وراء المدخل الحجريّ كان حوض ضحل في كهف هائل، وتغطّت الأراضي الصخريّة الخارجيّة بحقول من الفطر الشاحب بحجم الأشجار الصغيرة ممّا حجب أرضيّة الحوض.
استطاع فريتز رؤية تناثر أكواخ عشوائيّة ينام فيها العفاريت أو يطبخون أو يأكلون، ويشرف عليها قادة وفرق مقاتليهم. في الداخل أكثر كان هناك سور خشبيّ دائريّ، يبلغ ارتفاعه ستّ أقدام، ومثبّت بأعمدة ورماح بلوريّة يحرسها مقاتلون يشرفون على جموع العمّال الممزّقة الثياب وهم يتحركون كالسّمك الصّغير عبر البوابة الكبيرة للحصن.
في قلب الححصن تحديداً كان برج بلوريّ متألق غير منتهٍ قيد الإنشاء حاليّاً من قِبل حشود العمّال الذين يحملون أحمالهم المتوهّجة بالأزرق والأبيض وأدوات الحجر البدائيّة. كان الكهف بأكمله مضاءً بضياء البرج المتوهّج الساطع. لقد وقف بارتفاع خمسين قدماً على الأقلّ لامعاً ببرود وراصداً الجدران المتلألئة وحقول الفطر.
"جدران وبرج. لماذا يبنون برجاً؟"
قالت سيد لنفسها في الغالب.
"ومن أين حصلوا على الخشب؟"
سأل بيرت.
"انه ليس خشبا، بل تلك الفطر الغريبة، انظر إلى هناك فهم يقطعون واحداً ويأخذونه ليُجفّف هناك"، أوضح فريتز وهو يراقبهم من نقطة تفوّقهم.
ضيّق الاثنان عينيهما نحو المكان الذي أشار إليه ليرى ما يراه.
"أمّا عن سبب بناء برج، فقد قرأت أن ذلك يشكل شيئاً من اتجاه متكرر في تقارير المتسلقين. يقول البعض إن الوحوش تحاول محاكاة أبراجنا الخاصة، لكن السبب يظل لغزاً. الحجة الأكثر اقناعاً التي سمعتها هي أنهم يبنونه محاولةً للهروب من البرج، مما يتسبب في خرق للبرج. لكن تلك مجرد تكهنات".
لم يكن يعرف الكثير حقّاً عن الموضوع إذ كانت المعرفة المتاحة شحيحة للغاية، حتّى بالنسبة للنبلاء. اشتبه فريتز في أن الأقوى والأغنى والأكثر نفوذاً هم وحدهم من يعرفون شيئاً، ولكن إن كانوا يعلمون فلم يكونوا ليخبروا أحداً.
"هاه"، قال بيرت.
"يبدو معقولاً"، قالت سيد.
"ولكن ألا تتسبب الوحوش الشاذة وحدها في حدوث خروقات؟"
"ربما كان الزعيم شاذاً"، افترض فريتز.
"حسناً إن كان كذلك، فيجب أن نقتله ونحصد بذرته"، اقترحت سيد.
"بذرة؟"
استفسر بيرت ببلادة.
تنهّد فريتز وعبست سيد، "ألا يتعلم المرء شيئاً منك أبداً يا بيرت؟"
قالت باضطراب.
"ظننت الأمر مضحكاً في البداية لكن هذا يبدو متعَمّداً تقريباً".
"انظر إلى ما كنت أتعامل معه"، قال فريتز بنبرة شفقة على الذات.
"بالطبع أعرف ما هي البذرة الشاذة. كنت أمزح معكما فقط"، قال بيرت بغرور، واتسعت ابتسامته.
"حقّاً إذن ما هي؟"
طالب فريتز.
"ما هذا؟ أختبار؟ الآن؟ أليس لدينا أمور أفضل لنفعلها، مثل قتل مئات العفاريت؟"
حاد بيرت عن الموضوع.
غير راغب في الجدال، هزّ فريتز رأسه بتسلُّم مستسلم وقاطع سيد عندما همّت بالإجابة أو توبيخه، عالماً أن ذلك لن ينفع.
"خطة المعركة؟"
قال باحثاً عن اقتراحات.
"الهجوم على البرج وقتل كل العفاريت التي تقف في طريقنا"، صرّح بيرت.
"ما رأيك بخطة فيها انتحار أقلّ بقليل؟"
اقترح فريتز.
تذمّر بيرت وتحدثت سيد، "أيّ فرصة لأن تستدرج القادة لنكمن لهم؟"
"خطة أفضل بكثير، ونعم. أنا طعم رائع"، أجاب فريتز.
"أريد أن أكون الطعم هذه المرة"، قال بيرت.
"الوقوف بلا حراك في الانتظار مملّ للغاية".
"قتلُك أصعب أيضاً"، أشارت سيد.
شعر فريتز بوخزة قلق لكنه كبحها. سيكون بيرت بخير، فتلك السيوف البلوريّة، حتّى لو أصابته، بالكاد تستطيع جرح جلد صديقه الصلب.
التفت إليه بيرت بتوسّل متحفّز في عينيه العسليّتين.
"حسناً"، وافق فريتز.
"احذر من الشامان مع ذلك، فلم أرى أحداً بعد لكن ربما ما زال هناك بعضهم في تلك المباني الأكبر خلف الجدران. قد يمتلكون بعض سحر الشباك أو ما شابه، ويجب ألا نفترض أنهم جميعا يمتلكون سحر النيران السماوية نفسه. أقترح أن تحاول استهداف ذلك الحي العشوائيّ أولاً. أظنني رأيت هراوة متوهّجة هناك. سنرغب في استهداف القادة والمقاتلين حتى يعودوا عاجزين عن الحفاظ على قهرهم لذويهم سوء المعاملة. حينئذ يجب أن يثور العمال الممزقو الثياب ويحاولوا الإطاحة بالزعيم، بينما تكون قواتهم ضعيفة بسبب كمائننا".
أشار إلى مجموعة خيام مظللة بين الفطر بينما كان يطرح بعض الاستراتيجيات التي قرأها في كتاب الملاحظات.
بدت سيد وكأنها لاحظت أوجه التشابه. ابتسمت بخبث وهي تدرك ثم أومأت برأسها مرة واحدة موافقة.
"سأفعل. حاول ألا تخطئني"، قال بيرت، وهو يضع حقيبته الثقيلة جانباً ويتسلل إلى الحوض، مستخدماً سيقان الفطر الغليظة كغطاء.
راقب فريتز رحيل بيرت ووضع حقيبته الخاصة جانباً. أخرج نصل السمكة من عروته، مقرراً أنه سيكون أفضل في هذا الكمين من الخنجر. نظر إلى سيد التي كانت تضع حقيبتها هي الأخرى، فقد اتخذت موقعها على الجانب الآخر من المدخل ورقدا في الانتظار. كان اثناهما هادئين ومستعدين لكمين أيّ شيء يجلبُه بيرت إليهما، اختبرت سيد وتر قوسها بطنين خفيف وقبض فريتز على مقبض القماش لكويكسيلفر بإحكام.
ألقى نظرة خاطفة على سيد وضبطها تفعل المثل، فابتعد بنظرهما بسرعة تاركين الهواء يمتلئ فقط بصوت العفاريت البعيدة التي تضحك وتئن.
سخن وجهه قليلاً وتسرّع نبض قلبه، ليس ترقّباً للمعركة بل لأنه أدرك لتوّه أن هذه هي المرة الأولى التي يكون فيها هو وسيد بمفردهما حقّاً، معاً. ركّز انتباهه على حقول الفطر وقمع الرغبة الملحة في التحدث إلى سيد.
مراقبين ومستنتظرين، ظلا صامتين ومستعدين للمعركة القادمة.
* * *
أخيراً، بعض الوقت بعيداً عن ذلك الثنائي وتوترهما المزعج، فكّر بيرت وهو يتسلّل بين سيقان الفطار مقترباً من تجمع خيام أشار إليها فريتز. ربما عندما أعود سيكونان قد سويا أمورها، على هذا النحو أو ذاك. أو ربما لمعرفة ذلك الأحمق فريتز، سيظلان غبيين طوال التسلق.
سمح بيرت لنفسه بضحكة خافتة عند تخيل فريتز وهو يتتعتع ويهوي بقدمه النبيلة في فمه المليء بالثرثرة. مجدداً.
كان يركض لعشر دقائق على الأقل حين سمع بيرت ضحكة خفيفة وصوت ضربة من الأمام. عفاريت! ابتسم باتساع، وتسارع نبض قلبه وشعر بالدم يتدفق في عروقه بذلك الإثارة الصاخبة والمدوية التي كان يستمتع بها مؤخراً. مندفعاً حول ساق فطر ومقتحماً قرية خيام، وجد بيرت نفسه في مواجهة قائد مذهول وحاشية من محاربيه. بدا أنه قاطع ضرب بعض العمال، وكانت العصا المتوهجة لا تزال تلوح فوق ظهر هزيل عندما صرخ بيرت بتحديه.
"تعالوا إلي أيها العفاريت، وواجهوا قبضتي!"
صاح بيرت.
حدق نحو خمسين عفريتاً بدهشة في الرجل الأعزل وغير المدرع الصارخ في وجوههم، وظلوا لبرهة كاملة مكانهم بلا حركة. ثم ضحك القائد بخفة وتدافع العمال بحثاً عن الأسلحة بينما استل المحاربون سيوفهم القصيرة وهرعوا لمحاصرة الدخيل المجنون.
بينما كان يعلم أن الخطة هي استدراجهم للخلف لكمين، قرر بيرت بدلاً من ذلك الاستمتاع قليلاً، فإذا كان فريتز قادراً على هزيمة ستة وحده، فإنه يستطيع فعل أفضل بكثير بسهولة، وأي طريقة أفضل لتفريغ بعض الإحباط المشتعل والنباض داخل قلبه. ذلك الضغط الذي ظل يتراكم منذ أن تمزق الفريق. كان لا يُطاق، ولم تكن العفاريت تمثل أي تهديد له الآن، أي تهديد على الإطلاق.
لم يرغب في إتاحة الوقت للعفاريت لإحاطته، لذا اندفع نحو أحد المحاربين. استدعى قوة مقامه النابضة ليخرج تموجات الضربات المدمرة. رفع المحارب درعه مغطياً جذعه لكن بيرت ركله بكامل قوة مهارته وقوته. تكسر الخشب، وكذلك الساعد تحته حين اصطدم كعبه وأُلقي العفريت بعيداً عن قدميه من قوة الضربة، ليصطدم بالخيمة خلفه. ألمته قدمه من الاصطدم لكنه تجاهله بسهولة.
انقض سيف من الجانب لكن بيرت انزلق منه بسهولة وبضربة لكمة سريعة واحدة حطم وجه المخلوق المهاجم كأنه بيضة. بيضة فاسدة. بدأت المعركة، أحاطت به العفاريت من كل جانب لكن بيرت كان دوامة دمار، يتفادى الضربات ويرد بالقبضات والأقدام والركب والمرافق. كانت كل لكمة من لكماته تحطم عظامهم الضعيفة وبدا كأن ركلاته تسحق هياكلهم العظمية إلى مسحوق. لكنهم كانوا كثرة وقد تمكن أحدهم من التسلل وضربه بسيفه المسنن، تاركاً جرحاً سطحياً نزف للحظات معدودة فقط، إذ سد حيوية جسمه الجرح التافه بسرعة بقشرة جافة.
تراجعت الكدمات المؤلمة على كعبه وعقيدات أصابعه بسرعة، حتى وهو يواصل لكماته العقابية.
تلك النوعية من الجروح البائسة لن تبطئه على الإطلاق. لا، سيضطرون لضربه في مكان حيوي، مثل العنق ليؤذوه حقاً وحتى في تلك الحالة كان لدى بيرت انطباع راسخ بأنه سينجو إن لم تكن الضربة عميقة بما يكفي. أو لم تكن ملعونة، ذكر نفسه.
تجمعت العفاريت، وشرع العمال في جمع الرماح للانضمام إلى طعن ظهره وجوانبه، وبدا أينما وجه وجهه كانت المخلوقات ترتدي وتهرع إلى جناحيه. لم يفدهم ذلك شيئاً إذ ابتسم بيرت ودار، مطلقاً تياراً من السائل الضبابي من راحة يده مباشرة في حشد العفاريت المتزاحمة خلفه. اندفعت القوة الحارقة والمفقعة بأمره وصرخت العفاريت بينما أمطرها الرذاذ الكاوي.
ضحك بيرت بينما انكسر العمال، عارين في كل اتجاه للابتعاد عن يده الممدودة وضحكاته المرعبة. لم يبق سوى المحاربين وقائدهم ورأى بيرت أنهم جميعا اهتزوا. شرع القائد في قول شيء بلغته الحنجرية لكن بيرت لم يستمع. اندفع إلى الأمام متخفياً ودحرجاً تحت ضربات حراسه الشخصيين. نهض على قدميه عندما هوت العصا المتوهجة لتلتقي باندفاعه. لعدم امتلاكه الوقت الكافي لتفادي فعال تلقى بيرت الضربة على الكتف وتحرك معها، متخلصاً من بعض القوة تماماً كما علمه فن القتال.
مرت نبضات رعدية عبر جسده، مترنحة به ومعطلة قوته بينما ألوى لكمة غير مجدية نحو درع صدر القائد المصنوع من الفطر حيث ارتدت بضربة ضعيفة رافقتها ضحكة ساخرة.
عذبه تأثير العصا لبرهة أخرى قبل أن يبدأ في التلاشي واستغل القائد الفرصة، صارخاً بأمر بصوته الخشن والمرتفع. تخلى المحاربون عن تكتيكات الجناح التي كانوا يستخدمونها، وبدلاً من ذلك، رموا بأنفسهم جسدياً على بيرت، ممسكين بأطرافه، محاولين إرهاقه، وتقييد حركته وإسقاطه.
اللعنة! فكّر بيرت حين سُحب إلى أرضية الكهف تحت كتلة تضم عشرين محارباً عفريتاً على الأقل. صارح، وانزلق وأفلح في بضعة لكمات سريعة هنا وهناك، محطماً العظام حيث استطاع. كان التنفس صعباً تحت كومة المخلوقات رمادية الجلد والنتنة التي كانت لا تزال تقفز عليه وتتمسك بما استطاعت الوصول إليه. لم يستطيع بيرت التحرك تحت كل أجسامهما، وتوتَّرت عضلاته وهو يحاول التحرر من الأطراف القابضة لا الحصر لها.
كان الجو حاراً ومعرقاً في قاع كومة العفاريت وتوقف عن الضحك حين بدأت بعض المسوخ التي جابت الخناجر والسيوف معها في طعنه عبر فجوات الكومة.
أصدار فحيحاً متضجراً بينما واصلوا الوخز والطعن، ثم بدأ التمزيق. خمن أن الأمر يشبه الأكل حياً من قبل سرب من جرذان المجاري. ربما كان مؤلماً، لكنه كان محتملاً بسهولة، فما من شيء يمكن أن يبدو بسوء وقته داخل صدفة حلزون الملح، فقد كان ذلك مؤلماً حقاً. لقد علّمته تلك التجربة شيئاً عن الألم حقاً، ولم يكاد هذا يقارن بتلك الهوة المحرقة المذيبة المفقّعة المعمية.
ربما يجدر بي أن أذيقهم القليل من تلك الهوة، فكّر وهو يبتسم بخبث.
بسط كفيه فارداً قبضتيه ومردداً أصوات محرابه الصاخبة. صارح القوة المدمرة في جوفه وأطلق سيولاً من الرذاذ الحامضي من كلتا كفيه. أحرق الرذاذ الحامض حين تناثر مرتدياً على جلده، أصدر فحيحاً متوجعاً بينما صرخت العفاريت وهي تكافح للتخلص من الكومة. كان ضعفهم العابر كافياً ليحرك بيرت ذراعيه مجدداً ويلوح بحرية مطيحاً بالعفاريت عنه بينما دفعها وسحقها بضربات صادمة.
مع بعض التخبط والتقلب المحموم في الكومة المتوهجة، أفلت بيرت ونهض واقفاً وشرع يضرب لكمات وركلات، دافعاً تدريبه لتولي الزمام ومقنيته البديعة لترشده بينما حطم وطوح جسدياً وكدّر العفاريت التي ما زالت واقفة أمامه.
شعر بيرت بالتعب يتسلل إليه وبأن حركاته تتباطأ، فكل مهارة استعملها أخذت حصتها من قدرته على التحمل الواسعة لكن المحدودة. حتى مع خفض التكلفة من تقنيته وجد نفسه يتنفس بثقل ويعرق بغزارة. كان يتلقى المزيد من الجروح من الضربات الطائشة بينما فرت العفاريت من متناوله أو وجهت طعنة أخيرة قبل أن تموت تحت قبضتيه الجبارتين.
بدا أن القائد قد بلغ آخِر صبره أخيراً وانطلق راكضاً ملوحاً بهراوته في قوس جانبي صوب رأس بيرت مباشرة. استطاع تفادي الضربة الأولى، لكن العففريط تابع بضربة قاطعة أخرى، هذه المرة منخفضة بالقدر الكافي لتصيب عضد بيرت فوق المرفق مباشرة.
دوت قوة الهراوة في ذراعه، مصعقة إياه مجدداً ومخدرة إياه تماماً أسفل الكتف. طبق بيرت على أسنانه ولوى ذراعه السليمة حول رأس العفصريت قابضاً على وجهه من الخلف، وساحباً ومثبتاً رأس القائد بين ذراعه وصدره. أشبهت الحركة قفل رأس مواجهاً للأمام ممزوجاً بعناق الدب، وعرف بيرت أنها لن تكون فعالة في إمساك المخلوق مطولاً، لكن بآخر ما تبقى له من قدرة على التحمل رش الحامض مباشرة في أنفه وأسفل فمه المفتوح والصارخ الآن.
أسقط هراوته واستخدم فوراً كل قوته غير العادية ليدفع بيرت عنه في هلع أعمى يبصق. سرّه أن يمتثل، تاركاً العفصريت يفلت، ومراقب إياه يتقيأ ويعطس مطراً وبائياً من الدم والقيح وسوائل جسدية أخرى فظيعة بالقدر ذاته. تحرك بيرت ليجهز على قائد العفاريت الجاثي والمتمتم بينما كان يلهاث، مكافحاً للتنفس عبر حلقه المذاب. سدد بيرت في حالته المنهكة لكمة يمين إلى جانب رأس القائد. حطمت الضربة غير المعززة جمجمته وارتطم درعه الخشبي بالحجر صاخبأً حين سقط المخلوق بلا عظام.
تُرك بيرت يتنفس بثقل في الحي الصفيحي الهادئ الآن. تلفت حوله للحظات معدودة محصياً القتلى. قائد واحد، اثنا عشر محارباً على الأقل وعشرة عمال تقريباً قضوا دماراً، مبعثرين حول المخيم المدمر. لم أظفر سوى بنصفهم تقريباً، لا بد أن العمال الآخرين قد فروا فور أن رأوا بأسي، استنتج بيرت بغرور.
منح بيرت نفسه بضع دقائق للتعافي، واستطاع أن يشعر بطاقة حيويته الدافئة المنعشة تنبض بتوافق مع قلبه، وتدوي في دمه وتوخز فوق جروحه مؤدية سحرها الشافي. لقد كان شعوراً عظيماً، فمنذ أن استيقظ ومعه الحيوية شعر بهذا البئر من الحياة بلا حدود هناك، متفجراً مثل نبع بري من جوفه. التأمت جروح بيرت في المعركة وبدأت الآن تنغلق بالشكل الملائم. وعلِم من الخبرة أن هذه الجروح الطفيفة والكدمات ستزول بلا أثر خلال ساعة.
دوى بوق واستطاع بيرت سماع صرخات عالية للإنذار من اتجاه الحصن عن بعد. لا مشكلة سأنتظر هنا فحسب حتى تأتي جماعة لاستطلاع الخطر وأعني بالخطر قبضتي، حدث بيرت نفسه. وهكذا انتظر فرقة المسوخ رمادية الجلد التي كان عليه قيادتها إلى طاقمه.
بعد عشر دقائق تقريباً اشتد دوي الأبواق وكذلك صوت وقع الأقدام المتداعية. أدرك بيرت أنه ربما أفسد خطتهم تماماً بشبق معركته. ربما وُجد أكثر من فرقة أو فرقتين من العفاريت التي كان مفترضاً به استدراجها. سيتعين على فريتز وسيد التعامل مع الأمر فحسب، لقد كانت خطة غبية على أي حال، استنتج بينما اقترب جعجعة وقهقهة حشد من العفاريت المقتربة.
اقتربوا فاستعد للجري، فقد تعافى بما يكفي لعدو سريع، مجرد ميزة عظيمة أخرى من صفات تعافيه. لاحظ أنهما يعملان معاً؛ التحمل يقلل التعب والحيوية تشفي أي ألم في عضلاته. سيتعين عليه التحدث مع فريتز أو سيد بشأن ذلك ليری إن كانا يعلمان سبب حدوث هذا، لكنه في الوقت الحالي استمتع بالفوائد دون التفكير بها بعمق مبالغ فيه.
انفجر حشد العفاريت الحقيقي، وهو أكثر بكثير من الخمسين أو نحو ذلك الذين قاتلهم، خارجاً من غابة الفطور. كان أغلبهم محارين مع نثرة من القادة ولمحوه واقفاً هناك في العراء وسط خراب معسكر العفاريت. هاجم الحشد صارخين غضبهم الصغير في صيحة حرب حادة. انتظر بيرت حتى صاروا على مسافة عشر ياردات، ثم عدا صاعداً المنحدر، باتجاه المدخل حيث يكمن أصدقاؤه في كمين.
دوى ضحك ساخر فوق المدّ الصاخب خلفه وعبرت شعلة زرقاء خضراء مألوفة فوق رأس بيرت وأصابت ساق فطر فجلّلت الجذع الباهت بنيران ملتتوية وضياء مخيف. أزّت القلنسوة واحترقت مطلقة بخاراً طيب الرائحة نسبياً بينما نضج الفطر.
بدا أن هناك ساحراً مع العفاريت، أو اثنين كما لاحظ بينما طار صاعق صاخب آخر فوق رأسه ولم يستطع بيرت قول سوى شيْء واحد وهو يركض خلال سحب البخار والدخان اللاذعة.
"عفوآ."
* * *
كان فريتز وسيد ينتظران وينتظران وينتظران. كانت تجربة جديدة نوعاً ما بالنسبة لفريتز وكان عليه أن يقول إنه لا يطيقها.
"هذا ما تفعلانه عندما أغيب للاستكشاف؟ مجرد انتظار في صمت؟"
سأل فريتز.
"صه،"
هسّت سيد.
"كان بيرت محقّاً. هذا مملّ، لا عجب أنه متحمس دائماً للقتال،"
تابع فريتز بصوت مسقوف وخافت وهو يحدق عبر حقل الفطر بإحباط.
ظنّ أنه رأى وميض ضوء أزرق أخضر فانعقد معدته عقدة.
"أرأيت ذلك؟"
قال فريتز.
حدّقت سيد في غابة الفطر المعتمة ثم هزت رأسها، مستحضرة سهماً ووضعته في جعبة لينضم إلى البقية التي كانت تستحضرها عندما كان مخزون مانا الهواء لديها ممتلئاً. ستختفي في غضون ساعة لكن فريتز نظر بغبطة متمنياً لو كانت لديه سمته السحرية الخاصة ومفكرًا إن كان عليه البدء في نثر حفر حجرية في المنطقة.
قرر عكس ذلك في النهاية إذ كانت أقل فائدة بكثير عندما تكون واضحة، معتمداً على مفاجأة تحرك الحجر من تحت قدمك أكثر من الحفرة الفعلية نفسها. فضلاً عن أنه لمر يرد إرهاق نفسه للقتال القادم.
عبث فريتز بقميصه، ومنع نفسه من الخطو في عجلة ثم شم شيئاً في الهواء. دخاناً برائحة غريبة، تشبه التراب المطبوخ.
كان هناك وميض آخر أزرق أخضر، هذه المرة أقرب. استطاع رؤية الحركة، لمحة من الأزرق والأبيض هنا وهناك، يركض أمام مدّ من الدروع البنية والجلد الرمادي والبلّور الصافي. سمع فريتز صوت ضحك بيرت البعيد لكن المألوف جداً وأشار لسيد لتستعد، لم يكن مضطراً لذلك رغم ذلك.
استنشقت سيد الهواء واستحضرت سهماً في يدها وأعدّ فريتز نحت حفرة تحت أخطر مطاردي بيرت.
برز شخص بملابس زرقاء وبيضاء جاداً من حقل الفطر أمامه، وتطاير شعره الذهبي خلفه وهو يركض، ضاحكاً طوال الطريق.
مجنون، فكر فريتز بينما ابتسم باتساع. ردّدت سيد فكرته بتذمر.
استغرق بيرت دقيقة كاملة ليصل إلى المدخل، متعرّقاً ويلهث ثم أدار ظهره لهما لحظة تدفق حشد العفاريت خارج غابة الفطر في موجة عظيمة من الغضب المتمتم والمثرثر. بسط بيرت ذراعيه باتساع كما لو كان يدعو هتافات حشد وصاح متحدياً مد الريماح والسيوف المقترب.
"تعالوا إليّ أيها العفاريت، واجهوا قبضة أصدقائي وقبضتي!"