير من المتاعب حقاً. فحس الفخاخ وحده أنقذ حياتنا أكثر من مرة، ناهيك عن حس الأبواب لديه".
شاكسه فريتز: "يا الهول، لقد كان ذلك إطراءً تقريباً يا سيد. لعلني لا أزال أحلم".
أردف سيد محاولاً الجدية، لكن ابتسامة بدأت تتسلل إلى أحد جانبي شفتيه: "أنت تحلم. كانت تلك مجرد ملاحظة".
قال فريتز بتملك: "آه، أراك تستغلين كتاب تقنياتي أحسن استغلال".
ابتسمت لهذه الكلمات حقاً، قائلة: "القانون الأقدم".
حاول فريتز تبني نظرة منزعجة لكن ابتسامتها أوقف تهجمه تماماً.
ابتسم بالمقابل، وسأل: "متى يمكنني توقع استعادة كتابي؟".
راوغت: "لا أدري، ما إن أحفظه غيباً؟".
قال فريتز بفضول: "لم ترغبين في حفظ نص جاف كهذا؟"، لقد كان يعلم لم أراده هو إذ ظن أنه لا يزال يحتفظ بالعديد من الأسرار مخبأة في نصه المتقطع.
لكنه لم يدر لم قد يرغب سيد في حفظه.
اعترفت: "أريد أن أكون قادرة على تعليمه".
زلت بلسان بيرت: "لمن؟".
صحح له فريتز: "لمن".
عقد بيرت حاجبيه لكن سيد تابعت، "لمن أريد".
قال بيرت مقلداً لكنة فريتز الأرستقراطية بعض الشيء: "لمن شئت".
حسّ فريتز بالعبوس ففعل بكل حماس.
قالت سيد متجاهلة جدالهما: "أريد أن أكون قادرة على مساعدة اليتامى الآخرين وأطفال الشوارع المحتاجين. وأن أعدّهم لاحتمال وقوع ما حدث لنا إن تكرر معهم".
وأنهت كلامها بيأس قائلة: "امنحهم فرصة أكبر للنجاة كما تعلم".
قال بَرْت بوقار: "هذا هدف صالح آخر".
ثم تساءل عرضاً: "يا فريتز، هل وقعنا صدفة في طريق بطل؟"
قال فريتز بثبات: "أظن هذا يا أخي في القطيع".
وسأل: "أبذل قصارى جهدنا لمساعدتها في مهامها؟"
أعلن بَرْت: "كل شيء من أجل أخت في القطيع. سأكون رفيقها السند البربري".
سأل فريتز: "إن كنت أنت الرفيق السند وسيد هي البطلة فماذا أكون أنا إذن؟"
قالت سيد وبَرْت معاً وكأنهما خططا لذلك: "الأميرة".
أكمل بَرْت الحكاية: "المحبوسة في برج، والموعودة بالزواج منغدٍ قاس".
عبس فريتز وقال: "لست الأميرة! ربما أكون التابع، أو الكلب الوفي، أو... شيئاً آخر".
أعاد بَرْت التأكيد: "لا، لا. بالتأكيد الأميرة".
أضافت سيد مؤيدة صف بَرْت وقد رافقت ابتسامتها الساخرة ضحكته: "أنت الوحيد المولود نبيلًا يا فريتز".
قال بَرْت: "سيد البطلة ستتسلق البرج، وتقاتل خطيبك وتقتل أباك القاسي. ثم تأخذك معك إلى حياة مليئة بالمغامرات كما حلمت دائماً".
تجهم فريتز وقالت سيد: "لا أظنني سأقتل الملك. كما أنني لست متحمسة جداً لأخذ أميرة مدللة معي".
قال بَرْت بإصرار: "لا، هكذا يجب أن تكون الأمور. على البطل أن يقتل أب الأميرة، هكذا تسير كل الحكايات".
جادل فريتز معترضاً بعض الشيء على تصويره في هذه القصة الارتجالية: "لست مدللاً، أنا بنفس صلابة كلاكما".
منحاه نظرة شفقة فأطلق فريتز تذمراً متعجرفاً، وأدار وجهه عنهما بدراماتيكية ومشى بخطوات واسعة نحو الأبواب. لم يكن يعتبر نفسه قاسياً أو صلباً حقاً، لذا لم يزعجه سخريتهما المرحة على الإطلاق، لكنه فكر في أن يريهما كيف يتصرف النبيل الحقيقي.
ضحكا على فعله فابتسم في داخله.
لقد كان المزاج أفضل بكثير من الطابع السابق وتقبل هذا العبث، وأطلق زفيراً منزعجاً: "همف، أيها العامة!"
تخلف عنهما الأحمقان المترنحان واقترب فريتز من الأبواب الثلاثة المؤدية إلى الطابق التاسع، وهو يشعر بالبهجة والإثارة بينما يخشى الأهوال الجديدة التي قد يكتشفها.
كان الباب الليسري عبارة عن دائرة من الجذور المتشابكة الشاحبة التي تحيط ببركة جانبية من المياه الموحل. ولم تسل سطحية السائل المستنقعي من المدخل بل كانت تفور من حين لآخر، وبدو كأن هناك لوح زجاج مرن يفصله عن الماء. لقد شعر بالفعل بالاشمئزاز من الطابق الذي وراءه لكنه عزم على أن يكون دقيقاً في استطلاعه؛ فأصعى السمع لما يخبره به حسه البابوي: سحالي ضخمة، أزهاره سامة وطنين بحجم القبضة...
بعوض. لا. لقد قرر على الفور.
عبس فريتز في وجه الباب والتفت إلى رفيقيه، مشيراً إليه وقال: "باب المستنقع. بعوض بهذا الحجم".
فقبض يده السليمة وأشار إليها بإيماءة جانبية برأسه.
اختفت ابتسامة كل من سيد وبَرْت وهزا رأسيهما بقوة.
وقالا بصوت واحد: "لا".
لقد سرَّه أنهما اتفقا معه.
عبر فريتز إلى الباب التالي وتفحصه. ثقب دائري آخر، هذه المرة من حجر بلون الطين، خشن وغير مشكل. لم يكن التيار القادم من النفق الطبيعي المظلم بارداً ولا دافئاً، لكنه حمل رائحة لا يمكن نسيانها بمجرد تحملها. عفاريت. مد يده بحس الباب مؤكداً حدسه ومقدماً معرفة أكبر بأعدائه. لم تكن هذه العفاريت لا تحصى ولكن كان هناك الكثير منها، وبدو أن هناك المزيد من مقاتلي العفاريت الأقوياء وحتى حفنة من السحرة.
لقد انطببع في ذهنه شكل معسكر أو نوع من حصن متداع داخل الكهوف.
تعجب فريتز من سبب تلقيه لكل هذا القدر من المعلومات من هذا الباب. أكان ذلك لأنه حارب العفاريت من قبل في هذا الصرح؟ أم كان بسبب وعيه الجديد الذي بلغ خمسة عشر؟ أم ربما بسبب خبرته مع أشكال الجنيات الأخرى؟ لم يستطع الجزم لكن التفكير في ذلك لم يكن ليقوده إلى أي شيء مفيد، فقرر الاكتفاء بالشكر على حصوله على هذا الكم للعمل به.
التفت إلى الباب الأخير، المصنوع من فضة متدفقة ذات بريق مرآتي، وتأمل روعته، فبحث فيه عن أي شيء مفيد. تدفق الهواء من القوس بارداً وصافياً، وكانت رائحته كرائحة الفولاذ النقي وتحمل نغمات غريبة لموسيقى بعيدة. وكانت السلالم التي وراء الفتحة من حجر رمادي أملس ومصقول. شعر فريتز بحواسه وهو يسس بحثاً عن الخطر، فتكون لديه انطباع عن عقار مترامٍ الأطراف مع برك سريعة من سائل معدني وامض يتسلل فوق وتحت درزات الطوب الأملس للأرضية الحجرية.
لم يكن يعرف على وجه الدقة ما هو الخطير في هذه "الوحل السائل الزئبقي"
لكن الانطباعات التي جمعها جعلته متأكداً من أنها كذلك.
تراجع فريتز وأوجز لفريقه: "حصن عفاريت، والمزيد من المقاتلين والسحرة، ومن المرجح أنهم أفضل تنظيماً لذا سمي حصناً. أو ربما نوع من القصور مع أوحال معدنية غريبة تحرسها، أوه وهناك موسيقى خافتة".
قال بَرْت بينما تجاهل الجميع تماماً باب المستنقع حتى عندما أدرج غرغرة عالية: "حسناً، إنه اختيار صعب بين بابين".
وافق فريتز: "بالتأكيد".
قالت سيد: "الوحوش التي نعرفها أم تلك التي لا نعرفها".
قال فريتز: "حين تطرح الأمر هكذا فلا يوجد خيار كبير. ليست لدينا أي فكرة عما ستفعله الأوحال أو ما يمكن أن يؤذيها. لنثأر من العفاريت إذن".
أومأ سيد برأسه وهز بيرت كتفيه ثم أضاف: "ما دمت سأتمكن من لكم شيء، فلا بأس".
قال فريتز ببساطة: "هناك الكثير لنلكحه يا صاح، الكثير والكثير".
سأل سيد: "إذن، أجاهزون نحن؟".
هتف بيرت وفريتز معاً: "أجل".
تقدم فريتز الصف صاعداً في النفق الأوسط نحو الظلام.
ظن فريتز أن إدراك البصري سيساعده على الرؤية بشكل أفضل في هذا الضوء الخافت، غير أن الأمر لم يكن كذلك في هذه الكهوف الخالية من النور. كان الظلام دامساً لدرجة تعجز العين عن رؤية أي شيء، ومتى سيحصل على رؤية الليل أو مهارة شبيهة بها يا ترى؟ توقف فجأة فاصطدم به سيد وبيرت من الخلف بينما أخرج حجره المضيء.
التفت ليعبس في وجوههما ويؤنبهما حين سمع صوتاً يهدر من الأمام. استدار بسرعة نحو مصدر الصوت ليرلمح مجموعة من ستة غوبلان رماديي البشرة يلوحون له بسيوف قصيرة خشنة مصنوعة من بلورات صافية مسننة. كانوا يرتدون دروعاً مخوّطة بعضها ببعض من جلود رمادية ويمسكون بتروس مقببة مصنوعة من مادة شبيهة بالخشب المحفور تذكره بقلنسوة فطر عشبي. بدا وكأنهم كانوا يتقدمون في تشكيل قتالي تحطم فوراً ما إن رأى الغوبلان فريتز حتى انقضوا عليه.
لم تكن المسافة بين الوحوش وبينه سوى عشرين قدماً، لذا أدرك أنهم سيصلون إلى فريقه في لمح البصر.
كان النفق عريضاً بما يكفي ليقف فيه عشرة أشخاص جنباً إلى جنب، لكن بما أنهم كانوا ثلاثة فقط، كان عليهم الحذر من محاصرة الغوبلان المندفعين بسرعة. انطلق بيرت صارخاً من خلف فريتز ونثر حمضه الحارق، بينما كان سيد قد أوتّر قوسه بالفعل استعداداً لإطلاق سهم نحو أقرب غوبلان. أطلق المخلوقان اللذان أصابهما تدفق سائل بيرت الكاوي صرخات ألم حادة وأسقاطا ما كانا يمسكانه. أخذت المخلوقات التعيسة التي نالها الرذاذ تمسح لحمها المتقرح وتنزع جلدها المتآكل.
كان منظراً بشعاً.
أبعد فريتز نظره عن فظاعة الرذاذ الكاوي ليفعل ما بوسعه. قذف حجره المضيء مباشرة في وجه أحد الغوبلان فاصطدم بجمجمته وحطم أنفه البارز مما جعله يطلق صراخاً محملاً بالألم والغضب. استل خنجره من حزامه حين عصف سهم من جواره فاخترق ترس غوبلان ثم جذعه ليصيب غوبلان آخر من رماديي البشرة يقف خلفه.
استدعى حفرته الحجرية جاعلاً إياها ضيقة وعميقة قدر الإمكان، وغير معالم الأرض تحت قدمي عدو متقدم. وطأ الغوبلان الحفرة فتعثر وكاد ينغرس بسيفه البلوري. تخطى محارب آخر رفيقه الساقط وقطع المسافة بسرعة. اندفع فريتز نحو هجومه منزلقاً بسهولة من طعنته البدائية وموجهاً خنجره إلى الأمام. اصطدم العظم المنحني بترس المخلوق بصوت أجش، فقهقه الوحش جذلاً وهو يلوح بسيفه البلوري نحو رقبة فريتز.
سحب خنجره إلى الوراء وركل الترس بقوة دافعاً الغوبلان إلى الخلف ومجبراً ضربته على تخطي رقبته لتمر بسلام وتنزلق بلا ضرر على قميصه المشفوع بالحراشف. طعن المخلوق إلى الأمام مرة أخرى، لكن فريتز غلّف نصل عظمته هذه المرة بقوة ضربة الكآبة المظلمة وتفادى جانباً تاركاً سيف الغوبلان يطعن الهواء الفارغ. اقتحم نطاق المخلوق ودفع بنصل خنجره للأمم. غرز النصل الأسود الملتف عميقاً تحت أضلاعه المكشوفة ولا بد أنه أصاب مقتلاً إذ تلوى الغوبلان وارتجف ثم هوى هامداً على ذراعه بينما سال دم أخضر داكن من خاصرته.
ألقى الجثة الهامدة عنه وغرس قدمه في ظهر الغوبلان الساقط الذي أوقعه سابقاً. انحنى فريتز بمهارة ومرر حافة خنجره الحادة على رقبته. أخرج صوتاً غرغريناً وبصق، لم يموت بالسرعة التي مات بها نظيره لكنه مات سريعاً على أي حال.
حلّ الهدوء وأمعن فريتز النظر في محيطه فوجد أن بيرت قد هشم بسهولة رؤوس الغوبلانين اللذين كان يحاربهما، بينما تكفل سهم سيد الوحيد بالقضاء على الاثنين الآخرين. كانت تقف هناك والقوس في يدها وتبدو منتبهة تحسباً لأي تعزيزات. لم تأتي أي تعزيزات. مرّت دقائق ولم يسمعوا شيئاً، فاسترخى الجميع وأمعن فريتز التفكير في المناوشة.
لقد كانت... سهلة. بالكاد أتيحت للغوبلان أي فرصة، ولم تكن تشبه الطابق الثاني بتاتاً. كان هؤلاء محاربين وأفضل تسليحاً بكثير من ذي قبل. لكنهم بدا وكأنهم... أبطأ، وأضعف، وأقل تهديداً بكثير من السابق. الشيء الوحيد الذي ما زال يخيف فريتز في الغوبلان هو نتانة دمائهم وبقعها الكريهة.
قال بيرت مردداً أفكار فريتز نفسها: "أهذا كل شيء؟ لم تكن تلك معركة حتى".
ذكّرهما سيد: "نحن سالكون الآن. لا بد أننا أقوى بكثير من السابق".
قال فريتز: "لم أتوقع أن يكون الفرق صارخاً... إلى هذا الحد. بل إنني خضتها ويد واحدة مربوطة".
هز سيد كتفيه: "لا أود إحباطكم، لكن هناك مئات من هذه الكائنات على الأرجح، وتلك ستكون التحدي الحقيقي".
أشرق وجه بيرت عند سماع الملاحظة فابتسم عريضاً وهتف: "إذن من الأفضل أن نذهب للبحث عنها".
ابتسم فريتز لحماسته المعدية واستعاد حجره المضيء العنبري ملاحظاً أن ضوءه قد خبا بعض الشيء.
قال فريتز وهو يعرض الحجر بكل إشعاعه الملتف: "أيبدو هذا أقل سطوعاً بالنسبة لك؟".
عبس سيد وأخرج حجرها العنبري الخاص لتقارن بينهما. بدا وكأنهما يبعثان بالكمية ذاتها من الضوء الذي وجده فريتز ألطف من ذي قبل، لكنه لم يكن متأكداً.
رد سيد بحذر: "ربما؟".
اقترح بيرت بصورة مفيدة غير عادية: "لعل السحر ينفد؟".
همّ فريتز بصفع جبينه لكنه ضرب نفسه بالحجر الذي كان في يده بدلاً من ذلك، صارخاً: "بالطبع! آخ!".
قهقه سيد ثم أطلق ضحكة مجلجلة.
قال فريتز: "الأمر ليس مضحكاً، لقد كادت هذه الصخرة المتناقصة تدقّ رأسي"، لكنه لم يكن متأذياً أبداً من خطأه.
قهقه بيرت: "كنت لتكون في خطر حقيقي لو تبقى في رأسك أي عقل".
تذمّر فريتز لكنه منحهم ابتسامة مطمئنة أمل أن تنقل أنه بخير.
قال فريتز بعد أن هدأت الضمائر: "حسناً، الأفضل أن أستكشف المقدمة".
سأله سيد مبتسماً إليه بطريقة دفأته كأشعة الشمس: "أَنَتْبَعُ أم نبقى؟".
قال فريتز وهو يفكّ حقيبته ويزن إن كان عليه اصطحاب نصله السمكي: "ابقي".
قرر تركه للآن، فبيد واحدة جيدة سيكون عائقاً فقط. لوح بوداع لطاقمه وتسلل إلى الظلام.
سافر عبر الأنفاق الملتوية، داهماً إياه إحساس بابه ليرشده أينما وجد خياراً للممرات. بدت قدرته دائماً تقوده نحو اليسار، حتى صادف ضوءاً أزرق خافتاً ينبعث من فتحة في الأمام. أبعد حجرها الدوار إلى جيبه وتقدم متخفياً. توقف حين سمع كلاماً حاداً غليظاً يتردد نحوه من اتجاه الضوء.
تسلل بحذر إلى الجدار وتبعه، مابقياً بعيداً عن الأنظار حتى تمكن من التطلع إلى الغرفة التي تليها. بلورات، تشبه تلك التي حملها العفاريت لكنها مليئة بضوء أبيض زرقة، برزت من جدران الكهف وسقفه. تألق الضوء الشاحب على درع أكبر عفريت رآه فريتز على الإطلاق. كان العفريت الذي يبلغ طوله تقريباً طول البشر، شديد العضلات، شاحب البشرة، يرتدي صفائح متلألئة من بلورات ذات وجهات غير منتظمة وذات صبغة زرقاء.
أوكسي أمير، رئيس أم ملك؟ لا يمكن أن يكون ملكاً إذ ليس لديه تاج، لنذهب مع رئيس، هكذا قرر فريتز.
حولي الرئيس انشغل حشد من العفاريت الممزقة بعربات يد مليئة بالبلورات ومعاول ذات رؤوس من حجر ومقابض من ذلك الخشب المسامي الغريب. أدرك فريتز أنها كانت نوعاً من عمليات التعدين بينما كان العفاريت الأشد نحافة وضعفاً يتراكضون تحت نظرات المراقبة والقاسية للمحاربين الأكبر الذين بلغ عددهم العشرات.
بصوت طقطقة ضرب محارب عفريت ذو عضلات وترية يرتدي مجموعة كاملة من دروع الخشب المسامي المصقولة والممسوكة بأشرطة جلدية، أحد العفاريت الممزقة بهراوة من البلور اللامع. كان هناك صدى ارتطام غريب حين اتصلت الهراوة بعمود الفقري الهزيل للمعدن وزمجر المخلوق ألماً وهو يسقط على الأرض ويتلوى بلا حول ولا قوة. ضحك حامل الهراوة مثل الآخرين الذين شاركوه عتده وحجمه.
بدا هؤلاء لفريتز وكأنهم نوع من سائقي العبيد أو القادة، وجعل منظر خباثتهم البليدة وشبه العفوية الغليان يثور في أمعاء فريتز. حتى لو كانوا عفاريت مروعة ومنتنة تشق حلقه دون تفكير مرتين، فقد كان لديه كراهية معينة للأقوياء الذين يعذبون الضعفاء.
التفت حوله باحثاً عن أي سحرة لكنه لم يستطيع رؤية أي منهم مغطى بتعويذاتهم المعلقة الغريبة أو التمائم.
صرخ العفريت في البلور بأمر جعل كل المسوخ الرمادية تتصلب ثم تتحرك بشكل أسرع وتنهي أي مهام كان لا يزال عليها إكمالها. بدا أنهم يستعدون للتحرك واستعد فريتز للمتابعة.
التفت الرئيس أخيراً بوجهه في اتجاه فريتز، عارضاً ندبة مثلثة تحيط بإحدى عينيه السوداوين كالفحم. كانت وخزات الضوء الأزرق والأخضر التي ربما خدمت كحدقات، أكبر بكثير في نظرة هذا المخلوق الصارمة وأقرب إلى ألسنة الشموع منها إلى النجوم المتلألئة. مسح الغرفة ببطء، ملاحظاً ركض حاشيته، انزلقت عيناه حيث اختبأ فريتز ثم ارتدتا بسرعة كما لو رأى شيئاً في غير مكانه.
قفز قلب فريتز في صدره وأراد الفرار، لكنه أمسك نفسه ثابتاً. متراجعا ببطء ومقرباً نفسه إلى الجدار قدر الإمكان، انتظر وراقب بينما كان العفريت يحدق بشدة. يا لسماء أرجو أنه لم يرني. أحتاج حقاً إلى قدرة تخفٍ. لماذا لم أختر الحضور الدقيق؟ تبا لكبريائي الأحمق، وبخ نفسه بصمت؛ منتظراً، مصلّياً أن يلتفت الرئيس بعيداً.
زمجر العفريت بمقطع صوتي واحد. واحد عرف بطريقة ما أنه يعني عبداً. ثم تحدث مرة أخرى هذه المرة مع تموج من القوة يصدى نبرته العميقة. ابق. حلقة ذهبية مزينة بأحجار بنفسجية داكنة على إصبع طويل شاحب يشبه عظماً مبيّضاً، أصدرت توهجاً رمادياً خافتاً.
عرف فريتز أنه قد أمسك به، لكنه لم يستطيع الركض إذ شعر بالكلمات تغسله، مجمّدة ساقيه ومصلّبة مفاصله. بدا صدره كأنه يتقبض وضغط قبضتيه بإحكام. كان لا يزال قادراً على التحرك حتى لو حاربه جسده طوال الطريق وأراد عقله طاعة الصوت. مصارعاً الإكراه، وصل ببطء شديد وأخذ مقبض خنجره العظمي المعلق على حزامه بيده المرتجفة وأابعه المرتجفة. تدفق الرعب من خلاله حين أدرك أنه لن يكون هناك مفر ولا وقفة بطولية أخيرة.
أفضل ما يمكنه فعله هو أخذ القليل معه قبل أن يهلك وأسوأ ما يمكنه فعله هو الموت.