استنشق فريتز بعمق هواء نقياً وعذباً ومنعشاً بشدّة. حُرم من هذا في دخانية الكهف الذي احتموا به. أصخى السمع إلى سكون الغابة. ركّز بحثه عن صوت قرمشة الثلج تحت الأحذية أو المخالب المبطّنة. لم يتبين شيئاً سوى وقع خطواتهم الهادئة. حتى الريح خمدت. صارت الآن تنهدة رقيقة كأنّ السماء فرغت كل غضبها على العاصفة العاتية ثم خلدت إلى النوم وراحت في سبات من جديد.
ما زال البرد مخيماً لكنّ أشعة الشمس دفئت أجسادهم وعقولهم. رمق فريتز وشاح سيد نظرة مشوبة بالحسد وتمنّى لو أنّ لديه واحداً مثله. ربّما بلون بنفسجي، أو أخضر مثل عيني، هكذا فكر.
لم يحتاج إلى أيّ بحث ليرى أين ينبغي لهم التوجه لصعود الطابق التالي. كان هناك عمود من الثلج يرتفع حتى يبلغ علوّ برج وشامخاً ساطعاً ونقياً في ضوء الشمس. انبثق من قمة التلّ الذي تسلقه فريتز، وهي نقطة أعلى بكثير ممّا تجرّأ حقاً على المشي نحوها. بمقداره للمسافة والانحدار، قدّر أن الأمر سيستغرق ساعة أو ساعتين من التعرّض للمشي للوصول إلى هناك.
قال بيرت وهو يشير إلى البرج الجليدي ويزحف على قدميه الحافيتين: "أتظنّ أن هذا هو؟"
أجاب فريتز: "غالباً"، ثم استعمل حاسة الباب لدراسة اتجاه الدرج تحسّباً لأي طارئ.
وكما كان متوقعاً، شعر بذلك الوخز والإحساس الغريزيّ بأن الدرج قريب حقاً من عمود الثلج أو ربما كان هو نفسه.
استدرك فريتز: "يبدو كذلك".
أكدت سيد: "لنصل إليه".
أومأ فريتز وبيرت برأسيهما وانطلقا عابرين الغابة. بين الحين والآخر، كانت كتل ضخمة من الثلج تسقط من الغطاء النباتي أو تتساقط قطرات من الوحل الجليدي فوقهم، ممّا جعلهم ينتفضون أو يرتجفون أو يشتمون عندما يصيبهم الماء المتجمد. كان الجوّ بائساً وبارداً، لكن مقارنة بعذاب الكهف القاسي لم يكن المناخ سوى إزعاج عابر وبقيت معنوياتهم مرتفعة. تفادت سيد الجانب لتتجنّب بالكاد بعض الوحل الساقط، وشجّع عرضها الصغير للبراعة على بدء نوع من اللعبة؛
تفادي الثلج. انضمّ بيرت وفريتز إلى المنافسة بحماس.
استخدم بيرت مزيجاً من تقنية الفنون القتالية والرشاقة، مستخدماً حركة قدمين سريعة، وخطوات جانبيّة، ودورات للانزلاق تحت الوحل قبل لحظات من ملامسته لجلد. بينما بدت سيد مستخدمة لرد فعلها ولياقتها ورشاقتها لتتفادى بفارق ضئيلة، وعندما لم ينجح ذلك أحياناً، دمجت خطوتها الريحيّة لتتلاشى خارج مسار الثلج. اكتفى فريتز باستراتيجيتهم المعتادة القائمة على المراقبة والنسج. كان يتنبأ بالبرد المتساقط من خلال صوت مميز ويتحرك بدقة خارج مساره قبل أن يغمره بالجليد.
نجحوا جميعاً بدرجة ما لكن سيد بدت الأفضل في ذلك، وكان هذا متوقعاً، فكل صفاتها المتقدمة جعلتها ملساء كالأنقليس. صقلت اللياقة حركاتِها وتوازنها ودقتها، وسمح لها رد الفعل بالتفاعل أسرع مع الخطر، وتداخلت الرشاقة لتعزز كل صفاتها البارعة والمرنة إلى ما وراء الحدود البشرية.
اشتبه فريتز في أن الصفات العادية والمتقدمة تعمل بشكل أفضل عندما تكمل إحداها الأخرى. لقد كان يرى ذلك أكثر فأكثر كلما اعتاد على صفاته وقواه الجديدة، ملاحظاً تفاعلاتها الأكثر دقة. كان إدراكه ووعيه في طليعة هذه التآزرات، وكأنهما يمتزجان معاً عند حواف نطاقيهما المعنيين.
سيساعده الإدرك في رؤية أو سماع شيء ما وسيساعد الوعي في تكييف ما يدركه بانطباعات وصور عابرة. وبدا أن الأمر يعمل بالطريقة العكسية أيضاً، حيث يشير الوعي إلى أنماط غير عادية أو لا يمكن ملاحظتها عادة أو يوجهه بدوافع غريبة أو وخزات تنبهه إلى شيء لا يستطيع رؤيته أو سماعه. وهو ما سمح له بدوره بالبحث والعثور على أيّ شيء كان يفتقده.
كان للتركيز والذاكرة علاقة بالأمر أيضاً. سمح له التركيز بتضييق أو تصفية المدخلات من حواسه جنباً إلى جنب مع الذاكرة التي ساعدته في الاحتفاظ بحس مكاني أكثر دقة، حيث استابح له تذكر المنطقة المحيطة به بمزيد من التفصيل. ومع ذلك، بدا أن التحكم، بغض النظر عن استخداماته مع قدراته، يساعد أيضاً في تنظيم وعقلنه عقله وعاطفته، لقد شعر بالتأكيد أنه يستطيع قمع خوفه وألمه وحزنه بسهولة أكبر بكثير من ذي قبل.
لكن ربما كانت تلك مجرد تجارب البرج المنهكة تقسّي قلبه وتخدر روحه.
لا أريد أن أتعرض للبري حتى أتلاشى.
هزّته الفكرة وكاد يسمح لتدفق من الثلج الساقط بأن يتناثر فوقه بينما كان يتراكم على الأرض الثلجية. شتم فريتز ليجد بيرت يندفع إلى الأمام ضارباً الأشجار في مسار سيد. بدا وكأنه يحاول إسقاط أكبر قدر ممكن من الثلج على سيد، ليحقق الفوز في لعبة التفادي. كانت مناورته تبوء بالفشل. كادت سيد ترقص بين الأشجار والثلج المتساقط ثم ركضت متجاوزة بيرت. ردّت له المثل، فركلت شجرة بساقيها الطويلتين وألقت حمولة من الوحل مباشرة في طريقه وفوق رأسه.
تمتم بيرت بغضب وشتمها، لكن فريتز اعتقد أنه يستحق هذا الغمر. فالبادئ أظلم بعد كل شيء. استمرت لعبتهم لبعض الدقائق الأخرى حتى أصبح واضحاً أن بيرت لن يستطيع أبداً التفوق على سيد سرعةً، ولا تفادي الأمور ببراعة مماثلة. يعود ذلك في الغالب إلى سمتها الكامنة في العدو، وهو ما ذكّر فريتز به بيرت وسط تبرّمه الشديد لأنه نسي تلك الحقيقة الصغيرة. ومع إعلان الهزيمة من قِبل فريتز واتهام بالخشونة من بيرت، انتهت اللعبة تماماً.
كانت سيد تتبختر في المقدمة وعلى وجهها ابتسامة النصر الواثقة، وخلفها يسير بير عابساً بينما مشى فريتز إلى جانبه يتأمل المشهد بذهول. اقتربا من الدرج، ولم يلحظا أي وحوش أو حيوانات في الطريق. كان هذا السكون المهجور مقلقاً، لكن بما أنه لم يكن أمامهم سوى الصعود فقد استمروا في السير.
زاد الهدوء حدة حتى بدأ بير يلاحظ التغير في الجو، فالتفت حوله وهمس: "هدوء مريب، أترونه خطراً؟"
قال فريتز بخفوت: "في السبير، الخطر حاضر دوماً. تراجع، دع الكشّاف يكشّف".
أهدرت سيد موافقةً، وتراجعت عن المكان الذي كانت تمشي فيه أمامهم، لتنضم إلى بير بجوار تشكيل صخري صغير. تسلل فريتز أمامهما نحو البرج الذي صار على بعد خمس دقائق فقط. كانت السبير الضخمة المغطاة بالثلوج تتوسط مساحة خالية من الأشجار تشبه الطابع العام للطابق الأول، ومكسوة بغطاء أبيض نقي. كان الدرج هناك تماماً؛ قوس من الرخام الأخضر، منغرس في بياض الثلج الساطع ومفضي إلى درج مألوف ومرحب من اللّون الأخضر ذاته.
وخزه إدراكه، ثمة خطب ما هنا، ففتش في الثلوج باحثاً عن أي شيء غير مألوف. بدا الأمر خافتاً لكنه ظن أنه يرى بقعة في الثلج، عند مدخل الدرج مباشرة، تتحرك بشكل غير صحيح مع النسيم الخفيف الذي يلاطف قمة التل. كان البياض اللامع لكومة الثلج مطابقاً لبقية الثلوج، لكن مع هبوب الرياح الخفيفة على تلك البقعة الغريبة استطاع أن يرى تموّجاً يشبه الفرو. بدا أيضاً وكأنه يعود للارتفاع والانخفاض، بشكل يكاد لا يرى.
حسناً، لولا سماتي لما لاحظت ذلك من الأساس.
تفحص المكان بحثاً عن المزيد من أكوام الثلج "المتنفسة"
لكنه لم ير أي مخاطر أخرى واضحة تتربص بهم. التفت إلى فريقه، إذ كانا يقفان بلا حراك يكبحان رغبتهما الشديدة في العدو نحو الدرج مباشرة للصعود والخروج من البرد. تعاطف فريتز معهما، وشعر بالرغبة ذاتها، أراد أن يلقي بالحذر عرض الحائط ويجري صعوداً عبر السلالم لكنه علم أنه مخاطر غير محتاجة وربما قاتلة.
نقل فريتز ما رآه إلى رفيقيه المتلهفين مشيراً إلى مكان المخلوق: "وحش واحد، مختبئ في الثلج وبجوار الدرج مباشرة".
سألت سيد: "ما الخطة؟"
أوضح فريتز وسط إيماءات الحماس من رفيقيه: "نصيبه بسهم، ونجذبه إلى هنا، ونعميه بالظلال والأسحم، ثم نركض إلى الدرج. لا حاجة لقتال أي شيء".
أحنت سيد سهماً شفافاً وغطته بريح ملتوية أثارت الثلج الناعم من حولها. أطلقت السهم فانطلق عالياً ليصيب المكان الذي أشار إليه فريتز حيث يكمن الوحش. غاص سهم الريح في الفرو الأبيض، وانغرس نرفه الزجاجي متخطياً الجلد السميك إلى العضلات الصلبة. بدأ الدم الأحمر المتدفق يقطر على طول مقبض السهم، فانفجر الوحش الأبيض خارج وضعية انحنائه وأطلق زئيراً.
ومع رؤية أوضح للمخلوق تبين أنه يمتلك أيدي بشرية بشكل ملحوظ ذات مخالب سوداء طويلة. كان له قرنان كبيران داكنان ومنحنيان على جانبي رأسه ومنخران شبيهان بالثقوب في وجهه الشاحب المسطح إلى جانب عينين حالكيتي السواد أعطتا وجهه انطباع جمجمة بلا لحم. توقف عويله القوي عندما أغلق فكيه الضخمين ورأى فريتز نابين أسودين ضخمين يبرزان إلى الأعلى من فكه السفلي المياب. وقف بطوله الكامل على ساقين وبلغ ارتفاعه تسعة أقدام على الأقل.
عاد فانحنى، واندفع نحوهما مستعيناً بيديه وقدميه، شاقاً طريقه بعنف عبر الثلج العميق بينهما. وحظيت سيد بوقت كافٍ أثناء جليه الواثب لغرس سهم في كتفه مما جعل الوحش يئن ألماً ويواصل اندفاعه بينما رعى بير لمهاجمته من الجانب.
وبصفته العضو الأبطأ في الفريق، بدأ فريتز يركض نحو برج الثلج بينما ألقى بير رذاذه المؤكل، وتناثر قوس الحمض على وجه المخلوق الشبيه بالجمجمة. عوى بغضب، وتوقف فجأة ماسحاً يديه الضخمتين على وجهه في محاولة لإزالة السائل الكاوي وهو يئز على جلده. بدأت أيدي المخلوق ووجهه في التقرح وركضت سيد متجاوزة الوحش المتألم عندما أطلق بير رذاذاً آخر غطى كتفه الأيمن، مما جعل انتباهه يتحول إليه، وغضب فائر في عينيه الداكنتين وهو يندفع نحوه في جلي مجنون.
وثبت تلك حركة سيئة من جانب الوحش إذ أطلق بير سيلاً آخر من الضباب الحمضي مباشرة في عينيه. لوح بمخالبه السوداء المرعبة بعشوائية نحو المكان الذي كان فيه بير، لكن الأخير انزلق بسهولة تحت ضربته الخرقاء واندفع متجاوزاً جسده. ألقى فريتز ظله الوهمي، ماداً الطاقة الأثيرية لتصبح قرصاً أسود يتمكن بير من الانحناء تحته.
قرر بير، بكل حكمته العظيمة، أن يلتفت ويوجه ركلة كاسحة نحو الوحش مستغلاً الزخم الإضافي لدورانه. تماوجت قدمه العارية ذات اللون المزرق بموجات من القوة واصطدمت بمؤخرة الوحش بصوت مكتوم مدوٍ، مما دفع الوحش الأبيض للأمام وأجبره على السقوط على بطهه مع عويج خافت. استدار بير وركض عبر الظل الوهمي بابتسامة عريضة على وجهه الأحمق. عوى الوحش بغضب ثم صمت، آخذاً يحك عينيه ويصغي لخطواتهما في الثلج المقرمش.
ساور فريتز شعور سيء حيال ردة فعله فأطلق تحذيراً تماماً عندما هبط نحو المكان الذي يستطيع منه سماع تراجع بير: "اركضا! إنه يسمعكما، لم نؤذه بشيء، إنه غاضب فحسب".
اندفع الوحش الأبيض زاحفاً. كان دوّامةً من الضربات العشوائية والعواء الأجشّ. اقترب بسرعة من بيرت الذي ظلّ يبتسم، متخبطاً عبر الظلّ الوهمي دون أن يراه حتّى. تمتم فريتز متحسّراً وهو لا يزال يركض ويلتفت إلى ورائه بينما كان المخلوق يحتدم مقترباً أكثر فأكثر من صديقه: يا له من هدر لتعويذة. كان يرى الشغف الجامح في عيني بيرت، شغفاً يوشك أن يدفع صديقه للاستدارة ومواجهة الوحش مجدداً.
عرف فريتز أنّ المخلوق سيمزّق ذلك المعتوه إرباً إن وقعت مخالبه المسخية في المدى، بغض النظر عن حيويّته وعظامه المُشبعة.
فعل فريتز ما بوسعه. صنع حفرة بحفر الحجر، مجبراً التراب العُصيَّ تحت الثلج على تشكيل حفرة أعمق قليلاً، ثم ألقاها مرّة أخرى في المكان نفسه ليُعمّق الحفرة الأصلية. راقب بقلق خشية أن يتخطّى الوحش فخّه ببساطة، لكنّه لحسن الحظ وضع الحفرة بمكانها تماماً. تعثر المسخ فانزلقت قدمه في الحفرة المُلقاة مرتين ليسقط على وجهه مجدداً بصوت جرو مصاب.
ناداهما صوت سيد قائلة: كفّا عن الحدّائق وتحرّكا. التفت فريتز ليجدها تقف بالفعل بجانب السُلّم وتلهث بأنفاس متصاعدة بخاراً. استأنف ركضه رغم أنّ التعويذات قد استنزفت جزءاً من قدرته على التحمّل. بلغها بعد بيرت مباشرة وتبعوها صعوداً إلى خارج الطابق، تاركين الوحش العواء يغضب بيأس في قاع السُلّم.
سأل بيرت بلمحة من خيبة الأمل: هاه، ألا يستطيعان صعود السلالم؟
قال فريتز: لا، لكن هذا لا يعني أنهما ليسا خطيرين بعد الآن. لقد سمعتَ حكاية المتسلقين الذين استفزّوا التنين، أليس كذلك؟
أردفت سيد: مات الساخر والسلّم المُحرق؟
أوضح فريتز وهما يصعدان السلالم الخضراء بطئاً: أجل، تلك. يتضح أن القصة تحمل بعض الحقيقة. جسد الوحش لا يستطيع المرور عبر الأبواب لكن قدراته أو سماته ستفعل، مثل أنفاس التنين. تماماً كما تعلّم مات وطاقمه، بشكل مميت.
علّق بيرت: آو.
وافقه فريتز بينما انفتح السُلّم على غرفة البئر: نعم، آو.
شابهت الغرفة الكهف الذي تجرّعا العاصفة الثلجيّة فيه، باستثناء رسومات بدائية على الجدران لشخصيات تقاتل تشكيلة من الوحوش، وفي وسطها نيران مشتعلة باللون الأزرق والأخضر المخيف ذاته الخاص بضوء قمة برج الغرق. التفت فريتز بنظره حول رسومات الكهف وأدرك أن الشخصيات في التصوير كانت هم.
قال فريتز مقترباً ومشيراً إلى رسمة عصوية صغيرة ذات شعر أصفر وصدر أبيض: هي، انظر، تلك سيد تواجه الحلزون. كانت تطلق الأسهم على الرسم البدائي لحلزون الملح العملاق، بكل مجده الأحمر والكوارتز.
هتف بيرت بمرح: عظيم، شيء جديد لتعبث به، ممّا جعل سيد تطلق تنهيدة ضجر.
برر فريتز بعبوس طفيف هبط على جبينه: لا أظنّ أن المرء يمكنه العبث برسمة.
ضحك بيرت مردداً: حسناً، أنت أعلم الناس بذلك، وانضم إلى سيد عند النار الشبحية.
تبيّن أن النار كانت مصدر الطاقة لغرفة البئر تلك. ألسنة اللهب دفأتهم بدل أن تحرقهم وهم يمررون أصابعهم عبر ضوئها الأزرق والأخضر الغريب. سحب فريتز الطاقة إلى ملاذه لكنّه لم يهبط فوراً داخل عالمه الخاص لضبطها. عوضاً عن ذلك مرّر يده عبر دفء النار اللطيف وراقب خيوط الأزرق والأخضر وهي تلتف وتتلوى حول أصابعه بطرق غريبة وسماوية. كان الأمر مزعجاً على أقل تقدير، لكن فريتز ظنّ أنه يستطيع تعلّم شيء من حركاتنا الغريبة الملتوية، وخاصة الطريقة التي كانت بها الظلال التي تلقيها ترقص بجنون على الجدران والأرضية.
حفرها في ذاكرته قدر الإمكان، دافعاً حواسه، وسيطرته، وتركيزه، وذاكرته بطبيعة الحال، لتعزيز قدرته على فعل ذلك. وعلى نزوة عابرة وغريبة تساءل عما إذا كان بإمكانيه جلب النار إلى ملاذه وحفظ صورتها هناك. فملاذي بناء عقلي بعد كل شيء، أسيانجح الأمر وماذا سيحدث؟
مستخدماً كلّ حواسه، وإدراكه، ووعيه، أخذ وقته في التحديق عميقاً في ضوئها المشوه، رسماً خارطة حركاتها ومتعقباً أطرافها المرتجفة الفظيعة. احتفظ بانطباع الألسنة المتلوية ذات الأزرق والأخضر وغاص في ملاذه. تقلّبت النار السماوية في أفكاره، لكنه حافظ على قبضته العقلية عليها بأصابع السيطرة والتركيز، مححضاً النار معه.
وقف في المطر وسمع صوت أزيز. كانت اللهب السماوي هناك، كرة متقطعة بحجم رأسه تقريباً. حامت فوق راحة يده الممدودة، طافية وتحدق به بطريقة ذكرته بعين وحش شريرة. ضرب الرذاذ سطح الكرة متصاعداً في نفثات صغيرة بيضاء. وما إن صار هنا، في ملاذه، حتّى استوعب محيطه. في اللحظة التي فعل فيها ذلك، تذبذب تركيزه على النار، وتخلخلت سيطرته فسقط اللهب، مغلفاً يده.
اشتعلت ذراعه في ومضة من الأزرق والأخضر وتفحم لحمه، ملتفاً ومسوداً في غضون لحظات. في رعبه وعذابه، صرخت الريح وانضم إليها. اشتد المطر، نازلاً بغزارة فوقه ونار السماوية الزاحفة ببطء. بصق اللهب الأزرق والأخضر وأزّ حين غُمِر بالماء الساقط. هزّ فريتز يده بسرعة في الهواء لكن النار تشبثت به كالغراء. استدار بجنون، باحثاً عن أي شيء ليُطفئ النار الرهيبة، ليزيل ألم لمستها الحارقة المروع حتى وهي تزحف ببطء صعوداً على ساعده.
بركة! بركة ماء! أي شيء! توسّل في سرّه. وُجدت بركة ماء على بعد ثلاث خطوات فقط فاندفع نحوها غامساً ذراعه بأكملها حتى الكتف في أعماقها الباردة. انتظر أن يتوقف الاحتراق وأن تنطفئ النار. لكنه كان مخطئاً. بدأت البركة تفور وتغلي وفي غضون لحظات قليلة تصاعد البخار ملئاً الجو بسحب بيضاء تموجت وتغيرت إلى أشباح كابوسية قهقهت مستهزئة بصرخات ألمه.
يئس وبحث بجنون عن مخرج، أي مهرب. لكنه عرف أنه لا مخرج، فملاذه هو هو، والنار ستلتهم كل ما يمثله إن لم يسيطر عليها.
هذا كل ما في الأمر. تحكُّم، تركيز. اهدأ واستخدم خصائصك أيها الأحمق. لقد أدخلتها إلى هنا ووقعت تحت سيطرتك طالما ركّزت على إبقائها في مكانها.
تركّز فريتز على النار الزاحفة دافعاً ألم الاحتراق جانباً بقوة إرادة وبث ثانٍ من التحكّم والتركيز. وجّه كل انتباهه نحو النار الزرقاء الخضراء ودفعها إلى النجاة هابطة على ذراعه. استجابت محاربة إياه طوال الطريق لكنها تراجعت ببطء لأسفل وعلى راحة يده. الآن وقد علم أنه يستطيع التأثير عليها واحتواء الإحراق في راحة يده ركّز على الخطوة التالية.
قاومت محاولة الالتواء خارج قبضته لكنه أمسك بها بقوة في عين عقله وقبض عليها. انتزع النار اللزجة بإرادته وأجبرها على العودة إلى كرة من الضوء الأزرق الأخضر. سحب يده حرة من الماء ممسكاً بكرة النار السماوية في مكانها لتغلي في البركة العميقة لفترة من الوقت، محتفظاً بتركيزه محكماً عليها بينما ترك عقله يبحث عن حلول. تجاهل يده مهما كانت حاجته ماسة لرؤية الضرر، فهذا يمكن أن ينتظر لاحقاً.
كادت النار تفلت من قبضته الذهبية مرة أخرى لكنه ضاعف جهوده لإبقائها محتواة، رغم أن وفرة الماء في ملاذه بدا أنها تساعد حقاً. ارتعش مفكراً فيما كان سيحدث لو لم تكن هناك أمطار أو برك. ما الذي يملكه أيضاً مع ذلك؟ كان الماء حلاً مؤقتاً فقط، لقد احتاج إلى شيء أكثر ديمومة أو شيء يمكنه طرد النار.
استمرت النار في الصراع كادت تتحرر مجدداً بينما حاول التخطيط. أتاجني مزيد من التحكّم، فكّر بحنق. لو أن لدي فقط—
كاد يصفع نفسه لحماقته ومد يده نحو صفصافته بأفكاره ومشاعره بحثاً عن القوة التي تلقاها قبل دقائق معدودة فقط.
* * *
الخصائص المكتسبة +3 غير منتمٍ
* * *
وجّه خصائصه الحرة الثلاث فوراً نحو التحكّم، تاركاً طاقة القوة الباردة تشتته لبرهة. بدأت النار تفلت من قبضته. أصبح ملاذه أقل ضبابية وأكثر وضوحاً، شعر بفروع صفصافته تتصلب وعلم أنه يستطيع ثنيها وظلالها لتتأرجح حيث يشاء. أضاف تحكّمه الجديد إلى جهده لاحتواء النار ووجد الأمر أسهل، ملتقطاً ومنحتاً ومقلصاً الكرة الخبيثة إلى حجم ثمرة ليمون ناضجة تقريباً. كانت لا تزال تقاتل وتغلي لكنه أمّنها للوقت الحالي مانحاً نفسه بعض الوقت والقدرة الذهنية للتفكير في ما يجب فعله بتلك النار القاسية.
هل وُجد أي شيء يمكنه إمساك النار؟ الجناح؟ لا. الصفصافية؟ رفض قاطع. انتظر، ألم يكن هناك مدفأة أو منقل نحمله في الأهر القاسية؟ بلى، بالطبع. ذلك الشيء النحاسي الكبير المغطى بنقوش سحالي النيران، سيؤدي الغرض تماماً.
حسم أمره سريعاً فحرك الكرة سحاباً إياها من سجن بركتها ومتركاً إياها تطفو على بعد قدم أمام جبينه المقطّب. تقدم إلى الأمام بحذر شاقاً طريقه ببطء فوق الأرض الموحلة نحو جناحه الفضي والبنفسجي. أجهد عقله وهو يجر نفسه والنار إلى داخل الهيكل الخشبي، وشعر بألواح الأرض المبللة تصطَرخ تحت مشيته المترنحة والتفت باحثاً عن المنقل. لم يكن له أثر. غلا الإحباط في صدره وألمه رأسه بشكل رهيب من جراء مجهوده، لا، ليس رأسه فحسب بل ذراعه أيضاً.
لا تفكر في يدك أيها الأحمق، وبّخ نفسه بينما عاد الألم الذي كان يدفعه بعيداً ليفرض نفسه. ضمّ عينيه بقوة ونبض رأسه من جراء دفعه وجذبه بطرق شتى. صدر صوت صليل خافت في مكان ما إلى يساره، في مكان ما بين الظلال. فتح عينيه ليرى بالضبط ما كان يبحث عنه، المنقل ملقى على جانبه يهتز قليلاً كأنه دُفع للتو.
مستخدمًا آخر خيوط إرادته، تمايل فريتز نحو المنقل الساقط وأقامه. تشوّهت الكرة الملتهبة، وتشكلت نتوءات وحواف من سطحها الحارق، وامتدت مجسات صغيرة من النار وتحركت بإرادة خبيثة لا ينبغي لنار أن تمتلكها. قبل أن تنفجر كرة النار السماوية غمسها في وعاء المنقل المفتوح، ممسكًا بها هناك في المركز المحترق وآمرًا النحاس باحتواء حرارتها الغريبة والمتشوهة.
حين انكسرت إرادة فريتز انكسرت الكرة أيضًا، منفضةً ضد المعدن. انتفضت وئرت بانتصار رهيب، ثم ترتعشت إذ لم يستطع لمسها إذابة المنقل وحبست مجساتها داخل الوعاء النحاسي. تضاءل زئيرها ليصبح أشبه بأنين يائس.
انهار فريتز عاجزًا عن التفكير أو الحركة. كان يُهزّ، ولكن ليس هنا، في مكان آخر. شعر بوعيه ينزلق، ويفرّ هارباً وهو يملي ناظريه على النار الغريبة التي ترقص بشكل غريب داخل منقلها.
ملأت النار رؤيته محيطة العالم بأكمله بلون أزرق أخضر ساطع، وملأ قرع المطر أذنيه، واجتاحت عاصفة رهيبة عقله.
حينئذ لم يعد يعلم شيئًا بعد ذلك.