قال فريتز مكرراً بابتسامة يشوبها العجب: "لمس الروح؟"
كانت مهارة نادرة إلى حد لا يُصَدَّق لدرجة أنه لم يسمع قط بأحد في مدينة المطر يمتلك ما يشابهها. كانت بالتأكيد في المرتبة الرفيعة نفسها التي تحتلها بعض قدراته الخاصة، مثل يد اللهب الغريب، رغم أنها لم تكن مجهولة الصدى تماماً مثل ترنيمة الغسق.
أومأت كلوفر برأسها وابتسمت بضعف ثم هوت. سقطت مباشرة على حجر صجبه فاحتضنها بشجاعة.
شد فريتز كمه وأخرج أحد محاليل التحمل من جيبه الضيق. بحركة براعة وخفة يد ظهر المحلول وكأنما بسحر ساحر. سقها بسرعة محتوى القارورة الفائر.
حين لم تستيقظ استبد القلق به. عاقداً حاجبيه وضع يده على جبهتها وبات يترقب أنفاسها. كان جلدها زلقاً وبارداً وارتجفت مع كل نفس متسارع. كانت الحالة مألوفة لديه إذ تطابق تماماً حالتها حين امتص شبح طاقتها.
أكانت قد استنزفت روحها بمهارتها الجديدة؟ أكانت قد منحت روحها له بعد ذلك؟
كانت تلك النتيجة البادية للعيان لذا لم يشكك في حدسه.
سأل ترودج بصوت خائر: "أهي بخير؟"
لقد استيقظ بسرعة شأنه شأن بقية أفراد الطاقم حين بدأت الجلبة والصراخ وكان لا يزال نائماً بنصف وعيه.
قال فريتز: "ستكون بخير. لقد بالغت في استنفاد مهارتها الجديدة فحسب".
ردد ترودج: "مهارة جديدة".
علق توبي ببساطة: "لقد قتلت الشبح".
"وخلفت شيئاً وراءها".
أشار ميل نحو العقد المظلم المستقر فوق الزجاج الأسود.
حدق فريتز قامعاً رغبة عارمة تجتاحه للوثوب على قدميه وانتزاع الغرض. بلغ حجمه حجم كف اليد وبث هالة من الرهبة. لقد عرف ما يكون. بذرة. وبذرة مميتة على الأرجح.
تساءل عن نوع القوى التي تطويها بين جنباتها ومقدار قيمتها. آلاف من القطع الذهبية بلا ريب. ربما يكفي لتسوية دينه للتاج بضربة واحدة. تصاعد أمله وحماسه سريعاً لكنهما أخمدا فور استعادته لوعيه.
مثل كل الكنوز والمواد التي يعثرون عليها ستمر أولاً تحت أنظار قرش الليل. وتمثلت المشكلة الثانية في بيع البذرة أو تنقيتها. سيتساءل الناس عن مصدر حصوله على شيء ثمين كهذا وسيحاصرونه بأسئلة يعجز عن الرد عليها. وحتى إن تمكن من البيع سراً فإن سداد دينه بثر مفاجئة وغير مبررة سيثير التساؤلات أيضاً. من الملك وعملائه فضلاً عن غيرهم.
رغم أنه لا يصف البذرة باللعنة أو أي شيء سوى النعمة إلا أنها جلبت له صداعاً أكيداً.
سأل توبي مقترباً بحذر من الشيء الملتوي: "أتلكم عن بذرة؟ أيعني هذا أن الساحر المظلم كان زائغاً؟"
أوافق الرأي فريتز قائلاً: "لا بد من ذلك".
سأل ريد: "بذرة حقاً؟"
أكد فريتز: "حقاً".
سأل توبي: "أمن الآمن لمسها؟"
صرح فريتز: "ينبغي أن يكون كذلك".
تردد توبي: "ينبغي؟"
"ربما".
سحب توبي يده واعتدل في قفته تاركاً البذرة في مكانها.
قال ميل متقدمة بخطوات واسعة وخاطفة للشيء من على الأرض بوجه مكفهر: "حسناً سأفعلها أنا".
سأل فريتز: "أنت بخير؟"
قالت وهي ترفع البذرة ليراها الجميع: "أنا بخير. إنها باردة فحسب... وغريبة".
قال فريتز بابتسامة ودودة: "أترون لم تكن مؤذية قط. والآن دعونا نؤمنها بعناية"
مضيفاً وهو يشير إلى حزمته.
قال ريد: "انتظر دعني ألق نظرة عليها أولاً".
أفلت توبي بلا مهابة: "وأنا أيضاً".
هزت ميل كتفيها واقتربت لتسمح لهما بتفحصها. حدقا بها ثم نكراها بأصابعهما.
علق ريد: "تلك برودة شديدة. ليست كبرودة الجليد مع ذلك. برودة من نوع آخَر".
وافقت ميل: "نعم إنها غريبة كما قلت. غالباً لأنها صدرت من شبح. ومن سمع بمثل هذا من قبل؟"
عقب ترودج دون فائدة: "لم أسمع قط".
تلاشى طابع الجدة في البذرة تدريجياً وبعد التفرس فيها لبضع دقائق أخرى ألقت بها ميل داخل حزمات فريتز. بالكاد منحها نظرة عابرة. فقد كان أكثر قلقاً بشأن المرأة الراقدة في حجره. ورغم أنها لم تبدُ متدهورة الحال إلا أن وضعها لم يكن يتحسن بأي مقياس واضح.
لم يظهر فريتز أي قلق على محياه بل واظب على ابتسامة واثقة وسلوك مطمئن. أمر بفرش فراش كلوفر ثم حملها بمعاونة ترودج ووضعها فوق حشوته الرقيقة. لم يكن محاكاً بعناية أو محشواً باتقان.
شعوراً ببعض الامتنان لتلك المرأة قرر فريتز أن بوسعها الراحة بشكل أفضل على فراشه الخاص بسطه ثم وضعها فوقه بمساعدة بسيطة مجدداً من ترودج. غطاها بعد ذلك ببطانيته متأكداً من شعورها بالراحة. تململت للحظة ورفرفت عيناها محاولة النهوض.
أوقفها فريتز بوضع يد على كتفها وتمتم بكلمات مهموسة تتخللها ترنيمة الغسق: "اهدئي نامي استريحي ملياً. هدوء وسكينة وحلم بهي".
سخرت ميل: "يا لك من رقيق. أنا أغار. ما الذي على الفتاة فعله لتظظى بمثل تلك المعاملة؟"
اقترح فريتز: "يمكنك البدء بإنقاذ حياتي".
أجابت: "سأفعل تعلم ذلك. لم تحظ فرصة محظوظة فحسب".
قال فريتز: "لا أظن أن ذلك سيكون حظاً سعيداً نظراً لوقوعي في خطر محدق حينها".
عدلت ميل كلامها وهي تهز كتفيها: "إذاً فهو حظ سيء وأنت تعلم كيف تسير الأمور".
أقر فريتز: "تماماً. رغم أن هذا الحديث لا أهمية له الآن. سألقي نظرة على الأبواب وحينها يمكننا مناقشة المهارات".
قال توبي متثائباً: "ألا يمكننا التأجيل؟ لم نحصل سوى على ساعة أو ساعتين من النوم. ألا ينتظر الأمر؟"
قرر فريتس أن الأمر يستطيع الانتظار حقاً. ما إن زال الخطر وانقضى الصخب، حتى شعر بتعب شديد.
قال بلطف: "حسناً. استريحا جيداً."
عادا إلى فراششيهما بلا جدال.
واجه فريتس نفسه لغزاً. لقد منح فراشه الخاص إلى كلوفر، ووجد الآن أنه لا يستطيع إجبار نفسه على النوم فوق مرتبتها المنقولة المليئة بالنتوءات. لم يكن الأمر متعلقاً فقط بمظهرها غير المريح، رغم أنه كان كذلك، بل لشعوره بأن في الأمر سوء أدب بطريقة ما. النوم في فراش امرأة أخرى، ماذا ستفظ سيلفيا؟
عرف أن هذه الفكرة حمقاء، فهي لن تهتم بأي شكل. رغم أن ذلك لم يردعه عن الاستلقاء ببساطة فوق الأرض الزجاجية بلا فائدة الفراش.
رأى فريتس أنه اعتاد الدلال كثيراً في الآونة الأخيرة، ولن يضرّه القليل من النوم الخشن. كان ذلك تذكرة بالأوقات التي كان فيها عاجزاً حقاً، وبمصير أولئك الذين لا يملكون مأوى يلجؤون إليه في هذه الليلة.
أمل فريتس أن يتمكن الملجأ، وأن تتمكن سيلفيا، من إحداث تغيير هناك. لكن الشكوك ساورته. كانت الوحشية البشعة للأزقة خصماً ضخماً للغاية. تشبه ضخامة وحش بحري عملاق. وكانوا هم صغاراً جداً، وضعفاء جداً. وحدها قوة بمستوى الملك، أو بلاطه النبيل بأكمله، قادرة على تنظيف تلك الشوارع. قد يكون الأمر سهلاً حتى.
لكنهم لن يفعلوا ولا يفعلون. ولن يُجبروا على رؤية المظالم في الأسفل أو التحرك ضدها.
إذن، فالأمر يقع على عاتقه وعاتق سيلفيا، وعلى الملجأ. وكل من ينضم إلى قضيتهم.
كان هناك بعض الأمل. بعض الأمل في أن ينمو ليصبح قوياً بالقدر الكافي. لكن الخوف كان الغالب. لن تسمح أسماك القرش الليلية بازدهار الملجأ ليعلو على سيطرتها الخاصة. أدرك فريتس ذلك تماماً.
يا للأسف.
لكن إن استسلم، فسيصبح السقوط والفشل أمراً حتمياً لا مجرد احتمال وارد. إن كان وقته في الأزقة والقمم قد علّمه شيئاً، فهو هذا: يجب أن تحاتل لتُمنح خياراً أو فرصة.
مع طحن ذلك الاعتبار القاتم في جمجمته، استسلم للنوم ببطء.
* * *
عندما استيقظ فريتس، كان ظهره متخشباً وتحت غطاء رقيق. التفت حوله بريبة، محاولة تحديد من ألقاه عليه.
ابتسم ترودج عندما تلاقت نظراتهما.
"لم أرد أن تصاب بالبرد."
قال فريتس وهو ينهض ثم يتمطى: "شكراً لك."
رغم أنه لم ينعم بنوم هادئ بشكل خاص، إلا أن ذهنه كان صافياً في الغالب. مع تثاؤبة، شق طريقه نحو حقيبته وتناول لوح مؤونة، وغسصه بجرعة من قربة كلوفر الاحتياطية.
لقد ندَم على ضياع قنينة الماء دائمة الامتلاء، وهي أول أداء سحرية اشتراها. وما بات متأكداً الآن من أنه دفع ثمنه باهظاً للغاية. سيكون عليه شراء واحدة جديدة. وربما أي كنز آخر يستطيع إنتاج كمية ماء تعادل برميلاً. بهذه الطريقة، سيصبح استخدام دائر انعكاسات القوة أكثر سهولة بكثير.
بعد إرواء عطشه بجرعات أخرى قليلة، تفقد فريتس المرأة التي يستعير منها المكان.
كانت كلوفر ما زالت نائمة، رغم أن ملامحها بدت أكثر صحة مما كانت عليه. بلمسة خفيفة، وجد أن عرقها قد جف وأن بشرتها دافئة.
استيقظت من اللمسة، وبدت عيناها غائشتين أولاً، ثم اتسعتا. احمرّ وجهها، وبدأت تتنفس بسرعة.
لاهثة: "قائد؟"
ومدت يدها إليه. كانت قبضتها على ذراعه واهية ومتحمسة.
ابتعد فريتس بسلاسة وهو يبتسم بلطف.
"كلوفر. هل أنت بخير؟"
رمشت، ثم رمشت مرة أخرى قبل أن تستعيد قدراً من وعيها.
صرخت: "قائد! أنا آسفة!"
قال فريتس وهو يلوح بيدها ليبدد مخاوفها: "هراء. الأجدر بي أن أعتذر منك بالنظر إلى الحالة التي كنت عليها بعد شفائي. لقد استنزفت لمسة الروح تلك الكثير من طاقتك."
احتجت قائلة: "إنه ليس بشيء."
قال فريتس بجدية: "لقد كانت مخاطرة مميتة. شكراً لك."
ابتسمت كلوفر.
"أردّ الجميل فحسب."
بشكل غائب، لاحظ فريتس أن الخيط الأثيري بينهما قد خفت. كان ذلك الضوء الفضي للالتزام الذي تراجع بمقدار الثلث، كجزء من دَين حياتها الذي تم تسديده. فاجأه ذلك، رغم أنه ما كان له أن يفاجئه بالتفكير في الأمر.
الدَّين الذي لا يُسدَّد أبداً سجن.
لم تكن لدى فريتس أي رغبة في الاحتفاظ بسجناء، لذا اعتبر الأمر خيراً. رغم أنه علم أيضاً أنه سيتوخى الحذر إذا أراد الحفاظ على خيوط الالتزام الأكثر رقة آمنة. للحيطة فقط.
سألت كلوفر وهي تنظر إلى جسدها: "إلى ماذا تنظر؟ هل يوجد ثقب في ثوبي؟"
قال فريتس وهو يبعد ناظريه عن الخيط الشفاف: "أوه، لا، ليس شيئاً من هذا القبيل. كنت تائهاً في أفكاري فحسب."
أجابت: "حسناً. أمتأكد أنك لست مصاباً بعد بسبب الشبح؟"
حذرها فريتس: "مجدداً، أنت المتضررة الكبرى. تلك لمسة الروح، قدرة نادرة وقوية. استخدميها بحذر لئلا تستنزفي روحك حتى الجفاف."
رغم أنه وجد من الغريب أن يكون هو من يسدي النصيحة بالحذر، إلا أن ذلك بدا التصرف الصائب.
قالت: "إذا قلت ذلك."
قال بنبرة خافتة وأضاف غمزة: "إنه أمر."
احمرّ وجهها أكثر، وابتسمت بتوتر. لمع الخيط بينهما بعشق.
قال فريتس متجهاً نحو القافية دون قصد: "الآن بعد أن اطمأننت عليك، لدي بعض الأبواب لأتفقدها أيضاً."
قالت وهي تستقر في مكانها مجدداً: "حسناً. سأرتاح لفترة أطول إذن. ما زالت قدماي تبدوان كقنديل البحر."
"حسناً."
أغضت المرأة الشحيبة عينيها وخلدت إلى النوم سريعاً.
اتجه فريتز نحو الأبواب، وعيون الطاقم تترقبه بلهفة.
كانت الأولى من ألواح خشبية خشنة غطاها الملح. هبت ريح البحر قوية من إطارها المربع، وصرخت درجات السلم. تمايل الباب كله بخفة، وجلجل هدير المطر الخافت. لم تؤكد حواس فريتز إلا ما كان يشتبه به بالفعل: سفينة في بحر عاصف، تتأرجحها الأمواج الهائجة وتتجه أعمق في قلب العاصفة.
كان الطابق وراء الباب يمتلك جاذبية خطيرة. كانت تلك متعة عبور المحيط، وتحدي الطقس القاسي والمياه العاتية، والوصول إلى مكان جديد. مكان بعيد عن مدينة المطر.
نفض فريتز تلك الفكرة. كان في برج، والطابق الأعلى لا يقود إلا إلى طابق آخر.
حتى يصل إلى القمة. لا مفر.
كان الباب الثاني أكثر تبشيراً من الأول، فوهة كهف يمتد منها منحدر من الرمل الناعم. هبت منه ريح دافئة، تحمل رائحة نباتات يانعة من خلفه. لمسة قصيرة من إدراكه جلبت له صوراً لشواطئ مشرقة وغابات كثيفة. لكنها لم تكن صورة الجنة المثالية التي تظاهرت بها. لا، كانت هناك وحوش كثيرة في الخضرة، وأسوأ منها في البحر. هكذا استنتج.
كان الباب الثالث قوساً فضياً لامعاً، صُقِل حتى صار كمرآة. عكست الدرج وجهه في شرائط مشوهة ومقسّمة، سرب من عيونه المتوجسة يحدق فيه مباشرة. إن لم يكن ذلك المنظر المحيّر كافياً ليثبط عزمه عن اختيار الباب، فما أحس به من حواسه كان كافياً. هرولت عناكب معدنية ضخمة في الممرات الدائرية الملساء، تتلألأ فكوكها الشبيهة بالمناشير وتئن.
أحس فريتز بقشعريرة من مجرد هذا الانطباع، وبإحساس خافت بالألفة تلاشى في اللحظة نفسها التي أحس بها. أمر غريب، لكنه لم يتوقف عنده. كانت هناك الكثير من هذه الخواطر العابرة التي لم تسفر عن شيء في النهاية، كونها مجرد نتاج لهواجسه المتقنة وخياله الجامح.
بعد أن أدرك خلاصة ما تخبئه الطوابق الأخيرة، جمع الطاقم، باستثناء كلوفر التي أتاح لها مزيداً من الوقت للراحة. عزم على تقييم نوع القدرات التي عُرضت عليهم، وما إذا كانت ستسهل العبور أو تهوّن المحن في كل منها.
"كما ترون، لدينا ثلاثة أبواب نختار منها،"
بدأ كلامه، ثم وصف ببعض الغموض ما كان قد استخلصه.
"الطابق الأول والأخير يبدوان مروّعين،"
قالت ميل.
"لا أعرف لماذا تظن أن هناك خياراً أفضل من الأوسط."
"صدقتِ،"
وافق فريتز.
"لكن قد يختار أحدكم قدرة تجعلهما أكثر احتمالاً."
"لم تُعرض عليّ خيارات كهذه،"
قالت ميل.
"وأنا أيضاً لم تُعرض عليّ،"
أقرّ ريد.
"لكن عُرضت عليّ حاسة الخطر."
"حقاً؟"
سأل فريتز رافعاً حاجبيه.
"نعم، أفكر في اختيارها،"
قال وهو يهز كتفيه.
"قد تكون نافعة في الخارج."
"مفيدة جداً،"
وافق فريتز.
"وليست سيئة في البرج أيضاً. لكنها زائدة بعض الشيء، فلي حاسة مشابهة."
"ظننت أنك تملكها، ولهذا لم أخترها على الفور،"
قال ريد.
"لا نحتاج إلى قدرتين متشابهتين، أليس كذلك؟"
"ليس بالضرورة. قد تكون ذات فائدة،"
عارض فريتز، وهو يفرك لحيته الخفيفة الخشنة على ذقنه.
"بوجودك في الخلف، ستنبه جيداً إن حاول شيء ما مباغتتك."
عبس ريد عند الفكرة، لكنه أومأ برأسه.
"عُرضت عليّ قدرات كامنة،"
قال ترادج.
"سأختار على الأرجح جلد سميك. لقد تعرضت لجروح كثيرة جداً لأتجاهلها، حقاً."
وافق فريتز على تقييم الرجل، لكنه سأل مع ذلك: "ماذا عُرض عليك أيضاً؟"
"رئتان عميقتان وخطوة قوية."
"همم،"
تمتم فريتز.
"لا أرى فائدة لرئتين عميقتين حين يكون التنفس تحت الماء متاحاً بسهولة. لو كنت مكانك، لأميل أيضاً إلى القدرات الكامنة الدفاعية."
أومأ ترادج برأسه.
"وماذا عنك يا توبي؟"
سأل فريتز.
هز الرجل رأسه، ثم شرح أنه كان قد طوّر إحدى قدراته في الطابق الأخير بالفعل.
"أوه؟"
"انزلاق الظل،"
قال توبي.
"يملك الآن حاجزاً ظلّياً صغيراً بينما أندفع."
"فهمت،"
قال فريتز، كابحاً وخزة حسد عابرة.
بعد أن اكتشف ما كان ينوي اكتشافه، تأمل للحظات أي باب يختار. لم يكن بحاجة حقيقية لذلك، لكن من المستحسن الدقة.
"سنأخذ الباب الأوسط إذن،"
أعلن فريتز.
"ستكون هناك معارك، وهذا ما أنا متأكد منه، لكن قتال الوحوش أهون بكثير من قتال عاصفة، إن كان مثل هذا الإنجاز ممكناً. والباب الثالث يبدو غير طبيعي على الإطلاق بالنسبة لي."
"ويبدو بارداً،"
قالت ميل.
"سئمت البرد. طابق آخر كهذا وأنا متأكدة أن صدري سيتجمد."
رمق ترادج صدر المرأة، ثم احمر وجهه وأدار بصره عنها عندما ابتسمت بوضوح.
"وأفترض أن ذلك سيكون أمراً مؤسفاً جداً،"
قال فريتز.
"نعم، مؤسف. تماماً كفقدان ذراع أو ساق،"
قالت ميل، وقلبت عينيها.
"مأساة حقيقية إذن،"
أجاب فريتز.
ابتسمت ميل ابتسامة ملتوية.
"أفترض أننا انتهينا من وضع الخطط؟"
سأل توبي، ونبرته ملؤها الضجر.
"بالنظر إلى حديثنا الحالي."
"صحيح."
أومأ فريتز برأسه.
"سننتظر حتى تستعيد كلوفر بعض قوتها. رتبوا سماتكم واختاروا قدراتكم في هذه الأثناء. اختبروها إن شئتم، لكن كونوا حذرين."
بعد أن صُرفوا، تفرق الطاقم، فغاص بعضهم في المحاريب بينما شرع آخرون في صيانة معداتهم.
وجد فريتز أن لديه القليل ليفعله بينما تتعافى كلوفر، فأخرج مجلداً ضخماً من حقيبته وتصفح عنوانه المطوّل.
"نظرّيات في حفظ التسلسل الهرمي ومخاطره، والاستبداد والسلطة الجائرة، والتدابير والطرائق اللازمة لتفكيكهما وإزالتهما. رسائل ومقالات مجَمّعة لثيودور فلينت وكتّاب آخرين، مجهولين، مشروحة وواضحة."
تنهّد. حتى الغلاف كان غير أنيق ومُسهباً أكثر مما ينبغي. ولم يُبشّر ذلك بخير لبقية الكتاب. تنهّد مجدداً، ثم فتحه وحاول قراءة الفصل الأول من الفصول الثلاثة والثلاثين التي وعد بها، أو بالأحرى هدد باحتوائها.
وكما خشي، كان الكتاب مُملاّ.
بدأ بنظرة عامّة "موجزة"
على التاريخ كما تصوّره الكاتب. أو هكذا زعم. وسرعان ما تبين أن ثيودور فلينت عاجز عن الإيجاز. تحدث عن إمبراطوريات وممالك لم يسمع بها فريتز قط، وارجح أنها قديمة ومفقودة، ثمّ أوجز كيف كانت منظمة، ومن هم الحكام وكيف وصلوا إلى السلطة.
شُحذت عيناه بجمود وهو تائه وسط الأسماء والألقاب والتواريخ والممالك الصاعدة والآفلة. وكان الثابت الوحيد هو السپيرات، وما يدور حولها من معارك وخيانات وتمردات. صراع كثير، وفوضى عارمة، وموت وفير. جيوش تعدادها الآلاف، بل عشرات الآلاف من المتسلقين، تتصادم وتسحق وتقتل بعضها بعضاً. وكلّ ذلك من أجل ملوكهم وملكاتهم وأباطرتهم وإمبراطوراتهم.
كان تخيل ذلك صعباً. ورغم أن فريتز عاش في قسوة الأزقة الضيقة، فإنه لم يشهد قطّ المذبحة الجماعية التي وصفها المجلد ببرود. ورغم أن الكاتب حافظ على مسافة أكاديمية، فقد كان هناك بعض الاشمئزاز المنسوج بين الكلمات لمن يتأمل بعمق كافٍ.
وكان هناك خيط مشترك آخر: نوع البشر الذين يستولون على سلطة السپيرات ويبنون ممالكهم تَبَعاً لذلك. طغاة ملطخة أيديهم بالدماء، يورثون قوتهم لورثتهم عبر الدم وما أدراك ما الدم.
وحين لا يكونون جميعاً كذلك، فهذا نمط مزعج.
رسم محتوى "النظريات"، كما بدأ فريتز يُطلق على الرسالة، صورة قاتمة للماضي.
وقد فعل ذلك بنثر خالٍ من المشاعر وبارد. ويمكن اعتباره عملًا فنياً فريداً لو كان الفن يهدف إلى إغراق ما يثير الاهتمام في طوفان من السأم.
في النهاية، أنهى الفصل الأول الكئيب وخرج بأسئلة أكثر من الإجابات. وكان أحد تلك الأسئلة: ما صلة ذلك به؟ ورغم أنه وصف بعض الأحداث حول سپيرات البر الرئيس، فإنه لم يتضمن أي مشورة بشأن تسلقها، ولا أي معرفة من شأنها المساعدة في فعل ذلك.
أي إشراق أو تقنية، مدفونة في طياته، كانت مخفية بعمق. إن وُجِدت أصلاً.
تحرّكت كلوفر، فوضع الكتاب جانباً، مسروراً بالانشغال عنها.
قال: "أتشعرين بتحسن؟"
قالت: "قليلاً."
"أيمكنك الوقوف؟"
تمطّت كلوفر، وتثاءبت، ثم نهضت ببطء على قدميها. تمايلت، وأمسك فريتز بذراعها فثبّتها.
ابتسمت كلوفر امتناناً.
"ما زلت ضعيفة للغاية. لا أظن أنني قادرة على المشي طويلاً."
قطب فريتز جبينه.
قالت: "عذراً."
قال فريتز: "لا تهتمي بذلك. أودّ التسلق في أسرع وقت ممكن. أيمكنك تحمّل الحمل؟"
ترددت كلوفر.
"أواسطتك أنت؟"
هزّ فريتز رأسه برفق.
"أخشى أنه بواسطة ترادج وريْد. رغم أنني أمتلك القوة، إلا أنني لا أمتلك التحمل. هذا فضلاً عن أن عليّ الاستطلاع. لا يمكنني فعل ذلك وأنت معلقة على كتفي، أليس كذلك؟"
أومأت موافقة، وإن بدا عليها الإحباط.
فكر فريتز في تسليمها جرعة الشفاء الخاصة به، لحل المشكلة محتملاً، لكنه عدل عن رأى ذلك. لم يكن يعلم إن كانت تلك الجرعات ستنعش روحاً منهكة، ولم يرغب في إهدارها.
بعد طي فراشه وتوضيب أمتعته، أعلن فريتز أنهما سيبدآن التسلق خلال نصف ساعة.
مرّ الوقت سريعاً، فأطْفَأا جوعهما وعطشهما وأحكما تعبئة حقائبهما وأكياسهوما وحِزَمِهما، متأكدين من سلامة كل شيء وتأمينه.
ثم صارا مستعدين. حاول ترادج حمل كلوفر بين ذراعيه كما يُحمل الطفل، لكنها لم تستطع تحمّل تلك الإهانة؛ وطالبت بالتشبث بظهره. قوبل ذلك بالرفض، مرده العملية البحتة في الغالب. فظهر الرجل العريض لم يعد يملك متسعاً لتتشبث به. ليس مع وجود حقيبتيهما في الطريق، فضلاً عن أكياس الذهب الخاصة بهما.
وهي نافشة شعرها ومكسورة الخاطر، وافقت في النهاية على أن تُمحمل كما كانت من قبل.
لم يكن ذلك حلاً عظيماً، لكن فريتز لم يعد يملك متسعاً للانتظار. لقد تأخر طويلاً بالفعل في هذا السپير، وانتابه شعور غامض بأنه مطلوب في الخارج.
تفقد فريتز الطاقم للمرة الأخيرة، وأصلح هندام بعضهم، ثم أومأ برأسه حين اطمأن.
قال: "هذه هي الطابق الأخير، وقد قارَبْنا الوصول. ومع ذلك، احذروا ألا تخفضوا حذركم، فهذا الطابق سيكون مميتاً كأي من الطوابق التي سبقتْه. أعتقد أننا سنعبر. سنتسلق إلى القمة. اتبعوني."