أثقل الكره على فريتز وفريقه، ومع مرور الساعات، بدأت قطرات المطر الزائف الكبيرة تثقل وتبرد وتتكرر تدريجياً. كان هذا التغيير الأول فحسب الذي لاحظوا. استغرق الأمر ما يقرب من ثلث اليوم قبل أن يكتشفوا العقدة التالية التي خبأها لهم السبير.
بدأت البلورات المتوهجة تفقد ضوءها، وتومض ببريق ساطع قبل أن تخفت، وعندها جن جنون الأسماك. كانت تلك الخطوط الفضية المجنونة تسرع نحو كل من عكر صفو بركها، عاضة ومخبطة. أو تسبح عن قرب، محاولة شق أي سيقان غير محروسة بزعانفها الحادة بشكل غير معتاد.
بينما كانت هذه الهجمات التي تُحبَط بسهولة محبطة أكثر من كونها مميتة، إلا أن الحاجة المستمرة للحذر كانت تبطئ تقدم الفريق عبر الكهف المظلم تدريجياً وتستنزف أعصابهم.
مع ذلك، كانت هناك فوائد لكون الأسماك تبحث عنهم بدلاً من العكس. فمن جهة، زادت مخزون الفريق من لحوم الأسماك والقشور المتلألئة بشكل كبير. ومن جهة أخرى، زاد التزامهم بتشكيل فضفاض وخبرتهم فيه بشكل ملحوظ.
لم يستغرق الأمر سوى بضع سقطات، وبضع جروح، وعدة عضات حتى أدركوا جميعاً الحكمة الكبيرة التي حاول فريتز تعليمهم إياها. أخفى ابتسامته ورضاه عن النفس عندما انصاعوا أخيراً لاقتراحاته دون التصلب الواضح والزئير المكبوت الذي أثارته أمره سابقاً.
حاول فريتز ألا يبدو متعجرفاً أو متجهماً جداً إزاء الموقف برمته؛
فهو نفسه مدين بالشكر لمؤلف كتاب "الملاحظات"
على هذا الإرشاد الثمين. ومهما بدا كلام الكتاب متغطرساً ومتفاخراً عند قراءته للمرة الأولى، لا بد أنه كان مزعجاً بثلاثة أضعاف سماعه من فم فريتز نفسه. أو هكذا أوحت عبوسات الفريق.
وحتى وهو يتفادى قطرة بشكل غريزي مع التواء طفيف في الكتف، تساءل عن المجلد الثاني، الذي كتبه المؤلف نفسه والمحفوظ بأمان في حقيبته. أسيطر عليه الطابع نفسه؟ المزيد من النصائح حول كيفية خوض حرب أثناء التواجد في الجانب الأضعف من الصراع؟ أم سيكون، كما استنتج من عنوانه، عملاً أكثر غموضاً وعمقاً أكاديمياً؟
لم تكن هناك سوى طريقة واحدة لمعرفة حقيقة ذلك، وهي قراءة الكتاب الضخم بشكل مخيف. كاد يتنهد ويتمنى لو كان بإمكانه تسليمه ببساطة إلى سيلفيا. لكانت قد دفنت أنفها بين صفحاته البالية لو كانت في هذا التسلق.
يا للحسرة، له ولها.
دوى صوت تصدع، تلاه هدير. تردى الصدى من عمود إلى عمود بينما سقط أحد تلك الأعمدة الحجرية في البعيد بصوت مدوٍّ تلاه تحطم. تلاه آخر، ثم آخر، وبعد دقائق قليلة، سكن الكهف.
همس نايل: "ما هذا؟"
هست ميل: "أوحش؟"
ذكره فريتز: "لا وحوش في هذا الطابق."
تذمر رييد: "إلا إذا احتسبت الأسماك."
أجاب فريتز ببرود: "أنا لا أحتسبها."
سألت كلوفر بعجالة وعيناها تمسحان الظلام: "إذن ما هذا؟"
أوضح فريتز: "الكره، إنه يطيح بالأعمدة الآن. أظنه يأمل في سحقنا بها. أو تخويفنا."
تفاخر ترودج: "أنا لست خائفاً. لست خائفاً من بعض الصخور."
وافقت ميل: "ولا أنا. أنا خائفة من الاصابة بالزكام أكثر. هذه البرك جعلت قدميَّ مخدوشتين تماماً."
قطب فريتز جبينه. انحنى واختبر الماء بيد فوجده أبرد مما كان عليه عندما دخلوا الطابق لأول مرة. لم يعد فاتراً، بل بات على شفا الجليد. لم يلاحظ هذا الخطر الخبيث بسبب جواربه وبأحذيته السحرية؛ فقد أبقت تعاويذه قدميه جافتين ودافئتين.
نظر إلى الفريق ولاحظ الارتعاشات العرضية. سيحتاجون إلى نصب خيمة وإشعال نار لاستعادة حيویتهم.
اقترح رييد: "يمكنك دائماً استخدام خاتمك، ألم تذكر ملاحظة المعرفة شيئاً عن مقاومة البرد؟"
رفضت ميل: "يمكنني، لكن طاقته لا تدوم طويلاً. لن أنفق ثلاثة عملات ذهبية مقابل دقيقة واحدة من الدفء. أفضّل قدمين باردتين على جيوب فارغة."
أثنى فريتز: "موقف براغماتي، ذكي وجدير بالثناء. سأجد لنا جزيرة أخرى، ويمكننا إشعال النار. بقي لدينا الكثير من الحطب، أليس كذلك؟"
قال ترودج: "لدينا."
قال فريتز: "جيد، لنذهب."
كان العثور على جزيرة أخرى أسهل قولاً من فعله، خاصة وأن الأعمدة القريبة كانت غير متزنة بشكل مريب، وسيكون من الحماقة تسلقها. مع ذلك، سمح الضعف المفاجئ للحجر أيضاً بتعدين أسهل لأي خام ثمين كان يتخلل الصخور أحياناً.
يمكن لضربة قوية من مطرقة ترودج أو صاعقة متموجة من راحة يد كلوفر أن تقتلع أجزاء كبيرة من الأعمدة قبل أن تتفتت.
كانوا حذرين كي لا يصابوا، لكن كانت هناك حالات قريبة من الاصابة. غالباً عندما كانت تلك الأسماك الهائجة تشتت انتباههم. وُضعت الخامات والكوارتز في الأحقاب والحقائب، وجمعوا في النهاية ما يكفي لتثقلهم أوزارها بشدة.
رغم أنه كان بإمكان المزيد من الخام والكوارتز، إلا أن فريتز لم يكشف عن كيس الأحجار الكثيرة الخاص به. شعر أن ذلك سيضر بأي مصداقية اكتسبها، هذا فضلاً عن أنه لم يكن متحمسأً لمشاركة هذا السر.
تذمر بارج: "يا للملوك، كم بقي لنا من طريق؟"
خفف فريتز: "ليس كثيراً. يمكنني رؤية مكان للتخييم. لن يستغرق الوصول إليه سوى نصف ساعة على الأكثر."
ردد ترودج عبر أنفاس خشنة: "نصف ساعة."
دحرج كتفيه، ثم نقل حقيبة كبيرة من الأحجار الثقيلة من جانب إلى آخر.
قال فريتس: "لن نستغرق سوى تسع دقائق لو كانت الأرض أسطحاً ممهدة وقلّت هذه الحواف الخائنة".
بالطبع، لم تكن التضاريس الوعرة تشكل خطراً يذكر عليه، إذ حافظت حاسة الفخاخ والرشاقة على توازنه حتى على أزلق الأسطح الحجرية. هذا حين كان منتبهاً بما يكفي على الأقل.
أصدرت ميل تذمراً موافقاً. لقد وقعت بضع مرات، ولم تكن الأقل حظاً من حيث التوازن بين الطاقم. فقد تعثر الجميع أكثر من مرة. باستثناء توبي، إذ حافظ تدريبه مع القاطع على ثبات خطاه وقدرته الفائقة على اجتياز الأرضيات.
بعد دقيقة، أطلق فريتس إشارة تحذير، مشيراً إلى تموج في الماء الصافي وخط فضي يتجه نحوهم.
تم التعامل مع السمكة الهائجة بسرعة، إذ شق سيف بارج الماء وحراشفها، ليتركها بلا رأس. وتصاعدت سحابة من الدم الرمادي اللامع إلى السطح مع النصفين الهامدين من الجسد.
تذمرت كلوفر: "أتمنى أن تتركنا هذه السمكة وشأننا، لم نرتكب خطأ بحقها".
سأل ترادج: "حقاً، ماذا فعلنا لنثير غضبها إلى هذا الحد؟"
أجاب فريتس وهو يتنهد: "إنه الحقد. والأمر سيان مع كل الأخطار التي تعرقل تقدمنا نحو الباب".
بصق ريد: "تباً لهذا الحقد".
وافق فريتس: "هذا صحيح كالمطر. لكن السبيل الوحيد هو المضي قدماً، أخشى ذلك. إلى الجزيرة. سنستريح قليلاً فقط. بضع ساعات من النوم، تكفي لمنح أقدامنا بعض القوة".
اشتعلت ملامح الطاقم بحدة، وبدأوا يحثون أنفسهم على التحرك بشكل أسرع، عازمين على بلوغ الجزيرة بأقصى سرعة ممكنة.
بجهد شاق، بلغوا امتداد الحجر المرتفع خلال عشرة وعشرين دقيقة فقط. أُشعلت نار المخيم فوراً، وسرعان ما أحاطوا بها باسطين أيديهم لتدفئة أصابعهم الخدرة.
أصدر اللهب أزيزاً، منكمشاً وهو يغلي قطرات الماء الثقيلة حين تتناثر فوقه.
ثار التساؤل حول كمية الحطب الواجب استخدامها. قرر فريتس استعمال كل ما لديهم لإبقاء النار مشتعلة.
سأل ترادج وهو يلقي بلوح خشب جاف فوق اللهب المكافح: "وماذا عن الغد؟"
هز فريتس رأسه.
"نحتاج إلى النار الآن. سأخرجكم إلى بر الأمان بحلول الغد".
سألت ميل بنبرة مظلمة: "وماذا إن لم تفعل؟ ماذا إن أضلتنا؟"
اتهم بارج: "نعم، ماذا لو متنا تجمداً هناك؟"
أضاف ريد: "وماذا إن زلّت قدمي وتخلّيتم عني؟"
قال ترادج برعب باهت: "وماذا إن اختفيت في الصباح؟"
سألت كلوفر بمسكنة: "أستتخلى عنا لنموت في الظلام؟"
كانت تجلس القرفصاء، ضامة ركبتيها إلى صدرها.
قالت ميل برفق: "في الماء البارد. غرقاً".
زمجر نايل: "وماذا إن أردت التخلص منا؟ تماماً كما فعلت مع باكت؟"
قطب فريتس حاجبيه، ملقياً نظرة على توبي، الذي كان الوحيد الذي لم يبدِ أي شكوى أو تذمر. حتى عيناه حملتا وميضاً أسود مشكوكاً فيه.
بعد كل ما فعله لأجلهم، وكل ما قدمه. والأخطار التي قادهم عبرها والثقة العظيمة والرحمة شبه المطلقة التي أبداها لهم، ألا يزالون يشكون فيه؟ أظنوا أنه سيخونهم؟! لقد كانوا ثعابين عاصية، كل واحد منهم، لزجة وماكرة، أكان هو من يُخشى حقاً؟
اشتعل غضب هائل في صدر فريتس، وتسلل ذلك اللهب المتأجج إلى معدته. كأن يلفظ كلمات نارية حين قبض فجأة على تلك المشاعر اللاسعة والمتلوية مستخدماً سيطرته فأخمدها. وبدلاً من أن يُقمع الغضب ويُكبت، انفجر ثم تبدد إلى دخان رقيق ومتموج.
لم يكن ذلك بالأمر المعتاد على الإطلاق، وأجبرته مفاجأته على التشكيك في أفكاره الغاضبة السابقة. كانت هناك لطخة، غشاء أسود مرقط يغطي الزجاج الصافي الذي يمثل نافذة على ذاكرته.
كان تخمين الجاني أمراً سهلاً.
دون مزيد من التأمل الداخلي، وجّه فريتس بصره نحو الخارج. حدق من فوق رؤوس الطاقم ليراها، وهي تنحدر من الأعلى، خيوطاً سوداء لزجة ملتصقة بهم. كانت الخيوط الشبيهة بشباك العنكبوت تنبض كقلب مريض، وتغذي المخاوف الكامنة في كل عقل.
الحقد.
كان الأمر واضحاً بأثر رجعي، لكن التفكير فيه في الحاضر يبعث على البرد في العظام. لقد علم أنه يستطيع التأثير على المشاعر، مفاقماً الخوف والغضب إلى ذرى أعظم ومسوءاً المزاج إلى حد الكآبة. بيد أن يحدث ذلك بهذه السرعة، وبمثل هذه القوة، كان صدمة هزته حتى أعمق عظامه الفضية المقمرة.
وفي هذه اللحظة، كان يراه، وإن بالكاد. ورغم أنه رصده لثوانٍ معدودة فقط، كانت الرؤيا تبهت بالفعل. تتساقط الخيوط ببطء، فاقدة قوتها وبنيتها.
لكن الضرر قد وقع، وبذور الشك قد زُرعت. ظل التلوث عالقاً، متمسكاً بالهباءات المرفرفة والمحلقة بين أفراد الطاقم، تتطاير منها شرارات حمراء وسوداء بدقة. متناغمة بشكل مدمر.
زمجر نايل: "إلى ما تحدق أيها القائد؟"
تهكمت ميل: "أحسنّا التخمين؟ أظننتنا أغبياء إلى حد عجزنا عن إدراك خطتك؟"
توسل ترادج: "أيها القائد؟ هذا ليس صحيحاً، أليس كذلك؟"
يئست كلوفر، كاتمة شهقة وهي تمتد نحو سكين: "سنموت، أليست هذه هي النهاية؟ لن أموت برداً وظلاماً. لن أتحمل هذا العذاب. ليس مجدداً".
قال بارج ويده على مقبض سيفه: "لن أسمح لك بقتلنا".
وقف فريتس هناك، صامتاً، لفترة أطول من اللازم، وتصاعد الموقف إلى ما يشبه نوبة من الجنون. كانت غرائزهم الأشد ظلمة تجمح بلا رادع.
أمر فريتس: "توقفوا! إن الحقد قد..."
قال نايل بصوت حاد مقلداً: "الحقد، الحقد. أتريد خداعنا بلوم الحقد؟! أنا ألومك أنت!"
مدّ القاطع يده نحو فأسه وصرخ: "أحيطوا به! لا يمكننا السماح له بالفرار!"
قال ريد ببلادة: "لا تدعوه يأخذ الفانوس، سنضيع".
تحرك بارجالتفاف نحو يمينه وأخذ ميل يساره. تراجع ترادج بخوف ورفعت كلوفر سكينًا ترتجف ببطء نحو رقبتها. جالت عيناهتوبي يميناً ويساراً ووجوه غارق في الارتباك. جلس ريد وحدق في النار لا يرى شيئاً ويتمتم بصوت خافت.
أغمض فريتز عينيه ومدّ يده باحثاً عن أغنية الغسق. كان يعلم قدرتها على تأثير المشاعر بطرق غريبة، وإن أراد إنهاء هذا بلا دماء وجب عليه استخدامها. وللتخلص من لوثة الحقد كان عليه أن يفعل أكثر من مجرد تزيين كلماته بقوتها، فاحتضن الأغنية الكئيبة والجميلة التي كانت تهمس داخل صدره.
سحب الطاقة من مركزها وتركها تنتشر في كل شبر من جسده ثم صبّ القوة النابضة والضاربة عبر حلقه إلى قلبه.
فتح فريتز عينيه فبرقتا بسحر بنفسجي عنيف.
"سارعوا إليّ وأصيخوا السمع، أبعدوا عنكم ومزقوا المخاوف. استمعوا جيداً وافهموا الصواب، أمعنوا السمع وأصغوا للتعويذة. لا يوجد تدبير ولا خيانة تدور، سوى شظايا الحقد المظلمة. استمعوا جيداً وافهموا الصواب، أمعنوا السمع واحتضنوا المدّ. ذلك الشك الرهيب والثقة المكسورة، لتتطاير بعيداً وتصير هباءً منثوراً. استمعوا جيداً وافهموا الصواب، أمعنوا السمع واشعروا بالناقوس. لتُغسل البقع غير المرغوب فيها، ولينتهي اليأس يقيناً كطلوع النهار."
تسللت الأبيات فوق الطاقم وجعلتهم يتعثرون. جذب صوتهم جميع الأنظار. وحدقوا الآن بفتنة. تحولت الفتنة إلى سحر وغشت العيُونَ غشاوةٌ. غسلت كل موجة من الكلمات المنسوجة لوثة الحقد السوداء المتقيحة. سرعان ما تردد صدا النوتة الأخيرة في العدم ووقفوا كالأحجار.
لم استمر الذهول سوى لحظات قليلة. تطايرات الأمطار الكاذبة على طاقمه واستيقظوا من ذهولهم.
سأل توبي وهو ينظر إلى خنجريه المسلولين: "ما الذي حدث؟"
قال فريتز وبقايا أغنية الغسق عالقة في نبرته: "الحقد. لقد ضربكم بالجنون".
قالت كلوفر ويداهامسترخيتان إلى جانبيها: "من كان يغني؟"
قال ريد بهدوء: "كان الأمر جميلاً".
وافق ميل: "حقاً".
وأضافت كلوفر: "لكنه كان حزيناً".
لم يتذكر فريتز أنه كان يغني. حتى لو اتخذ صوته منحنى إيقاعياً ومقفى فلم تكن سوى كلمات. إنه لا يغني. حسناً ليس بالقدر الذي يتحدث به وبالتأكيد ليس بهذه العلنية.
سأل توبي: "ضربنا بالجنون؟ كيف؟ ولماذا؟ لم أشعر قط بالحقد يفعل ذلك من قبل".
تأمل فريتز الأمر ثم قدم أفضل إجابة استطاع استحضارها: "أظن أن الأمر يتعلق بموت باكت. إن انقلاب الفريق على نفسه يدفع البرج ليكون أكثر... حقداً".
قال توبي بتأمل: "أرى ذلك".
سأل ميل وهي تغمد سيفها القصير بحرج: "هل سيحدث ذلك مرة أخرى؟"
أجاب فريتز: "لا أعلم. ورغم أنني كسرت سيطرته عليكم مرة فينبغي أن أستطيع فعل ذلك مجدداً".
ابتسم بثقة آمالاً أن تبدو حقيقية. لم يكن فريتز واثقاً تماماً في الواقع. لقد نفدت طاقة أغنية الغسق الخاصة به. شعر وكأنما ألقى تعويذة الخمول مراراً وتكراراً وبات خزانه الذي يهمس باستمرار صامتاً تقريباً.
ستعود المانا المظلمة مع الراحة وهذا أمر مؤكد، ولكن إن ضرب الحقد مرة أخرى وبالسوء نفسه فلن يتبقى لديه سوى القليل للدفاع عنهم به.
كانت هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها الكثير من سحر الجنيات هذا؛ فكل المناسبة الأخرى لم تكن بهذا التوجيه أو القوة قط. شرد عقده وتساءل عما سمح له بتوجيه كل هذه الطاقة.
أكانت الحاجة؟ أكان القصد؟ أكان تدريبه على سماته المتقدمة الأخرى؟ قد يكون كل ذلك أو لا شيء منه، وقد يكون مجرد حظ عابر.
شكك في الأخيرة. أو بالأحرى خشيها. كلما كان محظوظاً بدا وكأنه لا يجلب لنفسه سوى ثلاثة أضعاف المتاعب التي تجنبها.
تنهد فريتز وتحولت التنهيدة إلى تثاؤب وأمش جفنيه الثقيلين.
قال: "استريحوا وناموا لضع ساعات. سأبقى حارساً".
حينها فقط أدرك الطاقم مدى تعبهم وكانت الذرات فوق رؤوسهم ضبابية وباهتة وخامسة. لَفُّوا أنفسهم بالمعاطف الزيتية والبطانيات ثم خلعوا أحذيتهم لتجفيفها قبل الاستلقاء حول نار المخيم.
لم يخاطر فريتز بالنوم نفسه. كان قلقاً من أن يضرب الحقد مرة أخرى أو أن يغمرهم ببطء بالخوف والقلق أثناء راحتهم.
فكّ الزر الذي يغلق جيبه النحيف والتقط جرعة قدرة بيده وشربها مبتلعاً السائل المحرق والمزيز بسرعة. فقاعة في معدته بينما تدفقت الطاقة إلى ساقيه المتعبتين وعقده المرهق. ارتفعت قدرته باطراد وكأنما أخذ قيلولة طويلة وكسولة في يوم دافئ.
ورغم بقاء شيء من البلادة في أفكاره ومهاجمة سلسلة من الآلام الخفيفة له فقد كان مستعداً لتولي الحراسة ثم المضي قدماً بعدها.
نام الطاقم.
إن كان فريتز قلقاً من عدم قدرتهم على نيل أي راحة حقيقية بسبب الظروف الباردة والرطبة فلم يكن بحاجة لذلك. لقد وُلد كل منهم وترعرع في شوارع مدينة المطر. لقد عودتهم المجاري على مثل هذه المصاعب، فالحجارة الخشنة والمياه المقطرة ورشاشات الأسماك المتخبطة أحياناً لم تكن كافية لإيقاظهم.
مضت ساعة دون مكروه، ثم أخرى. تفقد فريتز النار، مرتقباً أي بوادر لهجوم الحقد. لم يأتِ شيْ. كان يختلس النظر من حين لآخر إلى شبح المشعوذ، محاولاً تقدير المدة التي سيستغرقها لاجتياز عالم الأحياء بفضل توهج جلده الشبح.
كان يطفو فوق بركة، بعيداً بما يكفي ليكون خارج ضوء النار المتراقص.
لاحظ فريتز ما أثار حنقه. كان رمادي لحمه أسطع قليلاً مما كان عليه قبل دقائق فقط. عقد حاجبيه ونهض على الفور. هناك، استابن له سبب صلابة هيئة الشبح.
سمكتان فضيتان طفتا تحته، ميتتين ومنزوعتي الدماء.
عبس فريتز وتهدج صوته بأمر بالتحليق عالياً فوق الماء، بعيداً عن متناول أي من الآفات الحرشفية. لعن حماقته؛ كان حرياً به وضعه بعيداً عن أي شيء حي منذ البداية. الآن سيبقى عالقاً مع هذا اللعين الطيفي لفترة أطول.
متذمراً، أعاد تركيزه إلى النار والطاقم. لم تظهر أي علامة تدل على الحقد.
بعد نحو ست ساعات من الراحة الهادئة نسبياً، أيقظهم فريتز من سباتهم.
استيقظوا دون كثير تذمر وسرعان ما رتبوا عتادهم وحملوا حقائبهم على ظهورهم. ثم عادوا لخوض المياه.
أول ما لاحظوا كان برودة الماء، بل تجمده. تظلموا، لكن فريتز لم يكن في مزاج يسمح له بالاستماع. نبض بإدراكه وقادهم في مسيرة لا تهادن نحو الدرج.
بدأ الطاقم يرتجف بعد نصف ساعة، وكأن الحرارة استُلت منهم عبر أقدامهم. سقوط المطر المزيف، الذي زاد حجماً وتكراراً، لم يساعد في الأمر قط.
مع ذلك، دفعهم فريتز قدماً، متجاهلاً أي توسلات بالراحة والدفء. لكنه وزع بعض العلاجات التي عززت قدرتهم على التحمل ودفأت أطرافهم. أو هكذا زعمت نعومي. كانت المثلثات المضغوطة من الأعشاب جافة وطعمها يشبه التراب والطحالب مع لمسة من الحلاوة والشراب. كان مفترضاً مضغها، ثم بصقها بمجرد أن تفقد طعمها.
مرت ساعات، وظل فريتز يمضغ علاجه لفترة طويلة بعد أن فقد أي نكهة. ورغم أن الجرعة التي شربها من قبل قد أنعشته، إلا أنه بات يسمع نداء النوم المغوي بوضوح. كانت كل خطوة يخطوها تتزامن مع قضمة أخرى للبُلارة الفاترة في فمه.
بدأ البرد والرتابة ينخران فيهما. حتى عندما تخلل الخوض الموحي بالملل هجوم السمك المجنون أو الأعمدة المتساقطة، سرعان ما عادت رحلتهم إلى التخبط في الماء وفوق الحجارة الزلقة.
مرت ساعات أخرى واقتربوا أكثر فأكثر من الدرج.
سأل بارج بفكين مطبقين: "كم تبقى من الوقت؟"
أجاب فريتز: "أصبحنا قريبين".
قالت ميل وأسنانها تصطك: "ذاك ما-ما-قلته في المرة السابقة".
رد فريتز: "وما زال صحيحاً".
تمتمت ميل وانضم إليها الآخرون.
بعد خمس عشرة دقيقة قاسية، أطلق فريتز تنهدة طويلة ممتنة، ثم أشار إلى الظلام البعيد.
"هناك، يمكنني رؤيته".
لم يكن الدرج بالشكل الذي توقعه. ظن أنه محفور في جدار الكهف، لكنه عوضاً عن ذلك كان عموداً صخرياً شاهقاً مع درجات ملفوفة صعوداً حوله بشكل حلزوني.
تمتم نايل: "لا أستطيع رؤية شىء في هذا الغفق".
قال فريتز: "لا داعي لذلك، عليك فقط أن تثق بي. هيا، لم يبقَ الكثير".
دون كلام إضافي، أسرع الطاقم بخطواتهم نحو الدرج.
راودت فريتز انطباع غريب، وكأن فخاً على وشك الانطلاق، لكن كلما اقتربوا من الدرجات، تلاشى الشعور أكثر فأكثر. كان أول من وطئت قدمه الدرج، وبسرعة، ومع دفعة أخيرة، صعد.
درجة تلو الأخرى، صعدوا. مئات الدرجات الصخريّة الزلقة. تحَمَّلوا، لكن كل واحد منهم كان يتأوه ويلعن ويتنفس بصعوبة.
بعد اثنتي عشرة دقيقة، اخترقوا سقف الكهف، وتبعوا ممراً ضيقاً ومروا إلى غرفة البئر.
ترنح فريتز نحو البئر، وهي بركة راكدة من المياه المتجمدة، وسمح لقوتها بأن تعيد إليه عافيته.
كاد يبكي من الارتياح إذ تدفأ جسده بشكل ملحوظ وتلفت آلامه. بالطبع، لم يفعل ذلك الكثير لتخفيف إرهاقه الحالي؛ وحدَهُ النوم كفيل بعلاج ذلك، لكنه كان مرحباً به مع ذلك.
كان طريقاً وعراً، وكاد القمة يمسك به بحيله، لكن فريتز نجح.
لقد قهروا الطابق السادس، بحقده وكل ما فيه.
الآن يمكنه أن يرتاح، لساعات معدودة فقط.