قال فريتز واقفا على الرغم من عضلاته المجهدة: "هيا، لم ننته بعد. ما زال البئر وصندوقا الهاوية بانتظارنا".
استدار وصعد الدرجات.
راحت الطغمة تجر أعضاءها ببطء وسط أنين خافت، ثم تلت فريتز في طريقه.
كان السلم عاليا، واستغرق الصعود وقتا أطول بكثير مما ينبغي. قسوة أخيرة من السبير.
تمتم فريتز: "لقد تغلبت عليك".
ثم طفق يتشفى: "مرتين".
ربما كان عليه ألا يفعل، لكنه استمتع باللذة الخبيثة التي غمرته وهو يحبط هذا الخديم. لم يدُم المرح طويلاً. فقد آلمه جسده أكثر مما ينبغي، ودارت رأسه من التعب.
ترنح صاعدا درجة بعد درجة، حتى وطئت قدمه حافة الهاوية أخيرًا. للوهلة الأولى، لم تتغير الغرفة كثيرا عما كانت عليه، مع أن الحقيقة تبدت بوضوح عند التأمل. كانت الحافة هي نفسها التي بلغها فريتز في صعوده الأول.
تألقت أعمدة من البلور الأزرق والأخضر بنور داخلي يختلج وينبض، وفي وسط الغرفة استقر جرم مشوه، يشع بألوان غريبة من اللهب المخيف. كانت الجدران من زجاج صاف، تكشف عن البحيرة المظلمة في الأسفل.
تجاهل فريتز تلك المناظر الآن، فألقى بحقيبته وأكياسه، ثم خطا بخطى واسعة نحو البئر. وحالما فعل، انتفخ الجرم الكبير بطاقة ذهبية، ثم توهج طوال ثلاث ثان كاملات قبل أن يخفت.
صعود ذهبي. حدق فريتز بذهول لبرهة قبل أن يتذكر أن هذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها كلوفر هذا السبير.
استدار قليلا ليمنحها ابتسامة.
وقال: "هنيئا لك".
سألت بصوت أجش: "أكل ذلك النور من أجلي وحدي؟".
رد ميل: "لا بد من ذلك".
وقال ريد: "أنا مندهش لعدم تحوله إلى فضي، بما أن بقيتنا قد دخلوا هذا السبير من قبل".
نظر فريتز باحتمال: "أظن أنه لا يشير إلا أعظم المكافآت. وللأسف، فهذا يعني أن من يتولى الحراسة سيعلم بالأمر".
وما إن أتم كلامه حتى لمح شخصا مبقما بمعطف بني على الجرف الصخري في الخارج وهو يهرول هاربا.
قال توبي: "اللعنة. ظننت بإمكاننا تدبير حيلة لإخفاء ذلك الأمر".
عقب فريتز: "هيهات، مستحيل. مع ذلك، دعك من هذا، فأنا بحاجة إلى الاستشفاء".
توقف الحديث، وعرج نحو البئر؛ فتبع البعض خطاه بكسل بالغ، بينما تسابق آخرون ليتقدموه.
بلمسة واحدة، تدفقت الطاقة الكامنة في الجرم إلى كفه وارتفعت عبر ذراعه، لتنساب في محرابه وتعيد له عافيته. ثم تجلى صندوق عند قدميه. خشب مطوق بخشب، وقد نقش شعار السبير على غطائه.
تنهد فريتز، وجلس، ثم فتح الصندوق الصغير. وحين رأى المكافأة الضئيلة، ابتسم بيأس. أحصى ثلاثين ثلاثية ذهبية، وهي نزر يسير مقارنة بالأخطار التي نجا منها، وراعه خلو الصندوق من أي بذور أو مكافآت أخرى.
لم يكن السبير كريما مع من يصعدونه أكثر من مرة. لقد أدرك فريتز هذا، لكنه ظل محبطا ومر المرارة كشاي سيئ التخمير.
نال باقي أفراد الطغمة مكافآت أفضل بكثير منه. وما إن هووا إلى محرابهم واختاروا ما أرادوا، حتى تجلت صناديقهم الخاصة بتألق باهر.
قهقه ميل بصوت عال وهو يفتح صندوقه الفضي. وحين رأت كلوفر ما يحويه صندوقها الذهبي اتسعت ابتسامتها حتى خشي فريتز أن ينشق وجهه. أما توبي فكان أكثر تحفظا، إذ حدق في الثلاثيات بابتسامة رضا عن النفس. بينما اكتفى ترادج بالبله والذهول بينما كان ريد يمرر أصابعه وسط الذهب.
هتفت كلوفر: "نحن أغنياء! كم تظن مقدار ما في هذا الصندوق؟".
أجاب فريتز: "يفترض أن يضم الصندوق الذهبي تسعين ثلاثية، فهذا ما وجدته في صندوقي. غير أنني لست متأكدا تماما من أمر الصناديق الفضية".
قال توبي: "يبدو أن مجموعها يبلغ نحو ستين قطعة ذهبية. هذا فضلا عن البذرة الفضية".
سأل فريتز: "بذرة فضية؟ كيف تعمل هذه؟ لم أتلق سوى بذرة ذهبية طوال حياتي".
قالت ميل وهي تقلب عينيها: "يا له من نبيل متعال! صاحب الصعود الذهبي يجهل ما يناله أمثالنا من الصغار".
أوضح توبي وهو يرمي المرأة بنظرة مظلمة: "الأمر سيان تقريبا، لكنك تملك ثلاثة خيارات فحسب عوضا عن كافة العروض التي لم تخترها".
تساءلت كلوفر: "إذن ماذا تمنح البذور البرونزية؟".
أجاب ريد: "سمعت أنها تضم طاقة عشوائية عُرضت عليك سابقا ولم تخترها. إن استخدامها مغامرة، ما لم يتم تقييمها أولاً".
سألت كلوفر وهي تضم البيضاوية الذهبية إلى صدرها: "أتظنهم سيسمحون لنا بالاحتفاظ ببذورنا؟".
رد فريتز: "لا أعلم. لم أفكر طويلا فيما سيسمح لنا بالاحتفاظ به. لقد ذكر نيك ثلثي المبلغ، لكن ماذا يعني ذلك حقا؟".
شعر بالغضب يتصاعد في داخله وبجبينه ينقبض، فقرر تغيير الموضوع. أراد تشتيت ذهنه عن ظلم ومهانة التعرض للتفتيش.
قال: "أظننا سنعرف قريبا بما يكفي. أما الآن، فهناك أمور أخرى يجب أن نتحدث فيها".
سأل توبي وهو يعبث بأحد سكاكينه بلا اهتمام: "أحقاً يجب علينا؟".
أمعن فريتز التفكير. كان ينوي دعوة كل فرد من أفراد الطغمة إلى الملجأ، لكنه بات يرى أن مخاطبة كل واحد منهم على حدة قد تكون أفضل من دعوتهم كمجموعة. فهم يستحقون ذلك القدر من الاحترام. كما أن دعوة شخصية منه ستكون أشد إقناعا.
قال: "أظن لا. انس الأمر الأخير. بل استريحوا وتمتعوا بوقتكم".
تثاءبت ميل وقالت: "أنا أهن من أن أتمتع بوقتي الآن".
رد بانفعال: "ماذا؟ أبعد كل ما حققناه، وبعد كل ما عانيناه وقهرناه، لا تملكون حتى ذرّة من المرح؟ ألا تستطيعون الابتهاج؟".
قالت: "أنا مبتهجة حتى أذنيّ، لا تقلق، لكن تلك الطابق الأخير أنهكني حتى آخر عظمة في جسدي. وكما يقولون، حتى أصابع قدمي تعبة".
قالت كلوفر مقطبة: "من يقول هذا؟ لم أسمع بهذا قط".
قالت ميل بازدراء: "أخرسي".
فردت كلوفر: "أخرسي أنتِ".
"أبرزِي ما لدينك".
عبست كلوفر.
قال ترادج وهو يتأرجح على قدميه حين التقت نظرات المرأتين الغاضبتين به: "أرجوكما، لا تشاجرا، لا داعي لهذا".
ثم أضاف بصوت خافت: "حقاً".
وافق فريتز: "صدق تماماً. ينبغي أن نحتفي بانتصارنا، لا أن نتناحر ونتطاحن".
تحول زوجا الأعين الغاضبتين إليه تالياً، لكنهما لانتا سريعاً حين ابتسم ابتسامة ساحرة للغاية. وأشعل ذلك وميضاً يشبه الضيق فوق رأسي توبي وثرادج.
تجاهل حسدهما وقال: "لنأكل، ما زال لدينا بعض لحم السجية، أليس كذلك؟"
أجاب ريد: "لدينا".
فقال فريتز: "إذن وزعه".
وزعت القطع المطبوخة مسبقاً على عجلة، وأكلوا ما تشتهيه أنفسهم. وهو لم يكن كثيراً في الواقع، فلحم السجية يفقد الكثير من شهيته حين يبرد. تمنى فريتز لو أن لديهم ما هو أشد إرواءً من الماء، فزجاجة نبيذ يحتسونها نخب نجاحهم لكانت مكافأة مستحقة، لكنهم رضوا بالقليل.
حين امتلت البطون أو اكتفوا وحسب، غشيهم الإعياء. أطبق عليهم كغطاء، وتكاثرت التثاؤبات.
قال ريد بصوت ثقيل: "علينا التحرك".
أومأ ترادج وتوبي.
قالت ميل وهي تتذكر صندوقها ذي الحريط الفضي وتضمه إلى صدرها: "نعم، فور أن نخرج، يمكنني استئجار غرفة أنام فيها. غرفة تضم سريراً".
وافقت كلوفر: "يبدو السرير فكرة رائعة. هذا إلى جانب حمام حقيقي. حمام ساخن".
كررت ميل وهي شبه غائبة عن الوعي: "ساخن".
ثم تثاءبت.
على الرغم من رغبة فريتز الملحة في المغادرة، ما زالت هناك بضعة أمور يجب مناقشتها. وكان لزاماً تقسيم الكنوز بصورة أعدل. فضلاً عن أنه، في ظل حالة الإرهاق التي تنتابهم، كان يخشى — بل يوقن — أن يتعرضوا لعملية نصب من قبل قرش الليل.
كان خوض تلك المعركة أفضل حين يكونون في كامل وعيهم.
وهكذا، وفور أن همّ الطاقم بالوقوف والتقاط حقائبهم، قاطعهم فريتز.
أمرهم: "توقفوا".
سألت ميل: "ماذا؟ ما الخطب؟"
أجاب فريتز: "ليس هناك خطب. لقد خطر لي للتو أننا ربما يجب أن نحرص على بلوغ حالة سليمة تخولنا التفاوض".
سأل ريد: "نتفاوض؟"
أجاب فريتز: "نعم، مع الزعيم أو ممثلهم".
سألت ميل مجدداً: "ماذا؟"
صرح فريتز: "إن كان لزاماً علينا التخلي عن ثلث حصيلتنا، فعلينا فعل ذلك ونحن في كامل قمدنا".
قالت ميل وهي تومئ ببطء: "صحيح".
وافق ريد بصوت واهن: "أظن ذلك. هل تريد منا أن ننام قليلاً قبل أن نذهب إذن؟"
أكد فريتز: "لا تفهموني خطأ. لست راغباً في البقاء. لكن بعض النوم سيفيدنا جميعاً فيما هو آت. كما أنني لست حريصاً على مجابهة تلك البحيرة الباردة وأنا على هذه الحال من الإرهاق".
ارتسمت تكشيرات على وجوههم عند ذكر تلك المياه المخيفة.
وتابع مشيراً إلى الجدران الزجاجية والمركب الصغير الذي بدا يترنح بلطف على السطح الساكن للبحيرة: "لدينا أيضاً الكثير من الأعباء التي يجب سحبها نحو القارب. هل أنتم مستعدون لتلك المعركة الأخيرة؟"
قالت ميل بغيظ: "تباً! لقد نسيت أمر البحيرة اللعينة".
قال ريد: "وأنا أيضاً".
قال فريتز: "حسنأ، لا أعرف عن البقية، لكنني لا أحبذ السباحة. ليس الآن".
تمتم توبي: "حسناً، حسناً، فهمنا".
كان الرجل محبطاً؛ فهو أكثرهم حرصاً على المغادرة. ولم يمتلك فريتز ما يلومه عليه.
وافق باقي الطاقم برغبة أقل قليلاً، ففي حين أرادوا هم أيضاً التحرر من السبير، لم تكن بضعة ساعات إضافية تعني لهم الكثير.
وهكذا فرشوا أغطية نومهم وناموا قدر المستطاع.
استيقظوا وقد استعادوا قدراً كبيراً من نشاطهم. أما فريتز نفسه فلم يظفر إلا ببضع ساعات من الراحة الحقيقية. كانت أحلامه حية وشرسة، وكانت مخاوفه المدفونة بعمق تمزقه وهو يتقلب على فراشه. مع ذلك، ظل القليل من النوم أفضل من عدمه.
وفيما كان الطاقم يستعد للرحيل، توجه فريتز إلى كل واحد منهم، باستثناء توبي. وسأل كل شخص تباعاً عن خططه للأيام المقبلة.
هز ريد كتفيه، وتمتم ترادج بأنه قد يلتقي بأخيه مجدداً، بينما تنهدت ميل وهزت رأسها مترددة.
كانت كلوفر الوحيدة التي امتلكت خطة أعلنتها بوضوح: "سأعود إلى الملجأ. وأنضم إلى سيد، تماماً كما طلبت مني".
أومأ فريتز مبتسماً: "يمكنك صنع الكثير من الخير هناك".
قالت: "نعم، الآن وقد صرت معالجة حقيقية، يمكنني مساعدة الكثير من الناس".
سأل فريتز: "ماذا؟"
قالت كلوفر وقد أشرقت على وجهها ابتسامة فخر: "أوه... نعم... لقد حصلت على سمة علاجية. الإنعاش. إنها هبة تمنح الحيوية والتحمل".
هوى قلب فريتز في بطنه، لكنه حافظ على ثبات ابتسامته.
لا بد أن شيئاً ما قد ظهر في عينيه لأن وجهها انقبض، فسألت: "ماذا؟ أهذا سيء؟"
سأل فريتز ضاحكاً: "سيء؟ ليس من شأن ذلك شيء. المعالجون ندرة، وثمينون، ويحظون باحترام كبير. مبروك".
عادت الابتسامة إلى وجهها بامتنان.
هتف ترادج جافلاً فجذب انتباه الطاقم: "حقا؟! معالجة؟"
ضحكت ميل قائلة: "هاهاها، حقاً؟"
وحملت ضحكتها نغمة حاقدة.
نظر ريد بقلق، وبدو وجه توبي خالياً من التعبير.
سالت كلوفر بحنق: "ما المضحك في الأمر؟"
قالت ميل بلاذعة: "هاه، فكري في الأمر ثانية، ألا ترين؟ الزعيمة تعشق معالجيها. لدرجة أنها لا تطلق سراحهم أبداً. أليست كذلك، يا بليدز؟"
ظل وجه توبي جامداً، لكنه أومأ برأسه مرة واحدة.
قالت كلوفر: "يا لهول"، وأدركت هول محنتها فانهارت كتفاها.
وضع فريتز يداً على كتفها.
"سيكون الأمر على ما يرام، فهي تعامل معالجيها معاملة حسنة. وأنا متأكد من قدرتك على التفاوض لانتزاع بعض التنازلات".
أومأت كلوفر برأسها ببلادة.
وأضاف ترادج: "ستنالين أواجراً طائلة أيضاً".
قالت ميل وهي تبتسم بخبث: "ستفعل بالطبع، لكنني أفضّل نيل حريتي بنفسي".
لم يكن فريتز يدري ما اقترفته كلوفر لتستوجب غضب تلك المرأة. رغم أنه رجح أن الأمر لا يعدو كونه إحدى نزوات ميل. فقد كانت تميل إلى التقلب السريع بين القسوة والمرح المؤذي والكآبة بلا رحمة في لحظات معدودة. ولمس فريتز هذا التبدل يتكشف أمامه هنا أيضاً.
زالت ابتسامة المرأة الماكرة، وقالت: "وماذا عساي أقول أنا. فلست حرة بدري أيضاً. ما من أحد حر. معذرة يا كلوفر".
أجابت كلوفر بهدوء: "لا بأس".
وافقها فريتز الرأي: "أنت محقة، لست حرة. رغم أنه يمكننا السعي نحو نيلها".
سخرت ميل: "بالتأكيد، يا سيّدي".
رغم أن تلميحها إلى أنه لا يكابد العناء قد أشعل النار في صدره، إلا أنه لم يدع ذلك يظهر. فهي تجهل دربه، وما احتمله ليظفر حتى بفتات ما يستحقه عن حق. ولن تدرك ميل هذا أبداً. ولن يدركه أحد من الطاقم. فقد وُلدوا نكرات، لا سادة.
شعر فريتز بابتسامة باردة وزاحفة من صدره إلى وجهه، ثم خنقها عقله وروحه سريعاً.
ولعلّه هو من لن يدركهم حق الإدراك، لا العكس. ولذا، طرد ذلك الغضب الأحمق وابتسم.
وسأل: "أحسمت أمرك فيما ستقدمين على فعله؟"
تنهدت ميل.
"أظنني سأمكث في الملجأ. سيد ليس سيئاً إلى هذا الحد. إنه مجنون، لكنه يغيث الضعفاء ويبعد الأوغاد الأشرار عن دياره".
صمتت لبرهة واستغرق تفكيرها لحظات أخرى.
"أجل. أظنني سأعاونه".
قال فريتز: "جيد. وما أمرك أنت يا ريد؟ وأنت يا ترادج؟"
أجاب ريد بابتسامة باهتة ومُنهكة: "أنا أعرف كل شيء عن الملجأ. ولن أكون موضع ترحيب. قد لا تذكرني، أو ربما لم ترني، لكني كنت في إحدى العصابات التي حاصرته. وكنت أؤذي الوافدين إليه والمغادرين منه".
تبيّن لفريتز الندم جلياً على وجه الرجل وفي ذرات الغبار المحيطة به.
تابع ريد ونبرة الحسم تنطق من كلماته: "لن أتذرّع بالأعذار. لقد كنت هناك، وسبق لي نهب الملجأ ومهاجمته".
عقب فريتز: "نعم، سيجعل هذا انضمامك عسيراً، وإن لم يكن مستحيلاً. سأفاتح سيد في الأمر. وهو سيصغي إلي".
بدا التردد على ريد، لكنه أومأ برأسة مرة واحدة.
"أشكرك. أود تكفير ما بدر مني".
أكد فريتز بيقين: "سيكون هذا يسيرًا للغاية. فالملجأ مكان للرحمة، بعد كل شيء".
ابتسم ريد إزاء ذلك.
سأل ترادج: "أيمكنني الانضمام أيضاً؟"
أجاب فريتز: "بالتأكيد".
"أيمكنني اصطحاب أخي؟"
قال فريتز: "لا أرى مانعاً من ذلك. فكلما كثر المتسلقون، ازداد المكان قوة وأمناً".
تدخل توبي قائلاً: "رغم أن هذا صحيح في الغالب، إلا أنك تغفل أمراً يا فريتز".
رفع فريتز حاجباً.
"وما هو؟"
أكد توبي: "الزعيم. فلن يسمحوا لك بتشكيل جيش تحت أنوفهم مباشرة".
اعترض فريتز: "أنا لا أشكل جيشاً، بل أجمع ذوي الفكر المشترك لغاية واحدة".
حاجه توبي: "لا تكن أحمق. وأنت تعلم علم اليقين أنك تسعى خلف مزيد من النفوذ. وسيری الزعيم الأمر ذاته".
تقطب وجه فريتز بامتعاض. كان الرجل مصيباً.
تابع توبي: "على سيد أن يحذر هو الآخر. فالقاطع يقول إنه يتجاوز بالفعل حدود قدرة الزعيم على الاحتمال".
رد فريتز بعفوية: "القاطع كاذب".
قال توبي: "إنه كذلك، لكن ليس في هذه. لقد كان مبتهجاً يا فريتز. وأنت تعلم أن هذا ينبئ بشر مستطير".
أومأ فريتز برأسه ببطء، ثم تنهد. سيتوجب عليه تحذير سيلفيا، ولن يكون بمقدوره إرسال كل هؤلاء المتسلقين إليها. ليس من دون جلب مزيد من الانتباه إليها وإليه تباعاً. فلا طاقة لكليهما باحتمال تدقيق أشد.
قال: "السيد بليدز محق تماماً. لا يمكنكم التوجه جميعاً إلى الملجأ كما كنت أتمنى"، ثم طرح سؤالاً.
"ما رأيكم في تأسيس عصاباتكم الخاصة؟ عصابات لا تبدو مرتبطة بوضوح بي أو بسيد؟ طالما أنكم تعاملون أهل مناطقكم حسناً وتعاونوننا في أمور طفيفة، سنمد لكم يد العون نحن أيضاً. سواء بالذهب أو البضائع أو بحدود نصلنا".
تراقص الشك والخوف وعدد لا يحصى من المخاوف المتداخلة فوق رؤوسهم. ولبرهة، ظن فريتز أنه سيضطر إلى إقناع كل واحد منهم باتباع خطته، مستنفراً كل ما يملكه من مهارات الإقناع. فتح فمنه لقول شتى كلمات الطمأنة، لكنه قُاطع.
سألته ميل بريبة: "ما الذي تطلبه منا؟ وأي نوع من "المساعدة" تريده بالضبط؟"
ادّعى قائلاً: "لا شيء شاقاً للغاية. أمور بسيطة. مشاركة الشائعات أو نشرها، وعقد هدنات بين مناطقنا. سلام هادئ".
عقب ريد: "يبدو ذلك بسيطاً حقاً. فما هي الخدعة؟"
قالت ميل: "الخدعة هي أننا سنكون جميعاً في قاربه. إذا غرق، غرقنا جميعاً. وإن عاوناه، فسنكون محل شبهة بأننا أخلائه".
اصطنع فريتز نبرة متألمة وقال: "أستم أنتم أخلائي، أليس كذلك؟"
بادرت كلوفر بالقول: "أنا كذلك".
أومأ ترادج بحماس وموافقاً: "أجل، وأنا أيضاً".
قال ريد: "أظن ذلك".
تمتمت ميل: "ربما".
أوضح فريتز: "سيشتبه الزعيم في أمركم جميعاً على أي حال. لذا ينبغي أن نبقى على مسافة في الخارج، لكن يمكننا مع ذلك مساعدة بعضنا بعضاً في السر. احذروا فحسب، فقرش الليل له عيون كثيرة".
سرت برودة على صدره، تحذير من الناب الأسود المغروز هناك. وقرر ألا يضيف شيئاً آخر.
تشاور أفراد الطاقم لبضع دقائق، وبدت وجوههم محاطة بالعبوس والحذر. وانتهى الصمت المتوتر تدريجياً، حين كسره تنهد محبط.
قالت ميل وهي تنهض وتنفض الغبار عن ساقيها: "سأساعدك قدر استطاعتي. لكن لا تطلب مني معارضة الزعيم".
قال فريتز: "لا أطلب منك ذلك".
وافقت: "حسناً إذن، اتفقنا".
ع عرض ريد وهو يمد يده: "سأفعل المثل إذن".
صافحه فريتز.
وقال: "نعم الرجل".
قال ترودج: "لا أعلم إن كنت سأؤلف عصابتي الخاصة. لكني سأساعد".
ربت فريتز على كتفه وابتسم.
بقي كلوفر وتوبي صامتين. وكان تخمين أسبابهم يسيراً. فلو انكشف أمر كلوفر بوصفها معالجة، لاختطفتها قرش الليل. ولما كان لها رأي فيمن تخدم أو كيف تخدمه. كانت زلة قدم مؤسفة، وإن لم تكن مما يندم عليه المرء. فستبقى آمنة ومحظية بالعناية. وربما أغدقت عليها الرفاهية إن أحسن تملقها بدهاء.
أما توبي، فكان يساعد بطريقته الخاصة ولا يحتاج إلى إعلان ولائه.
وبعد أن تحددت دروبهم، لم يبق سوى أمر واحد. المسير.
أو السباحة بالأحرى.
حدق فريتز عبر الجدران الزجاجية نحو السطح الراكد للبحيرة في الأسفل.
قال: "استقر الأمر إذن. حان وقت الرحيل".
سأل توبي وهو يغمد خنجراً بسلاسة: "وماذا عن تقسيم الكنوز والذهب؟"
قال فريتز: "سنرى ذلك بعد أن تُفرض علينا ضرائبنا".
قالت ميل: "صحيح، أجل. كدت أنسى ذلك. أينبغي أن نحاول إخفاء الأشياء؟"
هز فريتز كتفيه.
وقال: "لست متأكداً من أن الأمر يستحق العناء. ولست واثقاً من أننا سننجح أصلاً".
قالت وهي تنزع خاتمها الياقوتي خفية: "لدي طرقي".
قال فريتز وهو يراقب المرأة بعين ساهرة: "واثق أنا من ذلك. سنرى كيف سيفتشوننا. وأظن التفتيش سيكون أشد دقة من ذي قبل".
بصقت ميل وتذمرت. وابتسم فريتز مشاركاً إياها الشعور.
استعدوا للمغادرة، فحزموا أمتعتهم وأحكموا قباضتهم على كنوزهم وأكياسهم.
أمر فريتز: "اشربوا أي جرعات تنفس تحت الماء تملكونها. قد لا تحتمل القارب لحمل أوزارنا كلها، وربما اضطررتم لانتظار في قاع البحيرة. آه، وكلوفر، اعطني عصا الأشباح".
ترددت للحظة واحدة فقط قبل أن تسلمها إليه.
أمسك بها بخفة وأشار للطاقم بالانصراف.
وقال: "امضوا قدماً. سألحق بكم فوراً".
نظروا إليه بريبة يشوبها الضيق، لكن أياً منهم لم يعارضه. بل شربوا جرعاتهم وانطلقوا نازلين على السلم.
رمق كلوفر بابتسامة مغزى، إذ كانت آخر من أبطأ في المغادرة، وراقبهم جميعا وهم يغادرون القمة.
تنهد، ثم حدق في العصا. أراد فريتز تهريب الكنز بطريقة ما، لكنه عجز عن ايجاد سيلة لفعل ذلك. واستبعد أن تنجح حيلة القرش مرة أخرى، ليس في ظل وجود حراس. وإن أخرج الكنز القوي من القمة، فستستوليه قرش الليل حتماً بلا شك. وهي فكرة مفزعة، إذا ما أخذت قدراتها كروضة وحوش في الحسبان.
كم ستكون قاتلة لو انضم شبح إلى جيش وحوشها؟ لقد سبق وأسلمها ثعبان البحر الشاذ، وهو أمر يندم عليه. ولم يتحمل فكرة السماح لها برعب آخر مماثل. وينطبق الشيء ذاته على البذرة المميتة القابعة في حقيبته.
لم يكن فريتز مستعداً للمجازفة بمنح تلك القوى لمستعبده، كما لم يرغب في إتلافها. فقرر عندئذ تركها وراءه في المنحدر. ورغم استبعاده رؤيتها مجدداً، إلا أن ذلك يبدو أهون من تركها في حوزة قرش الليل. ويبقى أمل ضئيل، مهما ضعُف، في أن تظل هناك ويمكن استعادتها لاحقاً.
ولد ذلك الأمل من حدس داخلي. فكون الغرفة مطابقة تماماً لتلك التي وطأها عند صعوده الأول جعله يتساءل عما إذا كان بإمكان تخزين الأشياء هنا لبعض الوقت. وإن لم يكن الأمر ممكناً، فلا خسارة فادحة هنا. وإن صح الظن، فسيكون ذلك مثيراً للاهتمام حقاً.
وضع العصا وبذرة الشبح الشاذ في زاوية منعزلة، متوارية بين الأعمدة المتوهجة. ويكفي ذلك لحجبها عن أعين العابرين مدخلاً والواقفين وسطاً، لكنه لن يخدع أحداً يجري تفتيشاً دقيقاً.
سيكفي ذلك. فالخيار محصور بين هذا وبين تحطيم الأشياء، وهو تبذير يمقته فريتز أشد المقت.
تنهد وهز رأسه، ثم اتجه نحو حقيبته فحملها على كتفه، ومشى بخطى واسعة صوب السلم.
ودع القمة قائلاً: "حتى نلتقي مجدداً، وأهزمك للمرة الثالثة"، قبل أن تطأ رجلاه الدرجات الباردة ويبدأ في النزول.
كانت الرحلة إلى شاطئ الجرف سريعة، لكن كما توقع فريتز، تعذر عليهم نقل كل ثرواتهم المكتسبة جدارة على متن القارب تفادياً لانقلابه أو غروقه البطيء. لذا تطلب الأمر قرابة أربع رحلات ذهاب وإياب لنقل كل ما عثروه إلى الرف الصخري.
لم يكن الحراس بذاك العون. ورغم وجود اثنين منهم، إلا أنهما لم يتعديا مرتبة المبتدئين، وقد تحدقا مذهولين في الكم الهائل من الأكياس المحشوة بالذهب ومواد أخرى أشد غرابة.
سأل رجل ندب الوجه: "عثرتم على الكثير، أليس كذلك يا ظل؟"
أطلق الآخر تحذيراً بصوت خافت رد على السؤال شديد الود.
أجاب فريتز بإمالة رأسه: "بالتأكيد".
كأن الرجل يهم بسؤال آخر، لولا أن قاطعه ظهور شخصية تخطو ببطء منحني.
حيى فريتز: "نيك، سعدت بلقياك".
زمجر نيك وهو يرمقه بنظرة حارقة: "سعدت بلقياي؟! لقد قاطعت شرابي. إنه يوم ميلادي ألا تعلم".
ابتسم فريتز بأدب، ثم قال: "بل هي كذلك، أيها الكذاب الملعون".
ضيق نيك عينيه، وأمعن النظر للحظات أخرى قبل أن يفرج شفتيه عن ابتسامة واسعة.
"لا، ليس الأمر كذلك، لقد وقعت في شركك، تماماً كما أوقعت الكثير من الأشياء هنا. هل هناك أي شيء جيد؟"
قال ترودج: "الكثير".
أضاف ميل: "نعم، الكثير".
أثنى بصوت أجش: "جيد... جيد. اجمعوا كل شيء وليكن لنا مسير".
سأل ريد: "إلى أين المسير؟"
قال نيك: "إلى المقوّم".
سأل فريتز: "المقوّم؟"
"نعم، لنذهب للقاء جيري المهرب".