تمايل العالم واستيقظ فريتز، وكانت هذه إحدى أفضل طرائق الاستيقاظ. فضلاً عن ظروف العرببة الوثيرة، وحقيقة أنه لم يكن في خطر مباشر. كان يأمل ذلك. تمدّد في المقعد اللين بالقدر الكافي. أطلق أنّة إذ استأنفت أوجاعه من معارك اليوم وتحدياته إيلامه بحدة.
صرخ الوحش الجار للعربة: "هيا، انزل! لقد وصلنا!"، فانتزعت نبراته الجهيرة فريتز من ذهوله.
نظر فريتز حوله بعينين غائشتين، جاهلاً المدة التي قضاها في النوم. لا بد أنها بلغت بضع ساعات على أرجح تقدير نظراً لمدى انتعاشه، حتى وإن كان مهشم العظم بعض الشيء.
انفتح باب العربة مسرباً الضوء الخافت للشمس الآفلة أزلاً. وقف فريتز على قدميه برفق، ثم ثبت وقفته. أجرى جرداً لتجهيزاته، متأكداً من حيازته كل ما أتى به. كان كل شيء موجوداً، باستثناء هدايا عثة الغسق. ثم رمق بيرت بنظرة؛ كان شاحباً أكثر من ذي قبل، لكن أنفاسه كانت قطعاً أنفاس الراحة لا المكابدة.
تنهّد فريتز بارتياح، مطمئناً إلى أن بيرت بخير، في الوقت الراهن. قبض على أكياسه وحقائبه وثبتها، ثم حمل بيرت على ظهره وأنزله عبر درج العربة. كانت الدرجة الأخيرة أوطأ من سابقاتها فهزّت فريتز أثناء نزوله. تجمد مكانه حين سمع بيرت يئن أوجاعاً.
شَدَّ عضديه ومقلاً ناظراً إلى الأمام عاقداً العزم على مغادرة هذا الحيز فور استطاعته، إذ لم يعد يطيق انتظار أفاقة صديقه وتحرره من الألم. تلفت محيطاً بالغابة الرمادية الكثيفة التي وجد نفسه فيها، والتفت ليخاطب جيرالدو المتذمر.
سأل فريتز: "أين الباب؟"
أدار الأرنب البغيض عينيه نحوه، مما جعل جفن فريتز يختلج.
تمتم جيرالدو: "بشر واحلون. لا يرون ما هو ماثل أمام أعينهم مباشرة".
فتش فريتز بين الأشجار، باحثاً عن مخطط باب في لحائها.
أضاف الأرنب: "يمكنك محاولة النظر إلى الأسفل، إن احتمل كبرياؤك البشري ذلك".
فعل فريتز ذلك، كابماً رغبة عارمة في الصراخ بوجه الأرنب الضخم الأبمق. هناك على الأرض على بعد نحو عشرة أقدام كانت دائرة مألوفة من خيوط الفطر الخزامية المتوهجة. كيف قدر لنا أبداً أن نعثر على هذا؟ تذمر فريتز في سريرته مبغضاً: إن القلعة لا تورّثنا رغبة في النجاة قط.
مترنحاً إلى الأمام سمع فريتز شكوى منخفضة من الخلف.
"ولا حتى كلمة شكر، أيها البشري الوحل".
نادى فريتز من فوق كتفه: "شكراً لك! أيها العظيم جيرالدو!"، وأردف مهمساً: "آمل أن يأكلك عقاب، ثم يطعمك لفراخه، يا خلد الوحل".
ردّ جيرالدو بسرعة: "أنا لست خلدًا، ولا أشبهه بشيء".
ابتسم فريتز بخبث مدركاً أنه أثار حفيظة المخلوق بمقارنته السخيفة.
قال فريتز بنبرة غنائية وهو يقف داخل الدائرة المتوهجة: "هذا تماماً ما قد يقوله خلد وحل".
استشعر ذلك الإحساس الهلامي البارد على جلده مجدداً فأغمض عينيه وخطا للأمام. سمع جيرالدو يصرخ بشيء لكنه استحال هذرمة مبهمة بينما خطا خطوة واحدة وأميالاً لا تحصى معاً.
صعد إلى غرفة حجرية، بذات لون حجر الطابق الثالث. لم يعر ذلك اهتماماً يُذكر رغم ذلك، إذ طفق يفتش باحثاً بضراوة عن البئر، وتثابت عيناه من قاعدة إلى أخرى، مرتقياً فوق البقايا المحطمة للتماثيل. رأى تماثيل كاملة لسيد، وفيرونيكا، وتوبي، وجين، ولين، وناومي، ثم تمثاله الخاص، وبجواره مباشرة على القاعدة ذاتها تمثال بيرت.
اندفع فريتز قدماً، المرحلة الأخيرة. بلغ القاعدة، وأمسك بيد بيرت ووضعها فوق التمثال الذي يجسد بيرت. غادرت القوة الصنم، وتدفقت داخل بيرت، واستطاع فريتز استشعار ذلك. طرح بيرت أرضاً ووضع فريتز يده على صدره. ناظراً جروحه التي ما زالت مفتوحة.
ووسوس: " هيا تشفَ".
حين لم يحدث شيء بدأ القلق يتسرب إلى فريتز، متجمعاً مجدداً في صدره كرعب غامر، ليجعله يشعر بالثقل، ووشيك الغرق.
هتف حانقاً: "تباً".
استشعر القوة وهي ترتل داخل صدر بيرت، متربصة للاستخدام. حاول فريتز إيقاظ صديقه، محاولاً حمله على استخدام القوة. لكنه لم يتحرك، ألعله كان أسوأ حالاً مما ظننت؟ أبطأتُ الخطى؟ أماتزال منية الموت تطارده؟ ألا حيلة لي؟
حاول فريتز مجدداً إيقاظ بيرت، صافعاً إياه، وناضحاً آخر ما تبقى من مائه على وجهه. كان التغيير الوحيد هو خفوت أنفاس بيرت وبطئها. أعاد فريتز يده إلى صدر صديقه فاستشعار القوة هناك، سامعاً ضروباً من الترتيل. أصخ السمع، محاولاً التقاط الكلمات.
أمال رأسه ووضعها على صدر بيرت، مصيخاً السمع بكل طاقته. أقترب قليلاً فحسب لأستطيع-
تدورت الغرفة وجُرّ إلى الأسفل بإحساس مألوف، لكنه لم يكن يُسحب إلى قبو تطهيره. كلا بل كان يهوي، يهوي داخل بيرت. اصطدم بالأرض بعنف، مثيراً سحابة ضئيلة من الرمل. تلفت بحيرة، لم يعد في غرفة البئر الملأى بالأنقاض. بل وجد نفسه في نوع من الملاعب، حشود باهتة بلا وجوه تحتشد في مدرجات شاهقة من الحجر الشاحب. كانوا يهتفون بصاخب.
علّقوا صراخاً وهتافاً: "أل-بيرت! أل-بيرت! أل-بيرت!".
ألبرت، لهذا كان هنا، باحثاً عن ألبرت. استدار فريتز، ناظراً عبر المدرجات. كلا، ليس هناك أيها الأحمق. فكر فريتز بسخط، محولاً عينيه الباحثتين إلى أرضية الحلبة الرملية لملاحظة جسد مثخن بالضربات ومضرّج بالدماء في مركزها. هرول إلى جانب الجسد ليرى ما توقعه. بيرت يكاد لا يُعرف، مغطى بالكدمات والدماء وتهتك الجلد.
لمس الجسد فاستشعر... مقاومة؟
صرخ فوق جلبة الحشود: "بيرت، أنا هو، أنا فريتز".
اعتقد أنه استشعار حراكاً، فخبت المقاومة ولمع وميض أمام عينيه. تلك اللغة الرمزية ذاتها من قبو تطهيره.
نصّها: "ألبرت عاجز عن الاختيار في الوقت الحالي. فريتز مخوّل بالاختيار نيابةً عنه. يُرجى توجيه الخيارات."
هتف فريتز المصدوم بلا تفكير: "أيّ شيء يمنعه من الموت."
"تِمَّ تسجيل الاختيار. أُكِّد الاختيار بواسطة ألبرت. قَبِل الملاذُ الاختيار. جاري تطبيق الاختيارات."
أطلق الحشد زئيراً تعالى وتصاعد حتى بلَغ ذروةً تصمّ الآذان. انتُزِع فريتز بقسوة نحو السماء الشاحبة الزرقة، ودارت الساحة الحجريّة من تحته ليجد نفسه مقذوفاً من حيث كان للتوّ.
عندما أفاق، وجد نفسه عارقاً، وكان رأسه ينبض بالألم حين رفعه عن صدر بيرت. سمح لنفسه بالأمل وهو يتأمل جروح طعنات بيرت. ابتسم باتّساع. لقد التامت جروح بيرت، وتلاشى شحوبه، وكان يتنفس بعمق وبقوة. اغتنم فريتز تلك اللحظة ليبكي في صامت، ضاغطاً بكمّ قميصه على عينيه وأنفه السائلين.
سمح لنفسه بأن يشعر بالخوف والتوتر المتراكمين منذ إصابة بيرت، ثم ترك ذلك كله يذوب بينما كان ينتشي بانتصاره. لقد أنجزها، وهنا استقرّ في وجدانه حقاً استحالة ما مرّ به وكاد يطلق صيحة ابتهاج. مع ذلك، جلس في هدوء إلى أن استعاد السيطرة الكاملة على حواسه المتبلدة ومشاعره الجامحة.
التقط فريتز شحيراً خافتاً قادماً من خلف قاعدة التمثال، شخيرٌ ظنّ أنه يعرفه. توقفت الدموع وعادت ابتسامته لتزين وجهه. زحف حول قاعدة التمثال بهدوء يشبه هدوء الفأر. لمح سيّد النائم. بدا لطيفاً للغاية وهو نائم، هكذا حدّث فريتز نفسه، ثم عبس، من أين أتى هذا الخاطر؟
جلس فريتز، تنحنح وتأكد من خلو وجهه من الدموع أو المخاط ثم قال بنبرته الأكثر جديّة: "ألم تقل إنك لن تنتظرني يا سيّد؟"
انتفض سيّد جالساً، وحدّق حوله في ذهول، فرأى فريتز، وأطلق صرخة رفيعة، ثم لفّ ذراعه حول صدره. صدره المنتفخ على نحو غريب، فعاد فريتز ليعبس. شاعرًا بأنه على وشك كفكفة لغزٍ ضخمٍ ما.
"فريتز، إياك أن تتسلل نحوي هكذا!"
صاح سيّد بنبرة حادة غير عادية. ثم سقط فكّه. بدا وكأنّه أدرك للتوّ أن وجود فريتز هنا بينما يفترض أن يكون عالقاً في الطابق السابق هو أمر غير مألوف، بل مستحيل.
"كيف؟"
كاد سيّد يهمس بها غير مصدق وهو يتفرس فيه بعجب.
"باب خفي، قابلتُ بعض الجنيات، ثم امتطيت عربة إلى هنا. أمور بسيطة حقاً،"
ردّ فريتز باستهانة.
"باب خفي. بالطبع،"
بصقها سيّد، "لقد كذب علينا السبي.ر"
"تقنياً لم يفعل، ولكن أساساً نعم،"
وافق فريتز ومحت الابتسامة عن وجهه حين تذكر اليأس الذي شعر به عندما ظنّ نفسه عالقاً. انتشل نفسه بسرعة من تلك الحفرة مرتدياً وجهاً جاداً وسأل السؤال الذي ظل يحرقه طوال الدقيقة الماضية.
"سيّد... ألعلك... امرأة؟"
تأوه سيّد، مؤكداً اتهامه. ابتسم فريتز بخبث وأومأ متضامناً.
"وما شأنك أنت يا فريتز،"
ردّت في نهاية المطاف متخلية عن صوتها الخشن الرجولي.
"لا شيء، لا شيء أبداً،"
ابتسم فريتز بزهو، مرتاحاً لعدم اضطراره إلى الخوض في أي تأمل ذاتي بشأن ردود أفعاله الغريبة تجاه سيّد.
فتّش سيّد وجهه، ثم حدق فيه بعينيها الزرقاوين الجميلتين، "أنت أبله يا فريتز."
"هو كذلك. أبله تماماً."
صدح صوت بيرت بحماس.
ابتسم فريتز بابتهاج، سعيداً بسماع صوت صديقه المقرب مجدداً. سار بيرت حول الزاوية لينضم إليهما، ضاغطاً بيده على جنحه الجريح.
"لقد كشفتُ سرا مخفيا بعناية. كيف أكون أبله بالتحديد؟"
تساءل فريتز.
"أتوجه كلامك بجدية يا فريتز؟ أما زلت للتو تدرك أن سيّد امرأة؟"
سأل بيرت والقلق مرسوم بوضوح على وجهه.
"أكنت تعلم؟"
سأل سيّد بعدم تصديق.
"ظننت أن الجميع يعلمون، فالوشاح علامة واضحة وضوح الشمس،"
علق بيرت وهو يجلس ويطلق تثاؤباً خفيفاً.
تلاقت نظرات سيّد وفتريز في حيرة.
"ماذا؟"
سأل فريتز مرتبكاً.
"إنه مصنوع من الصوف. النساء يعشقن الصوف،"
أوضح بيرت كأنما يطرح أبسط بديهيات الكون.
تلاقت نظرات سيّد وفريتز مجدداً وكأنهما يتحققان مما إذا كان أي منهما قد سمع هذه الحقيقة الفريدة. هزّ كل منهما رأسه بخفة الواحد تلو الآخر.
"بيرت... أنا أرتدي الصوف، وسراويلي من الصوف،"
قال فريتز.
"حسناً يا فريتز، لم تكن قط أكثر الرجال رجولة،"
قال بيرت باستعلاء، وهو يعبث بحقيبته ويخرج قطعتين من سمك المدخن.
"بيرت... سراويلك من الصوف أيضاً،"
أضاف فريتز بضجر.
تجمد بيرت للحظة، وتوقفت يده قبل أن يضع السمك المدخن في فمه.
تنقل بنظراته بين الاثنين، وابتسم ابتسامة مثيرة للغضب، وهز كتفيه وقال: "كنت محقّاً مع ذلك."
قضم بيرت حصته من الطعام، يأكل كأنه رجل متضور جوعاً.
جلس سيّد وفريتز في ذهول، ثم انفجرا ضاحكين.
"ماذا!؟"
قال بيرت وفمه مملوء بالسمك.
"أتراجع عن كلامي، لكما أحمقين،"
قالت سيّد وسط ضحكاتها.
"وأنا جائع أيضاً، اعطني بعضاً من سمك السيف هذا،"
طالبه فريتز. استجاب بيرت مناولاً إياه بعضاً منه، فمزقه فريتز نصفين وقدم جزءاً لسيّد التي تناولته بامتنان.
أكلا في هدوء، تباغتهما نوبات ضحك خفيفة بين الحين والآخر بلا سبب واضح.
ثم سأل سيّد: "جنيات ها؟"
"أجل،"
أجاب فريتز ببلاغة. ثم حين رأى اهتمام بيرت الشديد وعزيمة سيّد الصلبة، لخّص ما جرى بعد الباب الخفي. قلل من شأن الأمر قدر الإمكان لكنه وجد نفسه مع ذلك يشرحه كأنه حلم. لقد بدا وكأنه حلم بالفعل وكانت بعض الأحداث غائمة بشكل غريب في ذاكرته.
قال بير وهو يحرك حاجبيه بإيحاء: "إذن تقول إنك جعلت أميرة تفرغ لي بينما كنت أحتضر؟"
ضحك سيد بدهشة واشمئزاز بينما اكتفى فريتز بابتسامة مهذبة أمام هذا التلميح البذيء ثم واصل حكايته. ختم قصته بالغرابة التي اختبرها في ما ظن أنه حرم بير. حجب تفاصيل مظهره لأن تلك الأمور خاصة ولم يكن يعلم إن كان بير يريد منه أن يخبر سيد بها.
قال بير بعد صمت حرج تلى إنهاء فريتز لقصته: "هذا يفسر الأمر. كان الظلام دامساً، أعتقد أنني كنت أموت، كان هناك شيء يسأل إن كنت أثق بفريتز، لابد أنني قلت نعم، وها أنا ذا."
سأل بير بلا أدنى اكتراث: "ما القدرات التي اخترتها لي يا فريتز؟"
اعترف فريتز بحرج: "أنا، امم. لا أعرف، لقد قلت فقط إنني لا أريد لك أن تموت."
علق سيد بلا جدوى: "آآآه."
هز فريتز كتفيه قائلاً: "ثم طُرِدتُ، وأخبرك حرمك أن الخيارات قد طُبِّقت."
قال بير وقد رنَّ التوجس والحماس في صوتi: "أظن أنه يجب علي الغوص في حرمي لأكتشف الأمر."
سأل فريتز مغيرًا الموضوع: "وماذا عنك يا سيد؟ أنت هنا منذ مدة أطول منا، ماذا اخترت؟"
أوضحت سيد وقد غلف القلق ملامحها: "امم، لم أختار بعد، لقد استغرقني النوم وأنا أفكر في خياراتي."
عرض فريتز: "امم، اسمعي، سأذهب لأحصل على قدراتي ويمكننا بحث بعض الخيارات معاً."
سألَت سيد وقد زاد القلق وجهها ظلالاً: "أتزال تريد التسلق معنا، بعد أن... بعد أن تركتكم؟"
تنحنح فريتز وألقى بصوته الصافي:
أزرق العيون الساطع، المشتعل كنار، عظيم في المعارك، عند احتدام الأخطار. بارع في النصال، وقوي بالقوس، أطلق سهاماً واطرح الأعداء بالرؤوس. قوي في الجسد، والسحر، والعقل، سعيت لإيجاد خير الأصحاب وأعدل. أن أغني لمناقبك، سيستغرق وقتاً طويلاً، لذا أهدي قصيدة، لا لحناً عليلاً. بكل عونك، سنتسلق بلا ريب المعالي، فهل تنضمين إلينا يا سيد لبقية البرج العالي.
قرر فريتز أن القصيدة تستحق العناء لمجرد البهجة على وجه سيد، بينما كان بير يتابع مسروراً بينما صفقت سيد صفقات خفيفة.
سأل فريتز: "حسناً؟"
أشرقت سيد ثم دفنت وجهها الخجل في وشاحها: "أوه! نعم، أظن أن القصيدة كانت... مناسبة... أو جيدة."
تخبط بير ضاحكاً لإحراجها لكنه لم ير لزاماً أن يمعن في مشاكساتها.
أعلن بير: "حسناً، سأرى ما حصلت عليه، وإن كان سيئاً فسألوم فريتز."
فقدت عينا بير تركيزهما وهو يغوص في حرمه، وقرر فريتز أن هذا أوان مناسب تماماً ليمتص قدرته من تمثاله الحجري. صفع بيده فخذ تمثاله وشعر بالضوء البارد يسري فيه عبر كفه. تصاعد لاهباً في ذراعه وإلى صدره، ليملأ جوفه ويحتدم بحرارة جليدية.
ثم هبط، مسحوباً إلى النجمة الباردة المجاورة لقلبه. لامست رجلاه الأرض الموحلة ورذاذ المطر يتساقط عليه. ظن أن المكان يبدو كما تركَهُ إلى أن رأى الجناح، فقد تغير. كان الخشب أقل بياضاً وأكثر فضية، وحلّت تدرجات الخزامى محل اللون الأزرق. كان هيكله مألوفاً لكنه حمل نقوشاً غريبة جديدة على أقواسه وأعمدته، وتشربت منحنياته الرشيقة بأناقة ومرونة غريبتين.
كانت رد فعلها الأولى هي السخط، والغضب لأن حرمه قد عُبث به، ولأنه دُنِّس، وسُلقت ذكرياته الثمينة. تقدم فريتز بخطى واسعة، مستعداً لتمزيق هذا الهزء إرباً بيديْه العاريتين عندما لاحظ أنه ما زال يحمل الندوب العديدة التي راكمها في حياته السابقة. وحين وجه نظره إليه بنور جديد رأى أنه الجناح نفسه، لكنه تغير، مسه زمانه في عالم الغسق الخفي.
أدرك أنه يشبهه كثيراً. أحيقّاً ظن أنه بعد كل ما خبره سيظل على حاله؟ جزء كبير منه ما زال يكره الفكرة، ويرفض التغيير، لقد أراد أن يحرق هذا الشيء ويبني آخر جديداً. لكن الجزء الأفضل منه أدرك أن هذا هو الأفضل، فالكل يتغير وعليه أن يتقبل الأمر لا أن يحاربه. لقد. كان. صراعاً.
تنهد فريتز، نافخاً الألم، وترك الغضب يتهاوى عن خطوات مسيره وبدلاً من ذلك مشى ليلاقي الجناح المتغير بذهن صافٍ. سار تحت سقف الجناح وفتش جدرانه وأثثه المحطم وكتبه. بدا الدخل متشابهاً في غالبه، فبعض الكراسي كانت أقل تهشماً وظلت طاولة الغداء مثقوبة ومشققة لكنها لم تتبعثر إلى شظايا كما كانت.
أتم استعادة ذكرى؟ أهي هبة؟ أم سخرية؟ ما عساه يكون؟ كل ما عرفه أنه جلب الدموع إلى عينيه وهو يمرر يده على خشبه المعذب. كم هذا حلو مُرّ، هبة إذن. سمح لنفسه بهذا الشعور للحظات أطول، ثم وجه انتباهه إلى غايته، نحو القدرة التي تدور حالياً داخل حرمه. استدفأ بنوره وشعر بالخيارات تشتعل أمامه.
* * *
مسار اختر واحداً
* * *
كشاف عاين المعالم، أعد الخيوط، أنصت ملياً، الأخطار أمامك. اقد فريقك بأمان عبر المخاطر الطبيعية والوحشية، حذرهم من الأخطار واكتشف نقاط الضعف. يصطف ست نقاط مع السمات التالية: الرشاقة، التحمل، الإدراك، الذاكرة. يفعل ويصطف ست نقاط مع السمات المتقدمة التالية: الوعي، رد الفعل. اكسب خيار قدرة مسار واحدة.
* * *
اكتشفت وفككت العديد من الفخاخ. اكتشفت صندوق كنز. اكتشفت الأعداء قبل أن يكتشفوك. قدت فريقك عبر تضاريس وعرة.
متأثر بتقنية «الملاحظات».
* * *
الجاسوس وجه من الاقنعة هادئ وبارد يتحدث بهمساور ملتفة بسحر. خفي وملاحظ ينتظر الجاسوس ويراقب بحثا عن نقطة ضعف. يوائم ست نقاط مع الصفات الآتية: الرشاقة، الإدراك، التركيز، الذاكرة. يفعل ويوائم ست نقاط مع الصفات المتقدمة الآتية: الوعي، التحكم. تكتسب خيار قدرة مسار واحد.
* * *
اكتشفت أفخاخا عديدة وأبطلت مفعولها. اكتشفت الأعداء قبل أن يكتشفوك. حاولت التحلي بالتخفي ونجحت غالبا. نصبت كمينا وأنت مختبئ. استخدمت سحرك الواسع لتنال ما تريد. تعاملت مع الجنيات. متأثر بتقنية الملاحظات. متأثر بسمة قبلة الغسق.
* * *
المتخفي تسلل صامت ذهابا وإيابا حركة المراوغة كن ظلا. متخصص في التخفي والبقاء مختبئا. يوائم ست نقاط مع الصفات الآتية: القوة، الرشاقة، التحمل، الإدراك. يفعل ويوائم ست نقاط مع الصفات المتقدمة الآتية: الرشاقة، رد الفعل. تكتسب خيار قدرة مسار واحد.
* * *
حاولت التحلي بالتخفي ونجحت غالبا. نصبت كمينا وأنت مختبئ. متأثر بتقنية الملاحظات. متأثر بسمة قبلة الغسق.
* * *
* * *
سمة اختر واحدة
* * *
حاسة الأبواب خلف البوابة وراء الباب موت عنيف أم ساحل بعيد؟ يمكنك تمييز معلومات عما يتربص خلف الباب وتهديداته المحتملة بدرجة طفيفة. المحاذاة: العقل، الحاسة. التكلفة: لا توجد. المدة: كامنة. التجديد: لا توجد.
* * *
اخترت ثلاثة أبواب. اكتشفت بابا خفيا وعبرته.
* * *
صرخة المتحدي اسمعوا أيها الحثالة! افروا أيها الأوغاد! أنا حتفكم وهذه قبوركم. تحدى الأعداء مجبرا إياهم على مهاجمتك. قد يصاب الأعداء المتأثرون بالخوف. المحاذاة: العقل، الصوت. التكلفة: اثنتان. المدة: ست ثوان. التجديد: دقيقة واحدة.
* * *
وقفت دفاعا عن المتسلقين الرفاق. سخرت من المتسلقين الرفاق. تحديت المتسلقين الرفاق. متأثر بتقنية فن الملاكمة.
* * *
راحة الظل اختبئ سرا بعيدا عن الأنظار نم في الظل وأصلح في الليل. بينما أنت في الظلام أو تحت ظلال عميقة زد معدل استعادة الصحة بدرجة طفيفة. المحاذاة: الظل، الحياة. التكلفة: لا توجد. المدة: كامنة. التجديد: لا توجد.
* * *
استرحت في مكان مظلم لتتعافى من الجراح. متأثر بسمة قبلة الغسق. متأثر بتقنية الملاحظات. متأثر بالبرج.
* * *
* * *
الصفات المكتسبة +3 غير موائمة
* * *
هز فريتز قبضتيه بحماس في داخله حين وجد الكشاف أحد خيارات مساره. انتشل نفسه بسرعة من محرابه لئلا ينجرف ويختاره في تلك اللحظة بالذات. عاد بالمعلومات الجديدة وبعض الأسئلة الجديدة أيضا ليرى بيرت يكاد يتقفز ليخبر فريتز وسيد بالقدرات التي حصل عليها.
سأل فريتز بتشكك: "أبهذه الجودة كانت؟"
وهو يعلم أن أي شيء يظن بيرت أنه جيد قد يكون شيئا يراه الآخرون جنونا مطبقا.
قال بيرت في استعراض لامتنان مبالغ فيه: "أوه، نعم، يا صديقي العزيز ومنقذي. دعني أمتعك بما لدي."