أمسك سيد بيقة قميص فريتز الممزق ورفعه، مختنقاً في هذه الأثناء وهو يجره إلى قدميه.
زأر سيد: "بما تبتسم أيها الأحمق! انضج علينا الخروج من هنا".
رُفع فريتز باهتزاز على قدميه. شعر بإحراج يقارب العار لأنه شكّ في أن سيد سينقلب عليه. ليس الجميع مثل توبي وجين على ما أظن. نفض فريتز الغبار عن نفسه مخفياً تعابير دهشته بالتفتيش عن شفرة سمكه.
لمريد أن يقرأ سيد ما كان يشكّ فيه حول أمر "احتمال قتل سيد لي".
لمح سلاحه الثمين، فمشى بخطوات حذرة نحو مستقره والتقطه بحنان، فرنّ بصوت خافت وهو يحتك بالحجر.
هتف فريتز كأنه يمثل على مسرح ممسكاً بالسيف عالياً بوضع مبالغ فيه من الانتصار: "هاه. ليت الزئبق الذي لا يُقهر يعود بسعادة إلى سيده الشجاع!"
محاكياً قدر الإمكان تمثال فارزيل العادل.
تنهيدة أخرى من سيد أعادت فريتز إلى الواقع وإلى الجثتين اللتين ترقدان عند قدميه، اللتين قتلهما بنفسه. ثقل الإدراك كاد يدفعمثلاً على ركبتيه لكنه دفعه بعيداً. لاحقاً. حدث نفسه. تذكر فجأة سبب قتاله لستيف، ففتش بجنون عن خنجر العظم الملعون، ليجده ملقى إلى جانب جثة ستيف الخامدة، تماماً بجوار وجهه المهشم. اضطرب معدة فريتز، ثم تقيأ وجبته الأخيرة، قاذفاً طعامه في شق مناسب للغاية.
أنا فعلت ذلك؟ بيدي العاريتين؟ ارتجف رعباً، وخاف فجأة من غضبه. فعلت، ما كان عليّ فعله، لكان قد تعقب أخي وأختي. كانت تلك كذبة يعلمها، فباسترجاع ما حدث قال ستيف إخوة وأخوات. بصيغة الجمع. مما يعني أنه لم يكن لديه أي فكرة حقيقية عن مكان وجود عائلته. كان بإمكانه تعقبهم مع ذلك، بمجرد خروجه. استنتج، محولاً اللوم.
جمع فريتز شجاعته وأمسك الخنجر عن الحجر، مصمماً على عدم النظر إلى بقايا جمجمة ستيف. وبخنجر العظم في يده شعر بوخز خفيف من شيء ما. سحر؟ أمسك الخنجر في كفّه، ثم لمح من طرف عينه خوذة غريغ السوداء، الملقاة في حفرة. أرسل المنظر غصة من الحزن ترتد في جوفه، فسرق حقيبة ستيف ووضع الخوذة بداخلها، كي لا يضطر لرؤيتها. ربما يمكن بيعها في الخارج أو شيء من هذا القبيل.
ناداه سيد، وقد انتهى من جمع أي شيء مفيد من الجثتين ووقف هناك في درع ستيف الفضي اللامع، أو سيد الآن: "أنت منتهٍ هناك؟ ما هي الخطوة، فريتز؟"
تذمر فريتز وهو يدس الخنجر بأمان في حزامه: "لماذا تحصل على الدرع تحدداً؟"
هتف سيد بوقار ثم أشرق بابتسامة: "القانون الأقدم"، "الواجد مالك".
ثم أخرج لسانه له بطفولية.
لم يستطع فريتز إلا أن يضحك، فقد بدأ سيد حقاً يعجبّه في هذين اليومين الماضيين. ربما كانت كل المعارك التي خاضوها معاً لكن فريتز شعر بقربه من سيد أكثر من أي وقت مضى. بهذا المعدل قد نصبح أصدقاء حتى.
ردّ فريتز مخرجا لسانه بطفولية مماثلة: "حسناً، أظن أنه مبهرج للغاية بالنسبة لي على أي حال".
ردّ سيد بنخرة خفيفة: "مبهرج للغاية بالنسبة ’للفريتز‘؟ لا أظن أن شيئاً كזה موجود".
أوضح فريتز، مستعداً للرحلة القادمة ومختبراً ذراعه المضمدة: "على أي حال يجب أن أعود إلى بيرت".
"شكراً على العلاج بالمناسبة. لقد أنقذتني حقاً هناك".
"حسناً لقد ساعدت في إنقاذ الفتيات، وكنت مدينأ لك بواحدة أيضاً. دعنا نذهب ونرى كيف حال بيرت"، أشار سيد لفريتز ليقود الطريق، وهو ما افترض أنه يجب أن يفعله بمهاراته التي تضفي كفاءة كبيرة على السفر عبر الأرض الوعرة.
قال فريتز بمرح مزيف وكأن الأمر لم يكن قراراً ميئوساً منه اتخذه بغضب صالح للذات: "لقد قطعت وعداً، بالطبع سأساعد، فهن هنا بسببي في المقام الأول. كيف لي أن أخالف كلمتي؟"
بدأ هرولة حيث اعتقد أن بيرت يرقد، مختاراً الأعمدة التي تذكرها تحديداً ليقود طريق العودة.
قال سيد بجهامة: "بسهولة".
ركضا في صمت إلا من أنفاسهما المتقطعة، كانا متعبين لكن النهاية بدا أنها تلوح في الأفق فواصلا الدفع.
تأمل فريتز بينما ملأ الرعب جسده أكثر مع كل خطوة أقرب إلى بيرت: "فقط بحاجة لتحديد من يترك وراءه ويموت".
لم يلتقيا ببيرت أولاً بالطبع، كانت هناك صيحة فرح من نعومي عندما رأت فريتز وسيد يركضان نحوهما فوق الحجر غير المستوي. استدارت فيرونيكا ولين إلى حيث كانت المرأة تشير ثم لوحت لهما نعومي بحماس. أغاض فريتز تأخير عودته إلى بيرت لكنه ابتسم وتحمل الأمر، فلن يبطئه الشكر من حسناوات كثيرآ. كانت استدارة صغيرة لكن فريتز اتجه إليهما.
أطلقت نعومي بطفولية، وهي تبعد خصلة شعرها الخضراء عن وجهها وتبتسم على نطاق واسع لفريتز وسيد: "هل أمسكتم بهما".
أجاب فريتز، بينما تجمعت النساء وحولهم: "نعم، ومعي الخنجر أيضاً".
سألت فيرونيكا بتساؤل: "خنجر؟ أي خنجر؟"
أوضح فريتز مندهشاً من أنهما لم تكونا تعلمين: "اللعين، الذي طعن به ستيف بيرت، كان يوقف شفاءه".
أوه! حقاً؟ ظننت أنك ذاهب وراء ستيف للانتقام. عندما رأيتك وحدك افترضت... ظننت أن بيرت قد...
أنت تعلم..."
تراجعت فيرونيكا بخجل، وهي تعبث بسترتها القصيرة.
قال فريتز مشيراً إلى أقرب نقطة لما كان برت عندها: "مات؟ لا، هو هناك فحسب. حسنٌ أن أتأكد إن كان الخنجر سيتوقف عن العمل أو ما شابه، ثم أُنهضه لنلتقي عند الابواب".
قالها بلا أمل يذكر في أن يبقوا حقاً، ولا أنه يلومهم بطبيعة الحال. حسناً، ربما قليلاً.
رأى ابتساماتهن المكدودة ونظراتهن الخلسة، عدا لين بالطبع. نظرت إليه مباشرة وأومأت، ونظرة معرفة في عينيها العنابيتين. عرف فريتز من تلك ردود الفعل وحدها أنهن يخططن للمغادرة في أسرع وقت.
تنهد فريتز في باطنه، وعلم أنه لو كان مكانهما لضمن طريق النجاة وسلكه، فلا خيار آخر، ولا داعي للضغينة لرغبتهن في الحياة. لقد كنَّ هناك لأنه طلب منهن مواصلة التسلق. بناء على طلب سيد بالتأكيد، لكنه ظل صاحب القرار. وإذا كان هناك ما يتعلمه المرء في الأبراج فهو عواقب الاختيار.
تنهد فريتز بصوت مسموع هذه المرة، وقال: "لنكن صرحاء إذن. خذن الأبواب أيتها السيدات إن كانت مفتوحة، لا جدوى من انتظار أنا وبرت".
تأوهت نعومي، وأدارت فيرونيكا وجهها مخفية دموعها، وأومأت لين ثم ضربت كتف فريتز بلطف.
قالت لين بنبرة عميقة تحمل بعض الدفء: "نبيل للغاية منك يا فريتز. تعرف، مهما قال الناس عنك، فأنت حسن في نظري".
قطب فريتز حاجبيه عند الإطراء، متسائلاً عما يقوله الناس عنه، لكنه ظل صامتاً مما جعل لين تقهقه. التفت إلى سيد، الذي نظر بحرج بين السيدات وفريتز كأنه يحسم أمراً ما.
شرح سيد بصوت أجش كأنه يكبح دموعه: "فريتز، أعلم أن هذا ليس عادلاً، لكنه الواقع. سأذهب معهن، أنا، أه، لا يمكنني المجازفة يا فريتز، ليس بعد كل ما قطعناه".
شعر فريتز بأن هذا قادم لكنه ظل يراه كالخيانة. أكان بسوء ما حدث مع توبي وجين؟ ليس تماماً، إذ إنه لم يعرف سيد طويلاً ولا عميقاً بهذا المعنى. مع ذلك، كانا يقتربان أو هكذا أمل على الأقل.
قال فريتز بوهن: "أنا أمتثل".
ومحاولاً بث بعض الأمل في نبرته سأل: "إن لم أنجُ. في الخارج، لدي أخ وأخت. أيمكنك رعايتهما؟"
انفجرت نعومي باكية، وارتخت ابتسامة لين الودودة. بدا سيد وفرونيكا مصعوقين لكن حازمين، بقبضات مشدودة وتعبيرات أشد انضباطاً.
سأل سيد وهو يطيل النظرة إلى فريتز كأنه ينقش أسمائهما في ذاكرته: "أين نجدُهما؟ وما أسماؤهما؟"
قال فريتز كاشفاً عن أحد أسراره ونقاط ضعفه: "سيكونان في ملجأ نقابة المرشدين لرعاية صغار القتلى، واسماهما أماثيا وإليوت هايتايد".
لم يَعجبه الأمر، سوى أن هؤلاء الأشخاص كانوا الوحيدين الذين يثق بهم في هذا العالم إلى جانب برت، وربما، ربما فقط، يستطيعون مساعدة عائلته نيابة عنه. عزى نفسه بأن هذا أقل ما يمكن فعله من أجلهم.
هتف سيد فاهماً فاهه: "انتظر، أنت من النبلاء حقاً؟! هايتايد، حقاً؟"
شرح فريتز باضطراب، متململاً في مكان وقوفه بينما رمقاه بعدم تصديق: "كنت، وكانت عائلة صغيرة، ولت الآن، ماتت مع أمي".
أمل ألا يلون الضوء الملقى حديثاً على ماضيه نظرتهما إليه.
تابع فريتز محاولاً البقاء في صلب الموضوع: "هذا لم يعد مهماً، أود فقط أن يرعاهما أحد لئلا يقعا في مشكلة وينتهيا في الشوارع، مثلي. ربما لن يحدث، فهما طفلان صالحان، لكن لا يمكن للمرء أن يدري".
تساءل سيد بحيرة: "ولماذا بحق الجحيم كنت تعيش حياة البؤس في الأزقة عوض الاسترخاء في ملجأ بالطابق العلوي؟"
أردف فريتز متعثراً، دون تفكير عميق أو تزيين للقصة إذ لم يخبرها لأحد سوى برت ولم يتوقع إخبار سواه: "أنا، أه، مجدداً، ليس مهماً. لكني آذيت احداً. آذيتُهُ بشدة".
قابل تصريحه حواجب مرفوعة.
"كانوا قساة مع إخوتي والأيتام الآخرين كما ترى، وأه نعم، قادت الأمور بعضها إلى بعض".
رفعت فيرونيكا يداً قاطعة إياه: "كفى، لقد فهمنا".
تنهد سيد وهو يهز رأسه: "سأفعل ما بوسعي يا فريتز".
شحبت نعومي ونطقت وسط نحيبها مفاجئة فريتز بعناق شديد: "وأنا أيضاً".
أمر لم يعهده منذ فترة. دفأ قلبَه الثقيل نوعاً ما وأكد قراره بالبقاء. لا كأنه يستطيع ترك برت خلفه قط. أومأت فيرونيكا ومثلها لين التي بدت ناظرة إليه بخليط غريب من الاحترام والشفقة.
قال فريتز بحرج، متململاً مجدداً ومحتاجاً للابتعاد عنهن: "إن لم يكن هنالك شيء آخر، فالأفضل أن أذهب إلى برت".
أخلتشه نعومي من عناقها فلوح لهن مودعاً والتفت: "شكراً. سأرى... السيدات لاحقاً".
منحهن أكثر ابتساماته مرارة، علم أنه لن يراهن مجدداً، وعلم أنه سيقضي نحبه هنا غالباً برفقة برت. لكن إن كان هذا هو المحتوم فسيلتقي برت مجدداً بابتسامة.
جرى على الأرض الصخرية، متجاوزاً الأعمدة وقفز فوق الصدوع، باحثاً عن الموضع الذي تركا فيه برت. كم مر من الوقت؟ بدا الأمر كأن ساعةً مضت من قتال إلى آخر، لكنه لم يتجاوز نصف ذلك في الواقع. أسيصبح برت بخير؟ أم أني سأصل وأجد برت جثة هامدة؟ هل من مغزى أساساً؟ لن تتبقى أي أبواب. لمَ بقيتُ؟ كان حري بي المغادرة والفرار، كان عليّ التخلي عن الجميع والتسلق وحدي.
جالت خواطره مسرعة، يلوم نفسه والسبير وكلّ من سواه، لكن الأوان قد فات، فقد اتخذ قراره والاعتراض على ذلك جهد عُقْم. لعن الجور والسبير والملوك والنقابات. ركض حتى بلغ جانب برت، ها هو ذا، على حاله التي تركه عليها. حمل النسيم العليل رائحة دم طازج، كادت لُعاعته النحاسية تجعل فريتز يتقيأ مجددًا. أكان برت ما زال يتنفس؟
انحنى فريتز فوق جسد برت الساكن ناظرًا إلى بشرته الشاحبة أكثر مما ينبغي، ثم سمع صفير نفس، ضئيلًا لكن منتظمًا. تنفس الصعداء بارتياح، إذن لم يمُت، بل يستريح فحسب.
لم يكن مسعفًا لذلك ترك الضمائد على حالها، ظانًا أنه سيضر أكثر مما ينفع إن عبث بطعنات السكين البشعة. تحسس الخندان بيده وأحكم قبضته على مقبضه. استطاع إحساس سحره فحاول تفعيله، أن يريده، يأمره بكل ذرة في كيانه أن يفكّ جراح برت من قبضته القاسية.
شعر بوخز خفيف تحول إلى ألم حاد في عضلات يده. ثم لا شيء. لم يكن بحاجة لتفقد برت ليعلم أنه قد فشل. دمره إذًا. قرر فورًا، باحثًا عن شيء يحطم نصل العظمة المنحني. لمح درعه فبحث عن موضع يضع فيه الخندان ليمنعه من الانزلاق حين يضربه. لطم جبينه بيده حين تذكر بذهول مهارة الحفرة الحجرية لديه.
ألقى تعويذته، فتحرك الحجر أمامه وشعر بالقدرة تنزف من جسده، سأضعف عن قريب قبل أن أنهار، تذمر عقله المتعب. كأن على وشك وضع الخندان برفق في الفجوة حين ذكر نفسه بأنه مفترض أن يُدمر فألقاه فيها عشوائيًّا. أمسك فريتز بالدرع وجلس أمام الخندان في حفرته وهوى بحافته ضربًا على الخندان. لم ينكسر، بل في الواقع، كان سليما تمامًا مما استطاع رؤيته.
هوى فريتز بالدرع مرارًا وتكرارًا، مستخدمًا كل قوته ليهوي بالخشب المحاط بالحديد مرارًا وتكرارًا على النصل الملعون كأنه يستخدم نوعًا من المدق والهاون الوحشي. لدقائق أطلق أنينًا وحطم وأمطر النصل الرهيب بالضربات حتى تراجع للخلف يلهث بحثًا عن الهواء. بدا النصل بلا شائبة، ولم يظهر حتى خدش أو ثلم على سطحه العظمي الشاحب.
انحدرت دموع القهر على وجهه، وانتشج لعجزه عن إلحاق الأذى بالخندان اللعين. عجز عن كبح نفسه لفترة أطول فصرخ بغضب دافعًا بالدرع جانبًا ليصطدم بضجيج عديم الفائدة على الحجر. انبعجت حافته الحديدية وتشوّه الخشب بسبب ضرب فريتز المتهور.
صرخ برت بغتة: "لماذا تصرخ؟!"
وهو يعدل وضعيه على جنبه بأنين ألم.
"كنت أحلم أجمل حلم، وها أنت قد أفسدته."
أدار فريتز وجهه بعيدًا عن برت، بينما تحولت عيناه العسبيتان من الغضب إلى القلق.
سأل: "ما الأمر، فريتز؟"
اعتراف فريتز ناظرًا إلى النصل بحقد: "الخندان، لعنته، لن يبرح، لن يتوقف عن التفعيل."
شرع برت يقول: "حسنًا، ليست نهاية الطابق، ربما هناك-"
كأن الرعد عاود الضرب. غطى برت أذنيه وأحصى فريتز عدد الارتطامات الساحقة للأبواب المغلقة. نظر عبر السهول فرأى كل واحد من تلك الأنوار الخضراء الزرقاء تنطفئ كنجوم متلألئة مع إغلاق كل باب. واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة. ترددت الأصداء عبر الأعمدة وارتدت عن الجدران حتى حل الصمت فجأة.
هذا كل ما في الأمر، لا مهرب الآن. شع فريتز باليأس يكتسحه، يجذبه لأسفل، ليشعره وكأنه لا يستطيع الحراك من على الأرض. حتى النور بدا وكأن يختفي من بصره بينما ضم ركبتيه بقوة إلى صدره. سأموت هنا، وحيدًا تمامًا.
همس صوت برت: "فريتز، هل أنت بخير؟"
لست وحيدًا.
أجاب فريتز متمنيًا بيأس ألا يكون ما يقوله حقيقيًّا لكن قلبه مفعم بيقين الرعب بأن الأمر كذلك: "لا، الأبواب أُغلقت، والتسلق ينتهي هنا والأدهى من ذلك. يا برت، أنت تحتضر."
وبخ برت بسخط: "لم أمُت بعد. إذن ستة أبواب، أتعلم من تمكن من الخروج؟"
أقرّ فريتز وهو مدفون في ركبتيه والشعور المظلم أثقل من ذي قبل: "ليس تمامًا على الأرجح توبي وجين، ثم، حسب ما استطعت تبينه من انطلاقها جميعًا دفعة واحدة فلا بد أنهن النسوة: فيرونيكا، نعومي، لين وغالبًا سيد."
قال برت بادياً وكأنه استسلم لمصيره: "حسنًا إن لم يحق لي التسلق أظن أنهن الأشخاص الذين أختار الذهاب بدلًا منهم. ماذا عن غريغ؟"
تيبس فريتز عند السؤال، جاهلًا كيف يجيب في هذه اللحظة، وبعد صمت ما بدا أن برت قد استنتج الفكرة.
أثنى برت بضعف: "خسارة حقًّا، لم يكن الأسهل في التعامل، لكنه كان مخلصًا. وقد يكون أحيانًا مصدر ضحك رائع."
اكتفى فريتز بهز كتفيه من وضعيته المتقوقعة.
عجز عن حمل نفسه على قول أي شيء عن غريغ، الرجل الذي كانت آخر كلماته له هي "اغرب عن وجهي هلا تفعل".
ولن يتمكن قط من تصحيح الأمور، لقد كان غريغ محقًّا بشأنه في النهاية. أنانيٌّ. حتى الآن يتمرغ في شفقة الذات بينما كان برت بحاجة إليه.
صار واعيًا فجأة لسترته الجلدية الملطخة بالدماء والممزقة إربًا. خلعها باشمئزاز وألقاها بعيدًا عنه قدر ما استطاع.
تابع برت وقد استنفد طاقته: "لا أستطيع الإبصار جيدا يا فريتز، الظلمة تزحف عليّ. لا بد أنك محق بشأن احتضاري."
انتظر، أليس الأمر لي وحدي؟ رفع فريتز رأسه فجأة، ناظرًا لأعلى وحول-، كان الطقس يزداد ظلمة وبدا أن السبب يكمن في أن الهرم كان يخفت بانتظام منذ أن أُغلقت الأبواب.
قال فريتز بينما تلاشى ضوء الهرم بسرعة: "لا، لست وحدك يا بيرت يا صديقي، الهرم ينطفئ".
وتذمّر: "رائع. سنموت في الظلام".
قال بيرت مصمّماً على ألّا يدع حتّى الموت يكسر تفاؤله الجنونيّ: "على الأقلّ لا تمطر. سنموت جافّين، هذا شيء".
هزّ فريتز رأسه لكنّه ابتسم مع ذلك: "أنت محقّ، زد على ذلك كأنّهم تركوا لنا شيئاً من الكهرمان المتوهّج".
نهض وتوجّه بخطوات واسعة نحو حقيبتيْهما، حيث تسلّل وميق ذلك الضوء الدوّار بخفّة عبر القماش.
فتح حقيبته وأزاح جانباً طرد ورق الشمع الذي ضمّ عيون سمكة سيف الزئبق، واستخرج كهرمانه المتوهّج وبعضاً من لحم الوحش المدخّن المتبقيّ. ليكن الأكل، فلن يفيد التقنين شيئاً.
دار محتاراً نحو بيرت وألقى الحجر على صدره ليمنح صديقه بعض الضوء، ثمّ جلس ليأخذ مكانه بجانبه. شاهدا الظلام يزداد عتمةً، وانكسر الهدوء بصوت مضغهما لحم السمكة المرعب المعدنيّ.
أصبح الظلام تامّاً في النهاية وكانا كجزيرة برتقاليّة متألقّة في الفراغ، امتداداً صغيراً لشيء ما وسط مساحة بادية بلا نهاية من العدم.
اعترف بيرت ببهجة تقريبًا: "أتعلم، ظننتُ أن مَوْتي سيكون أكثر إثارةً، هذا مملّ".
لم يستطع فريتز إلّا أن يضحك على الملاحظة، لكنّه وافقه في قرارة نفسه. كان هناك شيء غير صحيح تماماً في هذا السيناريو.
أدار نظره عن ابتسامة صديقه المعدية ونظر إلى السواد. ورأى شيئاً غير أسود، وميضاً بنفسجيّاً خافتاً التقطته عيناه المتأقلمتان بسرعة. هبّ فريتز واقفاً، ممّا جعل بيرت ينتفض لحركته المفاجئة.
هتف فريتز على عجالة دون أن يجسر على الأمل بعد: "أرى شيئاً، لحظة واحدة يا بيرت، سأستطلع الأمر، ابقَ مكانك أرجوك".
كاد لا ينتظر ردّاً وهو ينقب في حقيبة بيرت بحثاً عن حجر آخر من الكهرمان ليضيء طريقه، فقبض عليه وشعر بدفئه الغريب.
تمتم بيرت مراقباً بقلق فريتز وهو يمضي بخطى واسعة نحو الظلام: "ليس كأنّ لديّ خياراً. لا تموت هناك".