غضب "سبير" الفصل 233

اقرأ غضب "سبير" الفصل 233 باللغة العربية على مانجا تايم.

كان جيري المقايض طاعناً في السن، أصعف الشعر، وابتسامته حادة تقطر جفافاً. لمعت عيناه بشراهة وهو يتفقّد الكنز والقطع الذهبية والمواد المصفوفة على منضدته. مرر أصابعه الهزيلة المكسوة بخواتم شتى فيما تبقى من شعره، ثم دسّ يده في معطفه المخملي الأحمر المذهب فأخرج ثلاث مجموعات من العدسات الفريدة. تفاوتت إطاراتها بين النحاس والفضة واللؤلؤ تباعاً.

راقب فريتز الرجل وهو يصفق كفيه ويقهقه. بدا ما جلبوه هو ورفاقه له مثيراً للاهتمام وفوق التوقعات.

كبح فريتز تنهيدةً وجال بنظره في الغرفة المكتظة بعناية. كانت واسعة وزاخرة بالرفوف والمنضدات المتراصة بالسلع. ضمت أسلحة وجرعات وأعشاباً وسبائك ودروعاً وملابس وغيرها، خليطاً من المتفرقات والمبهمات. حدثته نفسه أن هذا المكان يعد من أرفع مقرات التعاملات المريبة شأناً في المقاطعات، فهو أبعد ما يكون عن أولئك المقايضين المتسولين الذين اضطر لمساومتهم حين كان صعلوكاً بعد.

وضع جيري عدسة اللؤلؤ على عينه، لكنه قبل أن يبشر بتقييم المعروضات أمامه، ثبّت نظره أولاً على كل فرد من أفراد الطاقم مقيماً إياهم عوضاً عن ذلك.

أبقى فريتز وجهه مْبهم الملامح، ومثله فعل بقية الطاقم بتفاوت في النجاح.

قال جيري وهو يشير ببعبده إلى ميل: "أنتِ هناك أيتها الفتاة. لديك كنز حديث العهد بحجم الدبوس أو الخاتم. أخرجيه هيا، فلستِ ترغبين حتماً في خداع الزعيم بعد أن تفضّل بالسماح لك بالتسلق".

كعّت ميل ورمقت الباب خلفها بنظرة خاطفة.

كان نيك يقف هناك بابتسامة معوجة على وجهه الندب، قاطعاً أي سبيل للفرار.

تمتمت بلعنة ومدت يدها تحت سترتها الجلدية. أخرجت الخاتم أخيراً ورمته بقوة على المنضدة.

مرت مسحة خفيفة من الاشمئزاز على وجه جيري، لكنه لم يلتفت إليها ثانية.

طعن بنظره وقال لفريتز: "وأنت، في حقيبتك شيء ما".

رد بيسر: "في حقيبتي الكثير. وكلها أُدخلت إلى السبير، لا أُخرجت منه. لا أدري ما علاقة هذا بضريبتك".

تنهد جيري وأشار إلى نيك الذي قلّب حقيبة فريتز رأساً على عقب بلا اكتراث.

قال المقايض مشيراً إلى كيس الأحجار الكثيرة: "تلك الحقيبة".

أعلن فريتز: "تلك لي، وكانت بحوزتي طويلاً قبل التسلق".

أدار جيري عينيه بملل.

"كذاب لعين. لا بد من وجود أبله بينكم كل مرة. أترى هذه العدسة لصلاح العيون التالفة أيها الغلام؟"

انتفض فريتز من داخله لكنه حافظ على صرامة وجهه.

"ربما. بما أنك تدعي باطلاً جهاراً".

ضحك جيري ضحكة جافة: "هاه".

ثم تهافت ذلك المرح وحل مكانه عبوس متأفف.

"نيك، اضرعه".

بصوت معدني طُرح فريتز أرضاً إثر لكمة خاطفة استهدفت ظهره. دهش لأن حاسة الخطر لديه لم تحذره، وإن ظن أن السبب يعود لغياب القاتلية فيها. فهي لن تنذره البداهة من الخدوش الطفيفة أو الجروح أو الارتطامات البسيطة، بل من الإصابات التي تُعد مهلكة أو مزمنة أو دائمة فحسب.

ستخلف اللكمة رضوضاً فحسب ولم تكن بالأمر الذي يستدعي الشكوى. أما الانبعاج في درعه والذي بات يغرز في عموده الفقري فأمر آخر. سيحتاج إلى جعل جورج يعيده إلى وضعه الأول طَرْقاً.

قال فريتز: "يا نيك. لمَ ضربتني؟ ظننت أننا أصدقاء".

رد نيك وهو يرفعه مجدداً: "الأصدقاء يتذكرون أعياد الميلاد".

"ليست عيد..."

قاطعه نيك: "كف عن العبث. أنت تضيع ما تبقي من الليل فحسب".

قال فريتز وهو يلتقط الحقيبة ويضعها على المنضدة مع بقية الكنوز: "حسناً. ها هو ذا، كل ما عثرنا عليه في السبير".

قال جيري وهو يحدق الآن في ريد: "أنا من سيقرر ذلك".

سرعان ما تحول نظره ليقع على ترادج الذي راح يتحرك في مكانه بتبرم. ضيق عينيه لكنه لم يجد عليه شيئاً هو الآخر.

سأل فريتز: "أهذه العدسة ترى الكنوز المصنوعة حديثاً أو ما شابه؟"

قصف المقايض كلامه: "لستَ بحاجة لمعرفة كيف تعمل".

قال فريتز مدمجاً نبرة من ترنيمة الغسق: "ربما لا، ومع ذلك أرجوك أن تسايرني".

سخر جيري: "أسايرك؟ أأنا مهرج؟"

ثم أردف وهو يتفرس في كلوفر صعوداً وهبوطاً: "وكف عن تشتيتي".

حين فرغ من تفحصها، تفقد الجميع مرة أخيرة فعلق بصره على صدر فريتز لبرهة. تجعد جبينه لكنه انتقل بعدئذ إلى بقية أفراد الطاقم ثم إلى المنضدة وما عليها من أغراض متفرقة. عادت إليه ابتسامته حين حطّ نظره على الذهب.

قال جيري: "غلة لا باس بها حقاً. حتى القمة إذن؟"

أومأ فريتز: "حتى القمة".

تابع جيري وهو يومئ برأسه مرة واحدة نحو كلوفر: "ومن هذا الصندوق أرى أن هذه الفتاة محظوظة قد ظفرت بتسلق ذهبي. تهانينا أيتها الآنسة".

ترددت قليلاً ثم أجابت: "شكراً لك".

قال وهو يفرز الكنوز والمواد والأغراض السحرية بذهول: "لا تسلق ذهبي منذ عقود، والآن يقع اثنان في غضون أشهر معدودة. سيسر الزعيم حقاً".

وافق نيك: "بل سيسر بشدة. سيطالب الزعيم برؤيتها فوراً بعد هذا، لذا أسرع يا جيري".

أبدى المقايض تذمراً خافتاً لكنه لم يعترض طريق السفاح.

سأل فريتز مشيراً إلى الكنوز: "أدَوَّنتم أياً من هذه؟"

أجاب فريتز: "فعلنا".

قال جيري: "حسناً، أخبرني بما قرأت".

سألت ميل: "ألا تستطيع معرفة أفعالها لمجرد النظر إليها؟ ألست تملك مهارة أو ما شابه؟"

دحض جيري كلامها: "بالتأكد لا. لو استطعت فعل ذلك، لما احتياجت إلى العدسات أليس كذلك؟"

قال فريتز: "ولما كنت لتبتلعك هذه الأنفاق هكذا. ولكان لك متجرك الخاص في الحلقة العليا".

تجهم جيري. ويبدو أن تلك كانت نقطة حساسة. ومع أن هذه الغرفة كانت مضاءة جيداً ومفروسة براحة، فلم يمنعها ذلك من أن تكون مكاناً بغيضاً للعمل تحت الأرض، رغم سريتها وصمتها المرعب والساكن. والاضطرار إلى العيش هنا، كما كان فريتز يظن عن الرجل، لكان أسوأ من مجرد كونه غير مرغوب فيه، لكان عذاباً محققاً.

تمتم المقيم غالباً لنفسه وهو يدعك بقعة على قميصه: "لا أمل في ذلك. ولكن هذا لا يخصك، فما عمل هذه؟"

وقوبل بصمت محرج.

بدأ ترودج يقول: "حسناً، تلك المطرقة—"

قال جيري: "انتظر! لا تخبرني فوراً. دعني أفحصها أولاً".

التقط المطرقة وأمعن النظر فيها، مديراً إياها ليفحص كل زاوية، ثم راح يبدل العدسات واحدة تلو الأخرى، من اللؤلؤ إلى النحاس إلى الفضة. ولا بد أن كل عدسة كانت تكشف عن صفة خاصة تخفيها العين المجردة، وتساءل فريتز عما يمكن أن يكتشفه الرجل بشأن الكنز.

"ممم. غامضة. صالحة لأمور شتى. ولكن من شكل الرأس والمقبض، ومن مدى كثافة السحر فيها، أحزر أنها مرتبطة بالوزن. أهي ضربة ثقيلة؟ أم منحة زخم؟"

رفع بصره مترقباً إلى ترودج، الذي بادله نظرة متوترة.

سأل جيري بنفاد صبر: "ما المكتوب في ورقة المعرفة؟"

أجاب: "أممم... لها ميزتان، إحداهما تضاعف وزنها والأخرى تنصفه".

قال جيري مبتسماً: "أه. هذا رائع. لقد كنت على صواب تقريباً، لا تماماً".

كان الرجل يبتسم ابتسامة مشعة بشكل مدهش، وبدا جلياً أنه يستمتع بعملية التقييم لذاتها، لا لمجرد الذهب الذي يمكن جنيه من بيع الكنوز. وإن لم يكن غريباً عن الطمع أيضاً، بناءً على البريق في عينيه الصافيتين.

سألت ميل: "كم تساوي؟"

ادعى جيري: "إنها في نطاق جودة المبتدئين. وإن كانت في الطرف الأعلى من القوة، وهي مفيدة خصوصاً للتدريب، لذا فهي تساوي خمسمائة إلى سبعمائة قطعة ذهبية".

ذهلت المجموعة، وضحك الوسيط بخفة على رد فعلهم. لم تكن لدى فريتز نفسه أي فكرة عن السعر الذي قد تبلغه، ولكن حين أخبروه بالمبلغ، لم يفاجئه الأمر. فالكنوز ذات قيمة.

قال جيري بأسف، محطماً آمالهم وأحلامهم: "طبعاً، لا أمل لكم في بيعها بهذا المبلغ".

عترضت ميل: "لماذا لا؟ أستحاول خداعنا؟"

هز الوسيط رأسه، غير مبالٍ بالاتهام.

"لا، كل ما في الأمر أنه سيتوجب بيعها خارج المدينة، أو لجاستيلي. وهذا يحد مما ستجنونه منها".

سأل ريد: "لماذا؟"

قال نيك: "لأن الزعيمة تقول ذلك".

وافق جيري: "حقاً".

بدا الأمر منطقياً لفريتز. لم تكن أسماك القرش الليلية تريد ظهور عدد مشبوب بالريبة من الكنوز في مدينة المطر، لئلا يحوم الشك حول وجود برجها السري أو ينكشف عاجلاً أم آجلاً.

سألت ميل بوجه مكفهر: "كم سنحصل عليها إذن؟"

قال جيري: "نصف ذلك تقريباً".

أطلقت ميل تنهيدة طويلة، وأراد فريتز أن يتردد صدى تنهدتها. ومع ذلك، امتنع عن التذمر؛ فقد أراد كسب رضى المقيم، ولن يفيده التذمر في مسعاه ذلك. أما الرشوة، فمن جهة أخرى، قد تفيد. وسيحاولها إن وجد بعض الوقت وحده مع الوسيط، دون أن يتنفس نيك في قفاه ويراقبه بتلك العينين القاسيتين.

قال جيري، وهو يضع المطرقة جانباً ويلتقط التاج البلوري: "لننتقل الآن. جميلة".

بدأ فحصه مجدداً، وأخذ فريتز ومجموعته يشرحان ما استطاعا. ومع أنهما كانا مبهمين في وصفهما، فقد كان الوسيط يهز رأسه موافقاً حين يتطابق ما أخبروه به مع تخميناته.

وأخيراً، بلغ الرجل كيس الأحجار العديدة الخاص بفريتز.

"هذا الكيس، نوع من التخزين المكاني، مقتصر على العناصر المرتبطة بالأرض والمعادن، أليس كذلك؟"

أوضح فريتز: "نعم، يفتح بوابة صغيرة".

سأل جيري وهو عارف بالحال: "وأفترض أنه يحوي معادن بداخله بالفعل؟"

أقر فريتز: "نعم".

فعّل الوسيط الكنز وجرف الأحجار الكريمة والخامات من الفضاء الكائن خلف البوابة.

كاد يزهو بنفسه: "يا له من أمر! انظر إلى كل هذا. وظننت أنك ستستلّه سراً لنفسك؟"

أكد فريتز بأقصى ما استطاع من إخلاص: "ليس لنفسي وحدي. لقد نويت حقاً مقاسمة الغنائم مع مجموعتي".

لم يصدقه الوسيط، بناءً على الشك الحائم حوله. غير أن مجموعته صدقت كلامه، غالباً. كان يرى سحابة من اليقين تمتزج بالتردد، وتتخبط فوقهم.

شعر فريتز بالدفء، وبالخزي أيضاً. فقد كذب.

وما إن انتهى تقييم آخر الكنوز، حتى انتقل جيري إلى المواد والأعشاب والجرع والخامات والأحجار الكريمة. وكان هذا الفحص أقصر بكثير، وسرعان ما كون الرجل تقديراً ثابتاً لما جلبوه.

لم يقض أكثر من دقيقة على كل عنصر، وفلتت بعض الأشياء الثانوية عن تقييمه. ولم ينزعج جيري من ذلك، بل اكتفى بذكر أنه سيتعين عليه إجراء المزيد من الأبحاث أو توظيف أساليب أكثر صرامة، وكلاهما يستغرق وقتاً طلباً في الوقت الحالي. وفهرست الأشياء واحداً تلو الآخر.

ثم جاء دور المساومة. وكان ينبغي أن ينالوا ثلثي الغلة، كما وُعِدوا، غير أن قسمة تلك الثروة وما تلاها من جدال جلب صداعاً حقيقياً حقاً.

وأثناء المفاوضات، برزت مفاجأة، ومفاجأة سخية.

سألت كلوفر وهي تجرؤ على الأمل: "يمكننا الاحتفاظ ببذورنا؟ حقاً؟"

قال جيري: "نعم، يفضل الزعيم أن تحتفظوا بها. بشرط واحد، أن تكتموها وتستخدموها بأنفسكم ودون بيعها البتة. آه، ولا تتباهوا بأي كنوز جديدة، اخفوها لشهر كامل على الأقل".

لاحظ فريتز قائلا: "يبدو هذا قدراً مبالغاً فيه من الثقة"، ومضى يفكر أنه ما كان ليصنع المثل في مكانها.

قال نيك: "الأمر هكذا وليس هكذا. وثمة مسحة من الخرافة أيضاً. في أجزاء معينة من إسبا، يعتقدون أن فصل البذرة عن متسلقها فأل سيئ للغاية. والزعيم، حسنًا، يؤمن بهذا الاعتقاد، رغم أنه متجرد ومطلع".

أضاف جيري: "وبهذه الطريقة يقلّ الكيد أيضاً. لو سُرقت بذرتي الفضية، أعني فرضت عليها الضريبة، فلا أدري إن كنت سأغفر لها يوماً".

سألت كلوفر: "لها؟ قرش الليل امرأة حقاً؟".

شحب وجه جيري وارتجف.

بصق نيك: "احذر، لسانك السليط هذا سيكون سبب هلاكك".

قال جيري بضعف: "نعم، غالباً"، وهو يدلك صدره، ثم بدا أن شيئاً خطر بباله.

تذمر نيك والتفت إلى كلوفر: "وأنت، عليك الذهاب للقاء الزعيم".

"متى؟ الآن؟"

قال نيك: "الآن. يحبون لقاء جميع المتسلقين الذهبيين ومعرفة ما يمكنهم فعله من أجلهم. ويمكن لبقية طاقمكم الحضور أيضاً".

حاولت كلوفر التملص: "لا أود إزعاجها".

رد نيك: "لن يكون هناك أي إزعاج، فهم على علم بالوميض الذهبي. لقد أُبلغ بالأمر فوراً، ويريدون رؤيتك قبل انقضاء الليل".

سقط ما في يد كلوفر، وغرقت أي بصيص أمل في الإفلات من مخالب قرش الليل تحت وطأة الواقع البارد.

قال نيك: "لا داعي لهذا كله. بناءً على ما اخترته، قد يُمنح لك مكان إلى جانبهم أو حتى قطاع خاص بك".

أومأت برأسها خاضعة.

أجاب: "حسناً إذن. أنهوا أمركم هنا بسرعة. لا نريد إبقاءهم في الانتظار".

سأل فريتز: "هل وُجودِي مطلوب؟".

رمقه نيك بنظرة عابرة ثم هز كتفيه: "يمكنك المجيء إن شئت، لكن إن كنت تبحث عن مكافأة أخرى فلا ترهن عليها".

أومأ فريتز برأس، وكان على وشك توديع الطاقم هناك وهناك، فور المطالبة بنصيبه من الغنائم، غير أنه عدل عن رأسه. نظر كل منهم إلى تعابير وجهه، وتحلت عيونهم ونورهم بمسحة متوسلة. ما كان ليتركهم وشأنهم هكذا. ليس بعد كل ما كابدوه معاً.

قال فريتز: "إذن سأرافقكم".

أومأ نيك: "عجلوا إذن".

التفت فريتز إلى الطاولة وشرع في انتقاء ما يود الاحتفاظ به. وأكثر ما برز هو خاتم النار الداخلية ورداء الليل الغائم. ورغم أنه اضطر للمساومة والجدال مع ميل والوسيط، فقد نجح في جعلهما ملكاً له، وإن كان ذلك بعد التنازل عن جزء كبير من حصته من الذهب.

وكان الكنز التالي في الأهمية حسب رأيه هو كيس الأحجار الكثيرة، لكن المقوم رفض التخلي عنه بإصرار على أنه باهظ الثمن وسيغطي قسماً كبيراً من الضريبة إلى جانب أكياس الذهب إن كانوا مصرين على الاحتفاظ بالبضائع بدلاً من العملات.

تخلى فريتز عن الأمر بضيق، لكنه عزم على إيجاد سبيل لاسترجاعه.

بعد تقاسم الكنز بين أفراد الطاقم، الخنجر لتوبي، والمطرقة لتْرودج، والقضيب البلوري لكلوفر، والترس الصغير لريد، جاء دور الذهب. ونظراً لكون ميل الوحيدة التي لم تطالب بأي كنز، فقد نالت النصيب الأكبر منه. مُنحت ستمائة ثرية ذهبية بعد اكتمال الحساب. وجدها فريتز نزراً يسيراً مقارنة بما استأثر به الباقون لأنفسهم.

لكن ميل لم تكن ساخطة. فقد قدرت الذهب قدره، وأخذت تضحك في سرها وهي تكوم الثريات في حقيبتها. ولعلها كانت على صواب. فالكنز، رغم قوته، يستنزف الموارد، بينما تظل العملات الحاضرة نافعة دائماً. طالما استطاع المرء حمايتها.

مع ذلك، لم يشعر فريتز بالكثير من الحسد، فهو نفسه لم يُمنح سوى ستين ثرية من الثروة المجمعة. استُبدلت بالثريات قطع الذهب والخامات والأحجار التي أحضروها في عملية مبادلة بسيطة.

وللمفاجأة، عُوضوا فوراً وبإنصاف، بلا جدال أو صياح. لم يكن الوسيط يعاني شحاً في الثريات، وسرّ الطاقم وفريتز بقبولها. غير أن أجزاء الوحوش والمواد السحرية صُنفت على أنها متوسطة المنفعة والجودة. وأخبرهم الوسيط بأنهم سيحصلون على المزيد متى وُجد مشترون لها.

قابلوا ذلك ببعض التذمر، لكنهم قبلوه في النهاية.

مع ذلك، استجدي فريتز كيساً صغيراً من أزهار التخدير التي جمعوها، دافعاً ثمثها بضع ثريات. ثم فاوض للحصول على أحد الجرعات، ليس تلك السوداء اللزجة التي اشتبه المقوم في أنها جرعة جلد الحجر، بل إحدى القوارير ذات السائل الشفاف المتموج.

كان جيري قد حكم بأنها محلول زجاجي فولاذي، وكما يدل الاسم، فإن طلاء الزجاج به يجعله صلباً كالفولاذ. وأخيراً، خريطة الطوابق. اضطر فريتز للتخلي عن ذهبه لقاء ذلك، سواء ما ناله أو ما احتفظ به في صندوق التسلق. ومع ذلك لم يكن ذلك كافياً لمثل هذا الشيء الثمين، فهب الطاقم لمساعدته، وشارك كل منهم بجزء من ذهبه الخاص.

شعر فريتز بالامتنان وأفصح عنه. ولم يبد عليهم الانزعاج من هذا الكرم. ومن الهالة التي تدور حولهم، أدرك أنهم سعداء بمساعدته. حسناً، عدا ميل وحدها، التي بدا لمعان أنوارها ساخطاً بوضوح. ومع ذلك، خفتت الخيوط الواصلة بينهم على أي حال وبدا لفريتز أن أحمالهم قد خفت. واستبان له ذلك في استقامة ظهورهم وأكفاسهم. طفيفاً، لكنه أبين من أن يخفى على عينيه الحادتين.

في النهاية لم يبق بحوزته سوى تسع قطع معدنية ذهبية. أقل مما دخل به. رغم أنه لم يكن يملك سبباً كبيراً للتذمر، فالكنوز وحدها كانت نِعماً عظيماً وكان يعلم أن خارطة الطوابق ستنجيه من خطر داهم غير محسوب. كان يستشعر ذلك.

كان هناك أمر آخر اكتشفه فريتس خلال التقييم، أو بالأحرى أمران. لم يُلاحظ أن مجلد التقنيات الضخم كان سحرياً، كما لم يكتشف المقوم جيبه الخفي الذي استقر بداخله حجر ممطر. من المرجح أن له بعض الخائص لإخفاء الأشياء بداخله، وتساءل عما إذا كان قادراً على تهريب البذرة القاتلة التي تركها وراءه. رغم شعوره بالضيق جراء تلك الفكرة، إلا أنه لم يندم على قراره. لم تكن التهريب تستحق المخاطرة قبل أن يعرف المزيد، لكن كان من الجيد معرفة أن بعض الأشياء الصغيرة قابلة للإخفاء.

سرعان ما انتهت تعاملاتهم مع جيري، ورغم رغبة فريتس في المكوث واستدرار بعض الأسرار من المقوم، فقد تبع نيك وفريقه بينما كانوا يشقون طريقهم عبر الأنفاق، متوجهين نحو حريم قرش الليل وقاعة العرش الواقعة خلفه.

كانت مشاهد الحريم جذابة تماماً كما كانت من قبل، والهواء محمل بالعطور الحسية وملبد بدخان رقيق. لم يعر فريتس الملابس الضئيلة والجسد المكشوف أي اهتمام. لم يكن الباقون بهذا القدر من الانضباط. لعقت ميل شفتيها، واحمر وجه كلفر خجلاً، وألقى ريد نظرة هنا وهناك، بينما ترنح ترودج وعرق وتسمر في مكانه. وحدها توبي أبقت نظرها للأمام بلا ههود، وهو إنجاز عجز فريتس ونيك عن محاكاته تماماً.

بعدها اجتازوا المكان، خطو إلى داخل الغرفة الواسعة ذات القبة وتركوا خلفهم الحرارة المزعجة والمظاهر الواضحة للترف.

أشارت قرش الليل لهم بالاقتراب من خندقها وعرشها، مستدعية إياهم بإصبع منته بظفر حاد. كانت ترتدي ثوباً مخملياً بلون الأزرق الداكن لبحر عاصف، وقد تماشى بانسجام مع حرشفها الأسود الأملس.

اقترب فريتس ثم انحنى. وحذا الفريق حذوه بسرعة.

قال: "جزيل الشكر لاستقبالنا في مثل هذه الساعة المتأخرة".

قالت قرش الليل: "يا للهول، كم أنت مهذب. هل ارتكبت خطأ ما؟"

قال فريتس، محاولاً ألا يختنق من فرط تملقه: "أنا أقدم لك الاحترام الذي تستحقينه فحسب".

التوت شفتاها الحمراوان في ابتسامة خفيفة، وتألقت عيناها القرمزيان. ورغم قدرته على إدراك أنها تعرف إطراءه على حقيقته، إلا أن ذلك لم يمنعها من استمداد بعض المتعة منه.

مجدداً، انتابه تنافر في عقله، شعور بأنه مألوف بوجه هذه المرأة وقوامها، عاجز في الوقت ذاته عن وضعهما في مكانهما الصحيح. كان الأمر باعثاً على الغثيان. دفع تلك الأفكار بعيداً، مرخياً تركيزه على الحاضر.

قالت قرش الليل: "سمعت بوقوع وميض ذهبي".

طرف فريتس عينيه ثم أومأ.

"صحيح. أحد أفرادنا لم يكن جزءاً من قضيتك من قبل".

حذرته بدلال: "قضيتنا".

كرر فريتس، لاعناً زلة لسانه: "قضيتنا".

حضور قرش الليل، رغم كونه مربكاً دائماً، كان يجب أن يقل حدة مع تكرار التعرض له، لكنه لم يبلغ سوى مستويات جديدة ومقلقة منذ محاكمته. تساءل عن سبب ذلك، غير أنه قوبل بدوار رأسي حين فعل.

قالت قرش الليل، وهي تطيل النظر إلى كلفر: "إذن ستكونين أنت. لا أعتقد أنني رأيتك من قبل".

قالت بخفض بصرها: "هذا صحيح".

"وما المسار والقوى التي اكتسبتها؟"

راوغت كلفر: "أه، لا شيء مميز للغاية. أنا مسحقة، وأستخدم صواعق الارتطام في الغالب. وأملك بضع قدرات أخرى".

كان التمويه الذي تحاول المرأة فعله قصير الأجل في أفضل الأحوال، ومقحماً بحماقة في أسوئها.

تمنى فريتس لو أنه حذرها لتكون صادقة بشأن علاجها.

ضيقت قرش الليل عينيها.

وأمرت: "تعالي إلى هنا"، بينما ظهرت كرة من الزجاج الداكن في يدها.

ابتلعت كلفر ريقها، ثم خطت خطوات مترددة للأمام قبل أن تبلغ حافة الخندق. ظهر جسر من الظهر الزلقة ذات الزعانف، فعبرته بناء على حث قرش الليل المتعجل. وسرعان ما انكشفت كل قوى عبر كنز استطلاع الحرم.

اكتسحت موجة من البهجة غضب قرش الليل النامي وهي تطالع ورقة أبراج كلفر.

تغزلت قائلة: "رائع، معالجة، رائع. وواحدة تتمتع بقوة تؤثر على الروح. يا للهول، أنت نادرة بين النوادر. اجلسي هنا، بجانبي، ايتها الفتاة. دعيني ألقي نظرة جيدة عليك".

ابتسمت قرش الليل على مصراعيها، مكشفة عن أنيابها بجمال، بينما أبعدت شعر كلفر عن وجهها ومررت إصبعاً على خدها المندب.

سألت ودون انتظار للرد تابعت: "عشت حياة قاسية، أليس كذلك؟ حسناء، لا داعي للقلق بشأن ذلك بعد الآن. سأعتني بك جيداً".

حاولت كلفر رسم ابتسامة متوترة، وقد امتلأت عيناها بالارتباك والقلق إزاء هذا الاهتمام المفاجئ. ألقت نظرة باتجاه فريتس، فابتسم بصرامة وأومأ مرة واحدة. لم ترتخ، لكنها توفقت عن التردد وقبلت عرض قرش الليل. ليس كأنها امتلكت خياراً.

انتظر فريتس والفريق في حرج بينما تحدث الاثنان بصوت منخفض.

في النهاية، صرفتهم قرش الليل تلويحاً بيدها، مبقية كلفر إلى جانبها.

رغم رغبته في المغادرة، لم ينسحب فريتس فوراً كما فعل الباقون. تنحنح.

حدقت قرش الليل في اتجاهه.

"أما زال لديك عمل معي؟"

قال فريتس بصوت ثابت: "قيل لي إنك تكافئين من يحسنون العمل في خدمتك".

اعترفت بسلاسة: "هذا صحيح. وأنت تظن أن إحضارك لمعالجة يؤهلك لمكافأة؟"

سأل فريتس: "إن لم يكن هذا، فما الذي قد يؤهلني بحق؟"

وافقت قرش الليل: "بحق! ماذا تريد؟ أم من تريد؟"

ورفعت حاجبها بإيحاء.

قال فريتز: "إنه أحد كنوز الجزية".

تنهدت.

وقالت: "أيها؟"

قال فريتز: "كيس الأحجار الكثيرة".

قالت: "حسنًا، سأبعث بأمر لإعادته إليك. إن كان هذا كل شيء، فيمكنك الانصراف".

قال فريتز: "طلب أخير".

سألت قرش الليل، وبدت عليها السسّامة واضحة: "ماذا؟"

"أحسني معاملة كلوفر".

جمّدت حركتها، ثم هزّت رأسها مرة.

وقالت: "سأفعل".

وجّه فريتز نظرة أخيرة إلى كلوفر، نظرة اعتذار عن عجزه الحالي. بدت كأنها قرأت ما يعنيه فهزّت رأسها بخفة. كان جيداً أنها لا تلومه، مع أنه ما زال يشعر بالمسؤولية.

انحنى لقرش الليل، ثم غادر.

سلك فريتز الطريق الذي لا يمر عبر الحريم، ولم يلبث أن طفق يخطو في الأنفاق الحجرية أسفل المدينة. عائدًا إلى بيته. عائداً إلى فريقه، وإلى عائلته، وإلى بيرت. بعد أن انتهى الصعود حقًا وفعلاً، تساءل عما فاته.

تمنى فريتز أن يكون كل شيء على ما يرام.